الاثنين، 20 يوليو 2026

زنزانة بلا مفتاح

تأليف : امل شانوحة 

الحرّية المشروطة


استيقظ من نومه بعد شعوره ببردٍ مفاجئ ، ليجد نفسه في زنزانةٍ حجريّة ! 

فتساءل بخوف :

- كيف وصلت الى هنا ، بعد ان كنت نائماً في بيتي الدافىء ؟!


وحاول مراراً تذكّر جريمته التي اوصلته للسجن ، دون جدوى ! فلا يوجد بعقله سوى ذكريات طفولةٍ عادية ، وسنوات من الدراسة المتواصلة ، وبحثه المتواصل عن وظيفةٍ لائقة !


واثناء استغراقه بالتفكير ، سمع مفتاحاً يُدار في قفل بابه الحديديّ ...

لينصدم برؤية الحارس الذي يشبهه تماماً ، كأنه اخوه التوأم !

فسأله برعب : من انت ؟!

فأجابه الحارس وهو يشير لزيّه الرسمي :

- الا ترى بأني سجّانك ؟

فخاف الرجل ان يسأله عن سرّ التشابه بينهما : 

- ولما أحضرتموني الى هنا ؟ فأنا لم ارتكب ايّ ذنبٍ يستحق السجن عليه !

الحارس : انت الوحيد الذي يعرف الإجابة

- لكني لا اتذكّر شيئاً !

فوضع الحارس بين يديّ السجين ، ملفاً ورقياً وهو يقول :

- هذا سيجعلك تتذكّر ماضيك 

وقبل خروجه من الزنزانة ، التفت للسجين قائلاً : 

- على فكرة !! يمكنك الخروج من هنا متى تشاء ، فأنت وحدك تملك مفتاح حرّيتك .. لكن عليك اولاً ، تمزيق جميع الأوراق التي دوّنتها بنفسك 


فنظر السجين لداخل الملف ، ليجد ان اوراقها مكتوبة بخطّ يده ! 

فقال بدهشة :

- لا اذكر انني كتبتها من قبل ! فما هي بالضبط ؟ 

السجّان : مذكّرات حياتك .. ولا تظن انه سيكون سهلاً التخلّص منها .. والآن سأدعك بمفردك ، لتقرأها بعناية .. وسأراك مجدّداً ، بعد انهاء مهمّتك 

وبعد خروج الحارس ..


فتح السجين الملف على الصفحة الأولى .. ليجد مكتوباً فيها :

((كنت بعمر الخامسة حين ضربت امي يدي بقوة ، بعد كسري مزهريّة الجيران))   


فقال السجين :

- طبيعي ان تضربني امي ، كنوع من اعتذارها للجيران بعد تحطيمي مزهريّتهم الفاخرة .. حتى لوّ آلمت يدي ، تبقى ذكرى سخيفة .. ولهذا لا داعي للإحتفاظ بها ، داخل ملف مذكّراتي


لكن عندما حاول تمزيق الورقة ، شعر بوخزٍ في قلبه !

وإذّ بعقله يستذكر ما حصل معه قبل عام ، عندما اوقع فنجان القهوة بإحدى مقابلات العمل.. فسارع لمسح القهوة من الأرض ، وهو يعتذر مراراً من المدير الذي طمأنه بأن عامل النظافة سيهتم بالأمر ..مما جعله يبدو مرتبكاً وضعيف الشخصية ، أدّت لخسارته فرصة العمل ! 


وهنا فهم السجين ان الملف يحوي ذكريات من ماضيه ، أثّرت سلباً على مستقبله بعد تسبّبها بعقدةٍ نفسيةٍ دائمة ! 

فهو لليوم يحرص على عدم ارتكاب الأخطاء ، خوفاً من العقاب ! تماماً كما كان في صغره يرفض اللعب خارج منزله .. خوفاً من كسره لشيءٍ جديد ، يُعرّضه لتوبيخ امه التي احرجته امام الغرباء !


فأخذ نفساً عميقاً ، قبل ان يقول :

- يمكننا التعلّم من اخطائنا التي نرتكبها من وقتٍ لآخر .. ولهذا اسامح نفسي ، وأسامح امي ايضاً


وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة بسهولة .. ليشعر على الفور بارتياحٍ نفسيّ ، بعد اختفاء عقدة الذنب اخيراً


ثم قرأ الورقة الثانية التي حصلت له بسن السابعة ، حين تعرّض لمتنمّري مدرسته الذين رموا طعامه فوق الملعب .. وأمروه بتناولها ، رغم تلوّثها بالتراب !

 

فأغاظته تلك الذكرى التي حاول كثيراً نسيانها .. لكنه ايضاً لم يستطع تمزيق الورقة .. وهنا تذكّر كيف عاش بعدها مهووساً بالنظافة ، يرفض تناول الطعام في أيّ مطعمٍ قبل رؤية مطبخه .. ووسّوسته هذه ، جعلته يُطرد أكثر من مرة ، بسبب إصراره على طلبه الغريب !

فتنهّد قائلاً : 

- صحيح انني مرضت بعد حادثة المدرسة ، لكنني بخيرٌ الآن.. ويمكن لمناعتي تحمّل بعض الطعام الغير نظيف

وما ان قال ذلك ، حتى استطاع تمزيق الورقة..


ثم قرأ الورقة التالية التي تتحدّث عن حبه الأول بسن المراهقة ، حين قدّم وردة لزميلته التي دهستها بقدمها باستحقار .. وهي تسخر منه امام الطلاّب:

- لست وسيماً او ذكياً ، لتتجرّأ على الإقتراب مني.. إخترّ فتاةً تناسب مستواك الوضيع ، ايها التافه !! 

فضحك الجميع ، ساخرين منه


فأسرع السجين لتمزيق الورقة ، لكنه لم يستطعّ ايضاً !

وهنا تذكّر جارته التي تحبه منذ مدةٍ طويلة .. ورغم انه يبادلها المشاعر ، الا انه لم يجرأ يوماً على اخبارها بذلك 


فقال مبتسماً : حتماً جارتي المرحة لن تجرحني كتلك المتغطرسة.. وفي حال خرجت من هذا المأزق .. سأستجمع قوايّ لخطبتها .. وأتمنى فعلاً ان تكون من نصيبي

وبعد قراره الجريء ، استطاع تمزيق الورقة بسهولة


ومع كل ورقة قرأها : تذكّر حادثاً سيئاً حصل له في الماضي ، أثّر على تصرّفاته المستقبلية.. ولم يستطع تمزيقها الا بعد الغفران لنفسه ، ولقسّوة والديه ولسوء فهم الناس من حوله..

الى ان بقيّ داخل الملف ، قصاصاتٍ ورقيةٍ صغيرة


وبهذه اللحظة ، دخل الحارس لاستلام الملف.. وما ان رأى محتواه الجديد ، حتى قال للسجين بفخر :

- احسنت !! الآن يمكنك الخروج  

السجين بتردّد : عفواً ، سؤالٌ اخير.. لما تشبهني بهذا القدر ؟!

الحارس بابتسامة : لأنني انت

- لم افهم !

الحارس : أنت من سجنت نفسك داخل ذكريات ماضيك ، حتى أصبحت عقدك النفسية قضباناً تحرمك من لذّة الحياة .. لكن طالما عالجت مشاكلك بنفسك ، صار بإمكانك الإنطلاق نحو مستقبلٍ افضل

وقبل أن يسأله عن شيءٍ آخر ، اختفى كل شيء !

^^^


واستفاق الرجل على صوت منبه جواله ، وهو مستلقي فوق سرير غرفته !

- أكان مجرّد حلم ؟!

ثم نظر للساعة ..

- يا الهي ! لديّ مقابلة عمل


وأسرع بتجهيز نفسه لوظيفة العمر التي استطاع لأول مرة الإجابة على اسئلة المدير بطلاقةٍ وثقة ، جعلته ينال الوظيفة بجدارة !

^^^


فعاد الى منطقته ، للإحتفال مع جارته التي ما ان انهت قطعة الكعكة التي أحضرها معه .. حتى فاجأها بجثوه على ركبته ، رافعاً اليها خاتم الخطوبة .. وهو يقول بابتسامةٍ حنونة : 

- اعرف انني توظفت اليوم ، لكني اريد اكمال حياتي معك .. فأنت الوحيدة التي أحبّتني دون شروط.. وأنت من دعمتني.. 


وقبل ان يكمل كلامه ، سحبت الخاتم من العلبة ووضعته بإصبعها.. وهي تجيبه بحماس :

- بالطبع موافقة !! فأنا انتظر هذه اللحظة منذ سنوات

فسارع باحتضانها ، بعد انتهاء عقدته من النساء اخيراَ

***


وبالفعل حياته اصبحت اسهل ، بعد علاج نفسه من كل المعوّقات النفسية التي عطّلت حياته لسنوات .. والفضل يعود لمنامٍ غريب ، كان أشبه بعلاجٍ روحي !


ومنذ ذلك اليوم.. لم يعد الماضي زنزانة يعيش فيها ، بل درساً يدفعه للمضيّ قدماً نحو مستقبلٍ واعد بالإنجازات العظيمة !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

زنزانة بلا مفتاح

تأليف : امل شانوحة  الحرّية المشروطة استيقظ من نومه بعد شعوره ببردٍ مفاجئ ، ليجد نفسه في زنزانةٍ حجريّة !  فتساءل بخوف : - كيف وصلت الى هن...