تأليف : امل شانوحة
السكّان المنسيّون
في المساء .. راقب ولد (بعمر التاسعة) من شرفة عمارته الجديدة (في مجمّعٍ سكني قيّد الإنشاء) جيرانه في المنزل الأرضي القديم المجاور
وبعد قليل .. خرجت امه إلى الشرفة ، وهي تسأله :
- أمازلت تراقبهم؟
ابنها : نحن وأياهم الوحيدون الذين نسكن هذه المنطقة الرملية غير المأهولة ! ولهذا أشعر بالملل الشديد.
- هذا ذنب والدك ، استعجل انتقالنا قبل اكتمال المشروع.. وعندما يعود من سفره ، سأطلب منه إعادتنا الى المدينة
فأشار ابنها للعائلة المجتمعة في حوش منزلهم الأرضي :
- المشكلة يا أمي أنهم اشخاصٌ مريبون.
- وكيف ذلك؟
- يفعلون الأشياء ذاتها كل ليلة ، وبنفس التوقيت!
الأم : ربما هو روتينهم اليومي، يحبون شرب الشاي في الحوش كل مساء.
ابنها : لا امي ، الأمر ارعب من هذا .. انظري الآن .. الجد سيدخل المنزل ، ويخرج بعد دقائق
- ربما يريد دخول الحمام
- إذاً انظري للولديّن الصغيرين.. الكبير سيعرقل أخاه ، لأخذ الكرة منه .. فتعاتبه أمه.. بنفس الوقت الذي سيوقع فيه الأب الشاي على الحصيرة .. فتمسح زوجته البقعة بعصبية .. ثم يخرج الجد وهو يعاتب كنّته على رفع صوتها على زوجها
وبخوف راقبت الأم تصرّفات العائلة التي تحرّكت بدقةٍ متناهية ، وفقاً للتتابع الذي تنبّأ به ابنها الذي التفت اليها وهو يقول :
- كل ليلة يفعلون الشيء ذاته ! حتى عندما أنادي الصغيريّن للعب معهما ، يتجاهلانني تماماً .. انظري بنفسك.
وصرخ بعلوّ صوته ، لكن لا احد من تلك العائلة التفت لشرفة العمارة !
فشعرت الأم بالقشعريرة الباردة تسري في جسدها ! وسحبته من يده ، قائلةً:
- ادخل فوراً إلى الشقة.. الجوّ أصبح بارداً.
الابن: حتى أنتِ ارتعبتِ منهم ، أليس كذلك؟
فحاولت الأم تغيير الموضوع ، لتهدئة روعه:
- ما رأيك لو نتعشّى ، قبل ذهابنا للنوم ؟
- وماذا سنأكل يا امي ؟
- بيض ولبن
الأبن متأففاً : أكل ليلة نأكل العشاء ذاته ؟!
الأم : قريباً تصلني حوالة والدك المالية ، ونذهب معاً لتسّوق من المول.. والآن ساعدني بتحضير العشاء
^^^
بهذه الأثناء ، في حوش المنزل الأرضي .. نظر الحفيد الأكبر نحو العمارة (حديثة البناء) وهو يقول لعائلته باستغراب :
- ذلك الولد المريب يراقبنا كل ليلة !
الجد : الأولاد فضوليون في هذا السن
الحفيد : لا جدي ، هو ليس طبيعياً .. فقد ناديته مراراً للعب معي ومع اخي ، لكنه لم يسمعنا !
وأضافت امه :
- صحيح عمي .. الأمر مُقلق ، فوالدته تظهر كل ليلة بالتوقيت نفسه لإدخاله للشقة ..
فقال زوجها :
- ربما موعد نومه.
هزّت زوجته رأسها بالنفي :
- ليس ذلك فحسب.. بل ترتدي الفستان ذاته منذ شهور ، مع ان السكن بالمجمّع ليس رخيصاً ! يعني ليسوا فقراء مثلنا
وهنا قال ابنها الصغير :
- وابنها ايضاً لم يُغيّر بيجامته المرسوم عليها سوبرمان
فقال الجد لكنّته :
- حتماً هي وابنها يشعران بالوحدة والمللّ في تلك العمارة غير المأهولة.. إذهبي غداً ، لتعرّف عليها .. فربما يُصاحب ولداكِ ابنها.
الأب وهو ينظر لساعته :
- تأخر الوقت ، دعونا ندخل المنزل استعداداً للنوم
^^^
وبعد دخول كلا العائلتيّن منازلهما .. ظهر ككل ليلة ، حارس المجمّع وهو يحاول إشعال سيجارته ، قبل بدء جولته المعتادة حول مواد بناء المشروع قيد الإنشاء
***
في صباح اليوم التالي.. وصل صحفي إلى المنطقة الرملية ، لعمل تقرير على المكان المهجور
قائلاً امام كاميرا جواله :
- كان من المفترض أن يصبح هذا المكان مُجمّعاً سكنياً ضخماً.. لكن المشروع توقف بعد حادثةٍ غامضة وقعت قبل ثلاث سنوات
ثم وقف الصحفي بالزقاق الضيّق الفاصل بين العمارة الجديدة والمنزل الأرضي.. وهو يقول :
- في نهار ذلك اليوم المشؤوم ، إخترقت إحدى الجرّافات بالخطأ أنبوب غازٍ رئيسيّ تحت الأرض.. وبحلول المساء ، امتلأت المنطقة بالغاز المُتسرّب دون شعور العائلتيّن بذلك ، فماتا اختناقاً اثناء نومهما.. أما حارس المجمع : وفور إشعال سيجارته الليلية المُعتادة ، حتى انفجر المكان بالكامل ! وبعد دفن الضحايا .. رفض العمّال العودة للعمل ، مؤكّدين رؤيتهم لظلالٍ وحركة في كلا المبنيين المُدمّرين.. ويُرجّح الكثيرون : أن الموتى الذين قضوا في نومهم لم يدركوا حقيقة موتهم ، فتحوّلوا إلى أشباح تُعيد روتينها الأبدي.. حتى صوت قدّاحة الحارس ، مازالت تُسمع بوضوح بمحيط المبنيين كل مساء!
بهذه اللحظة .. تدحرجت كرة خارج الحوش المهجور ، لتقف بجانب قدم الصحفي .. الذي ما أن رآها ، حتى فرّ راكضاً باتجاه سيارته .. هارباً من المكان المسكون بالأشباح المنسيّة ، بروتينها المُملّ الأبدي!

هذه من القصص الفخورة بها ، اتمنى ان تعجبكم
ردحذف