الثلاثاء، 11 فبراير 2020

الطفل المنغولي

تأليف : امل شانوحة


الأب القاسي

أنكرته منذ كونه جنيناً , بعد ان أخبرنا الطبيب إنه مُصاب بمتلازمة داون 
ومن يومها وانا ألحّ على زوجتي بإجهاضه .. لكنها رفضت بشتّى الطرق , وكأنها تتعمّد جعله عقبة في طريق نجاحي ! فأنا الإبن الوحيد المدلّل لعائلةٍ ثريّة , وصاحب اكبر شركة سيارات في الشرق الأوسط .. الرجل الوسيم الذي تتهافت عليه قلوب العذارى .. فكيف لشخصٍ مثاليّ ان ينجب طفلاً معاقاً ؟!  

في بادىء الأمر ترجّيتها بإنهاء هذا الكابوس , ووعدتها بإنجاب عشرات الأبناء الأصحّاء .. لكنها تحجّجت بحرمة الأجهاض ! 
فهجرتها لأسابيع , لتُصرّ بدورها على البقاء في منزل اهلها لحين الولادة .. فبدأت أخونها لأثير غيرتها , لكنها فضّلت طفلها المشوّه عني !  

بعد شهور .. إتصلت حماتي لتخبرني بأنه وُلد في شهره السابع وبأن صحته في خطر , وطلبت مني زيارته لتوديعه .. 
لا أنكر مدى سعادتي بالخبر .. ودعوت ربي كثيراً بأن لا ينجو من محنته , علّ اموري تنصلح مع زوجتي .. لكنه أعند من امه , وقاوم الموت لأسبوعين ونصف ! 

وحين علمت بخروجهما القريب من المستشفى , شعرت برغبةٍ ملحّة لرؤيته ! وتعمّدت الذهاب متأخراً كيّ لا يراني احد .. وتوجهت مباشرةً لغرفة الحضّانات , رغم انني لم ارى زوجتي منذ شهور .. واستطعت تميزه على الفور , فهو أقبح طفلٍ هناك .. وشعرت بالغضب الشديد لاختلاف هيئته عن الملائكة الصغار من حوله ... 

وقبل خروجي من الغرفة , وضعته الممرضة الغبية بين ذراعيّ .. حيث كان يتثاءب بنعاس , وأسند رأسه الصغير على صدري وكأنه يحاول الإستماع الى دقّات قلبي القاسي .. وما شعرت به تلك اللحظة أخافني لدرجة انني أعدّته سريعاً الى الممرضة , بعد ان وضعت المال في يدها لتُخفي قدومي عن الأخرين .. واسرعت بالخروج وانا أحسّ بمشاعرٍ مختلطة .. 

لكن اهم ما كان يشغل بالي هو عدم رؤية اقاربي واصدقائي لإبني المعاق .. لهذا اتفقت مع عائلة زوجتي بأن نُعلن خبر وفاته , مقابل راتباً شهريّ أدفعه لهم .. فقبلت زوجتي مُرغمة لرغبتها في مساعدة عائلتها الفقيرة .. 
وعادت مع ابني رضا الى قصري , بشرط ان يعيش مع المربية في القبو بعيداً عن الأنظار .. وبذلك استرجعت حياتي السابقة .. 

لكن مع مرور الأيام خسرت حب زوجتي بسبب تجاهلي المستمرّ لإبني البكر الذي قارب سن المراهقة , رغم انني لم أضربه يوماً .. وقمت فقط بوضع القوانين له : كمناداتي بالسيد جهاد .. ومنعه الظهور امام الغرباء .. مع السماح له باللعب مع اطفالي الثلاثة الأصحّاء .. دون علمه بأنني والده الحقيقي , وبأنهم اخوته الصغار الذين أخبرتهم بأنني سرقته من الميتم حين كان طفلاً لأحميه من سوء معاملتهم , وانه سيُعاد الى حياته البائسة في حال أفشوا مخبئه السرّي .. فوافقوا على كتمان السرّ , لأنهم يحبون اللعب معه  

اما زوجتي فهدّدتها مراراً بالطلاق وحرمانها من ابنائها في حال أخبرتهم الحقيقية .. ولهذا اعتدّتُ على رؤيتها تبكي امام قبر رضا الوهميّ في فناء حديقتنا !

وخوفاً من انكشاف سرّي , إضّطررت لطردّ عدّة مربيات لشكّهم في الأمر .. مما حطّم قلب رضا الذي تعلّق بكل واحدةٍ منهنّ ! 
ويبدو ان كتمان زوجتي لحزنها كل هذه السنوات أرهق قلبها الضعيف , مما جعلها طريحة الفراش .. 

ومازلت أذكر يوم احتضارها ..حين ضغطت بما تبقى لها من قوة على يدي , وهي تترجّاني للمرة الأخيرة :
- ارجوك يا جهاد , إرحم رضا قبل ان يعاقبك الله بذنبه ..
فوعدتها بتحسين علاقتي معه , لإراحتها قبل وفاتها .. لكنه لم يتغير شيء بعد رحيلها !

اما الشيء الذي جعلني أكتب قصتي .. فهو ما حصل في تلك الليلة الكئيبة , خلال تغيّب الخدم والمربية بإجازة العيد .. 

في ذلك المساء .. أيقظني رضا (15 عام) من نومي , وهو يهزّني بعنف  
وما ان رأيت وجهه القبيح فوقي , حتى إنتفضت في وجهه غاضباً:
- أعوذ بالله , أفزعتني يا رضا !! الم أفهمك انه ممنوعٌ عليك الإقتراب من غرفتي ؟!!
فقال بكلماتٍ متلعثمة :
- أنقذهم !! .. نار !!  

وعلى الفور ! إشتممت رائحة دخان في الخارج ..فأسرعت مرتعباً الى غرفة اولادي ..

ويبدو ان الدخان أفقدهم الوعيّ , فهم لم يسمعوا صراخي انا ورضا .. كما لم استطع إخراجهم , بسبب النار المشتعلة من قابسٍ كهربائي في الممرّ الطويل الذي يفصلني عن غرفتهم .. 

أتدرون ما حصل بعدها ؟ .. تفاجأت برضا يخترق ألسنة النار متوجهاً نحوهم ! واختفى لبعض الوقت في غرفتهم , قبل خروجه حاملاً ابنتي (7 سنوات) ..واعطاني إياها قبل عودته ثانيةً الى الداخل , مُتجاهلاً آلام حروقه .. ليخرج بعد قليل , حاملاً أخويه التوأمين (5 سنوات)... ثم انطلقنا هاربين لخارج القصر , حاملين الأولاد (غائبيّ الوعيّ) .. 

واثناء وجودنا في حديقة القصر , سمعنا صافرات الأطفاء تقترب من المكان ! ويبدو ان الجيران اتصلوا بهم .. فتنفّست الصعداء لسلامة جميع ابنائي .. 

لكن ما حصل بعدها حطّم قلبي تماماً .. حين أسرع رضا الى القصر المحترق وهو يقول :
- نسينا الببغاء !!
ظانّاً بأن الطائر أغلى من حياته ! لأني لطالما فضّلته عنه , وقارنته به .. بل أخبرته مراراً انه أذكى منه .. 
ودخل القصر مُتجاهلاً صرخاتي .... لكنه لم يخرج ابداً !

لاحقاً , أعطيت الأذن للشرطة بدفن جثته المتفحّمة في حديقة قصري .. قبل ذهابي مع اولادي الى بيتي في الجبل , حيث قضوا ليلتهم في بكاءٍ مرير حزناً على موت صديقهم اليتيم , دون علمهم بفقدان أخيهم الأكبر.. بينما استطعت بصعوبة كتمان حزني ودموعي .. 
ورغم ان السرّ مات مع رضا , الا انني طلبت من اولادي كتمان وفاته عن الجميع !

في اليوم التالي , زارني الأقارب والأصدقاء للإطمئنان علينا بعد سماعهم الخبر , وهنأوني بالسلامة .. كما أبدى شريكي إستعداده لتصليح القصر على حسابه .. ومع ذلك بقيت صامتاً بحزنٍ شديد , فتساءلوا عن السبب ؟
فأخفيت الأمر , خوفاً من لومهم وتعليقاتهم القاسية لنكران إبني كل هذه السنوات ..

ومع إصرارهم على معرفة السبب , إنفجرت باكياً بصوتيّ المُنكسر : 
- مات ببغائي الغالي !!!  

فضحكوا ساخرين من رقّة قلبي ! ووعدوني ببغاءٍ آخر .. دون علمهم بأن رضا لا يمكن تعويضه .. 

ابني البكر الذي لطالما تساءلت ربي عن سبب وجوده في حياتي ؟ ليصلني الجواب بطريقةٍ موجعة : فلولاه لما نجوت واولادي من موتٍ محقّق 
لأعلم متأخراً انه ملاكي الحارس الذي سأفتقده للأبد ! 

*****
ملاحظة :
القصة مستوحاة من احداثٍ حقيقية حصلت في إنجلترا .. حيث قام الأب الثريّ بقتل رضيعه المنغولي برصاصةٍ من مسدسه الذهبي , ودفنه في قبو قصره .. 
الغريب ان بعد الحادثة بسنوات , إنتحر الوالد وزوجته واولاده الشباب الثلاثة بنفس المسدس الذهبي!
والى اليوم مازال يُسمع بكاء طفلٍ في قبو القصر المهجور الذي أصبح مزاراً لمحبي الأشباح والظواهر الخفيّة !  
***
وبرأيّ : المنغوليون هم البشر الوحيدين الذين لا يملكون حقداً وشرّاً في قلوبهم , وكأنهم ملائكة في مهمةٍ إلالهية خفيّة ! 

هناك تعليقان (2):

موعد مع الشيطان

تأليف : امل شانوحة   انتِ ملكٌ لي !! في تلك الليلة .. ارسلت صديقتها نسخة عن مكالمتها الغرامية مع حبيبها .. ونصحتها بتركه لأنه شخصٌ ...