الأحد، 20 أغسطس 2023

حُرمة الموتى

تأليف : امل شانوحة 

الجثث التعليميّة


في غرفة التشريح الخاصّة بجامعة الطبّ .. إنشغل الأستاذ بأمرٍ عائليّ ، فترك طلّابه يُشرّحون الجثة وحدهم .. 


وبعد ساعة من البتر والتقطيع ، دخل الطالب مروان بوجهٍ حزينٍ ومتعب 

فسأله صديقه وهو يحمل القلب الذي أخرجه من الجثة  :

- لما قطعت إجازتك يا مروان ؟

فردّ بيأس : بقائي في سكن الطلّاب يزيد كآبتي ! الأفضل إشغال نفسي بالدراسة

- كما تشاء .. خُذّ المشرط ، واقطع الّلسان.. فالدكتور أمرنا بإزالة جميع الأعضاء من الجثة ، ووضعها في البرّاد .. وهو سيقيّم عملنا غداً  


وحين اقترب مروان من وجه الجثة (الذي قام زميله بقلع إحدى عينيها) أُصيب بنوبةٍ هستيريّة ، مُبعثراً الأدوات الطبّية في كل مكان! 

ثم صرخ على زملائه بغضبٍ شديد :  

- أتشرّحون خطيبتي يا ملاعييين  !!!

فتجمّد الطلبة في مكانهم .. حتى أن صديقه أوقع القلب على الأرض بارتباكٍ شديد !


وبصعوبةٍ بالغة استطاعوا تهدأته ، بعد إعادة الجثة مع اعضائها المبتورة الى ثلاّجة الموتى .. 

ومن حسن حظهم أن المشرحة في قبو الجامعة ، بعيداً عن الفصول الدراسيّة .. لهذا لم يسمع صراخه أحد من الحرّاس والأساتذة ! 


وبعد شرب مروان الماء .. إعتذر صديقه عمّا حصل :

-  ما يُدرينا أن الجثة المُخصّصة للتعليم ، هي نفسها خطيبتك التي ماتت منذ يومين؟!

مروان وهو يتنفّس بصعوبة : من بالعادة يُحضر النماذج لنا ؟

صديقه : على حدّ علمي .. مدير الجامعة !  

مروان وهو يحاول كتم غضبه : إذاً لن نُخبر احداً بما حصل ، وسنذهب ليلاً لدفنها في قبرها .. فأنتم مدينون لي بذلك !!


أحد الطلاّب : وماذا نقول للأستاذ غداً ؟ فهو يريد معاينة الأعضاء ..

مروان مقاطعاً بعصبية : حبيبتي ستُدفن مع جميع اعضائها .. ولا اريد معارضة !! كيّ لا ارتكب جريمة بهذه الجامعة الملعونة  

صديقه : اهدأ يا مروان .. سنفعل ما أمرتنا به .. اما الأستاذ ، نُخبره أيّةِ حجّة .. لحين معرفتنا طريقة إحضارهم الجثث الغير قانونيّة.. 

مروان بحنق : سأكتشف الحقيقة بنفسي !! 

***


وفي ذلك المساء .. إستطاعوا القفز فوق اسوار المقبرة المغلقة ، وهم يحملون جثة الصبيّة بكيسٍ اسود ، وأعضائها المقطوعة بكيسٍ آخر .. 

واستغلّوا نوم حارس المقبرة ، لدفنها في مقبرة عائلتها .. 


ثم دلّهم مروان على الغرفة المخصّصة لمقبرة عائلته ، والتي ينوي إستخدامها للإنتقام من حارس المقبرة ، المُتورّط مع مدير الجامعة ببيع الجثث دون إذن اهلها

***


في مساء اليوم التالي ، أخفى مروان وجهه بقناعٍ صوفيّ.. واختبأ خلف سيارة سكرتير المدير (الذي بالعادة يعود متأخراً الى بيته) .. 


وما ان فتح سيارته ، حتى وضع المسدس (اللعبة) في ظهره..

مروان مهدّداً : إرفع يديك !!

السكرتير بخوف : سأعطيك محفظتي ، لكن لا تقتلني !!

- لا اريد مالك .. اريد التأكّد من معلومةٍ سرّية

- ماذا تريد ؟!

مروان : هل مدير الجامعة مشتركاً مع حفّار القبور بشراء الجثث فور دفنها ، لتكون وسيلة تعليّمية لطلّاب الطبّ ؟ 

فسكت السكرتير بخوف ..


مروان : أخبرتك انني اعرف الحقيقة ، اريد فقط إثباتاً على ذلك .. فإمّا أن تخبرني بما تعرفه .. او أُطلق النار على ظهرك ، لتعيش بقيّة حياتك مشلولاً

- كان المفترض على المدير إستخدام مال الجامعة لشراء الجثث القانونيّة التي توفّرها الدولة : من الموتى الشحاذين والمجرمين ومجهوليّ الهويّة والمدمنين ، او بموافقة اهلهم  

مروان : وطبعاً باتفاقه مع حفّار القبور يدفع مبلغاً أقل ، ويسرق الباقي ؟

- هذا صحيح 


فأخرج مروان من جيبه دواءً ، وضعه في جيب السكرتير :

- توجد في العلبة حبتيّ دواء : أحدهما منومٌ قويّ ، والآخر يسبّب الهلوسة .. ضعهما في قهوة المدير ، ولا تسألني عن السبب 

السكرتير : هو ينوي البقاء غداً الى وقتٍ متأخر من الليل ، لتصنيف ملفّاته في الحاسوب .. سأتصل بك بعد نومه .. رجاءً لا تقتلته ، فهو على وشك التقاعد 

- اريد فقط تأديبه .. والآن إذهب الى بيتك .. وايّاك إخبار احد باتفاقنا ، والا سألاحق ابنك من مدرسته  

السكرتير بفزع : سأفعل ما تريد ، لكن لا تُدخل عائلتي بالموضوع 

- لك ما تشاء .. هيا اذهب !!

وانطلق سريعاً بسيارته ، وهو يرتجف خوفاً

***


في اليوم التالي ، وقبل غروب الشمس.. اختبأ مروان واصدقائه داخل مقبرة عائلته (الغرفة الإسمنتيّة الصغيرة) بعد قيام صديقة خطيبته (المتوفاة) بتشويه اشكالهم بالألوان والسليكون ، فهي محترفة بالمؤثّرات السينمائيّة.. لرغبتها المساعدة في الإنتقام من حفّار القبور الطمّاع الذي شوّه جثة صديقتها ! 


وظلّوا هناك ، حتى موعد إقفال المقبرة عند 8 مساءً .. وهم يتناولون الطعام والشراب التي في حقائبهم .. 

ولم ينتبه حفّار القبور لهم ، لاجتماعه عصراً مع تاجر الأعضاء البشريّة في غرفته الصغيرة بطرف المقبرة 

^^^


في المساء ، خرجوا اليه بأشكالهم المخيفة .. حيث بدو كمعاقين بأعينهم التي تتدلّى على وجوههم ، وأيديهم المقطوعة ..وهم يستندون على عكّازٍ ، بدل سيقانهم المفقودة (بعد ان ربطوا اطرافهم خلف ظهرهم) ..


فصرخ الحفّار مرتعباً :

- من انتم ؟!! وماذا تريدون ؟!

مروان : انت بعتنا للمشارح التعليميّة دون علم أهلنا.. شوّهتنا قبل تحللّ اجسادنا.. من سمح لك بذلك ؟!! الا تعرف حُرمة الموتى ؟! 

- سامحوني ، كنت بحاجة للمال

- سنظهر لك كل مساء ، لمعاقبتك على ذنبك الكبير .. وسنظهر في احلامك ..ونؤذيك ليل نهار ، عقاباً على تشويه اجسادنا !!


وكانت ردّة فعله أفضل مما توقعوه ، بعد قوله باكياً :

- سأستقيل فوراً !! وأعدكم أن لا أقترب من المقابر .. لكن رجاءً لا تظهروا لي مجدّداً 

مروان : إذهب !! فأنت حرٌّ طليق


وسرعان ما دخل الرجل الى غرفته ، لحمل صُرّة ثيابه .. ثم الهرب الى خارج المقبرة ، وهو يعدهم بعدم الإقتراب من الموتى طوال حياته

***


بعد عودتهم الى السيارة :

- ماذا نفعل الآن ؟ هل نمسح المكياج ..

مروان مقاطعاً : لا طبعاً !! سنذهب مباشرةً للجامعة .. فالسكرتير ارسل لي قبل قليل : أن المدير نائم في مكتبه

- تقصد مُخدّراً ؟

مروان : نعم ، وحارسه ذهب باكراً الى منزله 

- اذاً دعنا ننهي المهمّة الليلة

***


إستيقظ المدير وهو مُقيّد اليدين في كرسي ، وسط الملعب المظلم لكرة السلّة بالجامعة .. فصرخ غاضباً :

- من يجرأ على تقيّد مدير الجامعة ؟!!


وهنا ظهروا بأشكالهم المخيفة من كل جانبٍ في الملعب .. وأحاطوه وهم يدنّدنون بألحانٍ مخيفة .. ولم يعرفهم لظلمة المكان ، وكثرة المكياج المرعب على وجههم .. بل شعر أنهم اشباحٌ حقيقيون ، بسبب الدواء المُسبّب للهلوسة ! 

فسألهم بفزع : 

- ماذا تريدون مني ؟!

مروان : نحن الجثث التي اشتريتها بسعرٍ بخس ، لمختبر الجامعة

المدير : طلّابنا بحاجة لتشريحكم ، ليصبحوا أطبّاءً أكفّاء

- نحن ابناء عائلاتٍ محترمة .. أتعرف ماذا سيفعلون بك ان علموا بتقطيعك اجساد ابنائهم دون رضاهم ؟ 


مروان : ستدخل السجن حتماً !! لكن بعد طردك من عملك ، لسرقتك مال الجامعة المُخصّص للجثث القانونيّة

المدير : آسف ، لكني احتجت المال لجمعيّتي الخيريّة

مروان : كاذب !! بل لإرسالها لأولادك المُدلّلين في الخارج .. لذلك سنعاقبك بالظهور دائماً في واقعك والمنام ، حتى تكره حياتك

المدير : أعتذر منكم .. لن أفعل ذلك مجدداً !! أعدكم بذلك


وهنا التفّ مروان خلفه ، واضعاً قماشة المخدّر على انفه .. ليغفو المدير ، بعد توسيخ ملابسه من شدّة الرعب !

مروان : سآخذ مفاتيح سيارته وأعيده الى منزله ، بعد أن لقّناه درساً لن ينساه في حياته 

***


إستيقظ المدير صباحاً على صراخ زوجته التي وجدته نائماً في سيارته بحديقة فلّته ، وبجانبه زجاجة خمرٍ فارغة :

- أعدّت للسِكر ثانيةً ؟!! 

فنظر المدير للقارورة الفارغة (التي وضعها مروان بجانب مقعده) قائلاً بدهشة : 

- لا أذكر انني شرِبتُ مُطلقاً !


ثم تذكّر كابوس الأمس ، فقال مرتعباً :  

- أتدرين ؟ كلامك صحيح ، سأتقاعد مبكّراً للعيش مع اولادنا في الخارج

زوجته باستغراب : 

- لا ادري ما حصل لك ! لكني سعيدة انك اتخذت القرار السليم .. فحياتنا مملّة دون اولادنا .. هيا ادخل واستحمّ ، قبل ان يراك الخدم مُبلّلاً هكذا 

***


في اليوم التالي بكافتريا الجامعة ، إحتفل مروان ورفاقه باستقالة مديرهم :

- نجحت خطتك يا مروان .. فحفّار القبور ترك المقبرة .. ومديرنا الطمّاع استقال من وظيفته .. وبذلك انتقمت لخطيبتك

مروان : المحزن بالموضوع اننا سنتابع تشريح الجثث .. صحيح ستكون قانونيّة ، لكنها بالنهاية لبشرٍ لديهم اهل وأقارب.. فربما مجهوليّ الهويّة مازالت عائلاتهم تبحث عنهم حتى الآن !

صديقه : هذا هو الجانب السيء من كليّة الطبّ.. لنأمل أن يسامحنا الله ، طالما نُشرّحهم بنيّة تعلّم مداواة الأحياء منا

وعمّ الصمت الحزين بينهم !


هناك 8 تعليقات:

  1. لا يوجد اي مبرر لهذا التمثيل بالجثث والمفارقه هنا كما ذكر بالقصه بانه لو كانت الجثه لاحد اقارب الطلبه او الاطباء فهل سيتقبل هذه الجريمه
    الجثث الصناعيه بانواعها موجوده منذ زمن طويل بانسجتها وعضلاتها وعظامها ودماءها سواء من اصل حيواني او صناعي
    وتستخدم في السينما والكليات في الدول الحقيقيه اما عندنا فمءات الجثث يوميا يتم سلخها حتى جثث الحوادث معلومة الهويه يتذرعون بضرورة تشريحها لمعرفة سبب الوفاه واستخراج تقرير طبي وتصريح الدفن
    لكن لا نتعجب ان كان الانسان الحي ذو الروح يتنفس وينبض قلبه ويتكلم ويرى ويسمع ويحس ومع هذا يتم شحنه وطحنه وسحقه عقابا له انه يحيا
    اتراهم يرافون بالميت بعد هذا
    فاللهم اطبق سماءك على ارضك

    ردحذف
  2. ياااه أستاذة أمل، أنت حتماً تقرئين الأفكار!
    لقد فكرت في هذا الموضوع منذ عدة أيام فقد تصفحت بروفايل شخص على فيسبوك يدرس في كلية الطب واستوقفتني صورة الغلاف وقد كانت لرأس جثة حقيقية من المشرحة ولقد تأملت الصورة وخطرت لي مئات الأفكار، إن هذا الرأس قد كان لإنسان يتنفس ويحس وقد كانت له حياة ولكنها انتهت في وقت مبكر وها هو ذا بين أيد طلاب الطب يقلبونه ويشرحونه.. لقد حزنت كثيراً وانقبض قلبي.. بالفعل الميت له هيبة وحرمة ولابد من احترام إنسانيته على الرغم من موته.

    ردحذف
    الردود
    1. أعرف انسانة عندما مرضت ، وضعوا لها جهاز قلب ، تكلفته الفين دولار .. بعدها بيومين توفيت .. ولم يقبل طبيبها تسليم جثتها لأهلها للدفن ، الا بعد ساعتين .. واظنه سرق الجهاز لبيعه لمريضٍ آخر !
      حتى من يدخل بغيبوبة قصيرة بسبب حادث سيارة ، يوهمون اهله بأن قلبه او دماغه توقف عن العمل ، ولا فائدة من علاجه .. كي يوقع والداه او الزوج والزوجة على وثيقة التبرّع بأعضائه .. الطب اصبح تجارة اكثر من عملٍ انساني!

      حذف
    2. الطب صاير بخوف !!
      زين قصدچ بهاي القصه يقتلون أشخاص وياخذون اعضائهم
      لو همه اصلا ميتين وياخذون اعضائهم؟
      چنت عبالي بس بالعراق هيچ يصير لأن چنت اسمع يكولون إذا عراقي مات من المستحيل يرجع لأن ياخذون اعضائه شنو الله يروح يخلق أعضاء!!
      زين إذا الله سبحانه وتعالى يريد يرجع الميت للحياة يقدر إذا بدون اعضائه ؟

      حذف
    3. طبعاً الله يعيد الميت كما هو يوم القيامة حتى لو حرق او نثر رماده بالبحر او اكلته النسور .. بالقصة اتحدث عن الجثث التي تستخدم للتشريح في كليات الطب ، وهي متواجدة في كل مكان .. واحياناً الأهل يقبلون بيع جثة ابنائهم للعلم ، مقابل مبلغ من المال .. وهي تحدث عادةً بالدول الفقيرة

      حذف
    4. لا ما چان قصدي بيوم القيامة
      قصدي هسه اذا مات شخص ورة فترة الله سبحانه وتعالى يكدر يرجعة وهو بدون اعضاء ؟!
      البارحه ردت اطلع بليل فعمي منعني وگال اكو منتشر طفل تائه يبكي بالشارع ويكسر قلوب البشر ومن يساعدة شخص الطفل راح يگول بأنو اني اعيش بكذا مكان وينطي مكان السكن ومن يساعدة الشخص
      راح اهل الطفل يشكرون الشخص
      فيعزمو على شاي للشكر ومن يدخل للبيت راح يغلقون الابواب وياخذو اعضائة
      اما النساء يغتصبوهن وكذلك،ياخذون اعضائهن
      بالبداية عبالي يخوفني حتى ما اطلع وحدي ولاماكن بعيدة
      بس طلع الخبر صحيح من شوفني مقطع بالتيك توك شرطي يتكلم ويحذرنة من هذا الشي وگال اذا تلگون طفل تائه اخذو لمركز الشرطة!!
      مسألة صعبة من ادخل بيت عائلة ويحضرون الادوات الحادة كدامي ابساعتها احتار يا مكان الما يوجع ويا مكان اليوجع!!
      الله لا يراوينه هيچ اشياء

      حذف
    5. خدعة الطفل الضائع موجودة في كل البلدان ، فانتبه منها .. عادةً العصابة تخدّر المخطوف ، ويستأصلون اعضائه وهو حي ، كيّ لا تضمر بموته ..
      نعم يمكن للإنسان ان يعيش بكلية واحدة او بنصف كبد ، لكن طبعاً لن يعيش دون قلبه مثلاً .. حمانا الله من شرورهم

      حذف
  3. خوفتيني 🥺🥺
    بعد ابد ما اطلع بليل
    مو مسأله اخاف من الموت
    بس ما اريد احد هيچ يعذبني 🥹
    صح بالنهاية انگول الله يحمينا من شرورهم

    ردحذف

التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...