الجمعة، 28 يوليو 2023

الغميّضة الأبديّة

تأليف : امل شانوحة 

 

اين اختبأتم ؟!


- هيا أدرّ ظهرك ، وعدّ للرقم ١٠٠

- أحفظ للرقم ٣٠ فقط !

- يا رفاق !! اخي لم يتمّ السادسة بعد

- اذاً عدّ للرقم ٣٠ ، لكن ببطء .. حتى نستطيع الإختباء جيداً


وما أن بدأ العدّ وهو مُغمض العينين ، حتى تراكض أصحاب أخيه الأكبر (بين ٨ و١١ سنة) في ارجاء الزقاق الضيّق ، في حيّهم الشعبيّ..


بعد ثواني ، صرخ الولد بحماس : 

- إنتهيت !! سأبحث عنكم


وأول شيءٍ لاحظه بعد فتح عينيه هو الدهان الجديد لجدار الزقاق القديم ، وتغيّر المنازل على جانبيه ! 

فالبقالة الصغيرة الموجودة بطرف الشارع ، أصبحت ميني ماركت .. مما جعله يقف مذهولاً امام البطاطس المختلفة المعروضة خارج المحل ، التي لم يرها من قبل!


اما المنزل العربيّ القديم ، فقد تحوّل لمبنى كبير.. ومنزل العجوز الفضوليّة (كما يلقّبها الصغار) فصار محل ملابس من طابقين ! حتى نوعيّة السيارات وملابس المارّة تغيّرت بشكلٍ ملحوظ.. 

مما أرعب الصغير الذي لم يتزحّزح عن مكانه ، فكيف تغيّر العالم من حوله بأقل من دقيقة ؟! 

فصرخ بأسماء اصدقاء أخيه ، والدموع في عينيه :

- اين انتم ؟!! لا اريد اللعب بعد الآن.. هيا إخرجوا من مخبائكم!! 


ثم نادى على أخيه الأكبر :

- منير !! اين انت ؟ ارجوك أعدني الى بيتي

لكن لم يظهر أخوه ولا رفاقه ! حتى الناس لم تلتفت اليه ، رغم صراخه بعلوّ صوته


وحين يأس من مساعدة احدٍ له ! إستجمع قواه ، محاولاً تذكّر الطريق الذي مشى فيه مع أخيه قبل وصولهما للزقاق الضيّق للعب الغميّضة


ورغم تغيّر الشوارع من حوله ، إلاّ انه قفز فرحاً بعد رؤية عمارته التي باتت قديمة بعض الشيء ! .. مُلاحظاً إزالة معظم الشققّ لستائرها البلاستيكية ، وإغلاق شرفاتهم بالزجاج العازل السميك..


لكنه تنفّس الصعداء فور دخوله المبنى الذي مازال مدخله كما هو ، بأدراجه المتهالكة التي صعد عليها سريعاً الى الطابق الرابع (لتذكّره بأن منزله هناك)


وتأكّدت شكوكه فور رؤيته لرجلٍ يخرج من الشقّة ، بدى كوالده ! وإن كان الشيّب ملأ رأسه ، كما لحيته التي أطالها أكثر من عادته  

ولأنه لم يسمعه يناديه كبقيّة الناس ، إستغل شقّ الباب للدخول الى منزله الذي تغيّر أثاثه تماماً ! فلم يعد هناك الصالون الأحمر الكبير بطاولاته الزجاجيّة ، بل استبدل بكنبٍ جديد ! 


فتوجّه للمطبخ .. ليجد امه تطبخ هناك بوجهٍ بائس ، كأنها نسيّت الفرحة منذ سنوات ! فهزّ طرف فستانها وهو يناديها بشوق ، لكنها لم تلتفت اليه ! 


فأكمل سيره نحو غرفته ، ليتفاجأ بتحوّلها الى غرفة طعام : 

- اين سريري ؟ لما أزالوه ؟! اين سأنام الآن ؟


ثم دخل غرفة أخيه ، ليجده يكتب على الحاسوب (الذي لم يرى مثله في حياته) وبدى مراهقاً في مرحلة الثانوية .. وكان مشغولاً بطباعة واجب التعبير الذي بدأ بقراءته بصوتٍ مسموع ، قبل إرساله لإيميل استاذه.. 


ماسحاً دموعه ، قبل قوله بقهر :

((كلّه بسببي !! ما كان عليّ أخذ أخي الصغير الى ذلك الزقاق الضيّق.. تركته وحده يعدّ الأرقام التي حفّظته إيّاها للعب الغميّضة اللعينة مع أصدقائي ، دون علمي بأن هناك شيطانٌ بشريّ يتربصّ بنا ! إستغلّ ابتعادنا عنه ، لوضع قماشة المخدّر على انفه الصغير ، وأخذه فوق درّاجته الناريّة الى مكان مجهولٍ ..يومها بحثت عنه مع رفاقي في كل مكان ، وكذلك فعل والدايّ والشرطة طوال شهرين .. الى ان وجدوا جثته في مكانٍ مهجور .. حيث خلا جسده المُتحلّل من كليّتيه وقلبه الطيب ، بعد وقوعه ضحيّة عصابة لبيع الأعضاء ! .. أظن روح اخي مازالت تلعب الغميّضة حتى الآن ، وتبحث عني وعن رفاقي في زوايا الحيّ القديم.. سامحني يا أخي الصغير ، سامحني يا صديقي الوحيد)) 


فنزلت دموع الولد بعد معرفة ما حصل له.. وقبل ضمّه اخاه المنهار بالبكاء ، رأى نوراً امامه يقول :

- هل اكتفيت من اللعب ؟

فأومأ الصغير برأسه إيجاباً ، بحزن..

النور : اذاً هات يدك

الولد : هل سنذهب للجنة ؟

- نعم ، فجدك ينتظرك هناك


وما أن مدّ يده للنور ، حتى اختفى .. تاركاً عائلته تعاني فقدِ شغفهم للحياة ، بعد خسارة روحهم بمقتله الوحشيّ الظالم !


هناك 6 تعليقات:

  1. لله درك يا أخت أمل ما اروعك وما احلى قصصك وافكارك الجميلة فهي كالينبوع الذي تفجر منها احلى واروع القصصٍ التي قرأتها في حياتي
    تمنيت لو ان القصة لم تنتهي بهذه السهولة فقد سرت بخيالي فيها خطوة خطوة كأنه أنا ذلك الطفل الصغير
    فلا جف قلمك ولا وهنت يدك ولتسلمي يا عزيزة الروح




    ردحذف
    الردود
    1. لا تدري كم كلماتك الجميلة اسعدتني .. بالحقيقة وصفت بالقصة منزلي القديم في لبنان والحيّ الذي كنت العب فيه مع اخوتي ، قبل سفرنا الى السعودية .. لم ادري ان حنيني لأيام الطفولة وصلت للقرّاء ! سعيدة جداً بتعليقك ، أثلجت قلبي بحقّ

      حذف
  2. مرحباً اختي العزيزة أمل إن كانت كلماتي اسعدتكِ فإن
    سعادتي وفرحتي كانت أكبر
    صدقيني كم فرحت البارحة لما شفت مدونتك لازالت مفتوحة كأزهار الربيع المتفتحة فأنتِ أمل أسمٌ على مسمى افتقدك ورب الكعبة واشتقت لمدونتك الرائعة فقد كانت ملاذاً وملجأً لي عندما تتزاحم المشاكل وتتراكم الهموم
    ففي قصصك العبرة والموعظة والتسلية وعودة الروح المعنوية فقد أدخلتِ في قلبي التفائل والأمل منذ سنوات الله يسعد قلبك وروحك وفؤادك
    صدقيني أنني لم أنساك حتى في أصعب الظروف
    فكم تمنيت لو أن بيدي جوال كي أخفف عني ظلمة السجن الانفرادي الجائر واتجول هنا وهناك
    قد تتسألين من اكون فأنا صديق المدونة من زمان شخص يعيش في بلدٍ تحكمه الفئة الظالة ذنبي أني أقول الحق ليس إلا
    فقبل البارحة اطلق صراحي وعدت الى بيتي وعائلتي الجميلة فقد عدت اقبل ذا الجدار وذا الجدارِ وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارِ
    ولكني أحب الديار والقرية وأهلها كما يحبوني فقد استقبلوني استقبال لا يستحقه الا الابطال وأنا لست بطلاً
    فلا يمضي عامُ إلا ولي نصيب من السجن لكن هذه المرة طالت المدة لكن الحمدلله على كل وفي كل حال
    تحياتي وتقديري واحترامي لك يا بنت الكرام كما اهديها خالصة للأخت الرائعة أسماء والسلام عليك في حلك وترحالك





    ردحذف
    الردود
    1. اولاً شكراً على مدحك الجميل .. لكن دعني أنصحك يا صديقي .. نحن في زمن يحكمه الأشرار .. ومن الذكاء ان لا تلفت انظارهم اليك .. يعني إمسك لسانك ، حتى عن قول الحق .. فقط لكيّ لا يؤذوا اهلك وعرضك او يشوّهوا سمعة عائلتك.. وإن كانت لحيتك او ثوبك تثير انتباههم ، فغيّر هيئتك .. ليس خوفاً منهم ، لكننا بزمان علينا التمسّك فيه بأضعف الإيمان : وهو الإنكار بالقلب .. إحمي اهلك من الأذى النفسي لسجنك .. لا تدمّر امانهم واستقرارهم بسبب قولك الحق .. فجهنم لابد ان تمتلأ ، فدعهم وذنوبهم .. لا تنصح احداً .. عليك فقط بإصلاح عائلتك .. ولا تنسى ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم .. دعك من السياسة .. ولا تتحدث بأمور الدين مع اناسٍ لا تعرفهم .. إحمي نفسك قدر الإمكان ، فلا شيء يستحق ان تسجن لأجله .. حماك الله من شرورهم

      حذف
    2. اعانكم الله على فعل الخير

      حذف
  3. قصه رائعة لكن احزنتني😔

    ردحذف

مسابقة الألوان القاتلة

تأليف : امل شانوحة    إنتقام الطفولة  وصلت كروت حفلةٍ مسائيّة الى مجموعة شباب من ابناء اثرياء البلد .. والذين حضروا للمبنى (الذي تمّ تجديده ...