الأربعاء، 25 مارس 2026

اعترافٌ هاتفيّ

تأليف : امل شانوحة 

الخط المفتوح


اتصل بزوجته كعادته قبل انتهاء دوامه الإداريّ ، سائلاً على عجل :

- هل تريدين شيئاً من الخارج قبل عودتي للمنزل ؟ 

فأجابت بهدوء :

- لا شكراً 

- حسناً ، أراكِ لاحقاً 

فسألته بارتباك : 

- لحظة ! ألم تنسى شيئاً ؟ 

- مثل ماذا ؟ 

فسمع تنهيدتها ، وهي تقول بنبرةٍ حزينة : 

- لا شيء ... سلام


أنهى المكالمة ، واضعاً جواله جانباً وهو مازال يقود سيارته .. لينتبه أن زوجته نست إغلاق خطها ! 

فسمعها تبوح لصديقتها بما لم تجرؤ يوماً على قوله : 

- اليوم هو عيد زواجنا 25… كنت أعلم أنه سينسى

فحاولت صديقتها مواساتها : 

- رجاءً لا تحزني

فردّت الزوجة بصوتٍ مُرهق :

- هذه ليست المرة الأولى التي يتجاهل اموراً تُهمّني .. فهو يعاملني كأمٍ لأولاده فحسب .. فأنا لم أعد أشعر بحبه منذ سنوات.. فكل حديثه معي عن الأولاد ودراستهم ، وحاجات المنزل ، وعزائم أصدقائه وأقاربه التي أنهكت صحتي…كأنني موجودة هنا ، لخدمتهم جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق)..حتى عندما أمرض ، يُحضر دوائي .. ثم ينتقل للنوم في غرفة الضيوف كيّ لا يُصاب بالعدوى ، دون حتى الدعاء لي بالشفاء العاجل ! 

فقالت صديقتها : 

- لكن أولادك كبروا الآن.. اثنان تخرّجا من الجامعة ، وهذه هي السنة الأخيرة لإبنك الصغير..


الزوجة بقهر : 

- وهذا ما يُصبّرني .. لكنه فور تخرّجه هذا العام ، سأطلب الطلاق ..وأعود إلى منزل أهلي ، لأستعيد ما تبقّى من عمري.. على الأقل أرعى والديّ العاجزيّن ، بدل إهدار صحتي على رجلٍ لا يكترث لوجودي.. (ثم سكتت قليلاً) .. مع اني لا الومه ، فهو بالنهاية ذنبي ! دلّلته كثيراً حتى شعر أنه الملك وأنا جاريته..

فأجابت صديقتها:

- هذا لأنك تنازلتي كثيراً .. تركتِ دراستك العليا ، واستقلتِ من عملك بعد ولادة ابنك الأول.

- أردّت الإهتمام به وبأولادي الثلاثة.. وفي المقابل أهملت نفسي وصحتي وجمالي.. أشعر وكأنني بئرٌ فرغ من مياهه ، بعد أن أغدقت العطاء على أسرتي ، دون أن يفكّر أحدهم بملئه من جديد !


سكتت للحظة ، ثم أردفت بحزم:

- لكني اكتفيت !! فبعد تخرّج صغيري ، سينتهي واجبي تجاه عائلتي.. سأطلّق والدهم ، وأعود إلى منزل طفولتي…على الأقل أستعيد حرّيتي بإكمال دراستي ، او العودة لوظيفتي السابقة … هذا في حال وجدت عملاً بعد ان قاربت على سن الستين.

فأمسكت صديقتها يدها : 

- تعالي نشرب الشايّ في الحديقة ، لربما تتحسّن نفسيّتك قليلاً 


ثم أختفى صوتهما بعد خروجهما من الصالة .. بينما بقيّ الزوج يقود سيارته بشرود ، بعد أن أفزعه ما سمعه ! فهي لم تشتكي يوماً من تصرّفاته المزعجة .. وهاهي تنفجر مرةً واحدة ، دون علمه بأن صمتها الطويل يُخفي انكساراً مؤلماً ! 

^^^


غيّر وجهته ، وعاد إلى البيت مُحمّلاً بما لم يفعله منذ سنوات : كعكة ، باقة زهور ، وعلبةٌ مخمليّة.. فنظر الأولاد الثلاثة اليه باستغراب ، بينما حدّقت زوجته بهداياه بدهشة ! 


ثم اقترب منها ، لإلباسها العقد الذهبيّ .. بعدها قبّل جبينها قائلاً :

- كل عام وأنتِ زوجتي الحبيبة… وأم أولادي… وشريكة حياتي.

فامتلأت عيناها بالدموع وهي تعانقه بامتنان ، كأنها لا تصدّق ما حدث ! 


ثم همس في أذنها بلقبٍ قديم لم تسمعه منذ ايام الخطوبة : 

- هل ظننتِ أنني نسيت عيد زواجنا 25 ، يا بطتي الصغيرة ؟ 


وبسبب خطوته المفاجئة ، تبدّلت أجواء المنزل .. حيث امتلأت سهرتهم بالضحكات والنكات .. بينما استمع الأبناء باهتمام لذكريات ابيهم مع امهم التي وصفها بحبه الأول والأخير 

***


وفي المساء .. نامت زوجته مُطمئنة على صدره ، كأن سنوات تعبها انتهت بعد ليلته الحنونة..  

أما هو : فنام قرير العين ، سعيداً بإنقاذ زواجه من طلاقٍ وشيك ! 

^^^


غير مُدرك بأن زوجته تعمّدت ترك هاتفها مفتوحاً ، كمحاولةٍ أخيرة لإحياء حُبٍ يحتضر ! 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعترافٌ هاتفيّ

تأليف : امل شانوحة  الخط المفتوح اتصل بزوجته كعادته قبل انتهاء دوامه الإداريّ ، سائلاً على عجل : - هل تريدين شيئاً من الخارج قبل عودتي للم...