تأليف : امل شانوحة
الخط المفتوح
اتصل بزوجته كعادته قبل انتهاء دوامه الإداريّ ، سائلاً على عجل :
- هل تريدين شيئاً من الخارج قبل عودتي للمنزل ؟
فأجابت بهدوء :
- لا شكراً
- حسناً ، أراكِ لاحقاً
فسألته بارتباك :
- لحظة ! ألم تنسى شيئاً ؟
- مثل ماذا ؟
فسمع تنهيدتها ، وهي تقول بنبرةٍ حزينة :
- لا شيء ... سلام
أنهى المكالمة ، واضعاً جواله جانباً وهو مازال يقود سيارته .. لينتبه أن زوجته نست إغلاق خطها !
فسمعها تبوح لصديقتها بما لم تجرؤ يوماً على قوله :
- اليوم هو عيد زواجنا 25… كنت أعلم أنه سينسى
فحاولت صديقتها مواساتها :
- رجاءً لا تحزني
فردّت الزوجة بصوتٍ مُرهق :
- هذه ليست المرة الأولى التي يتجاهل اموراً تُهمّني .. فهو يعاملني كأمٍ لأولاده فحسب .. فأنا لم أعد أشعر بحبه منذ سنوات.. فكل حديثه معي عن الأولاد ودراستهم ، وحاجات المنزل ، وعزائم أصدقائه وأقاربه التي أنهكت صحتي…كأنني موجودة هنا ، لخدمتهم جميعاً .. (ثم تنهّدت بضيق)..حتى عندما أمرض ، يُحضر دوائي .. ثم ينتقل للنوم في غرفة الضيوف كيّ لا يُصاب بالعدوى ، دون حتى الدعاء لي بالشفاء العاجل !
فقالت صديقتها :
- لكن أولادك كبروا الآن.. اثنان تخرّجا من الجامعة ، وهذه هي السنة الأخيرة لإبنك الصغير..
الزوجة بقهر :
- وهذا ما يُصبّرني .. لكنه فور تخرّجه هذا العام ، سأطلب الطلاق ..وأعود إلى منزل أهلي ، لأستعيد ما تبقّى من عمري.. على الأقل أرعى والديّ العاجزيّن ، بدل إهدار صحتي على رجلٍ لا يكترث لوجودي.. (ثم سكتت قليلاً) .. مع اني لا الومه ، فهو بالنهاية ذنبي ! دلّلته كثيراً حتى شعر أنه الملك وأنا جاريته..
فأجابت صديقتها:
- هذا لأنك تنازلتي كثيراً .. تركتِ دراستك العليا ، واستقلتِ من عملك بعد ولادة ابنك الأول.
- أردّت الإهتمام به وبأولادي الثلاثة.. وفي المقابل أهملت نفسي وصحتي وجمالي.. أشعر وكأنني بئرٌ فرغ من مياهه ، بعد أن أغدقت العطاء على أسرتي ، دون أن يفكّر أحدهم بملئه من جديد !
سكتت للحظة ، ثم أردفت بحزم:
- لكني اكتفيت !! فبعد تخرّج صغيري ، سينتهي واجبي تجاه عائلتي.. سأطلّق والدهم ، وأعود إلى منزل طفولتي…على الأقل أستعيد حرّيتي بإكمال دراستي ، او العودة لوظيفتي السابقة … هذا في حال وجدت عملاً بعد ان قاربت على سن الستين.
فأمسكت صديقتها يدها :
- تعالي نشرب الشايّ في الحديقة ، لربما تتحسّن نفسيّتك قليلاً
ثم أختفى صوتهما بعد خروجهما من الصالة .. بينما بقيّ الزوج يقود سيارته بشرود ، بعد أن أفزعه ما سمعه ! فهي لم تشتكي يوماً من تصرّفاته المزعجة .. وهاهي تنفجر مرةً واحدة ، دون علمه بأن صمتها الطويل يُخفي انكساراً مؤلماً !
^^^
غيّر وجهته ، وعاد إلى البيت مُحمّلاً بما لم يفعله منذ سنوات : كعكة ، باقة زهور ، وعلبةٌ مخمليّة.. فنظر الأولاد الثلاثة اليه باستغراب ، بينما حدّقت زوجته بهداياه بدهشة !
ثم اقترب منها ، لإلباسها العقد الذهبيّ .. بعدها قبّل جبينها قائلاً :
- كل عام وأنتِ زوجتي الحبيبة… وأم أولادي… وشريكة حياتي.
فامتلأت عيناها بالدموع وهي تعانقه بامتنان ، كأنها لا تصدّق ما حدث !
ثم همس في أذنها بلقبٍ قديم لم تسمعه منذ ايام الخطوبة :
- هل ظننتِ أنني نسيت عيد زواجنا 25 ، يا بطتي الصغيرة ؟
وبسبب خطوته المفاجئة ، تبدّلت أجواء المنزل .. حيث امتلأت سهرتهم بالضحكات والنكات .. بينما استمع الأبناء باهتمام لذكريات ابيهم مع امهم التي وصفها بحبه الأول والأخير
***
وفي المساء .. نامت زوجته مُطمئنة على صدره ، كأن سنوات تعبها انتهت بعد ليلته الحنونة..
أما هو : فنام قرير العين ، سعيداً بإنقاذ زواجه من طلاقٍ وشيك !
^^^
غير مُدرك بأن زوجته تعمّدت ترك هاتفها مفتوحاً ، كمحاولةٍ أخيرة لإحياء حُبٍ يحتضر !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق