الاثنين، 22 يناير 2024

قصر الأشواك

 كتابة : امل شانوحة

 

كسرة قلب


إستيقظ شاب في غرفة نومٍ تبدو مهجورة ، والتي علاها الغبار ورائحة الرطوبة رغم أثاثها الغير مُستخدم ! 

فخرج من الغرفة قلقاً ، لعدم تذكّر كيفيّة وصوله للقصر الذي جميع نوافذه مغلقة بالصفائح الحديديّة ! وازداد رعبه بعد إيجاده الباب الرئيسي مُغلقاً بإحكام .. فصرخ بعلوّ صوته :

- من أحضرني الى هنا ؟!! لماذا خطفتموني ؟!


فظهر صوت من ميكروفون سقف الصالة :

- اهلاً بك في قصر الأشواق !!

الشاب بعصبيّة : بل قلّ قصر الأشواك !! فهو مهجور منذ سنوات ، ورائحة الرطوبة تكاد تخنقني .. إفتح الباب حالاً ، وأعدك بعدم الإتصال بالشرطة

- ليس قبل حلّك الّلغز

الشاب باستغراب : أيّ لغز ؟!

- عليك معرفة من اكون ، وعلاقتي بك ؟

- هل انت احد اقاربي ؟!

الصوت : عليك حلّ الّلغز بنفسك.. إبحث في كل الغرف ، لمعرفة سبب تواجدك هنا.. معك ٢٤ ساعة ، قبل تفجري المنزل المُلغّم بالديناميت

الشاب بفزع : هل انت مجنون ؟!

- لا تضيّع الوقت الذي سيبدأ الآن !!

وبدأ العدّ التنازلي في ساعة الحائط..


فتساءل الشاب بقلق : كيف سأعرف من يكون ذلك اللعين ؟!

فظهر الصوت من جديد : 

- آه صحيح قبل ان ارحل.. حلّ الّلغز يبدأ من الغرفة التي استيقظت فيها .. ألقاء بعد ٢٤ ساعة

واختفى الصوت من جديد !

^^^


فسارع الشاب للطابق العلويّ ، عائداً لغرفة النوم التي فيها سريرٌ كبير وخزانة وتسريحة ، كلهم بالّلون الأبيض ذوّ الطراز القديم كأنه جهاز عروس !


وفتح الخزانة : ليجد طقماً رسميّاً اهترأ بمرور الزمن ، يبدو لعريس لم يلبسه قطّ ! 

ثم فتح دِرف التسريحة : ليجد علبة مكياجٍ فاخرة ، غطّاها العفن رغم عدم استخدامها


الشاب : ترى ماذا قصد بأن خيط الّلغز يبدأ من هنا ؟!

وقام بتفتيش الوسادات والّلحاف ، دون عثوره على شيء فوق السرير او تحته !


الشاب : لا ادري عن ماذا ابحث بالضبط ؟! 

فعاد لطقم العريس ، وفتّش جيوبه .. ليجد رسالةً غراميّة قديمة ، تبدو من حبيبة مالك القصر ، تقول فيها :

((أعدك بالزواج يوماً ما.. لكن عليك الإنتظار قليلاً.. إعتبره عقاباً على شكّك بي!))


الشاب : لم افهم شيئاً ! هل فرش المنزل لعروسته التي عاقبته بالإنتظار لاتهامها بالخيانة او شيء من هذا النوع ؟ وما دخلي انا بعلاقته المُريبة ؟! ..حسناً ، لأبحث في الغرف الأخرى

^^^


وبحث بالغرفة المقابلة : ليجد مهداً لطفلٍ وألعابٍ صوفيّة ملأت الغرفة ، والتي تغيّر لونها للعفن الأخضر رغم عدم استخدامها ! فبعضها مازالت في اكياسها المُغبرة .. كما كانت هناك خزانة بالزاوية ، مليئة بمستلزمات الأطفال من حفائض قديمة الصنع ، ومساحيق تنظيف وغيارات لم تزلّ في علبها التي اهترأت بمرور الزمن !

الشاب : هل فقد مالك القصر عقله ، بعد موت طفله ؟!

^^^


ثم دخل للغرفة الثانية : ليجد سرير متوسط الحجم ..وألعاب تبدو لولدٍ بين سن السابعة والعاشرة.. لكن جميع الألعاب مازالت في كرتونتها ، ولم تفتح مطلقاً !

^^^


وكذلك الغرفة التي بجانبها : التي فيها جيتار وبيانو ، مازالا في علبهما المُخمليّة التي غطّاها الغبار !

^^^


وفي غرفة النوم الأخيرة : وجد حاسوباً من الطراز القديم ، يعود على الأقل لعشر سنواتٍ الماضية ! يبدو لم يستخدم ايضاً ، لأن اسلاكه مازالت برباطها البلاستيكيّ .. اما الخزانة : فامتلأت بالأطقم الشبابيّة التي تعود موضتها لزمن التسعينات !


الشاب : هل كان لديه عدّة اولاد ؟ او هو نفس الطفل الذي فقده ، والذي تخيّل نموه بمرور السنوات ؟!

^^^


ثم صعد للعليّة التي وجدها فارغة .. فنزل للقبوّ ، ليجد كرتونة عفنة .. فذهب للمطبخ ولبس قفازيّ لغسل الصحون .. ثم عاد لفتح الكرتونة ، كيّ لا يصاب بالفطريات.. ليجد فيها العديد من الرسائل العاطفيّة بين الرجل الغامض والسيدة التي يبدو احبها في بداية شبابه! 

وعندما وجد صورتها ، شهق الشاب بدهشة : 

- هل هذه امي ؟!


وهنا ظهر الصوت من جديد :

- انت ذكيّ !! أمسكت طرف الخيط بعد مرور ٣ ساعاتٍ فقط

الشاب بقلق : هل حبيبتك .. هي امي ؟!

فتنهّد الصوت بقهر : للأسف نعم

- لكن امي تزوجت ابي بسن العشرين .. وتوفيّ والدي بعدها بسنتين بحادث سير ، اثناء طفولتي.. وإن لم تكن تعلم ، فهي توفيّت العام الماضي بالسرطان

الصوت بعصبية : بالطبع اعرف !! فقد راقبتها عن بعد ل ٢٦ سنة

- ولما لم تتزوجها إن كنت تحبها لهذه الدرجة ؟


الصوت : كلّه بسبب خدعة قريبي الذي شكّكني بخيانتها مع زميلها بالجامعة ، بعد دفع المال له لتقبيلها غصباً عنها ، بينما يلتقط قريبي صورة لهما عن بعد.. ولم يكتفي بذلك .. بل قلّد خطّها برسائلٍ عاطفيّة مزيّفة بينها وبين صديقها.. حتى انه أرسلها الى بيته بحجّة وجود حفلٍ هناك ، وبأني موجودٌ بينهم.. لتتفاجأ بوجود زميلها لوحده ! وبالطبع اوصلني قريبي الى هناك ، للتأكّد بنفسي من خيانتها.. وحين رأيتها في منزله ، قطعت علاقتي بها قبل اسبوعين من عرسنا.. لأعلم لاحقاً ان قريبي بفترة خصامنا ، تقرّب منها لمواساتها بصدمتها العاطفيّة ، الى ان وافقت على الزواج به !

الشاب : أتقصد ان قريبك ، هو نفسه والدي ؟!

- نعم !! وعندما اخبرت امك بخدعته الماكرة ، رفضت تركه بسببك!!


الشاب بدهشة : وما ذنبي انا ؟!

- كانت حاملاً بك.. وطوال حملها ، عملت ليلاً نهاراً وفي عدّة وظائف مُرهقة .. بالإضافة لحفاظي على ميراث والدي ، حتى تمكّنت من شراء هذا القصر التي لطالما تمنّته امك ، كونه المنزل الوحيد المبني على الشاطىء الخالي من المصطافين لخطورة امواجه القويّة .. وعشت عشرين سنة أسدّد اقساطه ، حتى اصبح ملكي.. وكما لاحظت فقد فرشت غرفةً كاملة لطفلها ، الذي هو انت !! بشرط ان تترك والدك الخبيث.. لكنها خافت من غضب جدك الذي هدّدها بحرمانها منك ، في حال طلّقت ابنه او تزوّجت غيره.. فانتظرت ريثما اصبحت في العاشرة ، وجهّزت غرفةً ثانية لك.. لكنها ايضاً رفضت ، وطلبت مني الإنتظار كيّ لا تصدمك بزواجها .. وبسن المراهقة جهّزت لك غرفةً اخرى ، فيها آلات العزف بعد معرفتي بحبك للموسيقى.. لكنها تحجّجت بخوفها من انحرافك بسنك الحسّاس.. وبالنهاية وعدتني بالزواج بعد تخرّجك الجامعيّ الذي حضرته دون علمها.. وكل هذا التأخير بسبب والدك !! ليتني قتلته قبل حملها بك


الشاب بصدمة : انت قتلته ؟!

- قطعت اسلاك فرامل سيارته برحلته الجبليّة .. لكن موته لم يجعلها تعود لي ، خوفاً من إصابتك بعقدةٍ نفسيّة او تركك الدراسة في حال تزوجتني ! وبعد حصولك على وظيفة وانتقالك اخيراً لمنزلٍ آخر ، أصيبت امك بالسرطان ! فطلبت منها الزواج والعيش معي بالقصر ، للإعتناء بها في أيامها الأخيرة .. لكن حالتها استوجبت بقائها في المستشفى ! فصرت ازورها كل يوم ، الى ان توفيّت وهي تعتذر لعدم وفائها بوعدها لي.. وبالحقيقة لم اكرهها ، لأني استحقيّت عقاب الحرمان منها بعد شكّي بها.. لكني لم استطع كبح غضبي كلما لمحتك من بعيد ، فأنت السبب الحقيقي لخسارتي حبيبتي ..فلولا وجودك ، لعشت معها بهذا المنزل الذي تخيّلتها تتجوّل في كل شبرٍ فيه.. لهذا عقاباً لك !! لن أفجّر القصر ، بل سأتركك دون طعامٍ او شراب ، حتى تذوب كما ذابت حبيبتي امام عيني.. ولا تحاول الصراخ ، فلا احد متواجد في هذا المكان النائي.. اريدك ان تموت الف مرة ، كما متّ انا بسببك !!

ثم انقطع الصوت !


فأخذ الشاب يطرق بهستيريا على الأبواب والنوافذ ، محاولاً كسرها ..الى ان عمّ الظلام بعد انقطاع الكهرباء ، بحلول المساء .. ليسود السكون المرعب ، إلاّ من  تلاطم الأمواج في الخارج على طول الشاطئ الموحش!


هناك 8 تعليقات:

  1. قرأت قبل يومين تعليق بالتيكتوك : ماذا لو استيقظت في منزلٍ ليس فيه ابواب ولا نوافذ ، وعليك الهروب قبل انفجاره ؟ فقمت بتحويلها الى قصةٍ مخيفة .. ولأن الفكرة الأساسية ليست فكرتي ، كتبت ببداية القصة : كتابة امل شانوحة ، وليس تأليفي .. للأمانة الأدبيّة

    ردحذف
  2. ✍️ساهر
    هذي القصة ذكرتني بقصة مشابهة،
    شاب وفتاه أحبوا بعض بصدق وإخلاص واتفقا على الزواج، فتدخلت إحدىٰ النساء بمكيدة فقالت لهما أنتما إخوة من الرضاعة وللأسف تم فركشة الإتفاق، طبعاً إنكشفت اللعبة
    ولكن للأسف بعد فوات الأوان،

    المكيدة.. هي عبارة عن مصيدة أو إستدراج، أنا شخصياً في محيطي
    شفت كم قصة مشابهه لهذه القصة
    اللتي كتبتها الأخت أمل وإن إختلفت المسميات والصورة والأحداث حسب الزمان والمكان،
    ــ علمتني الحياة أن بعض مانراه ليس كما نراه؟!

    لله الحمد جميع مامررت به أو شاهدته أوسمعت عنه كشفت خيوط اللعب والمكائد لكل القصص أحياناً في نفس اللحظة وبعضها تأخذ وقت لحل العُقَد،
    لم أكتشفها بذكاء وشطارة وإنما الفضل لله أولاً ثم بالصبر والتريث وفك العُقَد وربط الأحداث والأمور، وأحياناً الرؤىٰ المنامية إذا تم تفسيرها بشكل صحيح يكون لها دور هام في كشف الحقائق،

    شكراً للكاتبة أمل، قصة توعوية مفيدة رائعة والله ،

    تحياتي/ ساهر ،،،،

    ردحذف
  3. ربما يقفز من السطح لو إستطاع ان يصل إليه او يخرج من نفق الصرف لو اتسع او يفجر انبوبة الغاز او ضاغط ثلاجه بجانب نافذه او باب .. مع ان فكرة الخلاص نهاءيا افضل ..فيمكنه ان يباغت خاطفه ويقطع شرايينه .. كالرجل الذي قتل ابنه كي يتهم ابن عمه بقتله

    ردحذف
  4. القصه مفزعه !! المسكين لم يفلح بالنجاة .. مع أنه استغل الثانيه من الدقيقه وليست الدقيقه من الساعه بالبحث عن اللغز ! مسكين !! انتي السبب !! نعم انتي ، حاولي مساعدته قبل أن يموت جوعاً.. ما اقسى قلبك ! اعجبتني الفكرة سلمت يداك .. بالأمس سقط خاتمي الذي ارتديه في حمام صغير جداً .. بحثت عنه طويله ولم اجده .. طلبت المساعده من صديقه خالتي ولم تجده ! انزعجت كثيراً فهو الهديه الوحيده من والدي .. ودعوت الله كثيراً بالعثور عليه ،وفي صباح اليوم دخلت هناك فوجدته على الأرض وأمام عيني وانا واثق بأنه لم يكن هنا .. أخبرتني السيدة عليّ ان لا ارتديه لمكوثه ليله كامله بالحمام .. لكني ارتديته وفرحت كثيراً بعودته.. المشكله لم يستحم احد غيري..كان كل تفكيري أنه ذهب مع الماء..بحثنا ولم نجده فكيف عاد في مكان امام أعين الناظرين .. فركت بشيء لكن من المستحيل أن يحدث ذلك هل كان مع الجن ؟! فكلام صديقه خالتي مزعج وسلبي

    ردحذف
    الردود
    1. كان الأفضل لوّ فركت الخاتم بالملح ، ثم غسلته .. ثم تقرأ المعوذات وتنفخ عليه قبل لبسه .. نعم الجن يمزحون معنا احياناً .. اذكر امي جهّزت نفسها للذهاب لعملية اخي الجراحية .. وقبل خروجها من المنزل ، تفاجأت ان الحجاب ليس على رأسها ، مع انها متأكدة انها وضعته ! وبحثت لساعةٍ كاملة ، قبل أن تجده مرمياً على السرير .. مع انها بحثت في كل الغرف عنه .. وبسبب هذا التأخير ، دخل اخي غرفة العمليات دون ان يراها ، وحزن كثيراً لنسيانها الموعد .. فالجن يحبون اخفاء الأشياء ، ثم اظهارها من جديد .. كنوع من التلاعب بعقولنا .. مزحهم ثقيل الدم

      حذف
    2. الانني اخبرتك بأني اخاف منهم هكذا فعلوا ؟ الامر يبدوا مخيف ! سأفعل ما قلته لي سافركه بالملح .. ستكون الحياة جميله من دونهم ، مزعجين للغايه

      حذف
  5. مرحبا بي امل
    اهلا بعودتي امل
    طابت اوقاتي بمدونتك امل

    كم امقت امثال هذا الرجل الذي يكون عبدا للحب تباً له ولإمثاله.

    ردحذف
    الردود
    1. اهلا ابو بلقيس .. اقرأ القصة التي تليها : سجن المحبة .. اظن ستناسب ذوقك

      حذف

المُسامح كريم

تأليف : امل شانوحة     الخيانة المُدمّرة  تفاجأت سلمى بحصولها على دعوة لبرنامجٍ تلفزيونيّ جديد ! أجلسوها فيه امام شاشةٍ مُطفأة ، حيث سألها ا...