الاثنين، 2 ديسمبر 2019

قرينٌ بلا عمل !

تأليف : امل شانوحة

مازلتُ صغيراً على التقاعد !

شعر الأب النائم وكأن زوبعة هواءٍ باردة إجتاحت غرفته .. وأحسّ بشيءٍ يشدّ قدمه بعنف .. ثم وقعت قارورة الماء التي بجانبه على ذراعه الممتدّة خارج السرير !
فاستفاق متضايقاً : ماذا يحصل هذا المساء ؟!

وهنا سمع صرخات ابنه (8 سنوات) خارج منزله , وكأنه يتخبّط في المياه .. فركض باتجاه حوض السباحة , ليجده يطفو دون حراك ! 

فقفز اليه , وأخرجه على الفور .. ليقوم بالتنفّس الإصطناعيّ , الا ان شحوب وجهه دلّ على مفارقته الحياة .. وحين استوعب الأمر , علت صرخاته المتألّمة وهو يحتضن جثة ابنه الوحيد
***

بعد اسبوع , وفي المساء .. نظرت الحفيدة من نافذة غرفتها الى حديقة منزلهم , لتتفاجأ بجدها يلعب المراجيح !
فأسرعت بإيقاظ امها في الغرفة المجاورة , لتخبرها بما حصل ..

ونزلتا الى غرفة الجدّ في الطابق الأرضيّ , لتجدانه نائماً في سريره ..
وبعد ان أغلقت الباب عليه , لامت ابنتها بعصبية :
- أيقظتني بلا سبب !! 
ابنتها : أحلف انني وجدّته يلعب بالحديقة بحماسة الأطفال !
الأم غاضبة : عودي الى فوق , ولا تخبري أحداً بهذه السخافات 
فصعدت الفتاة متضايقة الى غرفتها !
***

بعد شهر .. تفاجأت الممرّضات في مستشفى للعلاج النفسيّ , بإحدى المريضات تقوم بإسعاف الدكتور بعد إختناقه بلقمة من شطيرته .. حيث استطاعت إخراجها بالضغط على معدته ..
وبعد التقاط انفاسه , شكرها لإنقاذها حياته .. 

فابتسمت المجنونة له , قبل عودتها الى العنبر المزدحم بالمجانين .. وسط دهشة الممرّضات لسرعة تصرّفها الحكيم !
***

في عالمٍ آخر بباطن الأرض .. لام الشيطان (المسؤول عن القرائن) الجني الصغير (دولايّ) على فعلته :
- من سمح لك بإنقاذ الطبيب ؟
وقبل ان يُجيبه دولايّ , إقترب قرين (الجدّ) شاكياً :
- هذه ليست غلطته الوحيدة سيدي , فقد سرق عملي سابقاً

فردّ دولايّ : لأنك كنت مهملاً العجوز 
قرين الجدّ : وماذا أفعل ان كان شبيهي البشريّ يعاني من الزهايمر , وواجبي تقليد حركاته البسيطة .. اما انت !! فاحتللّت جسده لتلعب المراجيح كالأطفال السذّج , الى ان لفتّ أنظار حفيدته التي كادت تكشفنا

الشيطان : دولايّ .. هل ما قاله صحيح ؟
فأجابه بحزن : سيدي .. في الماضي كنت قرين ولدٍ في الثامنة , أيّ في مثل عمري .. وكنت سعيداً جداً معه ... وفي تلك الليلة الكئيبة , سقط في مسبح منزله .. وتمكّنت من إيقاظ والده لإنقاذه , لكنه فارق الحياة .. ومن بعدها أجبرتموني على الإلتحاق بمعسكر القرائن العاطلة عن العمل , رغم انني لم أعشّ طويلاً في الدنيا ! .. ولإحساسي بالظلم الشديد , هربت من هناك لإحتلال جسد العجوز المهمل , قبل ان يطردني منه هذا اللئيم !! 
قرين الجد بدهشة : أتسمعه سيدي ! الوقح يلومني , وهو سارق وظيفتي 

الشيطان : إكمل يا ولد , مالذي حصل بعدها ؟
دولايّ : بحثت طويلاً الى ان وجدّت سيدة في مستشفى المجانين , حيث كانت قرينتها منشغلة عنها مع عشيقها الجني .. ولهذا تظلّ السيدة دون حراك في سريرها بانتظار عودة قرينتها لإثارة بعض المشاكل المتواضعة ... وفي تلك اللحظة , رأيت الطبيب يختنق .. فتلبّست بها لمساعدته .. لعلّه يكتب تقريراً جيداً بشأنها , يُخرجها من ذلك الجحيم .. فأجرّب معها حرّية الدنيا من جديد 
الشيطان : هذا لن يحصل , لأن قرينتها رفعت شكوى ضدّك لسرقتك مكانها , وتشويهك سمعتها بعمل الخير .. فوظيفتك كقرين هي الوسوسة للبشر بالشرّ 

قرين الجد ساخراً : يبدو انه مازال صغيراً ولا يفهم دوره بالتحديد  
الشيطان : لهذا سأعيده الى المعسكر , وسيُعاقب بشدة ان حاول الهرب ثانيةً
دولايّ بضيق : والى متى سيدي ؟ فأعمارنا كجن تتجاوز الألف سنة , وليس عدلاً ان أفني عمري محتجزاً مع العجائز ؟! 
الشيطان : قدرك ان يموت شبيهك البشريّ في عمرٍ صغير .. 

ثم نادى : يا حرّاس !! أعيدوه الى معسكر المتقاعدين , وشدّدوا الرقابة عليه
فصرخ دولايّ باكياً , وهم يقتادونه بالقوة الى هناك : 
- هذا ظلم سيدي ..والله ظلم !!!
*** 

بعد اسبوعين , وفي تلك الأمسية .. إقترب شاب يعاني من اكتئابٍ حادّ من حافّة سطح مبناه .. بعد ان أغمض عينيه وفتح ذراعيه , ناوياً الإنتحار ..
وقبل قفزه بثوانيٍ , شعر بشيء يشدّه من قميصه ويُسقطه أرضاً .. فتلفّت حوله بخوف , دون إيجاده أحد !

بهذه اللحظات توقف الزمن فجأة , ليتجمّد الشاب في مكانه .. بينما ظهر دولايّ وهو يتشاجر مع قرين الشاب الذي قال له بغضب :
- ما دخلك انت لتنقذ حياته ؟!!
دولايّ : وكيف تتركه ينتحر يا غبي ؟
- هذا قراره , فأنا قرينه ودوري ان أوسّوس له بالشرّ .. وطالما اراد إنهاء حياته , فهذا شأنه
دولايّ : الا تدري ماذا سيحلّ بك بعد موته ؟
- أنتقل لوظيفةٍ أخرى
- لا يا احمق , سيأخذك قائد الشياطين الى معسكرٍ إلزامي للقرائن المتقاعدة ..وهناك تجلس برفقة العجائز الى نهاية عمرك

القرين الشاب باستغراب : ولما لا أذهب لمولودٍ بشريّ آخر ؟
دولايّ : سألتهم نفس السؤال .. وأخبروني إنه حينما يولد طفلٌ بشريّ , يولد معه قرينه الذي يلازمه لحين وفاته.. فهناك ملايين القرائن غيرنا .. وصدّقني لن ترغب بإكمال حياتك محتجزاً في ذلك المعسكر الكئيب 

ففكّر قرين الشاب قليلاً , قبل ان يقول : أتدري ..أقنعتني ايها الجني الصغير
- وماذا ستفعل بشأنه ؟
وأشار الى الشاب المكتئب (المتجمّد في مكانه).. 
القرين : سأحلّ انا المشكلة 

ثم عاد الزمن للدوران .. ليقوم القرين بالوسّوسة للشاب , هامساً في اذنه :
- ما رأيك بدل إنتحارك بسبب المتنمّرين في الجامعة , أن تقتلهم جميعاً في أكبر مجزرة تحصل بأميركا , مُستخدماً ذخيرة والدك للصيد 

فارتسمت على وجه الشاب ابتسامةٍ شريرة .. وقام وهو ينفض الغبار عن ثيابه , متوجّهاً لشقته .. فلحق دولايّ القرين :
- وماذا عني ؟!!
القرين : عُدّ الى المعسكر , فأنا قرين الشاب وهذه وظيفتي .. وهو يحتاجني للتخطيط لهذه الجريمة الكبيرة 

ونزلا من السطح , تاركان دولايّ وحده ! الذي قال في نفسه بضيق :
- هذه المرة الثالثة التي أفشل فيها باحتلال جسد انسان , ما العمل الآن؟
وفكّر قليلاً , ثم قال :
- ليس امامي سوى الذهاب لساحرة الحيّ , لربما تجد لي عملاً يليق بذكائي وهمّتي العالية
***

وذهب اليها وأخبرها بمشكلته , لكنها اعتذرت قائلة :
- انت جني متشيطن , يعني قدراتك محدودة .. وشياطين السحر أقوى منك بكثير 
دولايّ : رجاءً جرّبيني , قبل ان تحكمي عليّ
الساحرة بقلق : أخاف ان يؤذيك الشيطان الذي أتعامل معه 

وفجأة ظهر شيطانها غاضباً :
- انت دولايّ , الست كذلك ؟
دولايّ بخوف : نعم ! كيف عرفتني ؟
الشيطان بعصبية : شياطين السحر لديها قدرة على معرفة المجهول ؟ وقد وصلتني اخبارك عن هروبك المتكرّر من معسكر المتقاعدين .. ولم أتصوّر ان تصل وقاحتك لإحتلال وظيفتي ! 
- سيدي , لديّ نشاطٌ هائل ..ولا اريد قضاء بقية عمري في ذلك المعسكر المملّ ؟
- قدرك ان تنتهي وظيفتك باكراً , وعليك الرضاء بالواقع ..والآن عدّ الى المعسكر , قبل ان أفقد اعصابي وأحرقك ببطءٍ شديد

ثم نادى لشيطانٍ آخر يعمل في وظيفة مراقبة القرائن ..
وحين ظهر , طلب منه اقتياد دولايّ الى معسكره الإلزاميّ .. فمسكه الحارس بقوة , وسحبه معه الى اسفل الأرض
***

بعد ايام , وقبيل الفجر .. إستفاق ضابطٌ حربيّ من غيبوبته في المستشفى العسكريّ .. ثم لبس بذلته من الخزانة .. وخرج من هناك , دون ان ينتبه عليه احد .. ومن بعدها تمكّن من سرقة سيارة اسعاف متوقفة هناك (لوجود المفاتيح فيها) .. وقادها الى ان وصل الى منزله الذي يعيش فيه وحيداً , والذي ظلّ خالياً منذ سقوط طائرته بعرضٍ عسكريّ (رغم تمكّنه من الخروج منها باللحظة المناسبة , الا ان الرياح جعلت مظلّته تحطّ بقوة على الأرض , ليُصاب بغيبوبة دامت عاماً كاملاً !) 

ودخل الى غرفة نومه لأخذ بطاقته العسكرية ومفاتيح سيارته التي قادها الى مدرّج الطائرات الحربية .. 
الغريب ان الحارس لم يدقّق في بطاقته , واكتفى بالتحيّة العسكرية بعد إدخاله المطار ! 

لكن الضابط توجّه مباشرةً الى مخزن الصورايخ .. ليقوم بتركيب إحداها اسفل طائرةٍ حربية ..
ومن دون أخذ الإذن من برج المراقبة , حلّق بها في الجوّ متوجهاً لمصنعٍ نوويّ يبعد ساعة عن المدرّج .. 

وفور وصوله اليه , رمى بالصاروخ في مدخنة المصنع بدقةٍ متناهية .. مما أدّى لإنفجارٍ هائل أصاب المناطق المجاورة .. 

لتُعلن حالة الطوارىء في البلاد بعد ان طالت الحرائق المنازل والحقول .. وقتلت آلاف البشر , غير الذين اصيبوا بالإشعاعات النوويّة الخطيرة .. وعدّتها الحكومة اسوء كارثة في تاريخ البشريّة .. ولم يعرف الفاعل بعد مقتل الطيّار المجهول في العملية الإنتحارية !
*** 

وفي باطن الأرض .. أُقتيد دولايّ الى معسكر القرائن المتقاعدة مُكبّلاً بالأغلال , حيث تجمّهر الجن الغاضب من حوله بعد اكتظاظ المعسكر بالقرائن الجدّد الذين ارسلوا اليه لموت اشبابههم البشريين بعد الإنفجار النوويّ المباغت !

وهناك سمع جني عجوز يقول غاضباً : ما يحدث الآن ذكّرني بما حصل ايام الحرب العالمية الأولى والثانية , حيث فقد ملايين القرائن وظائفهم بعد موت اشبابههم البشريين .. ولم نصدّق متى عقل السياسيين البشر عن ارتكاب تلك الحماقات , ليعيد هذا الجاهل الصغير الأزمة من جديد !

وقبل ان يضربوه , توقفوا فجأة حين رأوا عرش ابليس يصعد من الأرض السابعة وهو يصفّق بفخرٍ قائلاً :
- أحسنت يا دولايّ !! فبتهوّرك المجنون قتلت آلاف البشر
احد القرائن بقلق : لكن سيدي , خسرنا وظائفنا بعد احتلاله جسد الضابط 

وهنا اقترب قرين الضابط من العرش , قائلاً بخوف : 
- ولا ذنب لي في ذلك , لأني حينها كنت أتسوّق مع عائلتي 
ابليس : اليس من واجبك ملازمة شبيهك البشريّ ؟
فأجابه وهو يرتعش : سيدي ..كان الشاب في غيبوبةٍ طويلة , ولا يفعل شيئاً سوى النوم .. وحين عدّت اليه , لم اجده بالمستشفى .. لأعلم لاحقاً بأن دولايّ الأحمق سرق مكاني

ابليس : جميعكم ترونه متهوّراً , لكني أراه بطلاً .. فأنتم تعلمون كم يسعدني موت البشر اثناء الحروب .. وفكرة الإنفجار النوويّ ذكية للغاية لأن آثارها تدوم طويلاً , وتُسبّب لهم السرطان الذي سيقتلهم عاجلاً ام آجلاً 
أحد القرائن : وماذا عنا سيدي ؟
ابليس : أفكّر ان أوزّعكم على الأحياء منهم 
قرين عجوز : كيف سيدي , فنسبتنا أصبحت اربعة لواحد !

ابليس بابتسامة : يعني تماماً كالزوجات الشرعيات 
وضحك ساخراً , ثم قال : اثنان يحتلّون جسد البشريّ في الصباح , واثنان في المساء .. وتتناوبون فيما بينكم .. وبذلك تزداد الوسّوسة في نفوسهم الهشّة , ويكثر الشرّ في العالم
الشيطان (مراقب القرائن) : كما تشاء سيدي

ابليس : اما انت يا دولايّ !! فسأوظّفك ضمن حرسي الشخصيين , لذكاءك الفطريّ المدهش .. فهيا تعال معي
دولايّ بسعادةٍ غامرة : بأمرك سيدي !!
ونظر الى بقية الجن بازدراءٍ وغرور وهو ينزل برفقة ابليس الى باطن الأرض .. 

من بعدها .. بدأ مسؤولو المعسكر بتصنيف الجن المتقاعد وتقسيمه على الأحياء البشريين في المدن المجاورة
***

بعد سنة .. اذاعت مذيعة الأخبار (البشريّة) الخبر , قائلةً :
((الى اليوم لم يجد الأطباء النفسيون رابطاً بين زيادة حالات الإنفصام الشخصية والإنفجار النوويّ , رغم ان الأحصائيات تدلّ على زيادة الجرائم والمخالفات ممّن تبقى حيّاً بعد تلك الكارثة .. فهل الإشعاعات النوويّة تزيد الرغبة الشرّيرة في نفوسنا , ام هناك سبباً آخر مخفيّاً عنا ؟!))

وفجأة ! صرخت المذيعة بهستيريا , وكأن شيئاً تلبّس جسدها الذي بدأ يهتزّ بحركاتٍ لا ارادية .. فحاول المصوّر تهدأتها.. الا انها رمت ميكروفونها بقوة على الكاميرا .. لينقطع البثّ المباشر , وسط دهشة المشاهدين ! 

هناك تعليقان (2):

  1. السلام عليكم الكاتبة المتميزة أمل شانوحة.
    شكرا على إتاحة هذه القصص للقراءة فهي بالفعل مخيفة ومحبوكة بشكل مبدع.
    لو تفضلت بالتنويه ان هذه المقالات عمل أدبي من نسج الخيال لإثارة وتشويق القارئ وليست حقيقية خاصة وأن بعض صغار السن قد يميل الى تصديق بعض عناصر الرواية ويعيش في خوف دائم من المخلوقات الأخرى رغم أن الخالق تبارك وتعالى أخبرنا أن ليس لهم سلطان على الناس وشكرا جزيلا وفقكم الله.

    ردحذف
    الردود
    1. القصة بصراحة ليست خيالية بالكامل .. فحين يولد الطفل البشريّ , يولد معه قرينه وهو جني متشيطن , وواجبه الوسوسة له .. لكن ليس بالضرورة ان يموت بموتنا , خاصة ان اعمار الجن تتجاوز الألف سنة .. كما ليس مسموحاً لقريننا ان يوسّوس لإنسان آخر .. لذلك ألفت هذه القصة عن القرائن العاطلة عن العمل بعد وفاتنا .. اما ماهو مصيرها بالفعل , فالله وحده اعلم

      حذف

النرجسيّة

تأليف : امل شانوحة  ميدو ما يغلطش ابداً ! نشرت الدكتورة النفسيّة (نجاة مُرتضى) كتاباً عن أعراض النرجسيّة واسبابها , ذكرت فيه مجموعة...