السبت، 16 أكتوبر 2021

الرسمة المُدمّرة

تأليف : امل شانوحة

إستغلال الفرص


في منتصف المحاضرة .. لاحظ الدكتور عادل طالبة تجلس في طرف القاعة وهي تنظر اليه بتمعّن من وقتٍ لآخر ، ثم تحرّك قلمها في كرّاستها بطريقةٍ لا تدلّ على الكتابة ! 

فتوجّه اليها ، اثناء إنشغال الطلبة بكتابة الملاحظات من السبّورة 


وحين وصل اليها .. سحب كرّاستها بسرعة ، مما جعلها ترتبك 

ليجد انها ترسمه ببراعة ، خاصةً تفاصيل وجهه !


فنظر اليها بعتاب ، وقد احمرّ وجهها خجلاً .. قائلاً بصوتٍ منخفض ، كيّ لا يلتفت الطلاّب لهما :

- إكملي الرسمة ، واعطيني إيّاها بنهاية المحاضرة


ثم عاد الى مكانه في مقدّمة القاعة ، لإكمال محاضرته عن علم الإجتماع

***


بعد المحاضرة وخروج الطلاّب .. وضعت الفتاة رسمتها على طاولته ، وهي تشكره لعدم توبيخها امام رفاقها.. 

فسألها : ما اسمك ؟ هل انت طالبة جديدة ؟

- إسمي ريم .. وهذه اول مرة اتابع محاضراتك ، بالعادة أدرس في البيت إستعداداً للإمتحانات

- خطأ يا ريم .. فأحياناً أحذف مواضيع من مقرّر الكتّاب ، وعليك الحضور لمعرفة ذلك .. بشرط !! عدم إنشغالك بالرسم ، رغم براعتك فيها

ريم : شكراً دكتور ، لن أكرّر غلطتي ثانيةً .. (ثم اشارت الى رسمتها) ..كما تلاحظ لم أوقّعها ، كيّ لا أثير غيرة زوجتك او شيء من هذا القبيل


فابتسم ، وهو يخرج جوّاله :

- هي بالفعل غيّورة ، لكن يمكننا حلّ المشكلة برسمها ايضاً

واراها صورتها من جواله وهو يقول : هل يمكنك ذلك ؟

ففاجاته قائلة : هي كبيرةٌ عليك !.. آسفة ، لم أقصد

- كلامك أزعجني يا ريم

- أعني من ناحية الرسم لا اكثر .. سأحاول رسمها الليلة .. لكن كيف سأحصل على الصورة ؟

فسحب الدكتور جوالها من يدها : سأرسلها لك .. 

ريم : حسناً ..وفور إنهائي الرسمة ، إرسل الصورة على جوالك ..ومن بعدها أحذف رقمك ، لأني لا أحبّذ وجود أرقام شباب في جوّالي .. (ثم نظرت الى ساعتها) ..آه تأخّرت ! ..سلام دكتور


وأسرعت بالخروج ، بعد أن أثارت إهتمامه بأخلاقها وجمالها الناعم وموهبتها الفريدة

***


بعد يومين ، في المحاضرة .. تحدّث الدكتور عادل عن موضوع : وأد البنات في الجاهلية ، وكيف حصلت المرأة على حرّيتها في العصر الحديث .. 

فعلّقت إحدى الطالبات : 

- جيد اننا لم نعشّ تلك الحقبة الزمنيّة .. مع إنه مازال بيننا اشخاص يعيشون بعقليةٍ متخلّفة ، ويرفضون لبناتهم واخواتهم الإستمتاع بعلاقات رومنسية قبل الزواج !


فرفعت ريم يدها للردّ عليها ، فوافق الدكتور .. لتقول لها بحنق :

ريم : عزيزتي .. هناك نوعين من النساء ، وإنقسامهما يعود لحقائق تاريخيّة .. ففي زمن الجاهلية : إعتادت القبائل البدويّة على غزو بعضها ، وخطف النساء للإعتداء عليهن وجلب العار لقبيلتها .. لهذا فضّل الآباء وأد بناتهن فور ولادتهن .. لكن بعد رواج التجّارة ، أحضر التجّار العرب نساءً افارقة لإستعبادهن كجواري وبنات هوى .. وبذلك أفرغ الشباب طاقتهم عليهن ، مما قلّل عمليات الخطف لبنات العرب .. لهذا لم يعد الآباء يتخلّصون من بناتهن اللآتي ربّوهن على التهديد بالقتل إن ارتكبن الرذيلة .. وحين بايعت النساء الرسول محمد الذي قال لهن في خطبته : (لا تسرقن ولا تزنين) ..ردّت هند بنت عتبة : (وهل تزني الحرّة ؟) ..وتقصد إن هذا فعلٌ مستحيل على النساء الشريفات ، لأن الرذيلة من عمل الجواري فقط .. لكن الرسول اراد تعليم نساء العالم ، وكان من ضمن تعاليمه : عتق رقاب العبيد ، كتكفير عن الذنوب .. وبعد مرور اعوام ، لم يعد هناك عبيد في بلاد العرب .. وبعد عتق الجواري تزوجن وأنجبن البنات اللآتي ربتهنّ على إن العلاقات قبل الزواج أمرٌ طبيعي ، فهنّ عشن التجربة من قبل .. فصار هناك نوعين من النساء : امهات أحرار تربّي بناتها على العفّة ..وامهات كن عبيداً في الماضي ، ربّت بناتها على التحرّر الجسدي .. وفي عصرنا الحالي : كل امرأة ترفض أن يمسّها رجلٌ إلاّ زوجها ، فهي حرّة بنت حرّة .. وأيّ واحدة تنادي بالتحرّر الجسدي ، فهي جارية بنت جواري ..هل وصلتك الفكرة ؟


فغضبت الطالبة ، وانتظرت رأيّ الدكتور بكلام ريم المستفزّ .. فقال مبتسماً :

- تحليلٌ رائع يا ريم ، أحسنتِ !!

فخرجت الطالبة من القاعة ، وهي تكاد تنفجر غضباً ..

***  


بعد خروج الطلاّب من المحاضرة ، ظلّت ريم ترسم في كرّاستها..

فاقترب منها الدكتور : 

- الم تعديني أن لا تنشغلي عن محاضرتي ثانيةً ؟ 

ريم : آسفة كنت أهدئ اعصابي ، بعد أن شتمتني تلك الطالبة 

- بصراحة أعجبني تحليلك كثيراً ، فكيف توصّلت اليه ؟! 

- لا ادري ! إستفزّني كلامها ، فأردّت إسكاتها .. فبرأيّ المرأة دون حياء لا تسوى شيئاً 

عادل : هذا صحيح .. ماذا ترسمين هذه المرة ؟

وحين رأى رسمتها ، قال مبتسماً :

- انا ايضاً !

ريم : ماذا افعل ، وجهك الوسيم سهلٌ رسمه .. (بارتباك) ..أعني من الناحية الفنّية

- كان عليك دخول معهد الفنون 

- ابي يرفض ذلك .. قال انه لا مستقبل لموهبة الرسم 

- وماهو حلمك في الحياة ؟

ريم بحماس : أن أفتح معارض لرسوماتي حول العالم

- ربما تفعلين ذلك يوماً ما  

ريم بضيق : مع والدي الأمر مستحيل 

عادل : ربما تحقّقين حلمك مع زوجٍ يتفهّم موهبتك


ريم : أتمنى ذلك .. آه صحيح ، لم تخبرني عن رأيّ زوجتك برسمتي ؟

- كما توقعتي ، غارت كثيراً واستجوبتني عنك طوال الليل  

ريم : قلّ لها انني رسمتك ، لتميّزك عن الآخرين 

- بماذا ؟ 

- أنفك

الدكتور باستغراب : عفواً !

- آسفة ، لم أحسن التعبير .. بعد دراستي الرسم على الإنترنت ، عرفت إن هناك انواع محدّدة للأنف تختلف حسب الأعراق .. يعني الأنف الأجنبي له رأسٌ بارز ، بعكس الأنف الإفريقيّ المفلطح .. اما الأنف العربي فحادٌّ كالسهم 

- وما نوع انفي ؟

ريم : اجنبي ! لكن ليس امريكي او روسي .. بل اوروبي ، إلماني او فرنسي تحديداً.. فهل لديك اصول من تلك الدولتين ؟

- لا ، انا عربي مئة في المئة 

- اسأل والديك ، لربما احد اجدادك من ..

مقاطعاً : والدي متوفي منذ سنوات .. لكن سأسأل امي ، بعد أن أثار الموضوع إهتمامي 


فشكرته لإعطائها بعضاً من وقته ، وخرجت من القاعة 

***


بنهاية الأسبوع .. زار الدكتور والدته التي سألته عن زوجته وابنه 

فأجابها وهو يشعر بالإحراج : كنت وعدّتها بالذهاب للمول.. 

الأم مقاطعة : فذهبت مع ابنها بعد إيصالك الى هنا 

عادل بضيق : عقب شجار حادّ 

- لا بأس بنيّ ، عليك تحمّل طباعها الصعبة 

عادل بعصبية : والله لولا ابني لطلّقتها دون تردّد !!.. (ثم تنهّد مطوّلاً) .. آه قبل أن أنسى ، اريد إخبارك بأمرٍ يشغل تفكيري 


وأخبرها عن الطالبة الرسّامة ، ثم سألها :

- هل لديّ اصول اوروبية ؟ سواءً المانية او..

- فرنسيّة

عادل بدهشة : كيف عرفتي إن الطالبة إختارت هذه الدولة ايضاً ؟!

امه بتردّد : لأن والدك فرنسيّ

فضحك عادل ساخراً :

- ابي الحنطيّ الشعبيّ من فرنسا ، كيف يعقل هذا ؟

فسكتت قليلاً ، قبل أن تقول بإرتباك : 

- احمد ليس والدك الحقيقيّ

ونزل الخبر كالصاعقة عليه ! 


عادل مستفسراً بقلق : هل ابي .. أقصد (احمد مرتضى) هو زوجك الذي ربّاني منذ ولادتي ؟ 

فأومأت برأسها إيجاباً ..

عادل بعصبية : إذاً اين والدي الحقيقي ؟.. امي تكلمي ؟!!

امه بحزن : لم اكن أنوي فضح سرّي مطلقاً ، رغم انه ضاق صدري به 

- قولي الحقيقة يا امي !! 

الأم : كنت حصلت في صبايّ على منحةٍ دراسية في فرنسا 

- آه ! كيف نسيت انك درستِ في فرنسا .. إكملي رجاءً

- وهناك أحببت زميلي الفرنسيّ ، الذي كان يعيش في القسم الثاني من سكن الطلّاب  

عادل بصدمة : امي ! كلامك يعني انني ابن حرام 


الأم : دعني اكمل دون مقاطعة ، فالموضوع يمزّق قلبي منذ سنواتٍ طويلة .. (ثم تنهّدت بضيق) .. اللعين رفض الزواج مني بعد حملي بك .. فترجّيته باكية ، خوفاً أن يقتلني جدك إن علم بالأمر .. لكنه لم يهتم لتفاهات العرب كما وصفها .. فبحثت عن طبيب لإجهاض الجنين ، لكن الأمر لم يكن قانونياً في ايامي .. بعدها بإسبوع إتصلت امي لتخبرني عن عريس تقدّم لوالدي ، وبأنها عارضت زواجي لحين تخرّجي الجامعي .. لكني فاجأتها بعودتي السريعة للوطن ، وقبولي الزواج منه دون اعتراض .. فظنّ والدي انني على معرفة مُسبقة بالعريس .. لكن احمد أكّد له انه رآني اول مرة مع عائلته


عادل بعصبية : وطبعاً تزوجته دون إخباره بحملك ؟ 

- نعم ، وأخبرت الجميع انك ولدّت في الشهر السابع

- وكيف لم يفضحك زوجك ليلة عرسك ؟!

الأم : بعد العرس ، ذهبنا الى الفندق الذي اتفقت فيه مسبقاً مع النادل بوضع الخمر في عصير أحمد .. وكان في حقيبتي صبغةً حمراء .. وبذلك مرّت الليلة بسلام 

عادل باشمئزاز : أتدرين امي ، جيد انه مات قبل صدمته بخباثتك

الأم بعصبية : تأدّب يا ولد !!

- لا يحقّ لك تقويم سلوكي بعد الآن

- إفهمني يا عادل ، لم يكن امامي حلٌ آخر .. لوّ عرف جدك بغلطتي ، لقتلني دون تردّد


عادل محاولاً إمساك دموعه : 

- الآن بعد 38 سنة تخبريني إنني ابن حرام ، كيف برأيك سيكون شعوري ؟ 

- أعتذر منك حبيبي

فتنهّد بصعوبة ، قبل أن يقول : 

- اريدك معرفة كل المعلومات عن والدي الحقيقي 

- وماذا تريد منه ؟!

- سأبحث عنه 

- أستسافر الى فرنسا ؟!

عادل : ربما افعل 

- اذاً تحتاج صورته

عادل باستغراب : أمازلت تحملين صورة عشيقك بعد زواجك ؟!

- إحتفظت بواحدة ، لنيّتي إخبارك الحقيقة اثناء احتضاري .. لولا أن تلك الرسمة فضحت المستور !

 

وذهبت الى غرفة نومها ، وعادت ومعها صورة شخصيّة لوالده الفرنسيّ .. فاندهش عادل لشدة التشابه بينهما ! فسألها :

- كيف لم يلاحظ اقارب زوجك إنني لا اشبهه بشيء ؟!

- لأني أخبرتهم إن امي لديها اصول فرنسيّة ، فلم يشكّوا بالأمر لسعادتهم بوسامتك المميزة في عائلتهم 

عادل بإصرار : اريد معرفة حكايتك مع ابي منذ البداية  

- صدّقني لا اعرف إن كان بيير حيّاً او ميتاً

- اسمه بيير !

- بيير راندال .. سأخبرك ما اعرفه عنه .. وإن كان مقدّراً لكما أن تجتمعان ، سيسهل الله ذلك

*** 


بعد تواصل عادل مع السفارة الفرنسيّة ، علم أن والده مازال حيّاً .. فأخذ عطلة من الجامعة دون إخبار أحد بسرّه ، خاصةً زوجته التي جنّ جنونها لشكّها أنه ذاهب لرؤية عشيقته ! 

وبعد تأزّم المشكلة بينهما ، أخبرها الحقيقة التي صدمتها كثيراً ! وطلب منها كتمان الموضوع طوال حياتها ..

***


في يوم سفره وقبل ذهابه للمطار ، تفاجأ بحقيبتها بجانب شنطة ملابسه ! ثم خروجها من غرفتها بكامل اناقتها وهي تقول :

- ارسلت ابننا لأمي ، لنذهب معاً الى فرنسا

- لست ذاهباً في عطلة ، عليّ البحث عن ابي

- حلم حياتي أن ارى فرنسا ، واريد التسوّق من هناك ..هيا ارجوك!!

عادل بعصبية : الا تفهمين ؟! انا ذاهب للبحث عن الحقيقة .. رجاءً دعيني وشأني ، فهمّي يكفيني 


واشتدّ الشجار بينهما ، الى أن صرخت غاضبة :

- من واجبك أن تكافئني برحلةٍ سياحية ، لعدم فضحك يا ابن الحرام!! 


فصعق عادل من كلامها ! فحاولت التراجع بالإعتذار له .. 

لكنه قال بحنق : 

- انت طالق !! وبعد عودتي من فرنسا ، أُنهي الأمور القانونية بيننا

وغادر منزله ، وهي منهارة بالبكاء 

***


في البداية تعسّر بحثه عن والده ، فطلب المساعدة من الشرطة التي أخبرته بتواجده في المستشفى .. فذهب الى هناك ، ليخبره الطبيب أنه في مرحلةٍ متقدّمة من السرطان !


وبدخوله الغرفة .. وجد رجلاً أصلعاً ، أنهكه المرض .. وفور ملاحظة بيير التشابه بينهما ، بكى قائلاً :  

- كنت أعرف إن الربّ سيعاقبني لما فعلته بأمك ..

عادل : يعني تعترف انني ابنك 

- وكأنك نسخة عني وأنا شاب ! 

- وكيف كانت علاقتك بأمي ؟

بيير بندم : هي كانت اجمل ما حصل في حياتي 

- ولماذا تركتها ؟


بيير : لأنني كنت زير نساء .. وكان مبدأي الحصول على وردة من كل بستان ، لهذا واعدت فتيات من جنسياتٍ المختلفة .. لكن العربية كانت أفضلهن وأخلصهن للحبيب .. إلاّ أنني لم أقتنع بأن أمك تكفيني ، رغم انها أعطتني كل ما تمنّيته .. ربما لحبي للحرّية ، وكرهي لروتين الزواج وتحمّل المسؤولية .. فقد كنت عاشق لبداية العلاقات .. وحين يطالبنني بالإرتباط ، أفرّ هارباً لحبٍ جديد .. 

عادل : وهل لديك ابناء غيري ؟ 

- لا 

- الم تفكّر يوماً بي ؟

- لا

عادل بدهشة : لماذا ؟!


بيير : لأن امك أخبرتني بآخر اتصالٍ بيننا : انها قرّرت إجهاضك ، لهذا تفاجأت برؤيتك ! فهي لطالما أخبرتني بخوفها من جدك في حال علم بذنبها 

عادل : لا أحد عرف بسرّها ، وزوجها المرحوم ربّاني كأني ابنه 

- يبدو أن الربّ عوّضها بأفضل مني .. رجاءً عادل لا تلومها ، فما حصل كان ذنبي وحدي  

عادل بحنق : وامي مخطئة ايضاً ، ما كان عليها إقامة علاقة مع شخصٍ من غير دينها 

- آه مشكلة الأديان ! نسيت هذا الموضوع

- يعني انا في جميع الأحوال ابن حرام 


بيير : أنا مستعدّ لنسبك لعائلتي إن رغبت في ذلك

- لا !! هذا سيفضحني في بلادي ، وسأخسر اعمامي الذين لا يعلمون بهذه الفضحية  

بيير : كما تشاء .. ليتني كنت ثرياً لوهبتك مالي ، لكني اتعالج على حساب الدولة كما ترى 

- هل تحتاج مالاً ؟ 

- اريد منك فقط أن تكون متواجداً في جنازتي .. كما أشكر امك بالنيابة عني لحسن تربيتها لك  


فأمسك عادل يد والده برفق ، محاولاً السيطرة على مشاعره المضّطربة 

***


قام عادل بتمديد إجازته ، لإنهاء عزاء والده .. 

وبعد عودته للوطن ، تفاجأ بطليقته (التي هاجرت لإستراليا مع ابنه) قد فضحت سرّه لدى اعمامه ، وفي جامعته ايضاً !


وفور دخوله الجامعة .. توجهت انظار الطلبة والأساتذة اليه ، التي تفاوتت بين السخرية والإشمئزاز ! 


وقبل جلوسه في مكتبه ، طلب المدير رؤيته .. وهناك اخبره عن تقاعده المبكّر

عادل بدهشة : تقاعد مبكّر ! انا لم ابلغ الأربعين بعد

المدير بحزم : على اساتذة جامعتي أن يكونوا قدّوة لطلاّبهم 

عادل : ما حصل قبل ولادتي ليس ذنبي !

المدير بلؤم : تلك مشكلتك وحدك

عادل بعصبية : فهمت !!

- المحاسب سيعطيك تعويض نهاية الخدمة ، ولا تنسى تسليمه مفاتيح مكتبك 

***


في موقف الجامعة ، إلتقى عادل بريم .. فقال غاضباً : 

- رسمتك اللعينة دمّرت حياتي !!

ريم : أتريد التكلّم في الموضوع ؟ 

- نعم !! إركبي السيارة ، سنتحدث في المطعم

وخرجا معاً من الجامعة

***


في المطعم ، أخبرها بموجز ما حصل

ريم بدهشة : آسفة ! لم اكن اعرف إن الأمور ستتطوّر لهذه الدرجة 

- بسببك كرهت امي ودفنت ابي الحقيقي ، وتدمّر زواجي ..وهاجرت طليقتي مع ابني الذي ربما لن اراه مجدّداً .. وهآ انا اطرد من عملي ايضاً .. (ثم نظر اليها بغضب) ..أصبح من واجبك تعويضي عن كل ما حصل 

- كيف !

عادل : أن تبقي بجواري طوال حياتك

- لم افهم !

- هل تتزوجينني ؟ 

وقبل أن تجيبه ، أكمل كلامه : 

- بشرط !! أن لا يعرف اهلك بالحقيقة .. وبعدها نسافر لفرنسا لنعيش في منزل والدي الذي ورثته عنه ، فهناك لن يهتم أحد بطهارة نسبي 

ريم بابتسامةٍ حنونة : موافقة

عادل بدهشة : أحقاً !


فأخرجت كرّاساتها العشرة الخاصة بالرسم ، ووضعتهم امامه

ريم : إفتحهم 

فوجد رسمته في كل صفحات الكراريس ! 

ريم : حين أمسكتني في المحاضرة ، أخبرتك انني رسمت كل الأساتذة .. لكني كذبت .. أنا لم ارسم شاباً غيرك في حياتي ، فقد أعجبت بك من لحظة دخولك القاعة.. ومن يومها وانا مهووسة برسمك .. ولم تمضي ليلة إلاّ ودعوت ربي أن يجمعنا سويّاً ..وهآقد تحقّقت معجزتي !!

- لم تكن معجزة ، بل قنبلة نوويّة دمّرت حياتي

ريم بسعادة : لا يهم ، فالنتيجة واحدة .. سأكون مع حبيبي اخيراً 


عادل بضيق : بصراحة لا ادري إن كان سيكون بيننا شهر عسل ، فأنا مازلت أحمّلك مسؤولية ما حصل 

- يكفي أن اكون بجانبك .. ولا تقلق ، لن تعرف عائلتي بموضوع والدك الفرنسيّ

وأمسكت يده بحنان ، لتعود اليه مشاعر الإنجذاب نحوها !

***


بعد انتهاء شهر العسل ، ودّعها عادل للذهاب الى عمله في الجامعة الفرنسيّة ..


وفي الصالة .. فتحت العروس ريم حاسوبها ، لكتابة مذكراتها :

((هآ انا حقّقت حلمي بالزواج من حبيبي ، دون علمه بحقيقة ما جرى ! ولإراحة ضميري ، سأدوّن ما حصل .. انا من عائلةٍ متواضعة ، وكنت أحلم دائماً بالزواج من عريسٍ ثريّ .. لهذا جمعت مصروفي كل شهر للذهاب الى قهوة ستاربكس في حيٍّ راقي .. وأمضيت الوقت بالرسم وانا ارتشف قهوتي ، على أمل لفت إنتباه أحد الشباب الأثرياء هناك ... وفي يومٍ حارّ .. إجتمعت حماتي بصديقتها ، وجلستا خلفي .. فسمعت صديقتها تسألها عن وسامة ابنها الأوروبية ، واختلاف شكله عنها وعن زوجها .. فأخبرتها حماتي بسرّها .. بعدها بقليل دخل ابنها عادل الى القهوة .. وعلى الفور أُعجبت به ، لكنه لم ينتبه لوجودي .. فتبعتهما بسيارة الأجرة ، الى أن وصل لجامعته بعد توصيل امه الى منزلها .. وسألت الطالبة التي كان يحدّثها ، عن إختصاصه .. فأخبرتني انه دكتور في علم الإجتماع .. وكنت حينها خرّيجة فنون جميلة ، وهذا سرٌّ آخر لا يعلمه عني .. المهم جلست في القاعة بمكانٍ قريبٍ منه .. وأخذت أشخبط بقلمي بطريقةٍ تلفت إنتباهه .. وكانت رسمته هي الطعم في السنّارة .. ولاحقاً أطلعته على سرّ امه بطريقةٍ ملتويّة والتي أدّت لنتائجٍ سلبية في حياته ، جعلتني بنهاية المطاف خياره الوحيد بعد فضيحته المدويّة .. ليس هذا فحسب .. البارحة علمت انه يحضّر معرضاً لرسوماتي ، كهدية عيد ميلادي .. وبذلك أكون حقّقت كل احلامي))


ثم أغلقت حاسوبها ، وهي تقول في نفسها :

(فقط الأغبياء يشكّكون بدهاء المرأة ، فلا شيء يوقفنا عن الوصول لأهدافنا .. ولدينا القدرة على التخطيط برويّة ، كالطبخ على نارٍ هادئة .. بصراحة لم أنوي هدم حياة عادل السابقة .. لكن الدنيا فرص ، ولن أتهاون في استغلالها لصالحي)

وابتسمت بخبث !

هناك 19 تعليقًا:

  1. آسفة لتأخري بالنشر بسبب تعطّل حاسوبي ليومين ، أتمنى أن تعجبكم القصة

    ردحذف
  2. ادهشتيني اخت امل....هل القصه كلها من افكارك ..ام انكي اقتبستيها من قصه واقعيه واظفتي لها بهاراتك...

    ردحذف
    الردود
    1. قبل اسبوع نشرت فتاة بالتيك توك نصيحة للفتيات بصيد العرسان الأثرياء من قهوة ستاربكس في الأحياء الراقية ، فخطرت ببالي هذه الفكرة ..
      اما التحليل عن النساء اللآتي ينادين بالتحرّر الجسدي ، فهي من افكاري ولا ادري صحّتها تاريخياً ، أردّت فقط مشاركتها معكم

      حذف
    2. انتي مبدعه في كل مره تنشري قصه ...حينما اقرأ قصه لك اندهش ويزداد حماسي وكاني اول مره اقرأ قصه لك ....ماشاء الله عليك ....يوما ما سيسطع نجمك في السماء

      حذف
    3. انا استحق الاوسكار ليس لقصصي ، بل لإيجادي الوقت للكتابة مع انقطاع الكهرباء المتواصل في لبنان .. ولأني اشارك امي في غرفتها ، فعادة ما اكتب في المطبخ .. عدا عن تعطّل الحاسوبي القديم من وقتٍ لآخر ، مما يفقدني اعصابي .. كما الصداع والم العينين وتشنجّ الذراع.. كان الله في العون

      حذف
  3. جميله جدا وطريفه وهذا التحليل رائع لكن لو عمم لظلم الكثيرين أظن مع أن العرق يمد لسابع جد كما يقال ... كل الشكر ...كل التحيه ♥♡★☆ ♥ ♡ ★ ☆ ♥ ♡ ★ ☆ ♥ ♡ ★ ☆ ♥ ♡ ★ ☆ ♥ ♡ ★

    ردحذف
  4. رائعة وجميلة عن كيد النساء 😊😊

    ردحذف
  5. معك حق خاصة بظل غلاء الأسعار وتصليح القطع لا يقبل الا بالدولار اصبح صعب جدا علينا نشتري أجهزة جديدة او نصلحها يعطيك الف عافية على كل مجهودك الرائع 🌷

    ردحذف
    الردود
    1. كان الله مع اللبنانيين ، فهذه السنة كانت صعبة جداً عليهم .. اتمنى ان يكون الفرج خلال الشهور القليلة القادمة ، او على الأقل ثبات الدولار لكيّ ينتظم عيشنا من جديد

      حذف
  6. القصة جميلة بين ريم وعادل اما ما كان من ام عادل وعشيقها الفرنسي فقد اشتظت غضبا لكن مجرد قصة على ما اظن .
    لكنك بالفعل تستحقين الاسكار وجائزة نوبل في الاخلاق كما تستحقين منا كل التقدير والإحترام فأنت تاج على رؤسنا فقد تركت بصمة لا تمحى في قلوب من عرفوك واحبوك فمن احبه الله أحبه الناس والذي رفع السماء لو أن بمقدوري إيصال الهدية لاهديتك حاسوب واثنين وثلاثة والواح شمسية تغنيك عن الكهرباء المتقطعة وهذا اقل ما يمكننا أن نفعله ونرد الجميل الذي طال ما منحتينا جزء من حياتك لإمتاعنا بقصصك الجميلة وأفكارك الرائعة عشتي وعاش زمانك يابنة الكرام

    ردحذف
    الردود
    1. هديتك وصلت بكلامك الجميل ، يكفيني ان تتابعي مدونتي دائماً .. كلك ذوق ، شكراً على كلامك الرائع الذي أثلج قلبي

      حذف
  7. من ابداعات الاستاذه امل
    جد نهايه غير متوقعه
    ريم فتاه ماكره
    جزء ان الانسان عليه البحث للوصول الى من يريد
    ابدعتي بالقصه
    نتظر جديدك مع اسمى
    قصة المسلسل الكوري
    رائعه وتستحقي وسام الارز

    ردحذف
    الردود
    1. إعجاب القرّاء بقصصي ، هو وسام افتخر به .. شكراً لثقتك بموهبتي ، تحياتي لك

      حذف
  8. وأنا أشارك والدتي وأختي نفس الغرفة ههههههه وأكتب في الصالة المكتظة دائماً بالأصوات التي تجعلني أفقد تركيزي ولدي حاسوب يكتب بذاته من كثر قدمه كأنه لا يحب كتاباتي هههههه
    أعلم ما تمرين به نعم تستحقين الأوسكار، لكنك بالفعل تستحقينها لجمال قصصك، شكراً لمجهودك، أعجبني الجزء الأخير الذي علمت منه أن الفتاة مراوغة، بصراحة بدأت أفقد الثقة في كل الناس وهذه الفتاة بالفعل موجودة في الواقع

    ردحذف
    الردود
    1. يبدو على الكتّاب ان يعانوا لأجل الشهرة ، فموهبتنا ليست سهلة كبقية المواهب وتحتاج لخبرة نكتسبها من تجارب وآلام الحياة .. أتمنى من الله ان يفرجها علينا وعليكم

      حذف
  9. اشكر الجميع على هذه التعليقات المشجّعة التي تجعلني اكمل المسيرة ، رغم عدم وجود نور في نهاية النفق .. لكن دوام الحال من المحال ، وانا اؤمن بأن لكل مجتهدٍ نصيب.. شكراً لكم على إخلاصكم لمدونتي المتواضعة ، وأتمنى دائماً ان اكون عند حسن ظنكم بي .. تحياتي لكم

    ردحذف
  10. أبدعتي أستاذة أمل، كل يوم نستنى ف قصصك ربي يزيد إبداعاتك❤❤❤.
    متابعتك من ليبيا❤❤��

    ردحذف
  11. بالفعل أنتي تستحقين هذا المدح، وأشكرك أيضاً علي تواضعك في الحديث فهناك الكثيرين من الكتاب الذين يمتازوا بالفظاظة في كلامهم مع الأخرين

    لدي سؤال، كما تعلمين أنني كاتبة مبتدئة أكتب مقالات متنوعة في مجال الرعب والأساطير وغيرها، لكنني أكتب أيضاً بضع قصص من تأليفي أو بناءاً علي أحلامي، المهم كنت أكتب قصة بعنوان الآس لها عدة أجزاء والآن أحاول أن أكتب الجزء السابع،لكن بعد كتابتي للجزء السادس ونشرها، حصل جمود في عقلي ،يجب أن أكتب الجزء السابع لكنني أتوقف فجأة ولا أريد كتابة أي شئ بجودة قليلة، وأصبحت الآن في الإسبوع الثاني ولم أجد الإلهام لتكملة الجزء مع العلم أنه الجزء الأهم في السلسلة. سؤالي هو هل حصل معكِ ذات الشئ؟ وكيف تغلبتي عليه؟ وكيف تجدين الإلهام عندما يحدث لعقلك جمود أو نفاد للأفكار؟
    وأسفة علي طول كلامي

    ردحذف
    الردود
    1. نعم يحصل ذلك احياناً ، وعند توقف الأفكار اشاهد فيديوهات الأنيميشن لقصص مرعبة حقيقية باليوتيوب ، او مواضيع غريبة حصلت حول العالم ، او تجارب مخيفة او انسانية في موقع كابوس ، فهذا يحرّك العقل قليلاً .. احياناً تكتبي المسودة وتظنين انها سخيفة .. لكن بعد تصحيحها مرتين ، تجدين انها مناسبة للنشر .. المهم ان لا تحبطي وتتابعي المحاولة .. تحياتي لك

      حذف

الصداقة الأبديّة

تأليف : امل شانوحة  التعلّق المرضي إلتحق جاك بالمدرسة المتوسطة في منتصف العام .. وحين نزل الى قاعة الطعام ، لاحظ طالباً يأكل وحده بوجهٍ حزين...