تأليف : امل شانوحة
الملجأ الدافئ
بعد انتهاء حفلة عيد الميلاد في المول وعودة الأهالي لمنازلهم ، تفاجأوا بنوعية الهدايا الغريبة التي قدّمها بابا نويل لأطفالهم : وكانت عبارة عن ألعابٍ مستخدمة تم تصليحها يدوياً ، وملابس شبه جديدة ، ورسومات من أطفالٍ آخرين !
احدى تلك الرسومات ، كانت من نصيب ابن محقق المنطقة : وهي موقّعة بإسم طفلة مفقودة منذ سنتين !
مما اثار قلق المحقق ، خصوصاً ان الطفلة رسمت : بابا نويل يُخرجها من منزلٍ فيه شيطان ! كاتبةً اسفل الرسمة : ((شكراً جدي ، لإنقاذي من الجحيم))
مما جعل المحقق يسأل جيران الطفلة عن طبيعة حياتها قبل الإختطاف .. ليتفاجأ بشهاداتهم الصادمة : عن عيشها جحيماً حقيقياً مع زوج أمها الذي كان يضربها دوماً دون رحمة..
وبذلك تحوّلت رسمتها الى لغزٍ نفسيّ مُعقّد !
^^^
لاحقاً ، استدعت الشرطة صاحب المول الذي أفاد في التحقيق : بأن بابا نويل الذي تعاقد معه ، إعتذر عن احياء الحفل بسبب مرضه .. وإن ذلك العجوز ، اقتحم المول دون تقديم أوراقه الرسمية .. ولم يتعرّف عليه الموظفون ، بسبب مكياجه الكثيف الذي اخفى ملامحه !
فراجع المحقق كاميرات المراقبة : ليرى بابا نويل المشبوه وهو يغادر المول بهدوء بعد توزيع هداياه الغريبة .. لكنه انتبه بأنه اكتفى بالتقاط صورٍ سريعة مع معظم الأطفال .. بينما أطال الحديث مع ولدٍ عُرف عنه : صعوبة كلامه بسبب التأتأة !
فطلب المحقق من والدة الطفل ، السماح له بمحادثته.. وبعد تردّد ، أجاب الصغير على اسئلة المحقق بتلعثمٍ وخوف:
- هو طلب مني إبقاء الأمر سرّاً.. لكن طالما أنك من الشرطة ، فسأخبرك الحقيقة .. لقد وعدني بابا نويل بمقابلة فتاةٍ جميلة بمثل عمري في مكانٍ دافئ.. لكن عليّ اولاً انتظاره عند باب المدرسة ، بعد انتهاء عطلة رأس السنة.
وقد أفزع كلامه ، امه التي خافت عليه من الإختطاف..
وبصعوبة استطاع المحقق إقناعها ، بضرورة مراقبته إبنها عند الموعد المحدّد .. لمسك طرف الخيط الذي يوصله لبقية الأطفال المُختطفين في منطقتهم منذ سنوات.
فردّت الأم بعصبية:
- عندما تمسك بذلك الخرِف المنحرف ، إقتله على الفور !!
فارتعب ابنها : لا تفعل سيدي ، ارجوك !! هو تكلّم معي بلطفٍ وحنانٍ كبير.. ولم يستعجلني في الكلام أو يسخر مني ، كما يفعل والدي الذي يضربني قبل إنهاء جملتي
فسأل المحقق امه : هل والده يضربه بالفعل ؟!
الأم بقهر : بل هو من تسبّب بعقدة لسانه ، لقسوته الشديدة عليه.. وهذا ما جعلني أتطلّق منه
فمسح المحقق رأس الصغير برفق ، وهو يعده بعدم ايذاء بابا نويل
***
وفي نهاية اليوم الأول للمدرسة بعد الإجازة.. راقب المحقق الولد وهو يصعد الى سيارة العجوز الذي اغراه بكيس الحلوى .. وانطلق خلفهما بحذرٍ شديد ، الى ان وصلوا جميعاً للغابة ..
بعدها نزل العجوز ممسكاً بيد الصغير ، وهما يدخلا معاً الى كوخٍ هناك !
فحاول المحقق الإتصال بمركز الشرطة ، لطلب الدعم.. لكن شبكة الإرسال مقطوعة في تلك المنطقة النائية..
فلم يكن أمامه سوى اقتحام الكوخ وحده ، لإنقاذ الطفل.. وربما بقية المختطفين ان كانوا مازالوا احياءً !
شهر المحقق سلاحه ، وهو ينزل ادراج القبو .. لكنه صُدم بما رأته عيناه !
فرغم الثلوج الكثيفة بالخارج ، الا ان القبو يشعّ بالدفء من مدفأته الحجريّة .. وقد انبعث في المكان ، رائحة الكعك الطازج..
ومن أعلى درج القبو ، شاهد المحقق الأطفال وهم يضحكون ويمرحون في قاعة مليئة بالدمى والكتب والألعاب ، وهم يتناولون ما يشاؤون من الحلوى!
قبل تجمّعهم حول العجوز الذي فتح احدى القصص من مكتبته ليرويها لهم ، وكأنه جدهم الحنون ! ومن بينهم الطفلة (صاحبة الرسمة) التي ظهرت بصحةٍ ممتازة ونفسيةً مرحة !
ورغم لطف المشهد ، الا ان المحقق قبض على العجوز الذي نقله إلى السجن.. بينما نُقل الأطفال لمركز الشرطة ، لحين وصول اهاليهم الذين حضنوهم بشوقٍ ودموع بعد غياب شهور ، وبعضهم وصل ل 3 سنوات !
لكنهم جميعاً لاحظوا تحسّن صحة ابنائهم ونضجهم النفسيّ ، وبراعتهم في القراءة والكتابة والحساب .. وإتقانهم اللغتين الألمانية والروسية التي علّمها لهم العجوز في وقت فراغه
***
في غرفة التحقيق ، كشف العجوز عن هويّته الحقيقية.. فهو عمل قبل تقاعده في مؤسسة الرعاية الاجتماعية .. وتابع بنفسه قصصاً مأساوية لعشرات الأولاد الذين عاشوا مع عائلاتٍ سادية وقاسية.. وبعد إقدام احدهم على الإنتحار ، لم يتحمّل العجوز القوانين العاجزة عن حمايتهم .. فقرّر التدخل بطريقته ، عن طريق خطفهم من اهاليهم القساة المُهملين .. وخلال السنوات الثلاثة لبدء خطته الإنسانية ، صرف معظم معاشه التقاعدي على إطعامهم وتعليمهم ، وتوفير الأمان الذي حُرموا منه.
وبعد ذلك الإعتراف ، تحرّى المحقق عن عائلات الأطفال المُستردّين .. كما استمع لشهادات الجيران والتقارير الطبية التي أكّدت العنف الأسري الذي مارسوه ضد اولادهم قبل اختفائهم.
وفور نشر المحقّق تقريره بالإعلام ، حتى انقلب الرأيّ العام تماماً .. وتحوّل بابا نويل المريب : من مختطفٍ قذر إلى منقذٍ رحيم !
ورغم نبل دوافعه الإنسانية ، إلا أن احتجاز الأطفال دون إذن أولياء أمورهم يظلّ جريمة يعاقب عليها القانون.
***
وفي يوم المحاكمة.. وفور نطق القاضي بالحكم ، بحبسه خمس سنوات.. حتى اهتزّت القاعة بصرخات الأطفال واحتجاجاتهم ، خوفاً على جدهم الحنون !
قبل ان يفاجأ الولد (الذي يعاني من التأتأة) الحضور ، بوقوفه امام القاضي وهو يقول بوضوحٍ دون تلعثم :
- سيدي القاضي .. بابا نويل لم يخطفني .. بل كان رحيماً معي ، طوال رحلتنا الى الغابة .. وهو من نصحني بنسيان الماضي ، ومسامحة والدي .. كما استمع لشكوايّ طوال الطريق دون استعجالي بالكلام .. وحين التقيت بالأطفال في منزله ، وجدتهم جميعاً سعداء .. وللمرة الأولى ، شعرت بالأمان بقبو كوخه ..وهذا الشعور فقدته مع والدي العصبي .. رجاءً اتركوا جدنا وشأنه
ساد الذهول أرجاء القاعة ! وتأثّر القاضي من كلام الصغير الذي جعله يتخذ قراراً غير مسبوق : بفتح مدرسة داخلية خاصة بالأطفال المُعنّفين ، بعد إسقاط المحكمة الوصاية عن أهاليهم القساة .. مع تعيين العجوز مديراً فخرياً للمدرسة ، تحت إشراف أخصائيين نفسيين وإجتماعيين
وما ان نطق القاضي بحكمه العادل ، حتى ضجّت القاعة بهتافات الصغار
***
وفي نهاية العام ، وأمام مبنى المدرسة الجديدة.. تقدّم والد الطفل (الذي تشافى اخيراً من التأتأة) لمصافحة العجوز بندم :
- شكراً لأنك علّمتني كيف اصبح اباً رحيماً
فأجاب العجوز : لا يكفي ان ننجبهم ونطعمهم ونعلّمهم فقط .. بل علينا توجيههم برفق ، ليكونوا افراد مجتمعٍ ناضجين ومنتجين مستقبلاً.. فهم رجال الغد
فأومأ الأب برأسه موافقاً
ووسط حفلٍ شعبيٍّ كبير ، تسلّم العجوز جائزةً تكريميّة من رئيس البلدية .. بعد ان حصل بجدارة على لقب : بابا نويل الأكثر إنسانية في العالم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق