الأربعاء، 5 يوليو 2023

المشاعر المكبوتة

تأليف : امل شانوحة 

 

الأخ الأوسط


ظلّ قُرابة ساعة وهو ينتظر الحافلة العموميّة ، بعد تعطّل سيارته القديمة وسط الشارع.. ولأنه طُرد بسبب غلطةٍ غير مقصودة اثناء ترتيبه قوارير العصير في السوبرماركت التي يعمل بها ، وانكسرت جميعاً بسبب خللٍ في برغي الرفّ ! فقد انفصل عن عمله دون حصوله على راتبه ، قبل يومين من نهاية الشهر ..


وهاهو يحمل القليل من المال الذي منعه من ركوب عدّة سيارات أجرة توقفت له .. وصعد الى الحافلة ، وهو يكاد يُغمى عليه من ضربة الشمس التي أصابته من طول الإنتظار .. 


وكأن كل هذا لا يكفيه ، فقد تفاجأ بسرقة جواله بعد نزوله من الحافلة! 

فتنهّد بضيق :

- ياله من يومٍ جميل ! أشفق على اللصّ المسكين الذي سرق جوالي القديم


ثم تذكّر كيف أمضى حياته مُهملاً من عائلته ، فهو الإبن الأوسط لخمسة ابناء.. ودائما يحصل على مقتنيات أخويه الكبار القديمة ، ولم يتدللّ يوماً كأخويه الصغار ! 


حتى غرفته موجودة في عليّة المنزل ، في الوقت الذي حصل كل أخٍّ على غرفته الخاصّة.. 

ورغم ان غرفته صغيرة ، إلاّ انها امتلأت بالحقائب والصناديق الغير مهمّة لعائلته ، بينما احتلّ سريره وخزانته الصغيرة حيّزاً بسيطاً من المخزن الرطب .

***


قبل دخوله المنزل ، تذكّر ان اليوم يُصادف عيد ميلاده الثلاثين.. 

فابتسم في وجه عائلته الذين يتناولون غدائهم على طاولة السفرة ، دون انتظاره (كعادتهم)..

لكن يبدو أن لا احد تذكّر عيده ! فالجميع مشغول بتناول طعامه او متابعة جواله ، حتى انهم لم يردّوا السلام عليه !

فأكمل صعوده الى غرفته ، دون ان يسأله احد إن كان جائعاً ام لا ؟!

***


في غرفته .. إستلقى مُتعباً على سريره ، وهو يتذكّر حياته البسيطة.. فهو عندما طلب من عائلته ترك المدرسة بمرحلة المتوسطة بعد رسوبه ، لم يعترض والديه على قراره ! ليصبح الوحيد الذي لم يُكمل تعليمه بين اخوته الذين توظّفوا في شركاتٍ مهمّة بعد تخرّجهم الجامعيّ .. 

كما لم يوظّفه والده في مصنع الألبان الذي يملكه ! ولم يكترث بأن ابنه عمل لخمس سنوات كموظفٍ بسيط في السوبرماركت ، وبراتبٍ زهيد.. 


ورغم تفانيه بالعمل كل تلك السنوات ، إلا انه طُرد اليوم دون دفاع زميليه عنه ! رغم انهما شاهدا ما حصل ، وإن انكسار القوارير لم يكن ذنبه.. 

حتى مديره الذي لطالما أرسله الى منزله لتلبيّة حاجيّات عائلته ، طرده دون رحمة.. قائلاً بقسّوة :

- بالكاد راتبك يكفي لدفع الأضرار التي تسببّت بها.. إذهب وسلّم بطاقتك لمديرتك .. ثم أغرب عن وجهي !!


وهاهو الآن أصبح دون شهادة او عمل او اصدقاء او حبيبة ، او حتى عائلة تكترث بأمره !


وظلّ يستذكر المتنمّرين الذين مرّوا في حياته ، وكيف فشل بالدفاع عن نفسه .. كما عدم قدرته على تقويّة شخصيته ، والمطالبة بحقوقه كبقيّة إخوته.

***


في هذه الأثناء ، إجتمعت عائلته مع مديره وزميليه وصديقته القديمة ايام المدرسة (التي ظلّت على تواصل معه بعد تركه الدراسة ، والتي لم تردّ على اتصالاته منذ شهور ، دون علمه بأنها تتواصل مع اخته لمعرفة اخباره) واليوم دعوها لحضور حفل عيد ميلاده الذين خطّطوا له منذ اسبوع..

حيث زيّنوا القبو بلافتاتٍ ، كُتب عليها :

((أفضل موظفٍ لهذا العام))

((الأخ الأرحم والألطف بيننا))

((صديقي وحبيبي الغالي))

((الأبن البارّ)) 


مع كيكة مرسوماً عليها وجهه ، والكثير من الهدايا القيّمة : كجوّال وحاسوب جديدين 

اما أفضل الهدايا فكانت من والده : وهي سيارة جديدة ، أخفاها بالكراج .. وزيّنها بشريطةٍ كبيرةٍ حمراء .. وكل هذا بمناسبة بلوغه الثلاثين..


كما تبرّع إخوته الأربعة بمصاريف معهد الإدارة التي يحلم بها منذ وقتٍ طويل ، والذي جمع رواتبه لدخولها .. على أمل ان يتوظّف بشركةٍ محترمة كأخوته ، لجعل والدايه فخورين به

^^^


بعد الإنتهاء من تزيّن القبو ، قال المدير :

- كنت اتفقت مع الموظفين على إزالة براغي إحدى الرفوف ، لإيقاعه العصير الرخيص.. لتكون حجّة لطرده ، وإجباره على إكمال علمه بدل تضيّع وقته بعملٍ بسيط لا يناسب ذكائه .. لهذا قسوّت عليه اليوم.. وأظنه سيتفهمّني بعد إهدائي راتبه ، بالإضافة لمكافئة أفضل موظفٍ حظيت به.

زميله : وانا وصديقي لم ندافع عنه ، رغبةً برؤية الدهشة على وجهه عندما نُهديه ربع راتبنا لهذا الشهر ، كونه صديقاً مخلصاً لنا

حبيبته : وانا لم اتواصل معه طوال السنة ، في انتظار مفاجأته بعيد ميلاده.. أتمنى ان لا يكون غاضباً مني ، لرفض مكالماته السابقة


الأخ : ليتكم رأيتم وجهه وهو ينتظر منّا أن نبارك عيده.. لكنا اتفقنا على تجاهله ، كيّ يظن بأننا نسيناه تماماً

الأخ الأصغر : هو تحمّل الكثير من اجل عائلتنا.. ولطالما ساعدنا ونحن صغار على حساب نفسه

الأخت : أتذكر كيف كان يجمع مصروف مدرسته ، لإحضار الحلوى لي .. كم هو أخٌ رائعٌ وحنون 

الأب بفخر : وإبنٌ بارٌ ايضاً .. لهذا سأقترح عليّ مساعدتي بإدارة المصنع ، فور حصوله على شهادة المعهد خلال سنتين


وهنا قال الأخ لأخته : 

- هيا اتصلي به ، واخبريه بأن هناك عطلاً في كهرباء القبو ..ونريده ان يصلحه ، فهو خبير بذلك

المدير : هو فعلاً خبير .. ولطالما أصلح اعطال السوبرماركت ، دون طلب زيادة على راتبه ! .. (ثم قال للوالدين) .. عليكما أن تفخرا به ، فهو شابٌ خلوق ومحترم

الأم : نحن بالفعل فخورين به ، وسيعلم اليوم بأهميّته في حياتنا

الأخت وهي تمسك جوالها : غريب ! لا يردّ

الأخ باستغراب : بالعادة يُجيب فوراً على اتصالاتنا !

(دون علمهم بأن جواله سُرق ظهراً)


الأخت بقلق : لم يردّ على اتصالي الخامس ! سأصعد اليه

المدير : برأيّ أن نصعد جميعاً ، ونفاجئه معاً

الأخ بحماس : نعم لنفتح الباب ، ونحن نقول بعلوّ صوتنا : سبرايز!!!

الأب : هيا بنا

^^^


وانطلقوا معاً نحو العليّة ، صارخين فور فتحهم الباب .. لكن ليس كما اتفقوا ، بل بفزعٍ شديد بعد رؤيته مشنوقاً ! بعبارةٍ وحيدة كتبها على الجدار:

((لا أحد يحبني)) !


هناك 7 تعليقات:

  1. أعتذر عن القصة النكديّة ، لكن المغزى منها : أن نُخبر من نحب بمشاعرنا قبل فوات الأوان .. تحياتي للجميع

    ردحذف
  2. اهلا امل
    لقد انهيت كتابة القصة لكن تعبت كثيرا
    مع اني حاولت ان احذف منها وهذا ما نتج مني
    عندما ارى كارتون او شيء اخر احاول ان لا افوت اي لقطة لهذا السبب لا احب ان اكتب شيء مختصر لاني سأشعر وكإن المقابل لم يفهم شيء
    لكن لا باس المهم استطعت انهائها اليوم واتمنى ان تعجبك
    ولا تنسي اسمها رغم طول القصة لكن لم اجد الاسم المناسب!
    سلام

    ردحذف
  3. بخصوص قصتك .. لا بأس بها
    وكلامك صحيح ، فعلاً فكم من شخص انتحر بسبب الاهمال عمداً او سهواً!
    هدى الله البشر ورحم الله الموتى

    ردحذف
    الردود
    1. قرأت قصتك .. بدأتها جيداً .. لكنك زوّدت الدراما بشكلٍ مبالغ فيه بنهايتها .. فكرة القصة مهمة ، ولم أكتب عنها من قبل .. وإن كان هناك مسلسلاً تركياً كاملاً عن هذا الموضوع ، اسمه سيلا .. والمسلسل تطرّق لهذا الموضوع من كافة الجوانب النفسية والإجتماعية .. سأحاول اخذ الأفكار الرئيسية منك ، وتحويلها لدراما مقبولة .. لكن لا ادري متى .. عليك الإنتظار قليلاً

      حذف
    2. هذا دليل بأن مخيلتي اوسع من مخيلتك هههه
      لا اعرف ما معنى دراما ولم اتابع المسلسل الذي ذكرتية
      لكن يوجد في بلادنا هكذا حكايات اعني موضوع ريم اصبح بسبب اخاها
      اما علاقة الفتيات الاتي اصبحنّ ضحية كـ ريم بخصوص علاقة عائلة زوجها ستبقى هي وحضها!
      لا بأس اكتبيها متى شئتي
      لكن هااا لا تنسي عنوانها اتفقنا
      نلتقي على خير

      حذف
  4. القصة رائعة وان كانت النهاية حزينة وهذه نتيجة التلاعب التافه بالمشاعر خاصة اذا كان الإنسان حساس جدا تحيتي إستاذة امل

    ردحذف
  5. قد فعل خيرا ..وان كان محظوظا بكل هؤلاء الذين يحبونه ولكنه لم يعلم..اما اولءك الذين ولدوا في الجحيم والعلقم يشج حلوقهم فلا بواكي لهم ولا راثي ولا ناءح ولا ثكلى ولا متذكر اذ يتمنون نفي الابعد ..فنالوا ما تمنوا ..فينظر لانعكاس صحفته ويتساءل ماصنعت ولا جواب ..
    اما عن الاوان فقد فات
    وكل شيءا مات
    وكل هما بات
    حتى احتضار الآت

    ردحذف

التوأمتان المتعاكستان

تأليف : امل شانوحة  الطيّبة والشريرة دخلت السكرتيرة الى مكتب مديرها (جاك) لتجده يفكّر مهموماً :   - إن كنت ما تزال متعباً ، فعدّ الى قصرك ...