تأليف : امل شانوحة
التنمّر الإلكتروني
كانت رؤى منذ طفولتها تملك خيالاً واسعاً ، لدرجة امضائها ساعاتٍ طويلة بتأليف مسرحيّات لألعابها التي اعطتهم شخصيّات واصواتٍ مختلفة .. وهي تضحك معهم ، او تبكي لموت احدهم بنهاية قصتها الخيالية !
وفي مرحلة الثانوية ، تعلّقت بالروايات الغامضة ذات النهايات الصادمة التي عاشت احداثها ومغامراتها مع ابطال القصة ..
حتى ان كوابيسها ومناماتها الغير مفهومة ، حوّلتها الى قصصٍ في مخيّلتها التي ابعدتها كل يوم عن واقعيّة الحياة !
نقطة التحوّل كانت بمرحلتها الجامعية .. فبينما كانت تستعد لامتحاناتها النهائية ، خطرت في بالها فكرةً غريبة ، لدرجة انها لم تعد قادرة على التركيز في كتابها !
حيث استمرّت الشخصيّات في التحدّث والصراع داخل رأسها لساعات ، الى ان رضخت بتدوينها في مسودّة إحدى الدفاتر
بعد نجاحها الجامعي ، اعطّت القصة لعائلتها وهي تتوقع نقدهم .. لكنها فوجئت بإعجابهم وتشجيعهم لموهبتها الجديدة !
ومن يومها ، أصبحت الكتابة هدفاً لحياتها.
***
سنواتٌ طويلة أمضتها بكتابة قصصٍ ورقية ، حشرتها في درجها .. الى ان قرّرت أخيراً نشرها في مدوّنةٍ إلكترونية
في البداية ، كان عدد قرّائها قليلاً.. ثم بدأت تظهر تعليقاتهم الداعمة مع زيادة مشاركاتها التي انتشرت سريعاً بين المواقع الكتابية
***
وبعد عشر سنوات ، صارت لمدونتها آلاف المتابعين الذين ينتظرون قصصها كل يومين .. لكن شيئاً غريباً بدأ يحدث بمرور الزمن : فكلما تحسّن أسلوبها ، زادت الإنتقادات قسّوة وقلة احترام ! خاصة من قبل خمسة أشخاص لا يفوّتون قصةً واحدة دون الإستهزاء بها ، والتقليل من قيمتها :
- متى تملّين وتوقفين حلمك السخيف ؟
- اسلوبك مبتدئ ، ومليء بالأخطاء الإعرابية
- افكارك مسروقة من الذكاء الإصطناعي
- يبدو ان موهبتك انتهت اخيراً
- توقفي عن احراج نفسك بقصصك التافهة
في البداية ، حاولت تجاهلهم.. ثم صارت تترقّب تعليقاتهم بقلق.. وبسببهم أصبحت تُراجع قصصها اكثر من مرة قبل عرضها على القرّاء ، خوفاً من سخريتهم اللاذعة ، مما ادى لتأخرها بالنشر .. فلاحظ المتابعون اختفاءها التدريجي ، وطالبوا بعودتها
لتجيب رؤى برسالةٍ حزينة :
((يبدو ان الناقدين على حق ، فأنا لست موهوبة كبقية الكتّاب المحترفين بالإنترنت .. اساساً انتهى عصر الكتابة مع الذكاء الإصطناعي الذي يفوقنا سرعةً وذكاءً ، بقصصه التي تخلو من الأخطاء الأدبية ! انا حزينة على تضييع شبابي في موهبةٍ لم تعد تُهم احداً .. سامحوني على قصصي السخيفة التي أهدرت وقتكم .. وأعتذر عن تخييب ظنكم بي .. تذكّروني بالخير…الكاتبة الموهومة : رؤى))
بعدها اختفت .. فظنّ القرّاء بأخذها عطلةً قصيرة ، للإستراحة من كتابتها المتواصلة .. وبعد اسبوع ، زاد قلقهم ! وبنهاية الشهر تحقّقت اسوء شكوكهم ، بعد انتشار خبر وفاتها بأزمةٍ قلبية مفاجئة ، عقب شهورٍ طويلة من الإرهاق النفسي والأرق والعزلة..
لتضجّ مدونتها بسيلٍ من التعازي الحزينة.. حيث اعترف مئات الأشخاص بأن قصصها ساعدتهم في تجاوز الاكتئاب والوحدة والخوف… لكن أحداً منهم لم يخبرها بذلك ، بعد تكاسلهم عن ارسال تعليقاتهم الداعمة !
***
وأثناء مراجعة عائلتها لآخر منشوراتها بالمدونة ، اكتشفوا الحسابات الخمسة التي لم تتوانى عن تحطيمها نفسيّاً .. فطالبوا الشرطة الإلكترونية بتعقّب أصحابها ، ليكتشفوا انهم :
1- خطيبها السابق الذي لم يحتمل نجاحها بعد انفصالهما.
2- كاتبةٌ منافسة : فشلت في جذب القرّاء كما فعلت رؤى ، فقرّرت إقناعها بعدم استحقاقها النجاح
3- قريبتها التي غارت من اهتمام العائلة الدائم بها
4- رجلٌ يقضي يومه بالسخرية من الناجحين عبر الإنترنت ، ليشعر بأن فشله أقل قسوة
5- مراهقة اعتادت التنمّر على الآخرين ، للتسلية وتضييع الوقت .. دون أن تتخيّل أن كلماتها ، قد تقتل أحدهم يوماً.
حين انتشرت الحقيقة ، شعر متابعو المدونة بالخجل لأن اصوات الحاقدين الخمسة اعلى ممّن احبوا موهبتها بصمت !
***
وآخر شيءٍ نُشر في المدونة : هي ورقة عثر عليها شقيقها ، بخطها اثناء معاناتها من ضيق التنفس بالآونة الأخيرة .. كتبت فيها :
((ليس المؤلم أن يكرهك الغرباء… بل صمت من احب نورك ، حتى صدّقتَ صوت الظلام !))

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق