الثلاثاء، 14 أبريل 2026

عروس المسيرة

تأليف : امل شانوحة 

بطلة المقاومة


في مدينة خيرسون الأوكرانية .. تعيش شابةٌ عشرينية مع والدها المشلول ، في منزلٍ أرضيّ لم تغادره رغم الحرب.


وفي صباحٍ بارد .. وقفت على الشرفة لنشر الغسيل ، حين لمحت طائرةً مسيّرة تحوم فوق منزلها ! فلم تشعر بالرعب بل رفعت إصبعيها بعلامة النصر ، كحركةٍ استفزازية للعدو 


في هذه اللحظة .. كان ضابطٌ روسيّ يمرّ بجانب غرفة المراقبة ، عندما لمح صورة الصبية المُلتقطة بطائرة درون 

فسأل الموظف (الذي يتحكّم بالطائرة الصغيرة) :

- من تكون ؟

الموظف : لا نعلم سيدي .. لكنها من السكّان القلائل الذين رفضوا ترك بلدتهم ، بعد احتلالنا لها .. لذلك اقوم بمعاينة منزلها ، قبل قصفه قريباً

الضابط بحزم : لا !! أجّل الموضوع بضعة ايام ، لكيّ اراقبها عن كثب


فظن الموظف الروسي أن ضابطه يشكّ بانضمامها للمقاومة الشعبية ، دون علمه بانغرامه بشكلها البريء وحركاتها العفوية.. حيث أصرّ الضابط بالأيام التالية على التحكّم بالمسيّرة بنفسه ، لمراقبة منزلها من جميع الزوايا: 

ليحصل على فيديو مصوّر اثناء جليها الصحون وهي تدنّدن الأناشيد الثورية ، واضعةً السمّاعات في اذنيها ، لحمايتهما من طنين المسيّرة المزعج .. كما رآها تعتني بوالدها العاجز ، مما زاد احترامه لها !

***


وبسبب تحليق طائرة درون طوال الوقت حول منزلها ، اعتادت الصبية شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تتحدث مع المسيّرة :

- كيف حالك اليوم ؟ هل قرّرت قصفنا ، ام مازلت متردّدة ؟

فانتبهت بأن مراوح الطائرة تتحرّك بشكلٍ تبدو كإجابات : نعم ولا !


ومن وقتها صارت تحاور الطائرة التي تجيبها بالنفي او الإيجاب ، كنوع من التواصل بين الضابط الروسي والصبية الأوكرانية التي اصبح مهووساً فيها !

***


وفي إحدى الليالي .. دخل موظف الحاسوب الى غرفة المراقبة ، ليجد الضابط مازال يراقب الصبية اثناء نومها (وهي تضع القطن بإذنيها من صوت الطائرة المزعج)

الموظف باستغراب : أمازلت تراقبها ؟!

لكن الضابط لم يجبه ، بل ظلّ يتابع الشاشة باهتمامٍ وتركيز ..

الموظف بقلق : أخاف ان اسألك ، ان كنت معجباً بتلك الأوكرانية؟! 

فوقف الضابط ، وهو يقول بجدّية : 

- إسمعني جيداً .. ارسل أمراً لفرقتنا البرّية بإحضارها اليّ ، دون ان يلمسها احد .. مفهوم !!

***


استيقظت الصبية في صباح اليوم التالي وهي مستلقية على سريرٍ حديدي ، يبدو مُخصّصاً لمعسكرٍ ما !

فنهضت مرتعبة ، بعد رؤيتها لزيّ الضابط الروسي وهو يدخل الغرفة ، قافلاً الباب خلفه !

- وأخيراً التقينا ، يا اميرتي العنيدة

فسألته بصدمة : لما خطفتموني ؟! انا لا علاقة لي بالحرب ، كما لديّ مسؤوليّات اتجاه والدي العاجز..

الضابط مقاطعاً بلؤم : والدك صار في مكانٍ افضل .. هذا ان كنت تؤمنين بالجنة ؟

الصبية بصدمة : ماذا ! هل قتلتموه يا ملاعيين ؟!!

- لن اسمح له بإهدار جمالك ، وانت تعتنين به.. (ثم جلس على الكرسي) .. كفاكِ بكاءً !! فهو كان جنرال اوكراني قبل اصابته بالشلل من رصاصة قناصنا المحترف

- كيف عرفت ؟! 

- اعرف كل شيءٍ عنك .. والآن دعيني انظر لعينيك الجميلتين ، فقد اشتقت لحديثنا سوياً 

- اشتقت ! هل كنت انت من تحاورني عبر المسيّرة ؟!

الضابط : نعم ، لأني معجبٌ بك

- هل جننت ؟! مستحيل ان أُغرم بعدوي .. فأنا وطنيّة ، ولن اخون بلدي ابداً !!

- عن ايّ بلدٍ تتكلّمين ؟ فمناطق أوكرانيا تسقط في ايدينا الواحدة تلوّ الأخرى .. وهذا جزاءٌ عادل لمن يتحدّى الإتحاد السويفيتي 


الصبية بعصبية : الإتحاد السوفيتي انتهى في عام 1991 !! وان كنت لا تتذكّر تاريخ دولتيّنا ، فدعني اعطيك ملخصاً بحروبنا القديمة معاً : فمدينة كييف التي تحاولون جاهداً السيطرة عليها ، هي اصل هويتنا الوطنية .. ومع ذلك اجبرتمونا على الخضوع للأمبراطورية الروسية ، متجاهلين لغتنا وثقافتنا .. وبسببكم حصلت مجاعة الهولودومور .. فأقمنا احتجاجات يورومايدان التي مكّنتنا من تغيير السلطة اخيراً .. والتي اعتبرتموها اهانة ، فقهرتم شعبنا بضمّكم شبه جزيرة قرم اليكم .. التي ادّت لاندلاع صراعاتٍ مسلحة في دونباس الأوكرانية.. وبسببها حصلت القطيعة بين الدولتيّن.. 

الضابط مقاطعاً بسخرية : دعيني أُكمل عنك درس التاريخ .. فلشدّة غبائكم بإدارة دولتكم ، اعلنت روسيا الحرب عليكم في فبراير 2022 ، لمنعكم من الإنضمام لحلف الناتو.. وكنا سنربح عليكم بعد تدميرنا البنى التحتية من كهرباءٍ وطاقة ، لولا تدخل اميركا واوروبا لدعمكم بالأسلحة ، وفرضهم العقوبات علينا .. ورغم اننا اصبحنا بشهر نوفمبر الآن ، الا اننا مازلنا متقدمين عليكم .. هآ يا معلمتي ..هل نجحت بالإمتحان ، ام نكمل حوارنا المملّ طوال اليوم ؟

فتمّتمت بحزن : حوارنا العقيم أشبه بمحاكمة بين ذاكرة شعبٍ ووهم جلاّد! 


لكنه لم يهتم لتعليقها ، ونهض عن كرسيه وهو يقول : 

- إتخذت قراراً نهائيّاً بشأنك !! ففور حصولي على اجازتي ، سأصطحبك الى مدينتي للزواج بك 

الصبية برعب : ماذا !

- لا اريد ايّ اعتراض !! والآن سأطلب من الجندي احضار الطعام لك ، ريثما أُنهي عملي بالإدارة .. ارتاحي قليلاً  


وذهب مرتاح البال الى مكتبه ، دون علمه بالنار التي تشتعل بقلب الصبية التي فكّرت طوال اليوم بطريقة للنيل من الأعداء

***


في الليلة التالية ، اجتمع معها على العشاء .. وحين حاول مسك يدها ، ابعدتها عنه باشمئزاز .. لتنتبه الى نظرته الغاضبة ، فسارعت بالقول:

- لم اقصد مضايقتك .. لكني وعدت والدي قبل موته ، ان لا يلمسني احد سوى زوجي.. فأنا فتاةٌ ريفية ، من عائلةٍ مسيحيةٍ متشدّدة 

- وهذا سيحصل قريباً ، بعد انتقالنا لبلدتي 

- اذاً رجاءً .. الى ذلك الحين ، لنبقى صديقيّن فحسب

- كما تشائين عزيزتي .. اساساً طلبت اجازتي باكراً ، وسنسافر معاً بعد يوم غد.. فتجهّزي يا عروس ..(ثم اقترب من وجهها ، بابتسامةٍ مستفزّة) .. ونصيحةٌ مني : لا تحاولي الهرب من المعسكر ثانيةً ، والا سيرنّ جهازك مجدداً  

 

وبعد خروجه من الغرفة .. قالت الصبية في نفسها بضيق ، وهي تنظر للجهاز المُعلّق حول قدمها : 

- لم يعد هناك وقت ! عليّ الإسراع بنقل المعلومات التي اكتشفتها (من تنصتها على الجنود) الى بلادي 


وهنا انتبهت بأن الضابط الروسي نسيّ حقيبة ظهره بزاوية الغرفة ! فسارعت بفتحها ، لتجد حاسوبه 

- هو سينشغل بعمله الإداريّ طوال الليل .. عليّ فك شيفرة حاسوبه سريعاً ، لإرسال ملفاته السرّية الى قيادة جيشنا البرّي 

***


بعد ساعات من العمل الدئوب على حاسوبه .. استطاعت الحصول على خريطة تمركز جنود الروس حول مدينتها خيرسون.. وارسلتها لقائد الجيش الأوكراني (صديق والدها) الذي اعتذر عن تحرير أسرها ، كونها في معسكرٍ شديد الحراسة 


وكما توقعت ! عرف الضابط الروسي بما حصل متأخراً ، بعد استعادة اوكرانيا لمدينة خيرسون بنوفمبر 2022 ! 


فدخل غاضباً الى الغرفة :

- سوف اقتلك ، ايتها الخائنة !! 

الصبية بشجاعة : لا يهم .. سأموت فداءً للوطن

- لا اصدق ان فتاةً ساذجة مثلك ، استطاعت اختراق حاسوبي !

الصبية بمكر : مالا تعرفه عني .. ان والدي علّمني كل شيء ، لأكون هاكر محترفة مثله 

الضابط بصدمة : اذاً انت مع المقاومة ؟! 

- جميع اهالي اوكرانيا الشرفاء ، مقاومين للروس المتغطرسين .. يا غبي !!

^^^ 


فسحبها من ذراعها بعنف الى خارج الغرفة ، وأوقفها امام سور المعسكر .. ثم رفع مسدسه في وجهها ، محاولاً اعدامها .. لكنه لم يستطع ، بعد إغرامه بها 


ليفاجأ بالنقيب الروسي ، يسحب المسدس من يده وهو يأمره بإدارة وجهه .. قبل ان يسقط الضابط على ركبيته ، بعد سماعه دويّ الرصاصة التي اخترقت رأس حبيبته 

جعلته يصرخ بعلوّ صوته :

- لما لا يمكننا الوثوق بالقرويين الملاعيين !!!.. لما يا ربي ؟!!

وانهار باكياً ، وسط صدمة الجنود في المعسكر الروسي البارد ! 


هناك 4 تعليقات:

  1. جميله يا كاتبتي العظيمه ولكن لو كانت اطول ولو لم تمت الصبيه والضابط الروسي من شده غرامه بها يتخلي عن وظيفته ويصبح مدني مخالف لدولته ويميل لطرف اوكرانيا ويذهب معها الى اوكرانيا ويتزوجا هناك ويخلقوا صبيان وبنات هههههه
    واولادهم يكبروا في اوكرانيا ويعانون من اصلهم الروسي ويحبون اوكرانيات ويتزوجون من الاوكرانيات

    ردحذف
    الردود
    1. ليت هذه الأحداث تحصل فعلاً بالعالم الواقعي .. لكن معروف عن الروس عنادهم الشديد ، وتحيّزهم لبلادهم ، واستحقارهم للدول المحيطة ..
      لهذا اردّت ان تكون قصتي مقنعة للقارئ.. دمت بخير

      حذف

البرنامج الإجباري

تأليف : امل شانوحة  طلّاب العزلة بعد انتهاء جائحة كورونا ، لم تعد الحياة إلى طبيعتها في السكن الجامعيّ.. فالطلّاب رفضوا الخروج من غرفهم ، او...