الأحد، 26 يناير 2020

جيل المستقبل

تأليف : امل شانوحة

المختارون 

في ذلك الصباح , تأخر جون عن المحاضرة .. واثناء دخوله مُسرعاً الى الجامعة , إصطدم بطالبٍ متفوق مما أوقع بطاقته الجامعية التي كان يُريها لحارس البوّابة 
فانتبه جون بأن بطاقة الطالب ذهبيّة , بعكس بطاقته الزرقاء ! رغم انهما يدرسان معاً في السنة الأخيرة لهندسة الكمبيوتر..

كما لاحظ إرتباك الطالب الذي أسرع بإخفاء بطاقته ! ..فلحقه جون ليسأله:
- عفواً , هل غيروا بطاقتنا الجامعية ؟
الطالب بتلعثم : لا ابداً , كانت تلك بطاقة النادي الرياضي 
جون : لكن عليها شعار الجامعة !
- دعنا نستعجل قبل بدء المحاضرة 
وأسرعا الى القاعة , دون ان يجيبه على سؤاله !
***

في ليلة رأس السنة .. ارتفعت أصوات الأغاني في السكن الطلّابي , إحتفالاً بنهاية العام .. مما ضايق جون ورفاقه الذين ارادوا الدراسة لامتحانٍ مهم بعد العطلة الرسمية .. 
ولأن جون لم يستطع التركيز مع هذه الضجّة , خرج من المهجع باتجاه الجامعة , ليتفاجأ بأنها مفتوحة ! 
فاتصل على اصدقائه الثلاثة , مُقترحاً عليهم الدراسة في إحدى قاعاتها 
***

بعد تجمّعهم هناك , قام جون بإلهاء الحارس بعمل اصواتٍ في موقف السيارات , جعلته يبتعد عن البوّابة .. مما مكّنهم من التسللّ الى الحرم الجامعي .. ثم الصعود للطابق الأخير , حيث وجدوا إحدى غرفها مفتوحة .. فأقفلوا الباب عليهم من الداخل , وبدأوا الدراسة بهدوء  
***

بعد مرور الوقت .. نظرت جاكلين الى ساعتها :
- درسنا لساعتين متواصلتين , الا تريدون العودة للمهجع ؟
صديقتها : معها حق , فنهاية العام بعد ساعة .. دعونا نحتفل مع اصدقائنا
جون : عودوا ان اردتم , فأنا اريد إنهاء الفصل الأخير من الكتاب
صديقه وهو يمسك جواله : اللعنة !!
جون : مابك ؟
الصديق : اريد تصوير صفحة من الكتاب , لكن كاميرتي لا تعمل 
جون : أعطني جوالك .. سأصلحه هذه الليلة , فأنا خبير بهذه الأمور
صديقه : تفضّل !! .. (ثم قال للفتاتين) .. سأحاول إنهاء المسألة الرياضية سريعاً , لأعود معكما  
ففتحت جاكلين باب الغرفة وهي تقول : 
- سأذهب للحمام اولاً , لا تذهبوا من دوني 
صديقتها : وجدته مغلقاً قبل قليل , إبحثي في الطوابق السفلية  
***

بعد خروج جاكلين من حمام الطابق الثالث , ضغطت على زرّ المصعد للعودة الى اصدقائها في الطابق الرابع والأخير .. الا ان المصعد نزل مباشرةً الى الطابق السفليّ للجامعة !
وحين خرجت من المصعد , رأت ضوءاً قادماً من مسرح الجامعة  
فاقتربت من بوّابته العملاقة , لتسمع محاضرة في الداخل !

فاسترقت النظر من شقّ الباب المفتوح , لترى مدير الجامعة يُلقي كلمة على عددٍ من الطلاّب , برفقة استاذين .. جميعهم لبسوا أقنعة بلاستيكية تُخفي وجوههم ! ورغم ذلك تمكّنت جاكلين من تميز صوت المدير الجهوريّ ..

وقبل عودتها الى فوق لإخبار اصدقائها عن المحاضرة السرّية , إستوقفتها كلمات المدير وهو يقول لهم :
- انتم طلاّبنا المميزون الذي إخترناهم بعنايةٍ فائقة : فمنكم المبدعين وأوائل الدفعات , وابناء الذوات والأغنياء , وأبرع شبابنا الرياضيين .. كما اخترت بنفسي المشاغبين الطمّاعين الذين لا يمانعوا في بيع مبادئهم الأخلاقية لأجل مركزٍ مرموق او مال .. ولهذا ميّزناكم بالبطاقات الذهبية .. فأنتم جيل مستقبلنا الواعد !! 
وصفقوا جميعاً ..

فقالت جاكلين في نفسها : ((آه ! البطاقة الذهبية التي أخبرني عنها جون .. اذاً أعطوها للطلاّب المميزين .. لكن لما مدح الطلاّب السيئين الذين تخلّوا عن مبادئهم ؟! فالأمر يُخالف تعاليم الجامعة ! .. ولما يخفون وجوههم بهذه الأقنعة المرعبة ؟! ..عليّ تنبيه اصدقائي للخروج من هنا فوراً , فحدسي يشعرني بمصيبةٍ قادمة))

لكن عادت واستوقفتها كلمات المدير وهو يقول لهم : 
- جميعكم ستتوظفون بأرقى الوظائف الحكومية فور تخرّجكم من هنا .. اما بقية الطلاّب , فعليهم تدبير امورهم بوظائف روتينية لا تأثّر على قرارات الدولة .. ولكيّ تضمنوا مراكزكم المستقبلية , عليكم تنفيذ اوامر جمعيتنا بالحرف الواحد دون مناقشة او اعتراض .. فبتضامننا معاً نبني مجتمعاً يخدم مصالح جمعيتنا السرّية !!
فصرخ جميع الطلاب المقنّعون بصوتٍ واحد : 
- تحيا جمعية المتنورين !! 

فقالت جاكلين في نفسها برعب : ((يا الهي ! الماسون يجنّدون الطلاّب منذ الآن , لهذا اختار المدير الطمّاعين الفاسدين .. اذاً لا قيمة لشهاداتنا المزوّرة , فالنتائج حُسمت سابقاً !.. اولاً لأخرج اصدقائي من هنا , من بعدها أقنعهم بتغير جامعتنا المُسيّسة))

وهنا رأت الأستاذ يقترب من المدير ليعطيه الجوال وهو يقول :
- سيدي , الحارس يريد إخبارك بأمرٍ مهم

فأسرعت جاكلين نحو المصعد .. ورغم انها ضغطت الزرّ عدة مرات , الا انه تأخّر كثيراً في النزول ! 
وقبل صعودها الأدراج , وصل اليها .. فدخلته وضغطت على زرّ الطابق الأخير .. 
لكن قبل تحرّكه بلحظات , أوقفه طالبٌ بيده .. والذي وقف بجانبها وهو ينظر اليها بنظراتٍ حادّة ! 

وقبل صعود المصعد , عاد وأوقفه طالبٌ أخر .. وهكذا الى ان أصبح عددهم اربعة شباب (من ذويّ العضلات المفتولة) أحاطوا بجاكلين في الوسط , وهي ترتجف من نظراتهم الغاضبة اتجاهها! 

فقالت في نفسها  :((هل ازالوا اقنعتهم للحاق بي , بعد ان أخبرهم الحارس بتسلّلنا للجامعة ؟! .. وهل سيسمحون بخروجنا من هنا سالمين ؟)) 

وهنا اسرعت بالضغط على الزرّ الأرضيّ .. فسألها الشاب :
- الم تكوني صاعدة الى فوق ؟
جاكلين بتلعثم : اريد الخروج من الجامعة 
الشاب الآخر : ولما اتيت الى هنا بهذا الوقت المتأخر ؟
جاكلين : ظننت ان صديقي هنا , لكن يبدو انه عاد الى السكن الجامعي
(قالت ذلك لإعطاء الوقت لأصدقائها للهرب من الجامعة)
***

فور خروجها من المصعد , تفاجأت بجميع الطلاّب مجتمعين في ساحة الجامعة (بعد خروجهم من المسرح) .. وقد استشعرت غضبهم خلف أقنعتهم المرعبة !
وهنا سمعت الشاب (الذي كان معها بالمصعد) يقول لهم :
- أمسكوا الدخيلة !!

وما ان قال ذلك , حتى ركضت جاكلين بأسرع ما يمكنها باتجاه بوّابة الجامعة .. لكنها شعرت بشيءٍ بارد يمرّر على خلفيّة رأسها .. وبعدها أحسّت بشيءٍ دافيء يسيل بين خصلات شعرها , مع شعورها بالألم .. فعلمت إن الشاب جرحها بشيءٍ حادّ .. وقبل ان تستوعب ما حصل ! رأت المدير يأمرهم من بعيد :
- لا تجعلوها تخرج من هنا حيّة !! أقضوا عليها وعلى اصدقائها الثلاثة 
فأخرج كل طالبٍ سكينة من جيبه , وبدأوا بملاحقتها ..

فأسرعت جاكلين بتسلّق شجرة ضخمة في وسط الجامعة ..
ومن فوق : شاهدت اصدقائها وهم يحاولون مقاومة المقنّعين بكل قوتهم وهم يصرخون بألم (بعد ان أطلعهم الحارس عن مكانهم في الطابق الأخير من خلال كاميرات المراقبة) ليقوم الجميع بضربهم بالعصيّ والسكاكين بوحشية في ساحة الجامعة !
الى ان قضوا على صديقيها .. اما جون , فقد شاهدت الحارس يرميه في صندوق السيارة .. وكان هذا آخر ما شاهدته جاكلين , قبل تمكّن طالبٌ ضخم من إنزالها من الشجرة بالقوة , وضربها حتى الموت !
***

في صندوق السيارة .. سمع جون (الذي كان يحتضر من جروحه الخطيرة) صوت المدير وهو يسأل الحارس :
- هل تأكّدت من موته , قبل دفنه مع اصدقائه بالغابة ؟
صوت الحارس : نعم سيدي , لكن ماذا سنخبر الأهالي عن اختفائهم المفاجىء ؟ 
فسكت المدير قليلاً , قبل ان يقول : 
- أتدري .. الأفضل ان تترك مهمة الدفن لطلّابنا الرياضيين .. وانت إسرع بحذف ما سجّلته كاميرات المراقبة لهذه الليلة .. وان سألتك الشرطة لاحقاً عما حصل , تُخبرهم بأن الجامعة كانت مغلقة ليلة رأس السنة .. كما اريدك ان تتصل بخادمينا المخلصين لمسح الدماء من الساحة , واخبرهم انني سأضاعف مكافأتهم لعملهم في يوم عطلتهم .. 

صوت الحارس : وماذا نفعل ان وجدت الشرطة جثثهم في الغابة؟ 
صوت المدير : الى ان يجدوهم , يكونوا تحلّلوا بالكامل واختفت معهم آثار الجريمة .... ولا اريد تذكيرك بضرورة تحطيم جوالاتهم التي أخذناها منهم.. 

وهنا سمع جون صوت استاذه الجامعي يقترب من المدير ويقول :
- لا داعي لكل هذا القلق .. فرئيس الشرطة من طلاّبك القدامى , ولن يفضح سرّية جمعيتنا
صوت المدير : آه صحيح , نسيت امره .. اذاً اتصل فيه واخبره عن المتسلّلين الأربعة , ليساعدنا بإخفاء الجريمة
صوت الأستاذ : كما تشاء سيدي

وهنا تذكّر جون بأن جوال صديقه مازال معه (بعد ان سرقوا جواله) ... فأخرجه من بنطاله , اثناء سير السيارة نحو الغابة لدفنه .. لكنه لم يتصل بالشرطة (بعد علمه بتورّط رئيسهم مع الجمعية السرّية) .. بل ارسل ملخّصاً عمّا حصل له ولأصدقائه الى ايميل أهم صحيفة بالبلد , وأطلعهم فيها على إسم المدير والأستاذين المتورّطين بالأمر .. 
بعدها لفظ جون انفاسه الأخيرة لفقده الكثير من دمائه !
***

بعد ساعة .. إتصل رئيس الصحيفة بمدير الجامعة ليخبره عن رسالة جون , وهو يقول :
- جيد انني مرّرت بمكتبي قبل ذهابي لحفلة رأس السنة , والاّ لكان الإيميل أحدث ضجّةً عارمة لوّ قرأه أحد الموظفين بعد انتهاء العطلة 
مدير الجامعة : أشكرك لأنك حذفته
- بالطبع سأفعل !! فأنا من تلاميذك الأوفياء , ولولا جمعيتك السرّية لما حصلت على هذه الوظيفة الراقية .. لكن أتمنى ان لا تنسى مكافأتي 
- مكافأتك محفوظة ايها الطمّاع
- شكراً سيدي ..

وبعد إغلاقه الهاتف , قال له سكرتيره (المنتسب ايضاً للجمعية) : 
- لما استعجلت بحذف رسالة الضحية ؟ كنت استغلّيتها للحصول على المزيد من المال , فرؤساء الجمعية من اثرياء البلد
رئيس الصحيفة : يا غبي !! هؤلاء لا يمكن التلاعب معهم .. فإما ان تنفّذ اوامرهم بكل تفانيٍ واخلاص , او يرسلوك الى جهنم بأسوء طرق التعذيب الشيطانية .. فهم المتحكّمون بالحكومات والدول ..ونحن لسنا سوى أحجار شطرنج ! 

هناك تعليق واحد:

  1. قصة رائعة ولكن كنت اتمنى ان تنتهي القصة بهرب الاصدقاء من الجامعة

    ردحذف

إذا انتحرت , سأقتلك !!

تأليف : امل شانوحة   طاقتك الإيجابية ستنقذك من الموت !  إقترب شابٌ مُكتئب بخطواته المتثاقلة من حافة الجبل .. وتنهّد بضيق وهو ينظر لل...