الخميس، 20 يوليو 2023

احلامٌ سعيدة

تأليف : امل شانوحة 

كرسي المول


ما أن أزال الغطاء الحديديّ لكرسي النوم ، المتواجد وسط المول.. حتى أُصيب بالرعب من ظلمة المكان ، إلاّ من بعض الإضاءة الخافتة هنا وهناك ! 

وتساءل بنفسه بقلق :

((هل نسيّني اصدقائي هنا ؟!))


وتذكّر كيف ذهب مع اصدقائه الأربعة للمول هذا الصباح لقضاء عطلة الإسبوع ، حيث تتراوح اعمارهم بين ١١ و١٣ سنة... 

وقبل ذهابهم للقسم المخصّص لألعاب الكمبيوتر .. إقترح كبيرهم عليه : النوم في المقعد المريح (بغطائه السميك الذي يمنع ضجيج المول ، مع توفّر الأكسجين داخله) وحاول إقناعه ، بعد دفعه تذكرة إستخدام الكرسي :

- لطالما أخبرتنا عن زوجة ابيك التي ترهقك بصوت ماكينة الخياطة طوال الليل ، والذي يجعلك نعِساً ايام الدراسة

فردّ الصبي بحزن : هذا صحيح

صديقه : اذاً نمّ قليلاً .. وبعد ساعة ، نوقظك للعب معنا.. 

وبعد إستلقائه داخله ، بتردّدٍ وارتباك .. 

قال له بابتسامةٍ عريضة : احلامٌ سعيدة !!


وبعد إغلاق الغطاء عليه ، ذهب الأربعة لمحل الألعاب .. وانشغلوا هناك قرابة ساعتين ، تاركين صديقهم ينام على راحته !

***


وهنا ! عاد الصبيّ لواقعه المخيف .. وقبل إسراعه للباب الرئيسيّ للمول ، سمع الحارس العجوز يناديه من بعيد :

- لا تخفّ !! سأنير المول لأجلك


وفتح الصندوق الكهربائيّ فوق مطفأة الحريق ، وأدار المقبس الرئيسيّ الذي أضاء المول بأكمله ! .. لترتفع معه أصوات الموسيقى والمكيفات .. بالإضافة لفتحه جميع ابواب المحلاّت والمطاعم .. مع تشغيله ألعاب الملاهي بكافة انواعها !


ثم قال للصغير :

- طالما والدك مُسافر ، وزوجته واولادها لن يسألوا عن غيابك.. فما رأيك لوّ نتعشّى معاً ، قبل لعبنا طوال الليل ؟

فاستغرب الولد من كلامه !

- كيف عرفت عن حياتي الخاصّة ؟!

الحارس : سمعت اصحابك يتكلّمون عنك في صالة الألعاب.. هيا بنا !! فأنا جائعٌ للغاية

الولد بإحراج : لا املك المال..

مقاطعاً : وهل ترى الباعة من حولك ؟ هيا نأكل ، ونلبس ما نريد .. وبعد اللعب والتسلية ، نتذوّق جميع الحلويات اللذيذة .. هيا !! ماذا تنتظر ؟!

^^^


إنصدم الولد بعد اشتمامه رائحة الطعام من قسم المطاعم التي وجدها مفتوحة بالكامل ! 

حيث وجد كافة الشطائر الطازجة قرب ماكينة المُحاسبة لكل مطعم ، وهي مازالت ساخنة !

الحارس : هيا إخترّ ما تشاء .. وسنتحلّى لاحقاً

^^^


ثم جلسا على إحدى الطاولات بعد إختيارهما للأصناف التي يريدانها ، حيث تناولا لقمة او لقمتين من كل نوعٍ إشتهيانه..


الصبي بعد شعوره بالتخمة :

- لا استطيع تناول المزيد

الحارس : اذاً انتظرني ريثما أحضر لك الآيس كريم


وشاهده وهو يصنع له واحدة من الماكينة المُضاءة بأحدى المطاعم السريعة!

^^^


اثناء تناولهما الحلوى ، سأل الحارس : 

- هل تعمل وحدك هنا ؟!

العجوز : بالعادة أتواجد مساءً .. وكثيراً ما شعرت بالمللّ وحدي ، جيد انك شاركتني يومي 

الولد باستغراب : وهل يسمحون لك بتناول ما تشاء ؟!

- ومن هم ليمنعوني

- لم أفهم !

الحارس : ستعرف كل شيءٍ لاحقاً .. الآن بما اننا شبعنا ، دعنا نبحث لك عن ملابس جديدة ، بدل الثياب ذاتها التي تلبسها عند لقاء اصحابك

- كيف عرفت ؟!

- أخبرتك انني سمعتهم يتحدثون عنك بصالة الألعاب ، ظهر اليوم


الولد بضيق : لست فقيراً ، لكن ابي يصرف معظم ماله على اولاده من زوجته الثانية !

- وهل امك متوفاة ؟

- لا تزوجت من جديد ، وسافرت معه للخارج ، ونستني هي الأخرى ! ليتك لم تخبرني بأن اصدقائي يتحدثون عني بالسوء ، دون علمي

الحارس : هم يشعرون إنك أقل حظاً منهم

الولد بعصبّية : هم الذين يصرّون على ذهابي معهم ، رغم معرفتهم بضائقتي الماليّة !! لهذا أضّطر لمشاركتهم الطعام ، والسماح بدفعهم تذاكر لعبي

- لا تضايق منهم.. فقط كبيرهم يشعر بالغيرة منك ، لتفوّقك عليه دراسيّاً

- هو مُتنمّر ، وأحاول تجنّبه قدر الإمكان 


الحارس : أهو صاحب فكرة نومك في المقعد ، لإبعادك عن رفاقه ؟

- نعم ، وظننته يريد راحتي ! .. (ثم تنهّد بضيق).. على كلٍ ، كانت نومةٌ مريحة.. حتى ليلتي الغريبة هذه ، جميلة للغاية

الحارس : لم تنتهي ليلتك المميزة بعد .. علينا التسوّق من المحلّات ، لجلب أجمل الملابس لك .. واختيار الألعاب التي تحلم بها .. هيا بنا!!

^^^


وبالفعل جرّب الولد الكثير من الملابس الغالية ، التي جمعها له العجوز في عدّة اكياسٍ كبيرة ..

الولد بقلق : أمتأكد ان إدارة المول لن تطردك ، لسرقتنا الملابس والأحذية والألعاب؟!

الحارس : لا احد سيلاحظ إختفائها

- ماذا عن الكاميرات ؟

- يطفؤونها مساءً


الولد وهو يرفع الأكياس المليئة بأغراضه الخاصة : 

- والآن ماذا نفعل ؟

الحارس : أنسيت الملاهي بالطابق العلويّ ؟

- لا اظنني سألعب ، فمعدتي ممتلئة

الحارس بحماس : اذاً نلعب بألعاب الكمبيوتر .. ولا اظنك ستربحني ، فقد أصبحت خبيراً فيها

^^^


وبعد ساعتين من لعبهما بجميع الألعاب الإلكترونيّة..

الولد : رغم كونك عجوز ، لكنك نشيطٌ جداً بالنسبة لعمرك !

الحارس : لم أكن كذلك قبل خمس سنوات

- وماذا حصل ؟

- ستعرف كل شيءٍ لاحقاً .. برأيّ عليك النوم باكراً

الولد بدهشة : النوم ! ألن تخرجني من المول ؟!

- في هذا الوقت المتأخر ، بالطبع لا !! أخاف عليك من سائقي الأجرة.. إذهب الى مقعدك المريح ، ونمّ فيه حتى الصباح

- المهم أن تيقيظني فور فتحك المول

الحارس : بالتأكيد !!

- واين ستذهب انت ؟

- لموقف السيارات ، فمكاني دائماً هناك

^^^


ما ان أغلق الولد غطاء المقعد عليه ، حتى اطفأ الحارس انوار المول.. ويغطّ الصغير في نومٍ عميق !

***


إستيقظ الولد ظهراً بعد شعوره بيدٍ تهزّه بقوّة ! ليتفاجأ بشرطيّ ومُخبرين جنائيّن يفحصون جسده ! ومئات المتسوقين مجتمعين حول المقعد ، وهم مصدومين من رؤيته هناك !


فنهض الصغير من مكانه مرتعباً ، ظناً بعقابهم له عن ليلته المجانيّة مع الحارس البارحة .. 

لكنه صُعق عندما رأى جسده مازال في المقعد دون حراك ، رغم وقوفه بين المتسوقين الذين لم يلاحظوا وجوده ! 

فتمّتم بنفسه بخوف : 

((هل انقسمت الى نصفين ؟!))


والأرعب إن وجه شبيهه (داخل المقعد) مزّرقاً تماماً ، وفمه وعيناه مفتوحتان بشكلٍ مخيف ! 

وكاد يُغمى عليه بعد سماعه الطبيب الشرعيّ يقول :

- يبدو انه توفيّ بعد ساعة من جلوسه في المقعد

فرفع المحقّق شريط الكرسي الكهربائيّ :

- المسكين مات اختناقاً ، لعدم وصول الأكسجين اليه ! يجب مُحاسبة المسؤول عن عدم شحن المقعد بالكهرباء.


فأكمل الطبيب الشرعيّ شرحه لحالة الجثة :

- يبدو من يده المُدماة انه حاول فتح الغطاء بكل قوته ، بعد صراخه بعلوّ صوته.. ولأن المقعد كاتم الصوت ، لم يسمعه احد !

وهنا سمع الولد ، صوتاً مألوفاُ يقول : 

- المسكين ! لا يستحق هذه الموتة الشنيعة


فنظر للخلف ، ليجد رفاقه الثلاثة يرتجفون خوفاً مما حصل !

فأسرع نحوهم .. ثم تراجع للوراء بصدمة ، بعد مرور يده من خلالهم ! حينها فقط تأكّد من موته ، وتحوّله الى روحٍ هائمة


وقبل انهياره بالبكاء ، لمح الحارس العجوز يشير له من بعيد.. 

وهذه المرة ، طفى جسمه بخفةٍ اتجاهه !


الولد وهو يمسح دموعه : هل مُتّ فعلاً ؟!

الحارس بحزن : للأسف نعم

- وكيف تراني ؟!

- لأني عالقٌ مثلك في المول


ثم أخبره انه قبل خمس سنوات .. دهسه ثريّ بسيارته ، بعد منعه ركنها في مكان المعاقين ! واضّطر مدير المول لدفنه بالركن الترابيّ للموقف (اثناء ترميمه) بعد حذفه فيديو الإدانة للثريّ (المساهم في المول) ! وايضاً لكيّ لا يدفع تعويضاً لأهله في القرية الذين صدّقوا كذبته : بأنه عانى من اعراض الزهايمر ! وبأن الكاميرات أظهرته (حسب قول المدير) بأنه خرج من المول اثناء الدوام ، والأغلب انه تائه بالطرقات بعد فقدان ذاكرته ..


ثم ربت على كتف الصبيّ بحنان ، وهو يقول :

- انا سعيد بمشاركة المول معك ، فالحياة كئيبة من دونك 

الولد بقلق : وماذا عن ابي ؟!

الحارس : سيستلم جثتك قريباً.. أتريد رؤية عزاك ؟

فأومأ برأسه إيجاباً ، بحزن

^^^


وسرعان ما انتقل الصبي لليوم التالي .. حيث وقفت روحه بجانب ابيه الذي بكى بمرارة امام المعزيين ، بينما زوجته تكتم فرحتها بتخلّصها من ابنه البكر الذي كان عائقاً في حياتها !


اما اصدقائه الأربعة فلم يتواجدوا بالعزاء ، بل بغرفة التحقيق الجنائيّ .. حيث أُطلق سراح ثلاثة منهم ، بعد ساعتين من التحقيق.. 

بينما كبيرهم أُحيل للمحاكمة ، بعد أن أثبتتّ الكاميرات انه ازال القابس الكهربائيّ بعد استلقاء الضحيّة في المقعد ! 


وعندما سأله المحقق عن السبب ؟ أجابه باستعلاء :

- كان فقيراً ، ولا يناسب شلّتنا .. وأردّت تلقينه درساً قاسياً ، يُبعده عنّا نهائيّاً .. ولم أظنه سيموت سريعاً !

المحقّق : كاذب !! فرفاقك الثلاثة سارعوا بالعودة للمول ، فور تذكّرهم الضحيّة .. بينما أكملت طريقك الى منزلك دون مبالاة !


وبعد مشاهدة الصبي لصديقه المتنمّر وهو يُنقل لسجن الأحداث ، قال للعجوز :

- والآن ماذا ؟ هل سنذهب الى الجنة ؟


فوضع الحارس يده على كتفه ، ليعودا معاً الى المول المظلم الذي اضاءه من جديد

الحارس : يبدو اننا سنبقى مُحتجزيّن هنا لبعض الوقت ، قبل إنتقال روحنا الى السماء ! الى ذلك الحين ، هل تريد اللعب في الملاهي او نختار عشائنا الفاخر ؟

فابتسم الصبي بحزن :

- لنلعب اولاً ، قبل تناول الطعام الدسم 


وذهبا معا للطابق العلويّ بأصواته الصادحة وزينته الملوّنة التي لم يرها احد من خارج المول المُعتم !


هناك 5 تعليقات:

  1. هنيءا ايها الحزين الباءس
    حياة برزخيه في مول فاخر
    فما البال بكوة على الجنة
    حبذا لو زدتي الطحن والهرس في القادم
    حتى اذا فرغ المرء من القصه لملم اشلاءه وخرجت روح المعذب من بين اضلعه
    هل يمكن لقصه ان تقتل ؟
    ان تكون حافزا للانتحار ؟
    مازلنا نعمل على ذلك ..
    فالغوث الغوث يا امل
    بقصة تأتي على مابقي
    ان بقى شيءا
    فانتظروا انا منتظرون

    ردحذف
  2. إستاذة امل اعتقد هذا الموقع ممكن يهمك ويفيدك

    https://www.openscreenplay.com/ar/welcome?utm_source=fb&utm_medium=organic%2Bpost&utm_campaign=Signup+Arabic+Images

    ردحذف
  3. قصه جميله وحزينه😔
    لكن اتمنى ان اموت في مول مثله واعيش مرفهه وبدون قوانين هكذا🙂

    ردحذف

التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...