تأليف : امل شانوحة
الذاكرة المنسية
بعد إدخال الزوجة الضيافة إلى غرفة الجلوس ، طلب منها زوجها إحضار بلاي ستيشن للعب مع صديقه
فسألته باستغراب :
- الم تطلب مني إخفاء الجهاز ، بعد ان اصبحت مهووساً به ؟!
- لا يهم .. إذهبي واحضريه
فعادت لغرفتها ، وهي تتمّتم بضيق :
- هو يعلم ان صحتي ليست بخير اليوم .. ومع ذلك يريدني ان احضر اللعبة من فوق الخزانة ، رغم شعوري بالدوار !
ثم وضعت السلّم الخشبي ، في محاولة لإنزال الصندوق الكرتوني الذي بداخله بلاي ستيشن .. لكنها لم تنتبه لعكّاز زوجها الحديديّ الذي فوقه (استخدمه قبل شهرين ، عندما أصيبت ساقه) الذي سقط بقوّة على رأسها ، مُتسبباً بجرحه
في صالة المنزل .. سمع الزوج وصديقه صوت وقوعٍٍ عنيف للسلم ، فهرعا مذعوريّن للداخل..
ليجداها ممدّدة على الأرض ، والسلم فوقها .. والدماء تسيل من رأسها !
فحاول الزوج إيقاظها ، بهزّ جسمها بعنف .. لولا إصرار صديقه بأخذها فوراً للمستشفى
^^^
في الطريق ..
جلست المرأة في المقعد الخلفي ، مُسندةً رأسها على فخذ زوجها الذي يحاول ايقاف دمائها بالمناديل .. بينما صديقه يقود السيارة ، وهو يسأله بقلق :
- هل تتنفس ؟
فوضع الزوج يده أمام أنفها ، قبل ان يجيبه برعب :
- لا... لا تتنفس!
فصرخ صديقه:
- ماذا تنتظر؟ أنقذها بالحال !!
فأحنى الزوج رأسه ، لإجراء التنفس الإصطناعي..
وإذّ بها تنتفض فجأة ، وهي تبعده عنها بفزع :
- ماذا تفعل ؟!!
ثم نظرت حولها بدهشةٍ مفزعة :
- أين أنا؟!
وهنا رأت الدماء على المناديل ! فوضعت يدها على رأسها ، وهي تشعر بالألم :
- ماذا فعلتما بي؟!
فردّ الزوج بانزعاج :
- كفّي عن هذه السخافات !! فأنت جرحت رأسك ، بعد سقوطك من السلم..
فجلست بعيدةً عنه ، وهي تسأله بخوف :
- ومن انت يا رجل ؟ ولما حاولت تقبيلي قبل قليل ؟
فساد الصمت بالسيارة !
فأجاب صديقه بقلق :
- هذا زوجك ، وكان يحاول إنعاشك .. الا تتذكرينه ؟!
فردّت بدهشة :
- وهل انا متزوجة ؟!
ثم انتبهت على خاتم اصبعها :
- يبدو ذلك !
فقال الزوج لصديقه ببرود:
- إنها تبالغ.
فردّ صديقه بعتاب :
- لقد سقطت من علوّ مترين ، ووقع السلّم على رأسها.. لابد ان الإصابة أضرّت بذاكرتها .. وكلّه بسببي ! ليتني لم أصرّ على لعب بلاي ستيشن معك
فسألت المرأة باستغراب:
- وما علاقة الجهاز بجرح رأسي ؟!
فأجاب زوجها :
- اللعبة كانت في صندوقٍ فوق الخزانة ..هل تذكرتي الحادثة الآن؟
المرأة بقلق :
- لا .. لا اتذكر شيئاً
فقال الصديق:
- لا تقلقي ، سنصل الى المشفى بعد قليل .. وهناك سيتبين كل شيء.
^^^
بعد الفحوصات.. خرج الطبيب من غرفة الأشعة ، وهو يقول للزوج:
- مجرّد ارتجاجٌ بسيط .. لكنه يبدو اصاب جزء الذاكرة في دماغها!
الزوج بقلق :
- ومتى ستتذكّرني؟
الطبيب : الأمر بيدك .. عليك تذكيرها بالماضي الجميل.. يعني المواقف العاطفية بينكما ايام الخطوبة وشهر العسل ، فهي وحدها ما يعلق بذهن المرأة.
^^^
فعادت الى المنزل مع زوجها المحتار بطريقة تصرّفه معها .. خصوصاً بعد إصرارها على البقاء وحدها بغرفتها التي أقفلتها بإحكام .. فهو بالنسبة لها ، رجلٌ غريبٌ عنها!
***
في الأيام التالية ، إضّطر لتغير معاملته معها .. فهو لم يعد يرفع صوته ، او يعطيها اوامر صارمة .. بل صار يستشيرها ويأخذ اذنها ، قبل فعله شيء..
ومع مرور الأيام .. حدث شيءٌ لم يتوقعه ، حين بدأ يكتشفها من جديد .. فهي لم تعد زوجته الباهتة الصامتة التي اعتاد عليها .. بل صارت تناقشه وتعارضه بجرأة .. وتخبره النكات وهي تضحك من قلبها .. وتطلعه على أحلامها .. وتشاركه طموحها ومواهبها التي لم يعلم عنها سابقاً ! كما صارت تهتم بمظهرها ، وتختار ملابسها بنفسها.. وتمازحه بروحها الطفولية وعفويتها الجميلة !
مما جعله يستذكر سنواتهما الماضية ، بعد إجبارها على التصرّف كزوجةٍ هادئة ومطيعة .. بعد ان نصحه الأقارب والأصدقاء قبل الزواج : بطمس شخصيتها تماماً ، وتحقير آرائها وأحلامها .. ومنعها من الخروج والإختلاط بالناس .. وجعل كلمته دائماً هي الأولى والأخيرة
وبعد تنفيذ نصائحهم ، تحوّلت زوجته إلى امرأة تخاف اعتراضه وإغضابه .. خصوصاً بعد اجبارها على الإستقالة من عملها الذي تحبه .. وإبعادها عن اهلها واصدقائها .. كما كان ينصحها باستعلاء ، بالتفكير بكلامها الف مرة قبل التحدث اليه وإضاعة وقته بآرائها التافهة .. كل ذلك ، رغبةً بخلق زواجٍ بلا مشاكل .. لكنه بالحقيقة صنع بيتاً بلا روحٍ او حياة !
اما بعد الحادثة ، فصارت تفاجئه بطباعها الجميلة كل يوم.. والأغرب أنه بدأ يعشق هذه المرأة الجديدة.. او بالأصح ، يكتشف حقيقتها بعد خمس سنوات من الحياة الرتيبة المملة !
***
ذات مساء ، وهما يشاهدان التلفاز .. سألته بجرأة :
- هل لديك مشكلة صحية تمنعنا من الإنجاب ؟
فنظر اليها بصدمة :
- ماذا قلت ؟!
- هذا الصباح ، وجدت ملفي الصحي بخزانتي .. وكانت نتائجي جيدة ، لكني لم اجد فحوصاتك ضمن الملف ..
فقاطعها بعصبية :
- هذا يعارض رجولتي !!
ورفع صوت التلفاز لقطع محادثتها .. لكنها أطفأت الجهاز ، وهي تسأله بحزم :
- نحن متزوجان منذ خمس سنوات ..الا تريد أن تصبح أباً ؟
- كيف وانت تمنعيني الإقتراب منك ؟
- لا تغير الموضوع .. غداً نذهب معاً إلى الطبيب لإجراء ..
مقاطعاً بعصبية :
- ارفض ان اصبح موضع سخرية أمام الناس.
فأمسكت يده بحنان :
- لن يعرف أحد.. وإن كان هناك شيء يحتاج إلى علاج ، فسأقف إلى جانبك.. فكلانا اقترب من سن الأربعين ، ولا أريد تضيع المزيد من الوقت.
ففكّر مطولاً ، قبل ان يوافق بتردّد
^^^
وجاءت النتائج مطمئنة..
فهو لم يكن لديه مرضٌ خطير ، بل مجرد عارضٌ بسيط يتطلّب علاجاً بسيطاً
ولأنه وافق على الفحوصات والعلاج ، سمحت بعودته الى غرفتها ..
***
وبعد شهرين ، علم بحملها.. فاحتضنها سعيداً ، وهو يعدها بحفلةٍ عائلية
وفي الحفل ، لاحظ الجميع تغير طباع الزوجة .. فهي لم تعد صامتة ومنزوية بالمناسبات .. بل ظهرت متألقة بثوبها الفخم ، وهي تضحك بطلاقة وتشارك احاديث الجميع بثقةٍ واعتزاز
اما زوجها ، فلم يعد يقاطعها أو يأمرها بإذلال امام الغرباء .. بل ينظر إليها باحترام وبابتسامةٍ حنونة ، كأنهما عروسان جدد !
^^^
بعد انتهاء الحفل ، وفي غرفة النوم..
قال الزوج بنبرةٍ نادمة :
- اريد الإعتذار عن سنوات قسوتي معك .. كنت أظن أنه بجعلك مطيعة لكل أوامري ، سأعيش حياةً هادئة.. لكني كنت مخطئاً.. فعندما فقدتِ ذاكرتك ، ظهرت أمامي امرأة لم أعرفها من قبل ! امرأة قوية ومرحة ، لها أحلام وطموح وآراءً سديدة ... واكتشفت أنني أحب هذه المرأة ، أكثر من زوجتي التي أطاعتني بكل شيء ! ليتني عرفت جوهرك الحقيقي منذ البداية.
فأسندت رأسها على كتفه بدلال :
- المهم أنك عرفتني الآن.. وطالما اصبحت لطيفاً معي ، وتحترمني امام الناس .. فهذا يكفيني..
فحضنها بحنان ، دون علمه بما تخفيه عنه :
((فهو يظنها فاقدة الذاكرة .. لكنها بالحقيقة قبل الحادثة بيوم ، التقت بصديقتها من أيام الجامعة..وجلستا في أحد المطاعم..
لتتفاجأ بصديقتها تسألها بأسى :
- ما الذي جرى لكِ ؟ لما تحولتِ إلى امرأةٍ كئيبة وذابلة ، مقارنةً بأيام الجامعة؟!
ثم أرتها مقاطع فيديو قديمة لهما : وهما تضحكان وتمرحان بحرّية
متسائلةً بحرقة:
- أين ذهبت تلك الروح الجميلة ؟!
ثم نصحتها بوضع حدٍ لزوجها النرجسي ، او الطلاق منه
فعادت الزوجة الى منزلها مهمومة ، بعد تأكّدها بأنها بعلاقةٍ غير صحية ..
وبعد ان وقع العكّاز من فوق الخزانة ، جارحاً رأسها .. خطرت ببالها ، إسقاط السلم بقوة .. ثم الإستلقاء تحته .. لإيهام زوجها بوقوعها من ارتفاعٍ كبير ، متسبباً بفقدان ذاكرتها ..
ثم بدأت خطتها بعد استيقاظها بسيارة صديق زوجها ، مُدعيةً نسيان الماضي .. او بالأصح ، ناكرةً للوحش الذي صنعته بيدها طوال الخمس سنوات الماضية .. فهي من جعلته نرجسياً ، بطاعتها العمياء له .. وإغداق المديح عليه ، رغم عدم استحقاقه ذلك .. ولهذا ارادت إصلاح خطأها اولاً ، بالعودة لشخصيتها القديمة
في البداية عاملها زوجها بحذر ، خوفاً من خسارتها .. ثم باحترام ، بدافع الفضول..ثم بدافع الإعجاب.. وأخيراً... بدافع الحب.
فهي بالنهاية لم تفقد ذاكرتها .. بل استعادت نفسها الحقيقية بذكاءٍ أنثويٍّ ناعم))
وفي هذا المساء ، وبينما تراقب زوجها النائم .. وضعت يدها على بطنها ، وهي تتمنى أن يرسّخ الطفل الحب بينهما .. عاقدةً العزم على الإحتفاظ بسرّ حيلتها للأبد .. فهي لم تفعل ذلك هدماً لمنزلها .. بل لترسيخ قواعد الحب والإحترام والمساواة ، لبناء زواجٍ سعيد يدوم العمر كلّه !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق