الاثنين، 20 ديسمبر 2021

جِراحةٌ طارئة

تأليف : امل شانوحة 

مريض المصعد


دخل الممرّض الى غرفة الأطبّاء المتدرّبين .. وطلب من الدكتور جاك القدوم معه ، دون إخباره السبب !

وحين خرج جاك الى ممرّ المستشفى ، وجد مريضاً مُخدّراً فوق سريرٍ جراحيّ .. فسأله :

- مالذي يحصل ؟!

الممرّض : عليّ نقله الى قسم الجراحة لبتر قدمه ، بعد إصابته بحادثٍ مروريّ 

جاك : اذاً انقله على عجل ، مالذي يوقفك ؟

- البروفيسور طلب قدومك لمشاهدة الجراحة 

- لكنه منع المتخرّجين الجدّد من حضور العمليات الجراحية ، قبل إنهاء تدريباتنا في قسم الطوارئ !  

الممرّض : لا وقت للمجادلة ، تعال معي قبل استيقاظه من المخدّر  

فدفع جاك السرير معه لداخل المصعد ، الذي ما أن صعد طابقين حتى تعطّل ! 

***


ضغط الطبيب على زرّ الطوارئ في المصعد ، ليُخبره الكهربائي إن مصعدهم بحاجة لتصليح ! 

الطبيب : لما لم تلصق ورقة تحذّرنا من استخدامه ؟

الكهربائي : لا تقلق ، سأصلح العطل في الحال .. كم شخص عالق في المصعد ؟


فأخبره الممرّض عن الحالة الحرجة التي معهم .. 

وطلب منه جاك أن يخبر البروفيسور (الذي ينتظرهم في غرفة الجراحة) بتأخّرهم عن الموعد المحدّد للعملية ..

فذهب الكهربائي لإخبار الإدارة بالعطل ..  

***


في هذه الأثناء .. قال الممرّض للطبيب :

- قبل إستيقاظ المريض ، هل يمكنك الكشف على قدمه لمعرفة إن كان  ممكناً إنقاذها ام لا ؟ 

الطبيب : طالما البروفيسور قرّر بترها ، فهذا يعني إن حالتها ميؤوساً منها

- إفحص قدمه لربما وجدّت الحلّ ، فأنت أذكى الأطبّاء الجدّد 

- من قال ذلك ؟!

الممرّض : الجميع يتحدّث عن براعتك وذكائك ، وبرأيّ أنت الوحيد الذي يمكنك إنقاذ قدمه 

- حسناً ، سألقي نظرة عليها


وفكّ الشاشّ عن قدم المريض ، ليجد إنها مُعلّقة بساقه من خلال الشراين فقط ! بعد انكسار عظامه وتقطّع جلده وعضلاته .. فقال للممرّض :

- الشريان الأساسي سليم ، بخلاف الشريانين الصغيرين 

- اذاً لا مشكلة بإنقاذ قدمه 

الطبيب : ستحتاج عمليته لوقتٍ طويل  

- يمكنك فعل ذلك

- مستحيل إجراء عملية دقيقة في المصعد ، دون ادوات الجراحة 


فأخرج الممرّض من اسفل سرير المريض ، حقيبة فيها جميع احتياجات الجراحة ! بالإضافة لجهاز تخدير وشاشّ ، والحديد المُستخدم في تثبيت العظام المنكسرة .. ووضعهم بجانب الطبيب وهو يقول :

- هل يمكنك إنقاذه الآن ؟

الطبيب بدهشة : من وضع المستلزمات الطبّية في الحقيبة ؟!

- طلبها البروفيسور من جرّاح العظام الذي جهّزها بنفسه ، لكيّ أنقلها مع المريض لغرفة الجراحة 


فتفحّص جاك الأدوات ، ليجد كل ما يحتاجه للعملية .. فقال بتردّد :

- عليّ استئذان البروفيسور ، لأن فيها مسؤولية قانونية ..فأنا مازلت طالباً 

الممرّض : هو سيمنعك من إجراء العمليات الجراحيّة لسنوات ، وهذه فرصتك لإثبات براعتك .. ثم البروفيسور لا يهمّه سوى الإسراع بالعملية الجراحية ، دون اكتراثه بتحويل شاب الى معاق لبقيّة حياته

- ولما انت مهتمّ لهذه الدرجة بمصير الشاب ؟!

- التقيت بعائلته بقسم الطوارىء ، وأخبروني انه رياضيّ ينوي الإحتراف في الأولمبياد ..وترجّوني أن لا يضيع مستقبله ببتر قدمه 


الطبيب بارتباك : لا مازالت مُجبراً على استشارة البروفيسور ، فهو صاحب المستشفى

- وهل تظنه سيهتم بمصير شابٍ فقير ؟ رجاءً قمّ بالعملية .. وإن لم تنجح ، سيبترون قدمه في جميع الأحوال ، على الأقل تكون أديت واجبك اتجاه المريض .. اما في حال نجحت العملية ، فستوضع علامة جيدة في سجلّك الطبّي .. هيا دكتور جاك قمّ بالعملية ، وسأكون مساعدك 


ففكّر الطبيب قليلاً ، وهو يتمعّن في وجه الشاب اليافع .. ويستجمع قواه ، قائلاً للممرّض :

- حسناً ، إعطني المطهّر والقفازات الطبّية .. وانت اهتمّ بتخديره ، حتى لا يستيقظ في منتصف العملية

الممرّض بحماس : أحسنت يا بطل !! 


وبدأ الطبيب بالجراحة على الفور ، محاولاً ربط الشريانين الصغيرين المقطوعين ببعضهما ، بعد وضعه النظّارة المكبّرة التي وجدها في الحقيبة الصغيرة ! 

وقد احتاج لساعةٍ كاملة لإنهاء مهمّته الصعبة ..


وقبل تثبيته الحديدة لربط العظام المنكسرة ، سمع صوت البروفيسور من جهاز المصعد :

- دكتور جاك !! ماذا تفعل ؟

الطبيب بارتباك : بروفيسور ! كنت أقوم ب..

البروفيسور مُقاطعاً بعصبية : من أعطاك الإذن للقيام بعمليّةٍ خطيرة في المصعد؟!!  

الطبيب باستغراب : وكيف عرفت انني ..

البروفيسور مُقاطعاً بغضب : انا اراك من كاميرا المصعد ، وبجانبي الفريق الطبّي .. ستُعاقب يا جاك لتجاوزك القوانين !!

الطبيب بقلق : لكني نجحت في ربط شراينه الدقيقة ، ولم يعد امامي سوى تثبيت العظام وتقطيب عضلاته الممزّقة .. هذا يعني انني أنقذت قدمه من البتر


البروفيسور بإصرار : القدم مُدمّرة تماماً ، ولا مجال لإنقاذها

جاك بجرأة : أظنك مُخطئ 

البروفيسور بدهشة : ماذا قلت ؟!

الطبيب : انت تستعجّل دوماً في قرار البتر ، بينما اراعي انا الحالة الإجتماعية للمريض .. فبعد قراءتي ملف المريض : عرفت انه الإبن الوحيد الذي يعيل والديه من خلال مبارياته الرياضيّة .. لهذا قرّرت إنقاذ قدمه مهما كلّفني الأمر

البروفيسور مُهدّداً : ستُطرد من عملك !! وبتقريرٍ واحد مني ، أمنعك من مزاولة الطبّ طوال حياتك 

جاك بعناد : لا يهم !! سأنقذ قدم الشاب بجميع الأحوال


وهنا سمع الطبيب والممرّض صراخ البروفيسور على الكهربائي :

- كم الوقت الذي تحتاجه لإصلاح المصعد اللعين ؟!! 

الكهربائي : انا وفريقي نعمل على ذلك ، ونحتاج لساعتين على الأقل لإصلاح العطل 

البروفيسور غاضباً : ساعتين ! يكون المريض توفّى وانتهى امره

جاك بحزم : لن يموت المريض !!

البروفيسور : وماذا ستفعل إن استيقظ وسط العملية ؟ 

فأجابه الممرّض : لا تقلق دكتور ، معنا مخدّر يكفي لأربع ساعات

البروفيسور بعصبية : ومن سمح لك بإخراج جهاز التخدير من غرفة الجراحة ؟! 


فسكت الممرّض بارتباك ! 

فهمس جاك له : الم تقل إن البروفيسور طلب من جرّاح العظام تحضير الحقيبة ؟ 

فأغلق الممرّض جهاز الصوت من المصعد..

جاك باستغراب : ماذا تفعل ؟!

الممرّض : انت تحتاج لتركيز في العملية ، والبروفيسور لا يهمّه سوى سمعة المستشفى .. دعك منه واكمل عملك

جاك : يبدو كلانا سنُطرد ، فور خروجنا من هنا

- لا يهم ، طالما سننقذ حياة الشاب 

- جيد انني علقت مع شخص يفكّر بإنسانيّة مثلي  

الممرّض : لا تهتم لتهديداته ، واكمل عملك يا بطل !!


ولم يكن امام البروفيسور إلاّ متابعة العملية من الشاشة .. 

لينتشر الخبر بين موظفيّ المستشفى ، ويُسارع زملاء جاك (المتخرّجين الجددّ) للإجتماع بغرفة المراقبة بجانب البروفيسور لمشاهدة صديقهم وهو يقوم بعمليةٍ خطيرة لوحده ! والتي دامت ساعتين إضافيتين ، بعد قيامه بتثبيت قدم المريض بالحديدة الطبّية ، وتقطيب العضلات وطبقات الجلد الممزّقة .. ومن بعدها لفّ القدم بالشاشّ عقب تطهيرها ..


ليتنهّد جاك بتعب ، وهو يقول بارتياح : أخيراً انتهيت !!

الممرّض باهتمام : هل نجحت العملية ؟ 

- أنظر بنفسك


وأزال جاك بطاقته من روبه الأبيض .. وغرز دبّوسها في قدم المريض النائم ، لتنتفض قليلاً !

جاك بارتياح : ارأيت !! عاد الإحساس لأصابعه

الممرّض بفرح : أحسنت يا بطل !!

وحضنه بسعادة ، وجاك مُتفاجئ من حماسه !

***


في غرفة المراقبة ، صفّق الطلّاب بفخر لنجاح صديقهم.. بينما كتم البروفيسور غيظه ، بعد إثبات جاك خطؤه بتشخيص إصابة المريض !


وفجأة ! تحرّك المصعد للأعلى .. ليُسارع الطلّاب باستقبال جاك امام باب المصعد .. 

ثم سكتوا جميعاً بعد وصول البروفيسور الذي طلب من الممرّض إحضار المريض الى غرفة الأشعّة للتأكّد من نجاح العملية ..

***


وبعد نقل المريض الى هناك ، انتظر الجميع رأيّ البروفيسور بالعملية .. 

والذي قال بعد فحصه صور الأشعّة : 

- الدم يتدفّق جيداً للقدم .. والحديدة ثُبّتت بإحكام .. والتقطيب يُعتبر محترفاً بالنسبة لخبرتك المتواضعة

جاك باهتمام : أيعني هذا إن قدمه لن تُبتر ؟

البروفيسور : لا ، العملية ناجحة


وصفّق الطلّاب لجاك بحماس ، وهم يباركون نجاحه في اول عمليةٍ له .. 

لكن البروفيسور أوقفهم ، بعد طلبه من الطبيب والممرّض والكهربائي الإجتماع معه في المكتب ! 

وشعر الجميع بغضبه المكبوت .. بعكس عائلة الشاب التي تلقّت خبر إنقاذ قدم ابنها الرياضيّ بسعادةٍ غامرة 

***


في مكتب البروفيسور ، صرخ عليهم غاضباً :

- ما هذه المسرحية السخيفة التي حصلت في مستشفايّ ؟!!

جاك : أيّ مسرحية دكتور ؟! 

البروفيسور : تعطّل المصعد لثلاث ساعات .. وفور انتهاء العملية ، تحرّك من جديد !

الكهربائي : ماذا تقصد ؟!

البروفيسور : أقصد انك أوقفت المصعد مُتعمّداً ، لإجراء جاك العملية بدلاً مني اليس كذلك ؟!! 

فسكت الكهربائي بارتباك..


البروفيسور : وانت !! سألت جرّاح العظام الذي أنكر إعطائك معدّات الجراحة ، التي سُرقت من مكتبه هذا الصباح .. فكيف عرفت بمستلزمات العملية ؟!

فسكت الممرّض قليلاً ، قبل أن يقول :

- شاهدت عملية ترميم القدم المقطوعة من الإنترنت ، وحضّرت الشنطة بنفسي .. واخترت جاك لأنه أبرع طلّابك ، وهو الوحيد القادر على إنقاذ قدم ابن عمي


فسأله جاك بصدمة : هل المريض قريبك ؟!  

الممرّض : نعم ، وأهله ترجّوني لإنقاذه 

البروفيسور : جميلٌ جداً ! وماذا عنك ؟

الكهربائي : انا والد الشاب المُصاب .. وحين عرفت بالحادثة ، اتفقت مع ابن اخي (الممرّض) لإنقاذه مهما كلّفنا الأمر 

جاك باستغراب : لكني تقابلت مع عائلة الشاب قبل قليل ، وسلّمت على والده !

الكهربائي بحزن : هذا زوج امه الذي ربّاه طفلاً ، بعد طلاقي والدته .. وهو الذي ترجّاني بإيجاد حلٍّ لإنقاذ مسيرته الرياضيّة 


البروفيسور : اذاً جميعكم متواطئين بهذه المهزلة ؟!! 

الممرّض : لا !! الدكتور جاك لا يعرف شيئاً ، أحلف لك

الكهربائي : نحن اتفقنا على اختياره ، لأنه الأكفأ بين طلبتك 

البروفيسور غاضباً : أكفأ مني ؟!!

الكهربائي : أعتذر منك .. لكن بعد شهرة مستشفاك ، لم تعد تكترث للحالات الإنسانيّة الخاصة بالفقراء


البروفيسور باستنكار : انا بنيت المستشفى لرعايتهم

الكهربائي : وكنت رحيماً في الماضي ، لكنك تهتم الآن للأمور الإداريّة فحسب 

البروفيسور بغضب : طالما هذا رأيكما بي ، فكلاكما مطرودين من مستشفايّ !!

الممرّض : توقعنا ذلك .. المهم اننا أنقذنا شاباً موهوباً ، الذي ربما يرفع اسم بلادنا في الأولمبياد القادمة 


وبعد خروجهما من مكتبه .. سأله جاك بقلق :

- وماذا عني ؟

البروفيسور : لا يمكنني إنكار براعتك بالعمل .. لهذا سأسمح لك بدخول الغرف الجراحية ، للتعلّم مباشرةً من الجرّاحين المحترفين 

جاك بدهشة : شكراً جزيلاً لك !

البروفيسور : بل الشكر لك ، فأنت أثبتّ خطأي بتقيّم الحالة .. ورغم طردي للممرّض والكهربائي ، إلا انهما قالا الحقيقة ! فأنا أهملت الحالات الإنسانية ، لهذا سأترك الجراحة واهتمّ بالأمور الإدارية للمستشفى  

- لكنك جرّاحٌ مُحترف !

- سأتدخّل فقط بالجراحات المعقّدة.. عدا عن ذلك ، سألتزم مكتبي ..(ثم سلّم عليه) .. مبروك يا جاك !! إستحقّيت الترقية من دكتورٍ مُبتدئ الى جرّاحٍ مُتدرّب


وخرج جاك من مكتبه وهو فخور بنفسه بعد نجاحه بعمليةٍ مُعقّدة ، لم يجرأ أحد على القيام بها ضمن إمكانياتٍ محدودة داخل مصعدٍ معطّل ! 


هناك 3 تعليقات:

  1. القصة سعيدة وواقعية جدا، ولا ننس التنويه بالفكرة.. وهذا ما يحدث تماما في بعض المستشفيات، فكم من شقاء مريض تسبب به إهمال الطبيب، والثمن في بعض الأحيان يكون باهضا!. وبالعودة للقصة، ففي الواقع لست متأكدا إذ يمكن جعل المصعد بديلا - فعليا - لغرفة العمليات ؟

    ملاحظتي في القصة، هي استخدام الأسماء الأجنبية، طبعا هذا لا يُعيب القصة في شيء، لكن أُفضل استعمال الأسماء العربية في قصة عربية، حتى لا تبدو القصة كأنها مترجمة، أو كفيلم أمريكي مدبلج.. وأعيد بأنه تفضيل شخصي.

    أحسنتِ أمل.. وبالتوفيق إن شاء الله.

    ردحذف
    الردود
    1. كتبت اسم الطبيب بالأجنبي لأني تخيلتها كفيلم امريكي يشبه المسلسلات الطبية المشهورة .. فالإهمال الطبي موجود عندهم وعندنا ، الأمر متوقف على الضمير الإنساني للطبيب مهما كانت جنسيته

      حذف
  2. احسنتي اختي امل ..لقد شعرت بالحماس ...

    ردحذف

القرية الثلجيّة

تأليف : امل شانوحة  اسرارٌ مُميتة عُيّن جنديان وضابط لمراقبة حدود دولتهم الشماليّة ، القريبة من المحيط المُتجمّد .. وعليهم العيش معاً في كوخ...