الثلاثاء، 31 مارس 2026

الروح البديلة

تأليف : امل شانوحة 

صفقة اللاعودة


في تلك الليلة الباردة.. مشت شيماء متردّدة بين الحواري الضيقة ، وهي تمسك يد صديقتها التي تقودها نحو بيتٍ متهالك على أطراف المدينة.. 

وقبل طرقها الباب ، سألتها بنبرةٍ حاسمة : 

- هل انت مستعدة ؟ فهو قرارٌ لا رجعة فيه 

شيماء بحماس : انا مستعدة !! اريد الحفاظ على شبابي اطول مدةٍ ممكنة

صديقتها بامتعاض :

- لم يكن هذا هو الهدف الذي أخبرتني به سابقاً !

شيماء بحنق : آه صحيح .. فأنا قدمتُ معك ، بنيّة تدمير كل من اذاني من الأقارب والأصحاب

- احسنت !! لا تنسي فكرة الإنتقام ابداً

^^^


ثم دخلتا الصالة المتهالكة.. حيث جلست النساء ينتظرن دورهن للدخول الى المشعوذ الجديد الذي ذاع صيته بين سكّان المنطقة .. 


وحين جاء دورهما قبيل الفجر ، تقدّمت شيماء بخجل:  

- مرحباً يا شيخنا .. 

فرد غاضباً :

- هل ترينني شيخاً ، ايتها الجاهلة ؟!!

فسارعت صديقتها بالقول :

- اعتذر عنها ، سيدي المشعوذ .. فهي المرة الأولى التي تُقدم بها على هذا العمل

فسأل الساحر شيماء :

- ومن تريدين سحره ؟ زوجك وحماتك ، ام حبيبك ؟

وكادت تجيبه ، لولا ان سبقتها صديقتها بحماس : 

- بل تريد شيئاً اعظم !!

المشعوذ بعصبية :

- أصمتي انت !! ودعيها تخبرني بما تريد

شيماء بارتباك :

- اريد بيع روحي للشيطان

فإذّ بالنار امامه تشتعل فجأة ! مما ارعبها..

ليردّ الساحر بسعادة :

- ممتاز !! هذا يعني ان العالم السفلي رحّب بقرارك الجريء

شيماء مُبرّرة طلبها :

- ارغب في ذلك .. لأني سمعت ان من تبيع روحها ، تُحافظ على شبابها الدائم دون امراض او مصائب تحلّ بها

الساحر وهو مُنشغل برميّ اعشابٍ معينة بالنار :

- لا يوجد شيء دون ثمن .. والآن أصمتي ، لحين تحضيري الكيان لأخذ روحك

شيماء برعب :

- ماذا ! انا لا اريد الموت

فهمست لها صديقتها :

- لن تموتي ، هو فقط يساوم الشياطين على روحك.. ستفهمين ما اقصده لاحقاً


ثم بدأ الساحر يتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة ، مع ارتفاع أصواتٍ تبدو كأنها خرجت من تحت الأرض ! 

وفور انهاء تعويذته التي نفخها على وجه شيماء ، حتى شعرت بدوارٍ مفاجئ.. 

^^^


وحين فتحت عينيها.. وجدت نفسها داخل مصعدٍ زجاجيّ ينزل ببطء نحو أرضٍ ملتهبة بالنيران.. وفي المصعد المقابل : رأت شبيهتها تصعد مبتسمة ، كأنها تشكرها على تحريرها ! 


وظلّت شيماء ترتجف من هول ما يحدث ، الى ان فتحت صديقتها باب المصعد .. فاحتضنتها بقوة ، خوفاً من أشكال الجن والشياطين المنتشرين بين ممرّات باطن الأرض الممتلئ بشعلات النار !

شيماء بخوف : اين انا ؟!

صديقتها : انت في العالم السفلي

- ولما أنزلنا الساحر معاً الى هنا ؟!

صديقتها :

- نزلتي لوحدك .. فأنا هنا منذ خمس سنوات

شيماء : لا ، غير صحيح ! كنا معاً في منزل الساحر ..هل نسيتي ؟!

- تلك قرينتي التي استبدلتُ روحي معها قبل اعوام ، بعد بيع نفسي للشيطان ..وأكيد هي من أقنعتك بفعل الخطأ ذاته

شيماء بقلق : خطأ !

- تعالي نتكلّم بعيداً عن هؤلاء الملاعين

^^^


وأخذتها الى كهفٍ صغير ، قائلةً بصوتٍ منخفض :

- بيع الروح يعني : أن تحلّ قرينتك مكانك في الدنيا ، بينما تُسجنين أنتِ هنا.. هي ستعيش حياتك ، وتنتقم من جميع اعدائك 

شيماء بخوف : وهل ستؤذي زوجي وأولادي ؟! 

- الجن لا تعرف الرحمة ، وليس لديهم ذرّة ضمير … لذا ستحرص على تدمير المحيطين بكِ بلا استثناء ، كما حصل مع معارفي

شيماء : آه صحيح ! كيف لم انتبه لذلك.. فأنت طلقتِ زوجك ، وتخلّيتي عن اولادك الثلاثة بعد معاداتك جميع اقاربك.. مما أجبرك بالنهاية على العمل كخادمة في مدرسة اطفال

- لا طبعاً !! الملعونة قرّرت ذلك ، لخطف الصغار كقرابين لإبليس من وقتٍ لآخر

شيماء : وبالفعل اختفى خمسة طلّاب من تلك المدرسة قبل اعوام .. وينوي الأهل اغلاقها للأبد ، بعد فشل الشرطة باكتشاف الفاعل .. أأنت من فعلتِ ذلك ؟! 

فردّت صديقتها بعصبية :

- بل قرينتي يا امرأة ! الا تفهمين ؟!!

شيماء بقلق : يعني من احتلّت جسدي ، ستشوّه سمعتي في الدنيا ؟!

- طبعاً !! وتصبحين منبوذة ، كما حصل معي

شيماء : وكيف عرفتي بمصيرك ، وانت عالقة هنا ؟


فأخرجت من جيبها ، بلّورة صغيرة :

- هذه ستريك كل ما تفعله شبيهتك في غيابك.. لكن نصيحتي ألا تراقبي ، لأنك ستندمين على كل لحظة بعتي فيها روحك. .. خاصة بعد رؤية دموع اولادك المقهورين ، وصدمة اهلك بأخلاقك التي ستسوء حتماً بعد هذه الليلة.. كما ستسحر الملعونة كل معارفك ، لوقف رزقهم ونصيبهم.. وهو أمرٌ محبطٌ للغاية

شيماء بندم : لم اكن انوي فعل هذا ! كنت فقط غاضبة من شقاوة اولادي ، وتهديد زوجي بالزواج بأخرى ، وتفضيل اهلي لإخوتي عليّ ..لكني لم اردّ إيذائهم لهذه الدرجة !

- الغضب والحقد والحسد هو المنحدر التي انزلقنا به جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق) .. لكن الندم لم يعد ينفعنا الآن ، فقد خسرنا الدنيا والآخرة 

ثم وضعت يدها على كتفها : 

- والآن إخبريني.. هل كان الأمر يستحق التخلّي عن روحك الطاهرة ؟

فسكتت شيماء والدموع في عينيها..

فأكملت صديقتها الكلام :

- إمسحي دموعك ، فهي لن تُكفّر ذنبك وعارك.. ولوّ كانت تفعل ، لأغرفت نفسي بالدموع.. ليس امامنا سوى ترك قرائنا تُفسدان كل الروابط التي بنيناها طوال حياتنا ، ونحن نراقبهما بيأسٍ شديد .. (ثم شدّت ذراعها) .. والآن دعيني أُعرّفك على عالم الملاعين الذي ستبقين فيه لفترةٍ طويلة .. فحياتك الآن كجنية ، قد يمتدّ لقرون

شيماء بصدمة : قرون !

- نعم.. الم ترغبين بطول العمر دون مرضٍ او مصائب ؟ وهآ انت حصلتي على مرادك


وهنا صرخت عليهما رئيسة الجن من خارج الكهف :

- هاي انتما !! كفاكما ثرّثرة ، وعودا فوراً الى عملكما

الصديقة بارتباك : حاضر سيدتي !!


وبعد ذهاب الجنية ، سألتها شيماء بقلق :

- ايّ عملٍ تقصد ؟!

الصديقة بقهر : البشر مهانون هنا ، يعني نحن بمقام عبيدهم.. وهذا يعني بأن كل الأعمال المرهقة ستكون من نصيبنا ، حتى آخر يومٍ من عمرنا

^^^


ثم أخذتها لمطبخٍ ضخم ، حيث يُشوى الأطفال كقرابين لإبليس ! 

وهناك أدركت شيماء أن خلودها المزيّف لن يكون سوى عذابٍ أبدي ، وأن صفقتها لم تكن سوى ((صفقة اللاّعودة)) 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الروح البديلة

تأليف : امل شانوحة  صفقة اللاعودة في تلك الليلة الباردة.. مشت شيماء متردّدة بين الحواري الضيقة ، وهي تمسك يد صديقتها التي تقودها نحو بيتٍ مت...