السبت، 16 مايو 2026

سيدة القصر

تأليف : امل شانوحة 

الحياة المُستعارة


احضرها البستاني الى قصر الريف ، وهو يقول :

- اريدك ان تعملي بجهد على تنظيف القصر ، فالسيدان قادمان بعد اسبوع لقضاء عطلتهما الصيفية .. أبهريهما بترتيبك وأطباقك الشهية لكي يوظفاك بشكلٍ دائم.

فسألته الخادمة الثلاثينية :

- وكم شهر سيبقون هنا ؟ 

- فقط ثلاثة اشهر .. وبقية السنة ، تبقين هنا للحراسة .. وأنا أزوركِ مرة في الشهر ، لإحضار المؤونة والعناية بالحديقة

***


وبالفعل حصلت الخادمة النشيطة على رضا السيديّن اللذين وظّفاها في قصرهما براتبٍ شهريّ .. 

في البداية : اعتادا قفل غرفتهما ، كلما خرجا للتنزه خارج القصر


لكن بعد مضيّ ثلاثة اشهر ، وثقا بالخادمة ..لدرجة انهما عادا للمدينة دون اقفال خزانتهما : بما فيها من ملابس فاخرة واكسّسوارات وعطور ثمينة


وربما اخطئا الوثوق بيتيمةٍ فقيرة باكراً ، فكما يقال : ((المال السائب يُعلّم السرقة)) حيث خطّطت لبيع التحف واللوحات ، والهرب بالمال للقرية المجاورة ..لكن رائحة عطر السيدة المُترف ، أشعرها بلذّة حياة الرفاهية .. فأصبح هدفها العيش كسيدة القصر لما تبقى من شهور السنة ، ثم الهرب قبل عودتهما في الصيف القادم ! 

***


وبالفعل وضعت ملابسها القديمة جانباً ، بعد ملائمة فساتين السيدة لمقاسها.. حيث انذهلت من الحرير والقطن الأصلي فوق جلدها الذي لم يعتدّ ملمسهما الناعم طوال حياتها البائسة ! 


وصارت تتعمّد النوم على سرير الزوجيّن المريح .. وتأكل من طعامهما اللذيذ الذي امتلأت ثلاّجة المطبخ بها.. وتوقفت عن طبخ اكلاتها الشعبية ، بعد تعوّدها على تسخين المأكولات الجاهزة بالمايكرويف..ففي جميع الأحوال ستفسد ، لحين قدومهما بالصيف القادم


كما اعتادت شرب قهوتها على الشرفة ، وهي تجلس كالأميرات على الكرسي الهزّاز .. وفستانها الناعم يتطاير مع النسمات الباردة ، مع بدء فصل الخريف.. دون علمها بأنها مُراقبة من شابٍ ثريّ في القصر المجاور كل صباح ، حتى تحوّل فضوله لافتنان !

***


وذات يوم .. قرّر القدوم الى قصرها ، للتعرّف على جارته 

بالبداية ارتعبت ، خوفاً من انفضاح لعبتها.. لكنها اعتبرته فرصتها الذهبية للإرتقاء الى طبقة الأثرياء في حال اقنعته بالزواج منها ، قبل حلول فصل الصيف 

***


وصارا يلتقيان في نادي الأثرياء بعد استخدامها بطاقة الأعضاء المميزين ، الخاصة بالسيد (التي تركها في درجه) .. مُعرّفةً عن نفسها : بأنها قريبة العائلة المالكة للقصر.

وقد أُعجب الشاب بهدوئها وعفويّتها ، فهي غير مُتصنّعة كالنساء اللآتي قابلهن في حياته !


أما هي ، فغرقت كل يوم في الشخصية التي اخترعتها.. حتى بدأت تصدّقها بالفعل! 

***


وبمرور الشهور ، واللقاءات المتكرّرة .. اوشكت خطتها على النجاح ، لولا ان شاهدها حبيبها (وهي ترتدي ثيابها القديمة) اثناء نقلها أكياس المؤونة مع البستاني ..

فاقترب منها ، وهو يسألها :

- من هذا الرجل ؟!


فانتبه البستاني على ارتباكها امام الشاب الثريّ ، فأسرع بالرد :

- انا بستاني القصر.. سيدي

فوجّه الثريّ كلامه لها : 

- حسناً ، إنهي عملك سريعاً .. اريد مناقشة ترتيبات حفل خطوبتنا 

ودخل الى الصالة ، كأنه اعتاد القدوم للقصر !


فجذب البستاني ذراع الخادمة جانباً :

- هل اوهمته انك صاحبة القصر ؟!

فترجّته بخوف : 

- رجاءً لا تفضحني.. فقريباً سأصبح زوجة الشاب ، واستقيل من عملي 

البستاني : ألهذا استغرب ثيابك الرثة ؟ حتماً كنت تستقبلينه بفساتين السيدة التي سرقتها..

مقاطعة بخوف : لم اسرق شيئاً ، بل استعرتها لتغيير حياتي .. رجاءً دعني اتزوج حبيبي ، فقد بقيّ شهر على قدوم السيديّن

- لن اخدعهما كما فعلتي .. وسأتصل بهما للحضور باكراً ، وانهاء هذه المهزلة

الخادمة بتحدّي : لا تستطيع اثبات شيءٍ ضدّي !!


فأخرج جواله ، وهو يعرض عليها : مقطع فيديو قديم وهي تنظف الحديقة.

- كنت أرسلته للسيديّن ، للموافقة على توظيفك.. ما رأيكِ لو شاهده خطيبك أيضاً ؟


فانهارت بخوفٍ شديد ، وهي تتوسّل إليه بالتزام الصمت .. حتى انها حاولت ارشائه بسيارة السيد التي تركها في المرآب ..

فردّ باشمئزاز :

- انت مجرّد طمّاعة فقيرة ، لعبت دور الأميرة .. ومن حق الشاب المسكين ان يعرف حقيقتك القذرة 

ثم ادار ظهره ، متوجهاً نحو باب القصر.


في تلك اللحظة ، شعرت أن احلامها بحياةٍ مثالية تنهار امام عينيها .. فلم تعي بنفسها الا وهي تضربه برفش الحديقة على رأسه.. 

لتسقط جثته في بركة المسبح ، ويختلط دمائه بمياها الزرقاء !


فخرج الشاب فزعاً من القصر ، بعد سماعه صرخة البستاني الأخيرة ! 

لينصدم بجريمة حبيبته التي شرحت ما حصل وهي منهارة بالبكاء .. وتؤكّد أن ما فعلته هو حباً له ، وخوفاً من خسارته .. 

لكنه لم يرى امامه ، سوى امرأة مخادعة ! واتصل بالشرطة التي قدمت للتحقيق بالجريمة .. ثم اقتادت القاتلة الى السجن


بينما عاد الشاب الى قصره المجاور وهو مُحطّم القلب ، بعد اغرامه بها فعلاً !

***


لاحقاً قرّر السيدان بيع القصر ، بعد ان فقدا رغبتهما في التواجد بمكانٍ وقعت فيه جريمة قتل.. وقد تعلّما درساً بالحياة : أن لا يثقا بالغرباء ثانيةً 


اما الشاب : فكان يمرّ كل صباح بجانب القصر المعروض للبيع ، رافعاً نظره نحو الشرفة الخالية .. وهو يتساءل بحزن : 

((ان كان احب امرأةً حقيقية ، ام مجرّد وهمٍ صنعه خياله في فصل خريفٍ بارد؟!)) 


هناك 4 تعليقات:

  1. وهم صنعه خياله في فصل خريف بارد
    أحسنت أستاذة أمل وسلمت أناملك

    ردحذف
  2. لو حبكتي القصة اكثر مثلا بعد أن تقتل البستاني تنتظر عودة أصحاب القصر وتقتلهما وتستولي على املاكهما وتتزوج حبيبها وتنتهي القصة كجريمة كاملة 😊😊

    ردحذف
    الردود
    1. خطيبها بصالة القصر ، والبستاني افسد ماء المسبح بدمائه .. متى ستستطيع تنظيف آثار الجريمة ، وتعود لخطيبها كأن شيئاً لم يكن ؟!

      حذف

مبنى المعنفات

تأليف : امل شانوحة  لعنة التمرّد في منطقةٍ قبليّةٍ مُتشدّدة ، أُعلن عن مبنى حكوميّ لحماية النساء المُعنّفات ، بعد ازدياد حالات الإنتحار بين ...