الاثنين، 6 أبريل 2026

مآسي نسائية

تأليف : امل شانوحة 

أقدارٌ جبريّة


في قاعةٍ صغيرة.. جلست نساءٌ في دائرةٍ ضيّقة ، تتوسّطهن طاولة عليها كؤوس شايٍ باردة.. حيث امتلأ المكان بضحكاتهن ومزاحهن اللطيف ، قبل أن تطرح رئيسة الجمعية سؤالاً مؤلماً :  

- برأيكن ، ماهي أقسى التجارب التي تعيشها المرأة ؟ 


ساد الصمت لثواني ، قبل ان تبدأ كبيرتهن بالكلام ..


الزوجة الأولى :

- بعضكن تعرف قصتي ، بعد أن أمضيت 30 عاماً مع رجلٍ يعشق النساء.. ومع ذلك صبرت على نزواته ، دون تقصيري يوماً في واجباته .. لكنه أصرّ على جرح كبريائي ، بزواجه من الثانية .. ثم الثالثة .. وختمها بالرابعة بعمر بناته ! لأتفاجأ قبل ايام وهو يخبرني ببرود : أنه لم يعد بحاجة لزيارتي بعد تزويج ابنائنا ! وكأن عمري الذي أفنيته معه ، لم يعني له شيئا 


فتحدثت المطلقة : 

- على الأقل بقيتي متزوجة .. اما انا ، فعدتُ إلى بيت أهلي غريبة.. يراقبون تحرّكاتي ، كأني فضيحةٌ مُتنقلة .. أعمل لأعيل نفسي ، خجلاً من طلب حاجيّاتي منهم .. وأنام في القبو ، هرباً من تدخلاتهم .. حتى صديقاتي يتجنبنني ، خوفاً من خطفي أزواجهن.. اما اهل زوجي ، فيتجاهلونني كأني لم اكن يوماً فرداً من عائلتهم ! الطلاق لا يمحو الزواج فقط ، بل يمحو سنواتٍ من حياتك 


فتنهّدت الأرملة ، قبل قولها بيأس :

- قصتي أكثر بؤساً .. فقد أُجبرت على الزواج من رجلٍ بعمر والدي .. فمات سريعاً ، لأُتهم بأني نذير شؤم ! بقيت وحدي أربي ابني .. على امل أن يُصبح في المستقبل ، سندي وعوضي عن حياتي الضائعة 


وهنا تحدّثت افغانية بلغةٍ عربيّة شبه مفهومة : 

- قريتي منعت دخول النساء الى السوق ! فأُجبرت على العيش كصبيّ بعد ان قصّت أمي شعري ، لتسوّق لها ولإخوتي الصغار .. سنواتٌ ضاعت من عمري ، وانا متخفيّة بشخصيّةٍ لا تناسبني .. الى أن أحببت رجلاً ، ظنّ بأنني شابٌ منحرف.. وحين كشفت عن سرّي ، تزوّجني .. وهربنا معاً ، قبل إعدامي لمخالفة القوانين.. وفي بلادكن ، استعدّت انوثتي اخيراً .. لكني مازلت قلقة على من تركتهن خلفي 


فقالت صبية : 

- تجربتك صعبة ، لكنها ليست اصعب مني .. فأنا ضحيّة زواج الفصل.. بعد ان قتل اخي رجلاً ، فدفعت أنا ثمن الصلح.. أسكن بيتاً يكرهني ، يذكّرونني دائماً بأنني من عائلة الجاني .. حتى أطفالي يحملون هذا العار .. وكأن قدري هو البقاء سجينة في بيئةٍ عدوانية ، دون ارتكابي أيّ ذنب !


فأردفت أخرى بقهر :

- معاناتك تشبه ما حصل معي .. بعد غرق والدي بالديون ، فباعني لزوجٍ مُقعد.. وهاهو عمري يمضي برعاية عاجزٍ دون حبٍ او أمومة ، وبلا مستقبلٍ لحياتي المزرية ! 


فقالت سيدة أخرى : 

- اما انا ، فأُجبرت على الزواج من ابن عمي.. وبسبب القرابة ، أنجبت ثلاثة أطفالٍ معاقين.. حياتي عبارة عن مقاومةٍ يومية .. ولولا خوفي عليهم ، لانتحرت منذ زمن


فقالت امرأةٌ فلسطينية بحزن : 

- وماذا اقول انا ؟ فمع بداية شهر عسلي ، أُعتقل عريسي بعد مشاركته في انتفاضة ضدّ العدو .. كان ذلك منذ خمس سنوات .. وهاهو جمالي يذبل بانتظار فرجٍ ، ربما لن يأتي ابدا ! 


وهنا قالت رئيسة الجمعية بعد سماع قصصهن : 

- جميع تجاربكن صعبة ، دون ان ننسى من يعانين بصمت مع ازواجٍ بخلاء او مدمنين ومقامرين ، أو عديمي المسؤولية.. كأننا نحن المُكلّفات بشفاء أمراضهم الإجتماعية والنفسية ! 


فتدخلت صبية:  

- ولا تنسيّن الفتيات اللواتي يُقتلن بذريعة العار ، بعد تصديقهن وعود الشباب الكاذبة 

فردّت العجوز:  

- على الأمهات تحذير بناتهن : بأن العريس الحقيقي هو من يطرق باب الأهل ، لا من يوقعهن في شباكه 


فقالت الصبية بمرارة:  

- لا يجب لوم الفتيات وحدهن على ذنب الإنحراف ، فالرجال يتعمّدن إختيار الجميلات ذات العقول البسيطة .. وكأن جمال المرأة لعنة عبر العصور : سواءً سبايا وجواري وقرابين آلهة ، وصولاً لضحايا العار ! 

فأومأت النساء موافقات ، إلا واحدة بقيت صامتة.  .

فسألتها الرئيسة:  

"وأنتِ ؟ لم تشاركينا قصتك بعد ؟


فردّت السيدة الخمسينية:  

- انا لم أتزوج قط.. عشتُ عانساً ، أشاهد حياة الآخرين من خلف زجاجٍ عازل.. ظننت أنني أتعسكن ، بعد حرماني من اللحظات السعيدة لزواج والأمومة .. لكن بعد سماع تجاربكن الصعبة ، أدركت أن الله رحمَني بالوحدة!


فقالت رئيسة الجمعية بهدوء:  

- ربما ليست المشكلة في الرجال ، بل في حياةٍ لا تمنح المرأة خياراً 


فابتسمت النساء ، وهن يُخفين ألماً خانقاً.. لكنهن في النهاية ، راضيات بقضاء الله وقدره

*** 

وانت ايها القارئ ، من برأيك صاحبة التجربة الأصعب بينهن ؟! 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مآسي نسائية

تأليف : امل شانوحة  أقدارٌ جبريّة في قاعةٍ صغيرة.. جلست نساءٌ في دائرةٍ ضيّقة ، تتوسّطهن طاولة عليها كؤوس شايٍ باردة.. حيث امتلأ المكان بضحك...