تأليف : امل شانوحة
الطفولة المختطفة
على الطريق العام .. تتواجد هضبة صخرية ، مبنياً عليها بيوتاً شعبية فقيرة .. قبل قرار الحكومة بإغلاق جميع مداخلها بسواتر الألمنيوم والحواجز الإسمنتية ، مُجبرةً سكّانها على الرحيل إلى المدينتين المجاورتين ، بحجّة وجود غازٍ طبيعي اسفل الهضبة المكوّنة من شارعين رئيسيّن : علويّ وسفلي .. تحقيقاً لرغبة الدولة ببناء مصنعٍ للإستفادة من موردها الطبيعي ..
***
وبعد عشر سنوات ، وفي عصر هذا اليوم .. اوقف الشاب سيارته خارج المنطقة المهجورة ، مكملاً طريقه مع صديقه سيراً على الأقدام .. حتى وصلا إلى الشارع العلوي.
وهناك وجدا المكان صامتاً بشكلٍ مخيف : المنازل محطّمة ومتهالكة ، والأعشاب البرّية غطّت الأرصفة والطرقات
فسأل صديقه بفضول :
- لما أصرّيت على رؤية منطقتنا القديمة ، التي تبدو معدمة مقارنةً بالمدينة الحديثة التي نقلونا اليها ؟!
- اشتقت لذكريات طفولتنا .. فأنا مازلت لليوم مغتاظاً على طردنا منها ، دون سببٍ واضح
- الا ترى منازلها القديمة الآيلة للسقوط ؟ ..كما ارادت حكومتنا بناء مصنعٍ للغاز..
مقاطعاً بعصبية : واين هو مصنع الغاز ؟!! لما لم يبنوه حتى الآن ؟
- ربما نقص بميزانية الدولة ، لما تهتم لهذه الأمور ؟
فسكت الشاب مطوّلاً ، قبل ان يسأل صديقه :
- هل تذكر ملعبنا الرملي الذي كسبنا عليه الكثير من المباريات التنافسية؟
- بالطبع اذكر ، كان بالشارع السفلي .. لكن سيارتي لم تستطع الوصول اليه ، بعد إقفال مدخله بالبوّابة الحديدية الضخمة ، كما رأيت.. (ثم اشار بيده) .. إن أردت ، يمكنك النظر لملعبنا من خلال شقّ الحاجز الألمونيوم الذي هناك
فأحنى الشاب الثاني ظهره ، وهو ينظر من الشقّ نحو الشارع السفلي .. ليفاجأ بمنظرٍ غريب !
((ثلاثة رجال مسلّحين .. وبجانبهم فتاتان صغيرتان لم تتجاوز اعمارهن الثامنة ، ترتديان فساتين بيضاء..وتجلسان بهدوء على حافة الملعب الرملي المهجور))
فشعر الشاب بالقلق ، وأخرج جواله لتصوير ما يحدث ..وهو يطلب من صديقه التزام الصمت !
ليصوّر بعد قليل : ((ترجّل رجل من سيارته الفارهة ، لمعاينة الفتاتين .. قبل اختيار احداهما.. بينما يقوم حارسه الشخصي بدفع النقود لأحد الرجال المسلّحين ..ثم سحب الفتاة من ذراعها نحو السيارة التي انطلقت مبتعدة عن المكان))
وما حصل ارعب الشابان اللذان ركضا باتجاه سيارتهما المتوقفة عند مدخل الشارع العلوي.. وهما يحاولان الإبتعاد عن الهضبة التي تحوّلت لوكر عصابة الإتجار بالأطفال المخطوفين
لكن المنطقة لم تكن سهلة الخروج منها ، بسبب تلال الرمال والحواجز عند المفارق... فاضّطرا إلى سلوك طريقٍ مُلتف ، يحتاج نصف ساعة لعودتهما إلى الطريق العام.
في هذه الأثناء ، ارسل الشاب المقطع لأقرب مركز شرطة التي لم تردّ على رسالته رغم رؤيتهم للفيديو !
فالتفت لصديقه وهو يقول بقلق :
- اظنني اخطأت بإرسال المقطع للشرطة
- ولماذا ؟
- طالما هذه الأمور تحدث في وضح النهار ، فربما كانوا متورّطين مع العصابة التي تعطيهم نسبة من الأرباح .. ولهذا سأنشر المقطع فوراً بوسائل التواصل الإجتماعي
ورغم قلق صديقه من فعل ذلك ، الا انه تمكّن من نشره قبل دقائق من ملاحقتهما من دوريّة شرطة .. اوقفتهما بالأصفاد بعد توجيه الأسلحة نحوهما !
الشاب بفزع : نحن من ارسلنا فيديو العصابة اليكم !!
^^^
لكن الشرطة اقتادتهما الى داخل المنطقة المهجورة ، بعد فتحهم البوّابة الحديدية الموصلة للشارع السفليّ !
متوقفين قرب مستودعٍ مهجور ، خرج منه زعيم العصابة الأعور وهو يعاتب رجال الشرطة الثلاثة على تقاعسهم بمراقبة مداخل وكرهم السرّي!
فاعتذروا منه ، قبل عودتهم الى عملهم !
بينما تكفلت العصابة بكسر جواليّ الشابين الذين انهالوا عليهما صفعاً وضرباً دون رحمة !
وبذلك فهم الشابان متأخراً بتورّط الشرطة الفاسدة بجريمة اختطاف الأطفال الذين رأوا العديد منهم هناك ، كأنهم عبيد مكسوري الإرادة بانتظار بيعهم للأثرياء ، كما حصل مع غيرهم !
وهنا صرخ احد الشابيّن بألم :
- لحظة توقف !! قبل ان تقتلني ، اريد معرفة ما يحصل هنا
قائد العصابة : ولما يهمك الأمر ، طالما ستموت بجميع الأحوال ؟
- هذا آخر طلب بحياتي ، اريد معرفة كل شيء قبل موتي.. هل ما اطلبه كثير؟
فردّ قائد العصابة : لا بأس ، طالما الحقيقة ستُدفن معكما .. (وأخذ نفساً طويلاً) ..الخطة كانت بإيجاد مكانٍ يصلح وكراً لنا ، دون لفت الأنظار الينا .. فاخترعنا فكرة الغاز الطبيعي ، لإخلاء المنطقة الشعبية ..
الشاب مقاطعاً : ولما كل هذا ؟!
الزعيم : لأن الأثرياء يعشقون نعومة اجساد الأطفال ، سواءً فتيات يافعات او صبيان صغار الذين يقوم رجالي باختطافهم من الشوارع ، او بعد خروجهم من المدارس ، او من المولات اثناء انشغال اهاليهم عنهم .. ثم يحضروهم الى هذا المستودع المهجور
الشاب باهتمام : وكم طفلاً خطفتم حتى الآن ؟
القائد : طفل او طفلين كل اسبوع على مدى عشر سنوات ، إحسبها انت !! فبعضهم يُباع فوراً ، لوسامته .. وبعضهم يُستغلّ ، ثم يعاد إلينا .. والبعض الآخر يختفي إلى الأبد... وعندما يصبحون مراهقين وبعمرٍ قانوني ، نرسلهم الى المنتجعات والفنادق الفخمة مع نسبة من الإرباح ..
فنظر الشاب للأولاد الذين كانوا يتناولون طعامهم بهدوء ، وهو يسأل بقلق:
- وكيف تخضعوهم بهذا الشكل ؟!
الزعيم : الأمر بسيط .. كلما حاول أحدهم الهرب ، نعاقبه بقسوة أمام زملائه ..(ثم اشار للأولاد) .. لكننا بالنهاية لسنا وحوشاً .. فكما ترى ، نوفّر لهم الطعام والملابس الجميلة .. كما لدينا طبيباً يتابع صحتهم ، قبل وبعد انتهاء مهامهم الخاصة .. وهو من يقوم بإجهاض الحوامل منهن..
الشاب مقاطعاً بصدمة : كيف ، وجميعهن صغيرات بالسن ؟!
القائد : لدينا بعض المراهقات .. وأصغر من قمن بإجهاضها ، كانت بسن التاسعة .. لكنها توفيت اثناء العملية
الشاب بقهر : لا اصدق ان كل هذا الجرائم ، لم يعاقبكم عليها احد حتى الآن ؟!
القائد : ومن سيعاقبنا ان كان بعض الوزراء والنوّاب متورّطين معنا ؟ فأولئك الأطفال نخطفهم من جميع انحاء الدولة ، ونحضرهم الى هذه الهضبة التي لم يفكّر احد بدخولها بعد رحيل سكّانها .. فيما عداكما ، ايها الفضوليّن !! لكن بغبائكما ، ارسلتما الدليل للشرطة المتعاونة معنا .. والذين قاموا شاكرين بالقبض عليكما ، وإحضاركما الينا.. وبعد تعذيبكما ، سنقوم بقتلكما دون ان يعلم احد بمصيركما
فرد الشاب بحزم :
- اخطأت !! الجميع سيعلم عن جرائمكم ، بعد نشري المقطع بجميع وسائل التواصل الإجتماعي قبل قبض الشرطة علينا
القائد بقلق : انت تكذب ..
الشاب مقاطعاً بثقة : ابداً !! ويمكنك التأكّد بنفسك .. إفتح جوالك وابحث عن المقطع الذي صوّرته عنكم
فانتاب الزعيم الرعب وهو يبحث بالإنترنت .. ليفاجأ بانتشار المقطع بشكلٍ مهول بين الناس ! خصوصاً اهالي الأطفال المفقودين الذين لم ينتظروا الشرطة لإعادة اولادهم ، بل صوّروا انفسهم وهو يتحضّرون لاقتحام المنطقة المهجورة وهم مُدجّجين بالأسلحة البدائية : كالسواطير والسكاكين والعصيّ الحديدية والخشبية
وقبل ان يستوعب القائد ما يحصل ! دخل احد رجاله فزعاً :
- يا زعيم !! هناك عشرات السيارات تتوجه الينا
فأعطى الأوامر لرجاله بالهرب من المكان ، وترك الأطفال المخطوفين في المستودع المهجور
لكن الحواجز التي وضعوها على المفارق ، أصبحت فخاً لهم بعد تأخيرها هروبهم ..وما ان وصلت سياراتهم للطريق العام ، حتى تفاجأوا بالأهالي يحاصروهم هناك.. قبل اقتيادهم ، عائدين الى المستودع المهجور
حيث قيّدوا افراد العصابة على الأعمدة الصدئة للمستودع ، والذين لم يتجاوز عددهم الثلاثين رجلاً .. بينما الأمهات يحتضن اطفالهن الذين تجمدوا في اماكنهم : فبعضهم نسي شكل اهله ، لاختطافه قبل سنوات .. وبعض المراهقين شعروا بالخزيّ ، للإعتداء المتكرّر عليهم !
اما الآباء : فلم ينتظروا قدوم الشرطة ، بعد ان اخبرهم الشاب (الذي نشر المقطع) بتورّطهم مع العصابة .. وهجموا جميعاً بأسلحتهم على الخاطفين وهم يضربوهم بالعصيّ ، ويطعنوهم بالسكاكين حتى الموت ..
ورغم قساوة المنظر ، الا ان الأطفال صفقوا فرحين بعد مقتل الوحوش الذين تلاعبوا بأجسادهم لسنواتٍ طويلة
***
ووصل الخبر لأعلى سلطة بالدولة التي اجرت تحقيقاً شاملاً لكل مراكز الشرطة في الدولة ، قابضين على العديد من الشرطة الفاسدة .. كما تم اعتقال الكثير من المسؤولين ورجال الأعمال والشخصيات النافذة ، بأكبر فضيحة هزّت الشأن العام
وكل هذا بسبب شابيّن اشتاقا لرؤية ملعب طفولتهما ، ليكتشفا مستودعاً دُفن فيه براءة مئات الأطفال .. فاضحان بجرأتهما ، أقذر شبكة إتجار بالبشر في عصرنا الحديث !

هذا كان مناماً شاهدته البارحة : ((كأني انحني لرؤية ملعبٍ مهجور من شقّ ساترٍ من الألمونيوم ، لأتفاجأ بطفلتين تلبسان الفساتين البيضاء بجوار ثلاثة مسلحين (تماماً كصورة القصة)) ..
ردحذففأردّت تحويل المنام الغريب الى قصة جريمة مخيفة ..
اتمنى ان اكون توفّقت في ذلك !