تأليف : امل شانوحة
ذهب الجن
في سوق الذهب .. راقب الصائغ عامله وهو يرمي مجموعة من الحليّ المُباعة داخل وعاء الصهر.. ومن بينها عملةً ذهبية بنقوشٍ غريبة ، لفتتّ انتباهه !
فاندفع الصائغ لسحبها بملقطه ، قبل أن تذيبها النيران.. ثم سأل عامله:
- من اين حصلت عليها ؟!
العامل : عجوزٌ باعتها صباحاً.. فحصتها جيداً .. هي من الذهب الخالص.
تمعّن الصائغ بنقوش العملة الغريبة وهو يحاول التذكّر ، ان كان رآها من قبل !
ثم صعد الى مكتبه العلويّ ، باحثاً عن مذكّرات والده الراحل .. ليجد عملةً شبيهة ، مُلصقة بإحدى صفحات دفتره .. وتحتها الملاحظة التالية :
((يُمنع بيع أو إذابة هذه العملة ، فهي من ذهب الجن ! ..علمت متأخراً ان المرأة التي احضرتها ، تتعلّم الشعوذة .. وحين رفضتُ التعامل معها مجدداً ، ذهبت إلى جاري في المحل المجاور .. الذي ما ان استفاد منها ، حتى اصابته اللعنة .. ومات بعدها قهراً ، عقب افلاسه بذات الشهر ! فأقسمت بعدم لمس العملة الملعونة مطلقا))
فأغلق الصائغ الدفتر ، وهو يحمد ربه على عدم إذابتها !
ثم عاد لعامله ، ليسأله عن مواصفات العجوز (التي يشكّ انها المرأة ذاتها التي تعامل والده معها في صباها)
فأخبره العامل انه سيدلّه عليها ، بعد مراجعة كاميرا المحل
وبعد احتفاظ الصائغ بصورتها بجواله ، طلب من عامله عدم استقبالها ثانيةً في متجره
***
بعد شهر ، وأثناء تدخين الصائغ سيجارته خارج متجره .. لمح رجلاً (يعرفه من المسجد) يُصافح العجوز المشبوهة !
فانتظر رحيلها ، ليناديه .. وبعد السلام عليه ، سأله عنها .. فأجابه الرجل :
- هي عمتي..
فسأله الصائغ :
- هل سبق أن تناولت الطعام في بيتها؟
ورغم غرابة السؤال ! الا ان الرجل اجابه :
- قبل عام ، دعتني أنا وزوجتي للعشاء.. استغربت وقتها ، لأنها لطالما عارضت زواجي ! رغم أن زوجتي فتاةٌ محترمة ، تحفظ القرآن.
الصائغ : وهل تعسّرت امورك بعد تلك العزيمة ؟
سكت الرجل بدهشة ، بعد تذكّره ما حصل :
- نعم ! خسرت عملي باليوم التالي .. فعُدتّ غاضباً الى منزلي ، وتشاجرت مع زوجتي التي تركت المنزل.. ولليوم ترفض الصلح بيننا ! .. لكن كيف عرفت ان اموري تعسّرت بعد تلك العزيمة ؟!
فأخبره الصائغ عن العملة المذكورة في مذكّرات والده ، وعن تحذيره من المرأة المشعوذة !
شيئاً فشيئاً ، بدأ الرجل يتذكّر خلافات الأقارب وامراض كل من زار بيتها!
فقال بعصبية:
- إن كانت فعلاً وراء مصائب العائلة ، فلن تنجو بفعلتها !!
فحاول الصائغ تحذيره من مواجهتها .. لكن الرجل تركه ، متوجهاً الى منزل عمته
***
وهناك ، سألها دون مقدّمات :
- هل النحس الذي غرقت فيه ، هو بسبب سحرك ؟!
ليتفاجأ بضحكتها الساخرة :
- ليس ذنبي ، انك ضعيف وسهل الكسر..
فهدّدها بالسجن .. لتردّ بلا مبالاة :
- القانون لا يحمي المُغفلين
^^^
فخرج من بيتها غاضباً ، متوجهاً لمخفر الشرطة الذين لم يفعلوا شيئاً ، لغياب الأدلّة المادية..
فلم يكن امامه سوى تحذير اقاربه الذين اتهموه بالعقوق وسوء الخلق ، لاتهام عمته العجوز بالسحر والشعوذة .. بل بعضهم قطع التواصل معه !
***
ومرّت الشهور ثقيلة على الرجل الذي لم يستطع إيجاد عملٍ جديد ، يُراضي به زوجته !
الى ان وجد إعلاناً على الإنترنت : لرجلٍ ثريّ يبحث عن معلومات ، تخصّ مجموعة تمارس الشعوذة سرّاً في المدينة.. والتي تسبّبت بوفاة زوجته بالسرطان .. وانه مستعد لدفع جائزةً مالية ، للقضاء عليهن !
فتواصل الرجل معه ، وأخبره بشكوكه عن عمته
فطلب منه الثريّ مراقبتها ، وإعطائه دليلاً قوياً ضدها
***
وبعد أسابيع من ملاحقة عمته ، شاهدها تغادر بيتها في منتصف الليل !
فتبعها بسيارته ، الى ان وصلت إلى حيٍّ مهجور على أطراف المدينة..
فلحقها لمنزلٍ متهالك ، رأى من بين شقوقه : مجموعة من النساء ينحنين لها ، كأنها رئيستهن ! قبل جلوسهن على الأرض في دائرةٍ واسعة ، حولها الشموع والرموز الشيطانية المرسومة بالدم..
فصوّر الطقوس في مقطع فيديو ، أرسله للثريّ
^^^
بغضون نصف ساعة ، وصلت سيارات الحرس (التابعين للثريّ) الذين اقتحموا المنزل بعنف ..
لتتعالى من الداخل صرخات النساء المرتعبة ، قبل خروج الرجال وهم يسكبون البنزين حول المنزل الذي اقفلوا بابه بالسلاسل !
بينما وقف الرجل منذهلاً وهو يشاهد اللهب تلتهم المنزل القديم ، مع صرخات عمته وهي تستنجد بإلاهها إبليس ! قبل اختفاء عويلهنّ نهائياً
***
في الأيام التالية .. كتبت الشرطة بتقريرها : ان سبب الحريق هو ماسٌ كهربائيّ.
لكن الغريب ، أن حياة الرجل عادت تدريجياً كما كانت ! فصاحب عمله القديم عرض عليه العودة بضعف الراتب !
كما رجعت زوجته وحدها الى منزله ، وهي تعتذر عن نفورها منه الفترة الماضية
عدا عن الجائزة المالية الضخمة التي حصل عليها من الثريّ ، والتي نقلت حياته لمستوى افضل
***
أما الصائغ ، فصعد الى مكتبه .. لإلصاق العملة الملعونة بجانب الأخرى (الموجودة في دفتر مذكّرات والده)
ليتفاجأ بالرموز الغريبة المنقوشة على العملتيّن تتحرّك كالحشرات ، قبل تحوّلها الى كلمتيّن عربيتيّن !
ففي العملة الأولى ظهرت كلمة : إنتظر
أما الثانية ، فظهرت كلمة : إنتقامي
وهنا شعر الصائغ بأنفاسٍ باردة ، جعلته يلتفت .. ناظراً من زاوية الدرج نحو الأسفل : ليرى نيران فرن صهر الذهب ، تشتعل وحدها.. وسرعان ما امتدّت نحو السلالم المؤدية إليه !


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق