كتابة : امل شانوحة
الحقيقة المؤجلة
تزوجت شابةٌ ثلاثينية من ارملٍ خمسينيّ ، لديه ثلاثة ابناء : مراهقان وصبيّ بالعاشرة.. ومع الوقت لاحظت اموراً لم تعجبها في تربية امهم الراحلة..
فالإبنة الكبرى : لم تكمل جامعتها ، بل فضّلت تصفّح جوالها بغرفتها معظم الوقت.. رافضةً عريساً تلوّ الآخر ، لعدم رغبتها بتحمّل المسؤولية !
ام الإبن الأوسط : فيعيد الثانوية بعد رسوبه فيها مرتيّن ، دون اكتراثه للشهادة العلميّة ! رغم تهديد الإدارة بطرده ان لم ينجح هذه السنة..
اما الإبن الأصغر : فمدلّل حدّ الإسراف ، بعد اعتياده على الشراء من البقالة بكمياتٍ تكفيه هو ورفاقه ، غير آبهٍ بمصروفه الذي يزداد كل يوم !
فحاولت زوجة ابيهم نصحهم للحدّ من استهتارهم بحياتهم وبأموال والدهم ، لكنهم لا يكترثون لها..
وجوابهم المعتاد :
- انت لست والدتنا ، لتنصحينا .. ثم والدنا مدير مصنع ، وبإمكاننا الصرف كما يحلو لنا !
***
وذات يوم .. اراد الإبن الأكبر صورة عن هويّة والده ، لإكمال ملفّه الدراسيّ.. فأخبرته زوجة ابيه : بأنها لا تملكها ، وعليه الذهاب للمصنع للحصول على هويّة والده وتصويرها
فأخذ سيارة العائلة ، متوجهاً الى هناك.. وهي المرة الأولى التي يذهب فيها لمصنع والده ، المُخصّص لإطارات السيارات والشاحنات
^^^
وما إن تخطى بوّابة المصنع حتى استقبله أحد العمّال الذي قاده للداخل ، حيث الضوضاء تصمّ الآذان ، ورائحة المطّاط تملأ المكان..
وهناك في زاوية الورشة .. رأى رجلاً يطرق بمطرقةٍ ثقيلة على إطار شاحنةٍ ضخمة… ظهره محنيّ ، وملابسه مُبلّلة بالعرق..
احتاج لحظة ليدرك ، ان ذاك الرجل هو والده !
فرفع جواله بيدٍ مُرتجفة ، لتصوير عمله الشاق .. قبل ان يهمس العامل للأب ، عن زيارة ابنه المفاجئة ! ليسارع بمسح عرقه ، كأنه يحاول اخفاء تعبه .. ثم توجه نحو ابنه البكر ، وهو يسأله بقلق :
- هل هناك خطبٌ ما بالمنزل ؟ هل زوجتي وإخوتك بخير ؟!
فاكتفى ابنه المرتبك ، بطلب هويّته التي اعطاها اياه..
^^^
عاد المراهق إلى البيت .. جامعاً إخوته وزوجة أبيه ، لعرض المشهد المصوّر عليهم
اخته بصدمة : اخبرتني امي انه صاحب المصنع ، لا عامل فيها !
اخوها الأصغر وهو يشعر بالذنب :
- لم يعاتبني يوماً على شراء الحلويات لأصدقائي ، رغم تعبه بالحصول على اجرته ! لذا اعدكم ، ان لا أطلب منه أكثر من حاجتي
اخوهما المراهق بحزن : وانا كنت مُهملاً بدراستي ، ظناً بأن مستقبلي مضمون.. لكني سأهتم بدراستي ، الى حين تخرّجي من الجامعة .. ثم إيجاد عملٍ اساعد فيه والدي على مصروفنا الشهريّ
زوجة الأب : وانا بدوري سأخفّف فواتير المنزل ، مراعاةً لصحة والدكم
المراهقة بجدّية : اما انا !! فسأقبل بالعريس الأخير ، لتخفيف مسؤولية والدي اتجاهي
زوجة الأب : احسنتم جميعاً !! دعونا الآن ندخل للمطبخ ، لإعداد افضل وجبة غداء لوالدكم الحنون
الولد الصغير : كنت سابقاً سأقترح طلبيّة من المطعم .. لكن من اليوم ، لن اعترض على ايّ طعامٍ تطبخيه لنا .. يا امي
فتفاجأ الأخوان من مناداته زوجة ابيهما ، بأمه ! لكنهما يدركان ان والدهما سيسعد إن عاملا زوجته جيداً ..
***
ظهراً ، عاد الأب مرهقاً الى منزله .. ليتفاجأ بوجوهٍ تنتظره ، لا أبواب غرفٍ مُغلقة كعادتهم بعد وفاة امهم ! حيث اجتمعوا معاً على السفرة التي أعدّوها مع زوجة ابيهم التي عاملوها بكل احترامٍ امامه ، على غير عادتهم!
وبنهاية الغداء .. اخبرته ابنته بموافقتها على العريس الأخير .. مما افرح والدها ، كونه ابن صديقه..
كما وعده ابنه المراهق بتخرّجه هذا العام ، دون انشغاله بنزهاته السخيفة مع اصحابه الكسالى ..
اما الصغير : فالتزم امام والده ، بعدم طلبه اكثر من مصروفٍ بسيط لمدرسته
***
وبعد ذهاب كلاً منهم الى غرفته ..
استلقى الأب على سريره .. وقبل اخذ قيلولته المعتادة ، استدار ناحية زوجته لشكرها على اليوم الجميل :
- لا اصدق ان خطتك نجحت بهذه الطريقة المُبهرة !
زوجته : حين طلب ابنك هويتك ، سارعت الإتصال بك .. وطلب نزولك للورشة مع العمّال ، لكيّ يعرف ابنك مقدار جهدك.. ومن الجيد انه صوّر تعبك ، وأراها لأخويه.. وبذلك انصلح الثلاثة في يومٍ واحد !
الأب مستفسراً : وكيف أقنعتهم بأنني لست صاحب المصنع ؟!
- حين سألوني عن ذلك ؟ اخبرتهم انك بعت حصتك لشريكك ، لدفع المصاريف الغالية لعلاج امهم المرحومة من السرطان.. ولكيّ لا تعلن افلاسك ، وافق شريكك على عملك داخل المصنع ، لتوفير مصروف اولادك
- يالها من فكرةٍ رائعة !
الزوجة : المهم ان لا تُخبر اولادك عن كذبتي البيضاء
- بالطبع لا !! فمن مصلحتي زواج ابنتي المدلّلة ، ونجاح ابني المهمل ، وتوقف صغيري عن هدر مصروفه على اصدقائه.. بالفعل كانت خطةً ذكية منك !
ثم نام قرير العين ، كأن حمل السنين خفّ عنه أخيراً ، بفضل ذكاء زوجته الجديدة !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق