*كتابة : امل شانوحة*
أعيدوا لي طفولتي !!
أحمد بدهشة: هل جننت؟ ابنتك في الثامنة من العمر!
والد الفتاة: أصبحت في التاسعة، وزوجتي أخبرتني أنّها بلغت الأسبوع الماضي، وهذا يكفي لتزويجها.
- اتّقِ الله يا رجل، ما زالت طفلة !
- وما دخلك أنت؟ فلو كنتَ تزوّجت وأنجبت البنات لأحسستَ بثقل همّهنّ.. والآن اعذرني، عليّ الذهاب للعريس لأتفاوض معه..
صديقه أحمد مقاطعًا: ومن العريس؟
- الحاج عبد الله حسين
- ماذا! إنّه أكبر منّي ومنك.
الأب: وما المشكلة، طالما سيدفع مهرًا جيّدًا.
- انتظر قليلًا.. وكم سيدفع ذلك العجوز الهرِم؟
- ما يكفي لشراء منزلٍ جديد.
فسارع صديقه بالقول:
- ما رأيك بمنزلي في الجبل؟ ألم يكن يعجبك؟
- نعم كثيرًا، لكن ما دخل منزلك بالموضوع؟
- سيكون مهر ابنتك إن زوّجتها لي.
فضحك الأب ملء شدقيه:
- قل إنّك تريدها منذ البداية، بدل أن تضيّع وقتي بنصائحك السخيفة.
- والآن علمتَ نيّتي تجاه الصغيرة، فما رأيك؟
ففكّر الأب قليلًا، ثم قال:
- حسنًا، غدًا صباحًا تُسجَّل بيتك باسمي، وفي المساء يُقام عرسكما، أيّها الصهر العزيز.
- اتّفقنا.
***
وبعد إخبار زوجته بموعد عرس ابنته القريب، أخبرت الأقارب لحضور حفلة الحنّاء، وهي سعيدة بالتخلّص من ابنة ضرّتها التي توفّيت قبل سنوات، تاركةً (سمر) بعمر الثالثة..
وقد تجمّعت النسوة في بيتها مساءً، لتقديم الهدايا للعروس الصغيرة التي لم تفهم سبب اهتمامهنّ المفاجئ بها! ومع هذا شعرت بحزن بعضهنّ على نصيبها غير الموفّق.. رغم أنّ (أحمد عليّ) هو مُجبِّرٌ بارع في منطقتهم، لكنّه يبقى في عمر والدها.
***
بعد انتهاء الحفل، جلست سمر في غرفتها، وهي سعيدة بالملابس الجديدة التي أهدتها إيّاها النسوة..
فدخلت زوجة والدها وهي تقول لها:
- سمر!! تعالي واجلسي بقربي، عليّ تعليمك بعض الأمور المهمّة.
وبعد مضيّ ساعتين من حديث البالغين، لم يستوعب عقل الصغيرة ما سمعته! وكلّ ما فهمته: إنّها لن تذهب إلى المدرسة بعد اليوم، وأنّ عليها القيام بأعمال المنزل لرجلٍ غريب! ممّا أحزنها كثيرًا، فرغم قساوة والدها إلّا أنّها لا ترغب بالابتعاد عنه والعيش في منزلٍ جديد.. كما أنّها تحبّ مدرستها وصديقاتها اللواتي لم تودّعهنّ بعد!
فانهارت سمر بالبكاء بحسرة، فظنّت زوجة والدها أنّها فهمت ما ينتظرها ليلة الغد.. وتركتها في غرفتها بعد أن قالت بلؤم:
- غدًا سأقلب غرفتك إلى غرفة الجلوس، وسأتخلّص من سريرك.. فلا تظنّي للحظة أنّك ستعودين إلى هنا.. يعني ستخرجين من منزل زوجك إلى قبرك مباشرةً.. أفهمتِ؟!!
^^^
وأمضت سمر ليلتها وهي تبكي بقهر، وتشكو حالها لأمّها من خلال الصورة الوحيدة التي تملكها لها:
- ليتكِ يا أمّي أخذتِني معكِ، فهم ينوون قتلي غدًا.. يا إلهي ساعدني!! كم أتمنّى النوم دون الاستيقاظ ثانيةً.
***
في الصباح، استيقظت سمر لتجد زوجة والدها في غرفتها، وهي ترمي أغراضها داخل الصندوق، بما فيها ألعابها وحقيبتها المدرسية.
فصرخت سمر بفزع: ماذا تفعلين؟! هذه أغراضي!!
فابتسمت بمكر: اليوم أصبحتِ فتاةً كبيرة، لذا سأرمي أغراضك الطفوليّة السخيفة.
فقفزت سمر من سريرها محاولةً منعها، لكن دون فائدة.. فقد حكموا عليها بتوديع طفولتها للأبد!
وبكت كثيرًا، خاصّةً على لعبة القماش التي خاطتها لها أمّها حين كانت طفلة، وهي الذكرى الوحيدة منها.
***
وفي وقت الظهيرة، عاد والد سمر فرحًا بورقة تمليك بيت الجبل باسمه، لتبدأ بعدها تجهيزات العروس على قدمٍ وساق.. حيث قامت نساء المنطقة بمساعدة زوجة الأب بكلّ ما يلزم العرس.. وأنهت العجوز خياطة الفستان الأبيض لسمر، من أمتارٍ قليلة من القماش لقصر قامتها..
ومرّ الوقت بطيئًا على سمر، وهي تراقب النسوة يتراقصن حولها بفرح، وزغاريدهنّ أشبه بطلقات رصاصٍ اخترقت روحها الهشّة.. وكلّ ما سمعته في تلك اللحظات هو نبضات قلبها التي طغت على صوت الدفوف.
وبعد إلباسها فستان الفرح وتزيين وجهها بالأصباغ الرخيصة، لم تتعرّف سمر على نفسها في المرآة، حيث بدت كشبحٍ مبهَرَج أكثر من عروسٍ في ليلة العمر!
وأجلسوها فوق الكوشة، لتتأمّل من هناك نظرات صديقاتها الحزينة وهنّ يرون زميلتهنّ المتفوّقة في المدرسة تتركهنّ للانتقال مع زوجها الكهل إلى مدينته البعيدة!
^^^
وفجأة! ارتفع صوت الأغاني والزغاريد بدخول العريس..
- إنّه العم أحمد!
قالتها سمر في نفسها باستغراب:
((إنّه صديق والدي.. عمّي الذي كان يلاعبني في صغري! أهو العريس بالفعل، أم والد العريس؟!.. لا، العم أحمد ليس لديه أولاد.. هذا لا يعقل! كنتُ أحترمه كوالدي، فكيف سأصبح زوجته الآن؟! والله حرام))
ودون وعيٍ منها، حاولت سمر الهرب من الكوشة..
إلّا أنّ زوجة والدها، التي تجلس قربها، أمسكت يدها بقوّة حتى كادت تكسرها، وهي تهمس بلؤم:
- اجلسي فورًا!! قبل أن أصفعك أمام الجميع.
فجلست سمر من جديد، وهي ترتجف من شدّة الخوف..
وما إن جلس العريس بجانبها، حتّى شعر بخوف الصغيرة.. لكن لم يكن بإمكانه فعل شيء لطمأنتها مع وجود النسوة حولهما..
***
وانتهى العرس، وجلست سمر في سيارة العريس، وهي ما زالت تنظر إلى والدها من بعيد بعيونٍ دامعة، كأنّها تترجّاه:
((أبي، لا تبعدني عنك.. خذني إليك.. لا تجعلني أذهب معه، أرجوك))
لكن والدها كان منشغلًا بإطلاق النار من رشّاشه، فرحًا بتزويج ابنته الوحيدة..
***
وظلّت الصغيرة تراقب بيتها، الذي فيه ذكريات والدتها، وهو يبتعد عنها شيئًا فشيئًا، حتى اختفى مع صوت زغاريد النساء وتوقّف طلقات العرس!
وعمّ السكوت داخل السيارة، والعريس الشائب ما زال يقود بهدوءٍ وصمت.. وحين تأكّد من ابتعادهما عن الجميع، قال لها:
- سمر.. افتحي الصندوق الذي أمامك.. هيا، لا تخافي، افتحيه.
ففتحَه، لتجد كيسًا مليئًا بحلوياتها المفضّلة التي كان يشتريها لها قبل سنوات..
ولِدقائق نَسَت خوفها، وأخذت تأكلها بنهم طفلةٍ في مثل عمرها.. وبدوره ابتسم لها بحنان الأبوّة.
***
ووصلا بعد ساعة إلى قريته التي لم يُخبر أحدًا فيها بزواجه، لأنّه لم يُرد عرسًا آخر..
ونزل أحمد من سيارته باتجاه بيته، ليلاحظ تجمّد سمر في مكانها، بعد عودة مشاعر الخوف إليها من جديد!
فناداها قائلًا:
- انزلي يا سمر!! فهناك شيءٌ سيعجبك في الداخل.. هيا تعالي!!
فلم يكن أمامها سوى طاعة أمره، ونزلت إليه بخطى متثاقلة..
^^^
وبعد إنارة أضواء المنزل، فتح باب غرفة نومٍ زهريّة تناسب عمرها.. فنظرت إليها بدهشة! لأنّ غرفتها السابقة عبارة عن سريرٍ صدئ وخزانةٍ قديمة.. لكن هذه الغرفة تشبه غرف الأميرات في الرسوم المتحرّكة!
فقال لها: اشتريتها هذا الصباح، ستكون غرفتك.
فسألته بقلق:
- وماذا عنك؟!
فأشار إلى الغرفة المجاورة:
- تلك هي غرفتي.
فقالت بدهشة وفرح: أهذه غرفتي وحدي؟!
- نعم.. وأريدك أن تُقفلي بابك دائمًا عندما تكونين وحدك بالغرفة.
الصغيرة بارتباك: لكن زوجة أبي أخبرتني عن أشياء...
فقال مقاطعًا: انسي ما قالته لك، واسمعيني جيّدًا يا سمر.. أريد منك شيئًا واحدًا: هو أن لا تُخبري أحدًا بما يحصل داخل منزلنا.. فهذه حياتنا ولا دخل لأحدٍ فيها، حتى والدك.
- لكنهما سيزوراني غدًا صباحًا..
العريس: أعرف هذا، دعيني أتكلّم معهما.. ومهما سألوكِ، التزمي الصمت.
سمر: فهمت.
- والآن سأذهب لإحضار حقائبك من السيارة.. وأنت رتّبيها في الخزانة، ريثما أعود بالعشاء.
سمر: حاضر عمّ أحمد.. (بارتباك).. أقصد..
العريس مبتسمًا: لا بأس، ناديني عمّ أحمد.. لكن ليس أمام الناس، مفهوم؟
فأومأت برأسها إيجابًا، فأكمل قائلًا:
- وسأحضر معي المثلّجات أيضًا.. أنتِ تحبّين الشوكولا على ما أذكر.
سمر بحماس: نعم!! الشوكولا بالمكسّرات.
- كما تشائين، يا أميرتي الصغيرة.
فابتسمت الطفلة بارتياح بعد إحساسها بحنانه الأبويّ الذي افتقدته مع والدها قاسي الطباع.
***
وبعد العشاء، أمضت سمر ليلتها الأولى في غرفتها الزهريّة وهي سعيدة بنعومة سريرها، مُحتضنةً لعبتها الكبيرة التي وجدتها داخل خزانتها، كهديّةٍ أخرى من العمّ أحمد.. ونامت بارتياح، بعد إقفال بابها جيّدًا.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت سمر على صوت زوجة والدها التي تصرّ على دخول غرفة النوم لرؤية العروس،
لكن العريس رفض دخول أحدٍ إلى غرفة نومه (دون أن يُخبر أهلها بأنّها غرفة سمر الخاصة)..
وطلب منها ومن صديقه البقاء في الصالة، لحين حضور العروس، التي ما إن دخلت عليهما، حتى استقبلتها زوجة والدها بالأحضان، كتمثيليّةٍ سخيفة أمام والد سمر الذي كان سعيدًا بصهره الجديد..
وأرادت زوجة والدها الانفراد معها للحديث عن ليلة البارحة، إلّا أنّ العريس رفض ذلك أيضًا، وطلب من سمر تحضير الشايّ لهما.
وبعد ذهابها إلى المطبخ..
زوجة الأب بعصبيّة: لا يحقّ لك منعي من محادثتها! فأنا أريد الاطمئنان عليها.
العريس بحزم: قلت لكما إنّها بخير، والأمور جرت على ما يرام!! وبصراحة لا أحبّ أن تتكلّما في خصوصيّاتي.
فقال الأب لزوجته: اتركيه على راحته.
زوجته باعتراض: أريد فقط التأكّد أنّها بخير، ولم تتألّم من..
العريس مقاطعًا بغضب: لو كان حقًّا يهمّك أمرها، لما زوّجتها بسنّها الصغير!!
والد سمر بقلق: لِمَ أنت غاضبٌ يا صهري؟ هل حدث شيءٌ البارحة؟!
العريس بعصبيّة: قلت!! كلّ شيءٍ على ما يرام.. ألا تفهمان؟!
ثم نادى العروس بصوتٍ عالٍ: سمر!! أحضري الشايّ بسرعة، فعائلتك مستعجلة للذهاب.
ففهم أنّهما غير مرحّبٍ بهما، ممّا أغضب الوالد الذي خرج من البيت، لتلحقه زوجته على عجل.
وحين قدّمت سمر الشايّ، سألته بدهشة:
- اين ذهب أبي؟!
العريس بضيق: ذهب في حال سبيله.. والآن تعالي لنشرب الشايّ وحدنا.
^^^
في سيارة الأب العائد مع زوجته إلى قريته، قال بغضب:
- لا يحقّ له منعي من الاطمئنان على ابنتي!!
فخافت زوجته غضبه من صهره ومحاولة استرداد ابنته التي فرحت بالتخلّص منها، فتظاهرت بالضحك.
زوجها باستغراب: ما الذي يضحكك؟!
- أعتقد أنّه خاف أن تفضحه ابنتك
- ماذا تقصدين؟!
فغمزته زوجته بمكر: أقصد أنّه في مثل عمرك، وأكيد يعاني من نفس مشاكلك.
- آه! الآن فهمت..
وضحكا ساخرين من حالته الصحيّة.
***
وبعد أسبوعين، فاجأ العمّ أحمد سمر بحقيبةٍ مدرسيّة جديدة وأقلامٍ ودفاتر.
سمر بدهشة: لمن هذه؟!
- لكِ طبعًا.
سمر: هل سأعود إلى المدرسة؟!
- بالطبع!! وقمتُ بتسجيلك في المدرسة القريبة من هنا.
الفتاة بفرح: أحقًّا عمّ أحمد؟!!
- نعم، وستدرسين إلى أن تُنهي مرحلة الثانويّة.
فحضنته كما تحضن الفتاة والدها، فربّت على ظهرها بحنان وهو يقول:
- أريدك أن تكوني الأولى يا سمر، كما كنتِ دائمًا.
سمر بحماس: سأفعل، سأفعل!!.. المشكلة أنّني أضعت أسبوعين من الدراسة.
- لا تقلقي، فجارتنا مُعلّمة، واتّفقتُ مع زوجها على إعطائك دروسًا خصوصيّة ابتداءً من اليوم مساءً.
- شكرًا جزيلًا لك.. لكن..
- لكن ماذا؟
سمر بقلق: إن عرف والدي بالأمر، سيغضب منّي.
زوجها بجدّيّة: سمر!! والدك لا دخل له بكِ بعد اليوم.. أنتِ زوجتي، وأريدك أن تُنهي دراستك.. مفهوم؟!!
فأومأت برأسها موافقةً..
- والآن خذي هذه أيضًا.
سمر بدهشة: مريلة!
- نعم، إلبسيها لتتأكدي من مقاسها.. وإن كانت طويلة، أرسليها فورًا للخيّاط لتلبسيها مع بداية الأسبوع.
فوضعتها على جسمها وهي تقول:
- أظن طولها مناسب، لكن سأتأكّد أكثر.
وركضت إلى غرفتها، لقياس مريلة المدرسة بسعادةٍ غامرة.
***
ومع بداية الأسبوع، طرق أحمد باب غرفتها في الصباح الباكر، مناديًا:
- هيا سمر!! ستتأخّرين على المدرسة.
ففتحت الباب وهي تلبس زيّ المدرسة..
- لماذا لم تصفّفي شعرك؟!
- لا أعرف!
- تعالي إذاً.
ومشّط شعرها.. ثم ذهب إلى المطبخ، ليحضّر لها الشطيرة..
سمر: دعني أقوم بذلك.
- لا.. اذهبي ورتّبي الدفاتر في حقيبتك، قبل أن نتأخّر على المدرسة.
ثم أرسلها إلى هناك.. ورغم أنّه يومها الأول في مدرستها الجديدة، إلّا أنّها استطاعت إثبات نفسها بمشاركتها المتكرّرة في الفصل.. حيث لاحظ الجميع ذكائها، بالإضافة إلى خاتم الزواج في يدها الصغيرة!
***
ومرّت الأيام.. ساعد فيها أحمد سمر بأعمال المنزل، لكي تتفرّغ إلى واجباتها المدرسية.. وبدورها تفوّقت بالدراسة كل سنة، حتى وصلت إلى الثانوية العامة..
حينها وصل خبر دراستها إلى والدها، الذي قدِم على عجل مع زوجته لزيارتهما..
وفي وقت تحضيرها القهوة، سمعت صراخ زوجها عليهما، قائلاً بغضب:
- وما دخلك أنت؟!!
الأب بدهشة: هي ابنتي!
الزوج بغضب: وهي زوجتي!! وأريدها أن تكمل تعليمها.
الأب بعصبية: لم يبقَ إلاّ أن تساعدك في تجبير الكسور!!
الزوج بتحدّي: ربما تفعل!!
فوقف الأب غاضبًا: والله أقتلها إن رأيتها في محلك!!
فوقف الزوج في وجهه: بل أقتلك أنت إن اقتربت منها، هل سمعت؟!!
فارتعبت الزوجة كثيرًا، التي همست لوالد سمر:
- معه حق، هي زوجته وهو حرّ بها.. هيا لنذهب من هنا.
وبعد هذه الزيارة، قاطع الأب ابنته سمر.. إلى أن أنهت دراستها.
***
وفي نهاية السنة الدراسية، دخلت سمر إلى المنزل سعيدة..
- عمّ أحمد!! تخرّجت أخيرًا من المدرسة، وكنت الثالثة على الدفعة.
فقال لها مُعاتبًا: ولمَ لستِ الأولى ككلّ مرّة؟
- والله حاولت، لكن..
فقاطعها مبتسمًا: كنت أمزح معك.. مبروك يا صغيرتي.
- وما هي جائزتي؟
الزوج: أطلبي ما شئتِ.
فقالت بسعادة: أريد نزهة بالبرّ، مثل الصيف الماضي.
- لكنّي لا أعرف الطريق، فابن صديقي هو من أخذنا تلك المرة.
فقالت بحماس، دون أن تنتبه:
- نعم نعم!! دع وليد يأتي معنا.
ولأول مرّة لاحظ حماسها! وتذكّر سعادتها كلما زاره ابن صديقه الجامعيّ الشاب الوسيم، فعرف أنّ قلبها مال له.. فشعر أحمد بالحزن، لأنه أدرك أنّه مُقبل على قرارٍ صعب..
لكن كان عليه التأكّد أولًا من شكوكه.. فذهب مع زوجته المراهقة برحلة البرّ، برفقة صديقه وابنه..
وصار يراقبها من بعيد، ليراها تحاول مكالمة الشاب على انفراد.. ورغم خجل وليد من زوجها، إلّا أنّه شعر بانجذابٍ نحوها، بعد أن أصبحت صبيّةً فاتنة..
***
وفي أحد الأيام، قدِمَ الشاب إلى عيادة المجبّر، بناءً على طلبه:
- نعم، عمّ أحمد.. هل طلبتني؟
- أهلاً وليد.. تعال واجلس بجانبي، أريد مكالمتك بموضوعٍ مهم.. لكن عدني بعدم إخبار أحدٍ عنه، حتى والدك.
- يبدو الموضوع خطير!
أحمد: نعم، فأنا سأضع سمعتي بين يديك.
الشاب بدهشة وقلق: لم أفهم!
فحاول أحمد استدراجه بالأسئلة، لكي يعرف شعوره تجاه زوجته.. فتضايق وليد من ذلك، وقال نادمًا:
- أعتذر منك، وأعدك بألا أكلّمها ثانية.
ففاجأه بسؤاله: هل تحبّها؟
فأجاب بارتباك: نعم.. أقصد لا!! من المستحيل أن أخون ثقتك بي، عمي.
- اجلس اجلس.. سأخبرك بسرٍ مهم.
وأخبره أنّه تزوجها شفقةً عليها من والدها.. وبأنه طوال السنوات التسع التي أمضتها في بيته، عاملها كأبنته..
الشاب بدهشة وهو يكتم فرحه: يعني لم تلمسها؟!
- مطلقًا!! ولن أفعل ذلك أبدًا.
- لكن هذا ظلم بحقها، فهي ما زالت صبيّة.
أحمد: أعرف هذا.. لذلك سألتك إن كنت مهتمًّا لأمرها، كي أطلقها وأزوّجها لك.
الشاب باستغراب: أحقًا؟!
- نعم، وسأسألها الليلة عنك.. وإن أحسّت بحبها لك، سأطلّقها في الحال.. لكن عندي شرط!!
باهتمام: ما هو؟
أحمد: أن تبقى سمر في بيتي، لحين انتهاء عدّتها.. ثم أكون وكيلها بتزويجها لك.. وكل ذلك سيتمّ بسريةٍ تامّة.
- ولماذا السرّية؟!
أحمد بقلق: لأني أخاف إن علم والدها بطلاقها، أن يأخذها إلى بيته ويبيعها لعجوزٍ آخر.. لذا عليك الانتظار قليلًا.
ورغم غرابة الوضع، إلّا أنّ الشاب قبل بالأمر، وهو ما زال مُحرجًا من أخلاق العمّ أحمد الراقية..
***
في ذلك المساء، أخبر سمر بخطّته، فبكت متأثّرة من حنانه..
أحمد: لا تبكي رجاءً.
سمر بحزن: أشعر وكأنني أخونك!
- لا، لم تفعلي.. فأنتِ صبيّة، وما تشعرين به أمرٌ طبيعي.. ولو كان والدك إنسانًا سويًّا، لزوّجك منذ البداية لشابٍ بعمر وليد..
وهي تمسح دموعها: والله عشت معك أجمل سنوات حياتي، وكأنّ الله عوّضني بك عن والدي القاسي.
أحمد: بما أنّي بمقام والدك، عليّ إكمال مهمّتي.. وطالما أنّكِ أنهيتِ دراستك، عليّ تزويجك لشابٍ صالح.. ووليد أعرفه جيدًا وأعرف عائلته، وهو حتماً سيسعدك.. كل ما أريده منك هو كتمان خبر طلاقك عن والدك.
- فهمت.
ثم تنهّد أحمد بضيق، قائلاً بتردّد:
- والآن عليّ إنهاء الرابط الذي يجمعنا.. سمر.. أنتِ طالق.
وما أن سمعت العبارة التي تخشاها كل النّساء، حتى سارعت إلى غرفتها باكية.. فبالرغم أنّه بمقام والدها، إلّا أنّ كلمة الطلاق آلمت قلبها.
وهو بدوره أمضى ليلته منكسر القلب، وهو يشعر بفقد ابنته الغالية للأبد.
***
ومضت شهور العدّة، دون اختلاف معاملته الحنونة معها.. الشيء الوحيد الذي تغيّر: أنّه بات يرفض قيامها بأعمال المنزل.
وفي يوم، اقتربت منه وهي ترى أنه يجلي الصحون:
- دعني على الأقل أساعدك بهذا العمل الشاق!
أحمد: لا.. فبعد أيام، سأعود للعيش وحدي.. وعليّ التعود على الاهتمام بنفسي من جديد.
- ولماذا لا تتزوج ثانيةً؟
مبتسمًا: كبرت على هذه الأمور، يا سمر.
سمر: تزوّج امرأة تناسب عمرك، لتكون صديقتك في سنواتك المقبلة.
- لا تشغلي بالك بي، فكّري فقط بأيامك الجميلة القادمة يا عروس.
***
وقبل يوم من كتب كتابها على الشاب وليد، طرق أحمد باب غرفتها، ليجدها ترتّب حقائبها..
أحمد: سمر.. أريد إعطائك شيئًا مهمًّا.
وأعطاها قلادةً قديمة..
سمر وهي تتفحّص القلادة المصنوعة يدويًّا: ما هذه؟!
- هذه قلادة والدتك.
- لم أفهم!
أحمد: كنتِ سألتني سابقًا، لماذا لم أتزوج في حياتي؟
- نعم، لماذا؟
- لأنني لم أحبّ أحدًا سوى أمك.
سمر بدهشة: ماذا قلت؟!
- لا تفهميني غلط.. كنت أنا ووالدك وأمك، ثلاثة أصدقاء نلعب سويًّا في الحارة.. وكنت أحبّها منذ أن كنتُ في التاسعة من عمري وهي في الخامسة، وهي تحبّني أيضًا.. لكن حين بلغت أمك 13 من عمرها، تفاجأت بوالدك يخطبها.. فاضطررت لإخفاء حبّها في قلبي للأبد!
سمر باستغراب: لم أعرف هذا!
فقال أحمد وهو يتذكّر بحزن:
حين أُصيبت أمك بطلقٍ ناريّ طائش في عرس قريبتها وأنتِ في عمر الثالثة، أحضرها والدك البخيل إليّ.. فجنّ جنوني برؤيتها تنزف بغزارة، وكدت أن أضربه، لكي يُسرّع بإحضار سيارة الإسعاف.. وحين خرج من عيادتي، حاولت قدر المستطاع إنقاذها، لكنها كانت تحتضر.. حينها فاجأتني بإعادة القلادة التي صنعتها لها بعمر 12، والتي لم تفارق عنقها أبدًا! كما طلبت مني أن أرعاك، لأنها خائفة عليك من والدك.. وبدوري وعدتها أن أنتبه عليك كابنتي تمامًا.
سمر وهي تمسح دموعها: ألهذا تزوّجتني؟
- لم أجد حلًّا آخر لإنقاذك من والدك الطمّاع وزوجته اللعينة.
فقبّلت سمر يده، وهي تقول باكية:
- أشكرك جزيل الشكر يا عمي أحمد، فأنت وفّيت بوعدك لأمي.. ليتك حقًا تزوّجتها بدلًا من أبي، لأصبحنا عائلة سعيدة.
أحمد بحزن: أنا وأمك فشلنا في ذلك، لهذا عدّيني أن تحقّقي حلمنا ببناء عائلة سعيدة مع وليد.
- أعدك بذلك، يا عمي الغالي.
***
وفي اليوم التالي، أرسلها مع زوجها وعيونه تفيض بالدمع، لكنه في نفس الوقت شعر بالراحة لوفائه بالأمانة..
لكن هذا لم يعجب والدها، الذي زاره بعد يومين كالمجنون، بعد علمه بالخبر..
الأب صارخًا بغضب: أيها اللعين!! كيف تزوّج زوجتك؟!
أحمد بحزم: وما المشكلة؟ أنا طلّقتها، وهي وكلّتني بزواجها.
الأب مُعترضًا: وكيف وكلّتك أنت، وأنا والدها؟!
أحمد: هي حرّة باختيار وكيلها.
الأب بقهر: لا يحقّ لك ذلك!! فأنت حرمتني من مهرها الجديد.
فلم يتحمّل أحمد ما سمعه! ولكم الأب بقوّة أسقطه أرضًا، صارخًا في وجهه بغضب:
- أهذا كلّ ما يهمّك!!! قتلت زوجتك بإهمالك وبُخلك.. ودمّرت حياة ابنتك، وكل همّك المال! هيّا أغرب عن وجهي!! والله ثم والله!! إن سمعت أنّك تعرّضت لسمر وعريسها، لأفرّغ مسدسي في رأسك.. أفهمت؟!!!
وقد صدمه موقفه! فهي المرة الأولى التي يراه غاضبًا هكذا! وأسرع هاربًا بسيارته.. ومن وقتها لم يره أحمد ثانيةً..
حتى سمر لم ترى والدها منذ ذلك الحين، لكنها داومت على زيارة العم أحمد مع زوجها وليد وأطفالهما الثلاثة الذين ينادونه: ((جدّي)).. وهو بدوره سعيد وفخور بعائلته الجديدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق