تأليف : امل شانوحة
الإبتسامة المؤجلة
صعد الزوج إلى علّية المنزل ، بحثاً عن علبة العدةّ لإصلاح عطلٍ بمطبخه
ليلفت انتباهه صندوقٌ مغطّى بالغبار..
فاعتراه الفضول ، وفتحه .. ليجد بداخله :
((ملفاتٌ قديمة… صورٌ جماعية … بطاقة عمل بإسم زوجته ، عندما كانت موظفة بإحدى الشركات قبل زواجهما.. ودفتر مذكّراتها))
حين بدأ يتصفّح الدفتر ، شعر انه مكتوب بيد امرأة لم يعرفها يوماً ! مليئة بالحماس والطاقة ، والأحلام المتفائلة بالمستقبل .. خاصة عندما تصفّ زميلها : بحب حياتها ، كأنه بطل روايتها !
لكن بنهاية الدفتر ، تغيّر كل شيء ! حيث باتت متشائمة من الحياة ، وهي تصفّ حبيبها بكلماتٍ موجعة :
((أكره اليوم الذي عرفتك فيه…أكره نفسي لأنني صدّقتك…سأتزوج أول رجلٍ يطرق بابي ، حتى لوّ لم أحبه… فقط لأعاقب قلبي على سذاجته ، بحبّه شخصاً مخادعاً وكاذباً مثلك..))
أغلق الزوج الدفتر ، بعد فهمه كل شيء ..
مُستعيداً ذكرياته مع زوجته التي بدت كتمثالٍ جامد طوال شهر العسل ! وكيف كان يستيقظ بجانبها ، وآثار الدموع على وجنتها وهي نائمة ..
حتى عندما أنجبت طفلهما الأول ، حضنته دون حنانٍ او حماسٍ للأمومة !
وبمرور السنوات ، أدّت جميع واجباتها كزوجة وأم بإتقانٍ وكمال ، كأنها روبوت : حيث طبخت ونظّفت وربّت واعتنت ، كلّه دون روح!
حينها عقد الزوج العزم على مساعدتها لإغلاق صفحة الماضي ، وحصولها على الراحة النفسيّة التي تستحقها
***
وبعد البحث عن زميل زوجته القديم ، وجده في غرفة بمستشفى حكومي..
رجلٌ أنهكه السرطان على مدى سنتيّن !
وبعد السلام عليه ، اراه صورة زوجته يوم زفافها : وهي ترتدي الفستان الأبيض بشرود ، وعيناها فارغتان بشكلٍ مخيف .. وهي تقف بجانب زوجها كالشبح !
اعطاه الصورة وهو يسأله (محاولاً كتم غيظه) :
- أتعرف هذه المرأة ؟
وما ان رآها المريض ، حتى ادمعت عينيه :
- كانت حبيبتي !
فجلس الزوج أمامه ، وهو يقول :
- هي زوجتي الآن ، وأم أولادي الثلاثة.. لكن بسببك !! حصلت فقط على جسدها ، بعد تحطيمك روحها !
فطأطأ المريض رأسه بندم :
- انا لم اكرهها يوماً .. بل العكس ، احببتها اكثر مما ينبغي.. كانت بريئةٌ جداً كالأطفال ، وتخيّلتني طاهراً مثلها .. لهذا أحبتني بصدق ، رغم كل عيوبي !
الزوج : الهذا هربت منها ، بزواجك من اخرى ؟
المريض : لا ادري ان كنت ستفهمني .. لكني كنت قويّ الشخصيّة مع كل النساء .. لكن معها كنت ضعيفاً ، كأنها استطاعت التواصل مع طفلي الداخليّ ، ورؤيتي دون قناعي الإجتماعي الذي تعوّدت على وضعه طوال عمري .. فهي أعطتني اهم من الحب ، اعطتني الأمان الذي لم اتعوّد عليه من والدايّ المُنفصليّن ! ولهذا خُفت منها.. لأني علمت بأنني لكيّ استحق براءتها ، عليّ تغيير شخصيّتي وطباعي بالكامل .. فوجدّت ان بقائي فاسداً مع امرأةٍ تافهة وماديّة كطليقتي ، اسهل بكثير !
فقال الزوج بغيظ :
- أفهمك .. لكن بنفس الوقت ارغب بضربك وتكسير عظامك ، لولا مرضك .. أتدري انني طوال عشر سنوات ، لم ارها يوماً تضحك من قلبها .. ولم انجح بإسعادها بأيٍّ من تصرّفاتي الحنونة او هدايايّ الفاخرة .. وكأن قلبها ينزف حتى اليوم!
فأشار المريض الى الأجهزة الطبيّة الموصولة بجسمه :
- وهل تظن ان الله لم يعاقبني على كسر قلبها ؟ انظر إليّ الآن ، أحتضر وحيداً بعد ان حرمتني طليقتي من ابني .. وانا لا اعترض على قضاء ربي ، لأني استحقيّت عقابه بعد تلاعبي بمشاعر فتاةٍ بريئة ، كل ذنبها انها احبتني اكثر من روحها.. (ثم نظر اليه) .. رجاءً احبها عن كلينا ، فهي تستحق كل الخير والسعادة
***
فعاد الزوج الى منزله ، ليجد زوجته ترتّب الملابس وحدها .. بينما اولاده يلعبون عند الجيران..
فوضع دفتر المذكّرات أمامها ..
فنظرت اليه بارتباك :
- اين وجدته ؟!
- في العلّية .. (ثم سكت قليلاً).. لقد قابلته قبل قليل
فشحب وجهها !
وصار يخبرها عن مرضه وندمه اتجاهها ، فانهمرت دموعها رغماً عنها..
فأمسك الزوج يدها المرتجفة :
- لا تعتذري..أنتِ أحببتِ بصدق ، وهذا ليس ذنبك.
***
وفي اليوم التالي .. أخذها إلى المستشفى دون علمها ..
الزوجة باستغراب : لما نحن هنا ؟!
فأشار الزوج الى باب الغرفة :
- هو بالداخل .. سأنتظرك هنا
الزوجة بصدمة : أتريدني ان اقابل حبيّ الأول ؟!
الزوج : لأني اعلم ان قلبك لن يرتاح ، قبل اغلاقك صفحة الماضي أخيراً .. هيا ادخلي ، فأنا اثق بك
^^^
في الداخل .. وما ان رأت حبيبها الوسيم ، أصلعاً يُصارع الموت ! حتى انهارت بالبكاء
بينما ظلّ يعتذر عن وعوده الكاذبة ، وعن هروبه من حبها الصادق الذي لم يجد مثيلاً له في حياته
وبعد ساعة ، خرجت وهي تمسح دموعها .. لكن نفسيّتها تحسّنت بشكلٍ ملحوظ ، حيث بدت روحها اخف .. كأن حمل الماضي انزاح اخيراً عن صدرها
^^^
وطوال طريق ارتسمت على وجهها ابتسامة النصر ، بعد استرداد جزءاً من كبريائها المجروح !
بينما فضّل الزوج عدم مناقشتها بالحوار الذي جرى بينها وبين حبيبها ، وقاد سيارته بهدوء الى بيتهما
***
وفي نهاية الأسبوع… تفاجأ بزوجته ترتدي فستاناً أنيقاً ، وتضع مساحيق التجميل لأول مرة !
بل وراقصت اولادها وهي تغني وتضحك عالياً ، كأنها ولدت من جديد !
وأثناء الحفل ، وصلت رسالة إلى هاتفه من المشفى : يخبرونه بوفاة حبيبها .. فأغلق جواله ، وهو يقول بنفسه :
((لن أسمح للموت أن يسرق هذه اللحظة السعيدة منها…لقد انتظرت عشر سنوات لأرى قلبها ينبض من جديد))
ثم شاركها الرقص ، وسؤالٌ واحد يشغل تفكيره :
((ترى كم امرأة تعيش بجسدها مع زوجها ، وروحها عالقة مع شخصٍ آخر ؟!))

اراكم ان شاء الله بعد العيد .. وكل عام وانتم بخير
ردحذف