السبت، 1 فبراير 2020

الجندي البدين

تأليف : امل شانوحة
رسوم متحركة .. الجزء الثاني من الطباخ الصغير
رابط الجزء الأول :
https://www.lonlywriter.com/2018/11/blog-post_24.html

بطولة طبّاخ الجيش 

مع استمرار الحرب العالمية الثالثة للسنة الرابعة على التوالي , وموت ملايين البشر حول العالم , إضّطرت الحكومات لتجنيد إجباري للمراهقين , حتى لوّ كان الولد الوحيد لوالديه !

وكان بوب في عامه 15 حين أُخذ جبراً من بيته , دون اكتراث الحرّاس لتوسّلات وبكاء امه الأرملة .. 

ثم اقتيد للإنضمام مع رفاقه في جيشٍ ضمّ جنوداً من صغار السن .. وكان واضحاً منذ البداية إنه غير مناسب للتجنيد بسبب وزنه الزائد .. لكن النقيب أمِل بأن التدريبات القاسية لثلاثة شهور كفيلة بتنحيفه , قبل إرساله مع دفعته الى جبهة الحرب

وكان الأمر شاقاً على بوب منذ ليلته الأولى في المهجع حيث نام باكياً شوقاً لأمه , ولشدة جوعه لأن العشاء لم يكن سوى عصيدة سيئة الطعم .. وبصعوبة استطاع النوم مع تباشير الصباح .. ليتفاجأ بالنقيب يصرخ في وجه بعد ساعاتٍ قليلة للنهوض والقيام بالتدريبات العسكرية الصباحية !
***

بعد ساعات من التمارين المتواصلة , تنحى بوب جانباً محاولاً التقاط انفاسه , وهو يشعر بنبضات قلبه تمزّق صدره من شدة الإرهاق والتعب .. لتنهال عليه انتقادات النقيب القاسية التي جعلته يتابع التدريبات الشاقة لساعةٍ أخرى , قبل سقوطه مغمياً عليه !

واستيقظ لاحقاً في غرفة التمريض على صوت الطبيب يُخبر النقيب بضعف قلبه بسبب الكوليسترول الزائد في دمه .. وكان هذا سبباً لحصوله على إذنٍ رسمي بتقليل تمارينه البدنية  

بعدها بأيام , فشل بتمارين الرماية ! لتأتي نتيجة الفحص الطبي وتثبت ضعف نظره ايضاً .. 

ورغم عيوبه الجسدية الا ان الإدراة العسكرية رفضت تسريحه , خوفاً من تشجيع غيره على التهرّب من واجبهم الوطني !
***

بعد اسبوعين من تجنيده .. أصبح بوب اسوء مجنّد في المعسكر بعد فشله بجميع التدريبات العسكرية .. 

وكان أكثر ما أغضب النقيب منه : هو تقيؤه للطعام وسط القاعة (لسوء طعمه) .. فعاقبه بالوقوف طوال الليل في الساحة تحت المطر , ليُصاب لاحقاً بنزلة بردٍ شديدة ! 

ولسوء لياقته الصحية فقد تعود الطبيب العسكري على رؤيته من وقتٍ لآخر في المستشفى الميداني , والذي نصحه باستمرار بإنقاص وزنه لسلامة قلبه الضعيف 
***

مع نهاية الشهر الأول في المعسكر التدريبي .. لم يستطع بوب تحمّل المزيد , فحاول الهرب مساءً من الثكنة .. الا ان ثقل وزنه منعه من القفز فوق الأسلاك الشائكة , ليتم إسعافه لاحقاً في غرفة التمريض بعد التواء قدمه إثر سقوطه من فوق السور ! 

واثناء وجوده هناك , قال له الطبيب معاتباً :
- كفّ عن البكاء يا بوب , فالرجال لا تبكي
بوب بحزن : انا لست رجلاً , مازلت مراهقاً صغيراً
- وكذلك جميع افراد دفعتك
- وما ذنبنا ان نُقتل في حربٍ إفتعلها الساسّة الكبار ؟ الا يكفي موت ابي في بداية الحرب , وبقاء امي وحدها دون معيل ؟
الطبيب : وهل كنت تساعدها ؟
- نعم , كنت اطبخ معها في مطعمنا الشعبي
- هل انت طباخ ؟!
بوب : أكيد !! وبارعٌ جداً في عملي 
- اذاً اخيراً وجدنا شيئاً يبقيك معنا في الجيش
- لكني لا اريد البقاء هنا !!
- لحظة , سأعود بعد قليل

وذهب الطبيب الى النقيب ليخبره بما قاله بوب .. 
النقيب : أتقترح نقله الى مطبخنا ؟!
الطبيب : نعم .. طالما انه فشل بجميع الإختبارات , فليس امامنا الا الإستفادة من مهارته في الطبخ ..
النقيب بعصبية : حسناً.. فور تشافي قدمه , أرسله لمساعدة طباخنا العجوز .. لكني أحلف ان كان طبخه سيئاً , سأفرّغ مسدسي في كرشه الكبير !! فقد أتعبني قلّة همّته وبكائه كالأطفال
الطبيب : لتكن هذه فرصته الأخيرة
***

بعد اسبوع .. نُقل بوب الى مطبخ الجيش ..
وهناك قال له الطباخ العجوز : 
- عليك ان تفهم منذ الآن انك مساعدي فقط .. ولن اسمح لك بالتدخّل في قائمة الطعام او المقادير.. هل فهمت ؟!!
بوب : حاضر شيف , فالعمل هنا أهون من التمارين القاسية
- لا تفرح كثيراً .. أرايت الصندوق الكبير الذي هناك ؟
- نعم
الطباخ : انه مليء بالبصل .. خذّ السكين وابدأ العمل فوراً

وكان فيه ما يقارب 10 كيلو بصل .. 
فشرع بوب في العمل , وهو يقول في نفسه :
((يبقى البصل أفضل من إصابتي برصاصةٍ طائشة اثناء التمارين , وبحجّتها أبكي شوقاً لأمي دون ان يلومني احد))
***

بعد انتهاء الغداء ..واثناء إزالة بوب للصحون من قاعة طعام , إقترب منه النقيب غاضباً :
- الشوربة لم تكن جيدة يا بوب !!
بوب : أعلم ذلك .. فملحها كثير وبهاراتها قليلة , والصلصة لم تُسبّك جيداً
- اذاً لما لم تصلحها ؟!
- الطبّاخ لم يسمح لي بلمس الطعام , وقمت فقط بتقطيع الخضار
النقيب : أحقاً ! سأذهب للتحدّث معه  

وفي المطبخ .. طلب النقيب من الطباخ السماح لبوب بإعداد طبق الغد , لتقييم موهبته في الطبخ .. 
وبعد مناقشةٍ طويلة , وافق الطباخ العنيد على ذلك !
***

في ظهر اليوم التالي .. ساد الهدوء ارجاء قاعة الطعام , بعد تلذّذ الجميع بمذاق اللازانيا التي فاقت توقعاتهم ..وكان النقيب اكثرهم إعجاباً بالطبق الذي شابه طبخ والدته المتوفاة , والذي جعله يُصفّق لبوب فور دخوله القاعة , قائلاً بصوتٍ عالي :
- أُعلنك منذ اليوم , رئيس مطبخنا الجديد !!

وضجّت القاعة بالتصفيق والصفير .. وأدمعت عينا بوب فرحاً بوظيفته الجديدة التي أغضبت الطباخ القديم بعد إعلان تنحيته عن وظيفته , قائلاً في نفسه بقهر : 
((أفنيت عمري بالطبخ لهم دون تقديرٍ منهم , بينما حصل الصغير الأرعن على وظيفتي من طبقٍ واحد .. غداً , سأجعلهم يندمون جميعاً !!))
***

في غداء اليوم التالي .. شكر الجميع بوب للمرة ثانية على طبق الأرز بالدجاج الفاخر .. 

لكن بعد ساعة على انتهاء الغداء , أُصيب الكثيرون منهم بالإسهال والتقيؤ .. وتأهّب الأطباء العسكرين لمعالجتهم , بعد إعلان حالة تسمّم للدفعة بكاملها !

ولاحقاً أجرى النقيب تحقيقاً مع الطباخ العجوز الذي أخلى مسؤوليته بعد استلام بوب لمهمة إعداد الطعام .. وبدوره أكّد للضابط مراعاته لقوانين النظافة , واستخدامه مكونات غير منتهية الصلاحية !

الا ان كلاهما لم يعلما بوجود كاميرا خفية في سقف المطبخ , التي فضحت الطباخ العجوز وهو يضع بهاراً اخضراً في قدر الدجاج قبل تقديمه ..

وبعد البحث في اغراضهما , وُجد المرطبان الصغير في خزانة العجوز ..لتأتي نتيجة المختبر العسكري وتؤكّد بأنه دواء مسحوق للإسهال .. فتمّ طرد العجوز من الخدمة .. بينما ازدادت شعبية بوب بين افراد دفعته بسبب اطباقه الفاخرة التي أبهرهم بها كل يوم 
***

مع مرور الأيام .. أصبح الجميع يتوقون لفترة الغداء لتجربة اطباق بوب المميزة , حيث كانوا يطرقون بالشوك والملاعق على الطاولات لاستعجاله في تقديمها .. كما ألفوا له مقاطعاً غنائية , أدخلت السرور الى قلبه
***

بعد انتهاء الشهور الثلاثة للتدريبات العسكرية , حان وقت إرسال الدفعة الى وجهة الحرب .. ونُقل بوب معهم كطباخ الكتيبة الذي حرص على أخذ كل ما يلزم مطبخه الميداني , وهو مطمئن على حياته بعد ان وعده النقيب بأن مهمته تقتصر على إطعام الجنود دون الإنخراط بالمعارك 
***

لكنه احتار هناك كيف ينوّع طبخاته من مكوناتٍ محدودة من الخضار التي لا تفسد سريعاً : كالبطاطا والبصل والكرنب والجزر , محاولاً ما في وسعه إسعاد اصدقائه العائدين من المعارك الدامية .. رغم تعبه النفسيّ  كلما أُصيب أحدهم او قُتل في ساحة الحرب 
***

في ليلةٍ مظلمة , أسر رفاقه ملازماً من الفرقة المعادية .. وكان على بوب إطعامه لحين مبادلته مع اسرى فرقته ..
ومما سهّل عمله هو إتقان الملازم العدو للغة بوب , والذي شكره كثيراً على طعامه اللذيذ الذي أسعده داخل سجنه الكئيب
***

بعد شهر , عُقدت إتفاقية مبادلة .. وتمّ إعادة الملازم الأسير , مقابل عودة خمسة من الجنود التابعين لفرقة بوب

وبعد عودة الأسير الى سرّيته , بدأ يتملّل من طعامهم السيء ومقارنته بطعام بوب اللذيذ الذي قال عنه : 
- لدى كتيبة العدو طباخاً مراهقاً اسمه بوب .. هو بدين ومنظره مضحك , لكن طعامه من الجنة رغم استخدامه مكوّناتٍ بسيطة 
جندي باستغراب : وهل يطعمون أسراهم من طعامهم الخاص ؟! 
الملازم : ليس هذا فحسب , بل أضاف الى وجبتي الرئيسية : كعكٌ بالزنجبيل , او كيكة البرتقال والبودينغ ..

الجندي الآخر بدهشة : أأعطاك حلويات ايضاً ؟!
- نعم , وهي جيدة الصنع .. ولن تصدّقوا براعته في الطبخ
- انت محظوظ سيدي , فطباخنا سيءٌ للغاية ولا يحضّر لنا سوى الفاصوليا اليابسة 
الملازم : اذاً ما رأيكم ان نقوم بهجمةٍ مفاجئة لخطف طباخهم البدين ؟
- أتتكلم بجدّية , سيدي ؟!
الملازم بحماس : نعم !! لوّ ذقتم طعامه الفاخر , لفكّرتم بالأمر ذاته
- حسناً , لما لا .. 
***

وبالفعل تفاجأت ثكنة بوب بهجومٍ مباغت بالقنابل الصوتية (لأن سرّية العدو لم ترد إصابة بوب بالخطأ)
واثناء انشغال الجنود بالإشتباكات معهم , تسللّ الملازم (الأسير السابق) الى مطبخ الثكنة لخطف بوب المُختبئ اسفل الطاولة , بعد ان هدّده بالسلاح

وبعد وضعه في الشاحنة , إنسحب جنود العدو من المكان دون حدوث اصابات او قتلى من الجهتين !
***

بعد ساعة .. لاحظ الرفاق إختفاء بوب بعد بحثهم عنه في كل مكان , فأصيب الجميع باليأس والحزن على اسر العدو لطباخهم البارع 

في هذه الأثناء , داخل شاحنة العدو.. سأل بوب الأسير السابق بقهر :
- أهذا جزائي لأني اهتممت بطعامك ؟!
النقيب : ولأجل هذا أردّت ضمّك الى مطبخنا المجهّز بكل شيء , فنحن لدينا الكثير من الإمكانيات عكس دولتكم الفقيرة
بوب : أتقصد ان لديكم لحوم ودجاج ؟!
- نعم كل ما يلزمك لإعداد اطباقك الشهيّة 
بوب بحماس : ممتاز !! فلي شهرين لم اطبخ سوى الخضروات , وانا بارعٌ اكثر باللحوم 

النقيب : جيد .. لكننا سنضع مراقباً عليك , خوفاً من ان تضع السمّ في طعامنا
- انا لا تهمّني نتائج حربكم السخيفة , كل ما يهمّني هو اعجاب الناس بطبخي مهما كانت جنسيتهم
النقيب : أحسنت !! وعلى فكرة , جميع الجنود متشوقين لتناول طعامك بعد ان أخبرتهم ببراعتك في الطبخ .. لكن لا أحد منهم يتقن لغتك .. فإن اردّت شيئاً , أطلبه مني وانا أترجمه لهم 
فأومأ بوب برأسه إيجاباً ..
***

ومنذ طبخته الأولى حصل على إعجاب الجميع , لكنه شعر بخيانة بلده لخدمته العدو , لكنه مُجبر على تنفيذ الأوامر

بعد شهرين ..إعتاد جنود العدو على طعام بوب , ووثقوا به لدرجة انهم لم يعودوا يراقبونه في المطبخ واعطوه كامل الحرية 
***

في أحد الأيام .. أدخل بوب الطعام الى قائدهم في غرفة الإرسال , ليجده يستحم في الحمام الخارجي .. 

وقبل خروجه , سمع رسالةً صوتية من جندي المراقبة : 
- هل يسمعني احد ؟!!
(وكان بوب قد حفظ بعض الكلمات الأجنبية خلال الشهرين التي قضاها في معسكرهم) .. فأجابه بتردّد : 
- نعم , انا القائد .. ماذا هناك ؟
فأخبره بأن جنود العدو (ايّ كتيبة بوب) يقتربون منهم , وهناك احتمال لهجومٍ مباغت هذا المساء..
بوب وهو يكتم فرحه : حسناً عُلم .. ولا ترسل رسائل اخرى الينا , كيّ لا تلقتطها أجهزتهم اللّاسلكية
- حاضر سيدي

وخرج بوب سريعاً من خيمة القائد بعد تركه الطعام على طاولته .. وذهب الى المطبخ وهو يفكّر بطريقة لمساعدة اصدقائه في هجمتهم القادمة.. فتسلّل الى غرفة التمريض , وسرق منها ادوية المنوّم .. وعاد الى المطبخ لطحنها جيداً
*** 

في المساء .. وضع بوب مسحوق المنوّم في حساء العشاء الذي قدّمه لجنود العدو .. 
وما ان انهوا طعامهم حتى أحسّوا بالكسل والنعاس , فعادوا الى ثكنتهم ليناموا على الفور 

كما توقف الحارسان عن المراقبة في أعلى البرج بعد شعورهما بالإرهاق الشديد , وغفيا على كرسيهما !

وبعد ان ساد الهدوء المعسكر , أسرع بوب الى خيمة القائد الذي وجده نائماً في سريره , حيث دلّ شخيره العالي على نومه العميق 

فتوجه الى جهاز المعلومات التلغرافية , ليرسل بشفرة مورس رسالة قصيرة :
((انا الطباخ بوب .. وضعت منوّماً في طعامهم .. إسرعوا باقتحام المعسكر , فالمنوّم سيدوم ساعتين فقط)) 

وفور قراءة نقيبه الرسالة , أمر جنوده بالهجوم على معسكر العدو الذين استيقظوا مرتعبين بعد إقتحامهم الثكنة ! 

وكانت هجمةً سريعة وناجحة , إنتهت بنقل جنود العدو الى معسكرات الأسر , دون سقوط جرحى او موتى بالطرفين !  

وفي تلك الليلة .. كُرّم بوب بميدالية الجشاعة ضمن احتفالٍ كبير مع رفاق دفعته الذين سعدوا بعودته سالماً اليهم .. 

وكان عمله البطولي سبباً في فقد العدو سيطرته على تلك المنطقة , مما شجّع جيش المراهقين للمُضيّ قدماً مُحققين انتصارات متتالية , أدّت لتقهقر العدو الى الخلف 
***

وكمكافأة لبوب , تمّ إعادته الى بلدته التي استقبلته بحفلٍ شعبي ضخم .. 
وحضنته امه بفخر لعودته اليها بطلاً ورشيقاً وبشخصية أكثر قوةً وصلابة 
ولاحقاً وضع بوب نيشانه في صندوقٍ زجاجي فوق قبر والده 
***

وقبل احتفالات رأس السنة الجديدة , أعلن انتهاء الحرب العالمية الثالثة بعد سحب الدول الكبرى جنودها من المناطق المتعاركة .. وعُقدت اتفاقيات السلام بين الحكومات والأحزاب المتحاربة.. 

وبهذه المناسبة .. أقام بوب حفلاً ضخماً إحتفالاً بعودة اصدقائه سالمين الى بلدتهم , وقدّم لهم أطباقاً مجانية .. كما أسعده قبول النقيب دعوته والذي عبّر عن فخره بشهرة المطعم في ارجاء البلاد , ليصبح لاحقاً من زبائنه الدائمين !  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سحر التفريق

 تأليف : امل شانوحة   خططٌ شيطانية في عصر ذلك اليوم .. أقفل الدكتور عادل عيادته ، وخرج من المبنى باتجاه سيارته .. وبالكاد تحرّك بضعة امتار ،...