الثلاثاء، 11 يوليو 2023

زواج الفصليّة

فكرة : ابن العراق
كتابة : امل شانوحة 

 

كبش الفداء


لم يكن عرساً بل جنازة عشائريّة ، بعد تمنّع اقارب العروس عن الحضور خوفاً من انتقام اهل العريس الذين تفاوتت مشاعرهم بين الحزن الشديد والغضب العارم.. حيث خلا العرس من الرقص والموسيقى والطعام ! اما الطلقات الناريّة ، فأشبه بمعركةٍ وحشيّة ! 


بينما جلست العروس مقهورة على الكوشة ، وهي ترى عريسها يُشيح بوجهه بعيداً حتى لا يراها.. وكيف يفعل ؟ وأخوها قتل اخاه الأكبر.. وأجبره رئيس العشيرة على الزواج منها بعد هروب القاتل ، لمنع الثأر بين العائلتين .


وفي خُضمّ الأجواء المشحونة بالصالة ومن بين الجموع ، لمحت والدها يدخل العرس بذلٍ وخضوع ! وهذا قهرها اكثر من زواجها من عائلةٍ تكرهها .. فهو لطالما أخبرها أنه سيرقص بعرسها كمراهقٍ طائش .. فهي ابنته الوحيدة التي رفعت رأسه دائماً بتفوّقها الدراسيّ.. وهاهو يجلس في آخر الصالة يُكفّكف دموعه دون رفع رأسه ، بعد تقديم ابنته ككبش فداء عن ابنه الجبان الذي فرّ خارج البلاد ، بعد سرقته ذهب والدته المتوفاة ! وذلك بعد قتل صديقه ، عقب خلافٍ تافهٍ بينهما .. حينما دفعه بقوّةٍ ، ليرتطم رأسه بالرصيف ويموت على الفور.

***


إنتهى العرس ، وذهب المعازيم بحال سبيلهم .. 

وعكس كل العرائس ، لم تدخل سعاد على صوت الزغاريد الى غرفتها (في الطابق الثاني من البيت العربي القديم ، حيث يسكن والده وامه وارملة اخيه القتيل في الطابق السفليّ) والذين استقبلوها بالشتائم ، وتمنّي الموت لها ولأخيها القاتل ! 


اما العريس ، فلم يقترب منها لإسبوعين .. الى ان رضخ بأنها نصيبه ، التي أجبرته عليها قوانين العشيرة

***


عاشت سعاد كل يومٍ بيومه .. وكثيراً ما ترجّت زوجها أن يسمح ببقائها في غرفتها لحين عودته من العمل.. لكنه أجبرها على مساعدة امه بالطبخ وأعمال المنزل.. لتمضي جُلّ وقتها بسماع القدح والذمّ لعائلتها التي لم تُحسن تربيتها هي وأخيها.. وبدورها عملت بصمتٍ وجهد ، دون اعتراضٍ او تأفّف !


اما عمها ، فكان أقلهم أذى.. فهو تجنّبها قدر الإمكان ، لقهره على وفاة ابنه البكر الذي كان يساعده في محلّه التجاريّ.. ومع ذلك كان يشكرها عندما تقدّم له القهوة او الشايّ في الصالة ، بصوتٍ منخفض كيّ لا تسمعه زوجته التي مازالت غاضبة من كنّتها الجديدة.. 


اما اسوأهم : فهي سلفتها (ارملة القتيل) التي تعمّدت أذيّتها بالقول والفعل .. مع تشجيعها العريس على ضرب سعاد وإهانتها ، بتلفيق التهم الباطلة عليها ! وقد فعل ذلك ببداية العلاقة.. لكن بعد شهرين من الزواج ، عرف أن سعاد مظلومة .. وصار يعاملها جيداً ، بعيداً عن انظار عائلته.. ويطالبها بتحمّلهم قدر الإمكان ، فهي لا ذنب لها بما حصل..


ولم يكن امام سعاد سوى الإكثار من الصلاة والدعاء ، لتخفيف المشاعر الغاضبة اتجاهها .. خاصة بعد توكيلها بمعظم اعمال المنزل ، بعد تخلّي الأرملة المدلّلة عن مساعدتها .. والتي تقضي وقتها بالتنزّه مع صديقتها ، بحجّة تغيّر نفسيّتها المُتعبة.


اما العم : فتحسّنت نظرته اتجاه سعاد ، بعد ذهابها معه الى منزل اخته الكبرى التي تعاني من الزهايمر.. حيث شاهدها وهي تُطعمها بيدها وتهتم بها طوال الزيارة ، فشكرها على حسن أخلاقها.. وطلب منها مسامحة زوجته على قسّوتها معها

فردّت سعاد بأدب :

- هي خسرت ابنها ، بسبب جريمة اخي.. وانا أقدّر ألمها وحزنها على فراقه.. فليس من السهل تزويج ابنها الثاني لأخت القاتل .. لهذا لست غاضبة منها ، لبحثها عن عروسٍ جديدة لزوجي

العم باستغراب : هل علمتي بهذا الشأن ؟!

- سلفتي أخبرتني بذلك


العم بضيق : يالها من صبيّةٍ شقيّة ، تحب المشاكل

سعاد : أهي هكذا دائماً ، ام صارت كذلك بعد مقتل زوجها ؟

- هي انسانةٌ مُتعبة منذ البداية.. ولا ادري لما تُصرّ زوجتي على بقائها معنا ، رغم مطالبة عائلتها برجوعها اليهم !

- ربما لأنها ذكرى من ابنها المتوفّي

العم : هي مازالت صغيرة ، ومن حقّها الزواج ثانيةً.. فقد مرّت ٥ شهور على وفاة ابني ، وانتهت عدّتها

- لا تقلق بهذا الشأن ، يا عمّي.. فإن كان لها نصيبٌ آخر ، لن يمنع احدٌ قدرها


العم : انت فتاةٌ رزينة وعاقلة ، ووالدك أحسن تربيتك بعكس.. (وسكت)

فأكملت بقهر : بعكس اخي الجبان .

- لم أقصد

سعاد بحزن : أتدري انني ترجّيته باكية بتسليم نفسه لرئيس العشيرة الذي وعدنا بتخفيف الحكم عليه ، بعد ان أخبره الشهود بأن جريمته غير مقصودة وحصلت بلحظة غضب.. لكنه لم يهتم لمصيري ، وهرب لمكانٍ مجهول ! 

العم : لا تقلقي ، سيأتي يوم وينال عقابه يا ابنتي


وقد أسعدتها هذه الكلمة كثيراً ، فهي المرة الأولى التي يناديها هكذا ! مما أشعرها بالأمان والطمأنينة..

***


بنهاية الأسبوع .. تنفّست سعاد الصعداء بعد رفض زوجها الذهاب مع امه لرؤية العروس الجديدة ، وإخبارها برضائه بنصيبه.. 

فحضنته بحنان ، ووعدته بأن لا يندم على قراره.

***


لم يستمرّ الهدوء كثيراً في المنزل ، بعد جنون سلفتها بخبر حمل سعاد ! وغضبها من حماسهم ، لقدوم الحفيد الأول لعائلتهم .. لكن فرحتهم لم تكتمل بعد سقوط سعاد من الدرج بقوةٍ ، جعلتها تُسقط الجنين ! 

ورغم علمها بأن سلفتها هي التي سكبت الزيت على الدرج .. إلاّ ان الخبيثة استطاعت إقناعهم : بأن سعاد لا ترغب بوجود رابطٍ يجمعها بهم ، وأنها تنوي الطلاق لاحقاً !


فلم يكن امام سعاد إلاّ الدعاء لتخليصها من خبث سلفتها ، وقسّوة حماتها التي تضاعفت بعد إجهاضها الجنين !

***


بمرور الأيام ، زاد حب زوج سعاد لها .. خاصّة بعد إهدائه ذهبها (التي أعطاها لها والدها ، بعد بيع دكانه قبل موته بسكتةٍ قلبية من شدّة حزنه عليها) وذلك لمساعدته هو وعمها بإحضار بضاعةٍ جديدة للمحل.. 

مما رفع مكانتها في قلوبهما ، دون أن يؤثّر ذلك على حماتها التي ظلّت تعاملها كخادمة ، بسبب وسّوسة كنّتها الأولى الحقودة !

***


وذات يوم .. دخلت سعاد الحمام ، لتجد سلفتها تتقيّأ هناك (بعد نسيانها قفل الباب) ..وبعد مساعدتها ، سألتها بقلق :

- انت تشعرين بالدوّار معظم الوقت .. وشهيّتك للطعام زادت ، خصوصاً في المساء.. فهل انت..

السلفة بخوف : رجاءً ، أستري عليّ

سعاد : من هو ؟

- حبيبي القديم


وأخبرتها انها كانت تعشق شاباً ، قبل إجبار اهلها على الإرتباط بزوجها الذي لم تحبه يوماً.. وبعد مقتله ، عاودت الإتصال بحبيها السابق الذي طلب منها العودة الى منزلها لخطبتها.. لكنها اعتذرت منه ، بعد رفض حماتها ذلك.. فاعتدى عليها ، قبل هروبه ! وهي حاملٌ الآن بشهرها الثاني .. وفي حال عرف اهل زوجها او اهلها بذلك ، سيقتلونها حتماً..


سعاد : حسنا اهدأي.. لن اخبر احداً بالموضوع

سلفتها وهي تمسح دموعها : وماذا عن حملي ؟

- جارتي القديمة تعمل قابلة.. سآخذك اليها ، لإجهاضك قبل ثبات حملك

- لا ادري ماذا اقول ! فأنا من سكبت الزيت على الدرج..

سعاد مقاطعة : أعرف هذا .. لا تقلقي ، سيبقى سرّك بأمان

^^^


لكن قبل إجهاضها الجنين ، إتصل حبيبها مُعتذراً.. وأخبرها باستعداده الزواج منها لإصلاح غلطته.. 

فوعدتها سعاد بإقناع حماها بإعادته الى منزل عائلتها ، قبل ظهور علامات الحمل عليها..


وبالفعل استطاع العمّ إقناع زوجته العنيدة بترك كنّتها السابقة ، لتتابع حياتها من جديد

***


بغضون شهر .. علموا بزواجها وسفرها للخارج مع حبيبها ، دون علم العائلتين بحملها المُسبق منه ! بعد أن وعدتها سعاد بكتمانها السرّ ، ممّا رفع قيمتها عند سلفتها التي حضنتها بامتنان قبل رحيلها 

***


أصبح الوضع مريحاً بالمنزل بعد سفر السلفة الغيّورة ، ومع زيادة محبّة زوجها وحنان حماها.. لكن حماتها لم تتغيّر معاملتها معها ! وقد اعتادت سعاد على طريقتها القاسية مع مرور الوقت .. 


الى ان جاء يوم .. عادت فيه حماتها من زيارة جارتها ، وذراعها في جبيرةٍ طبّية ! بعد سقوطها فوق درجٍ مُبللٍّ بالمطر

^^^


وطوال شهر .. قامت سعاد بتحميمها والإعتناء بها وبشؤون المنزل ، دون شكوى او تكاسل .. ومن بعدها تغيّرت معاملة حماتها معها ، لدرجة انها فاجأت الجميع بقولها على العشاء : 

- الله عوّضني عن وفاة ابني ، بإبنةٍ حنونة !

^^^


وبذلك انتهت معاناة سعاد التي سمحوا لها اخيراً بزيارة أقاربها .. 

واول شيءٍ فعلته ، هو زيارة قبر والدها ..

وبعد الدعاء له بالرحمة.. قالت بحزن :

- كنت تريدني أن أصبح طبيبة تفتخر بها .. وهآ انا عالجت بصبري ودعائي قلوب عائلة زوجي المُنكسرة .. فبعد ان كانوا يشتمونك على سوء تربيّتك لإبنك ، هاهم يتفاخرون بتربيّتك لي ! وأتيت اليوم لأخبرك بحملي .. وأعدك أن أربّي ابني جيداً ، كما فعلت معي.. وسأجعله فخوراً بجدّه .. دون تأثّره بما فعله خاله ، سامحه الله أينما كان ! 

***


تُعدّ سعاد من القلائل المحظوظات التي استطاعت حلّ مشكلتها ، بعد صبرٍ ومعاناةٍ طويلة.. لكن كم فتاةٍ مثلها مازالت تعاني لليوم من قسّوة اهل القتيل معها ! وكلّه بسبب عقابهم لها ، بدل المُذنب الحقيقيّ ! 

فالفصليّة ماهي إلاّ وأدّ البنات بالعصر الحديث .. فهل توافقوني الرأيّ ؟


هناك 4 تعليقات:

  1. عاده تنم عن جهل وغباء ..ولا تزر وازرة وزر اخرى ..ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب ..هم لا يحقنون الدماء بل يهدرونها ويضيعون الحقوق ويجعلون للظلم قانون..

    ردحذف
  2. تسلمي يا امل لجعلها القصة مقبولة
    اتعرفي كيف يتم الفصل؟
    في العراق ان قمت انا بقتل شخص وحتى لو بقيت فالبيت ولم اهرب
    ستجلس عشيرتي مع عشيرة ذوي الضحية وسيفصلوا اي شيء يريدونه مثلا 100 مليون او قتلي وان هربت انا قبل ان تنجمع العشيرتين سيقررون بقتل شخص من ابناء عشيرتي جميعهم او يختاروا فصلية فتاة حتى لو كانت صغيرة ستتحمل خطئ اخاها !!، واحيانا يرمون الجاني بالسجن ونادراً ما لا ياخذون شيء ان كان الجاني لم يقصد
    اي يعني لديهم 5 خيارات وسيختاروا واحد من اصل 5
    المشكلة هذا القانون موجود عند جميع العراقيين وان قتلت شخص قصداً او من غير قصد سيفعلون ذلك ايضا!!
    وليس فقط القتل
    هناك ايضا الاعتداء والحادث المروري وغيرها ايضا ياخذون الفصل
    فهل يوجد في بلادكم هكذا؟؟

    ردحذف
    الردود
    1. يوجد لدينا قبائل عربية وعشائر ، لكنهم قليلون .. ولا ادري ان كان لديهم زواج الفصلية لحل مشاكل القتل والثأر .. ان كانت موجودة ، فهي حتماً سرّية !

      حذف
  3. شو الهبل اللي هم فيه اي شرع واي قانو واي عرف صحيح الغباء بامتياز عند البعض الديه واضحه اما نفس او مال مش زواج حسبي الله ونعم الوكيل فيهم هيك اشكال تجلب لنا الغباء والجهل

    ردحذف

التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...