تأليف : امل شانوحة
التوبة المرفوضة
في ليلةٍ مظلمة بوسط الغابة .. إجتمعت النّسوة في كوخ العجوز ، للشكوى حول مصيبتهن .. قائلةً إحداهن بفزع :
- جميع الأسحار التي دفعنا لكِ ذهبنا مقابل صنعها ، تنفكّ الواحدة تلوّ الأخرى
وأردفت الأخرى بعصبية :
- جارتي العانس إنخطبت البارحة ، رغم تجديدي سحرها منذ مدةٍ وجيزة !
امرأى ثالثة : وحماتي استيقظت من غيبوبتها ، بعد سنوات من سحري لها
- وزوج صديقتي إزدهرت تجارته ، بعد سنوات من البطالة
- وابن ضرّتي استعاد بصره ، بعدما أعميتُه طفلاً ! فمالذي يحصل معنا؟
- هل هناك كوكبٌ سحريّ تسبّب بفكّ الأسحار المُزمنة ؟!
فردّت الساحرة العجوز :
- الموضوع لا دخل له بحركة الكواكب.. لكن الله عادل ، ولن يسمح باستمرار اسحاركن لآخر العمر.. فبعضكن إمتدّ آذاها لأربعين عاماً ! الم تكن كافية لإطفاء غلّكن ، بعد إضاعة صحّة وشباب من سحرتموه ؟!
امرأة بقلق : المشكلة انهم عرفوا بأسحارنا ! فمن فضحنا ؟!
العجوز : الله فضحكنّ بإحلامٍ واضحة للمسحورين ، بعد أن أمهلكن دهراً لفكّ ما دفنتموه بالمقابر او ربطتموه بالأشجار .. لكن قلوبكنّ السوداء منعتكن التراجع عن ذنوبكن !
فاعترضت احداهنّ :
- لا يمكننا فكّ جميع الأسحار .. فأنا ربطّت سحري بجناح طائر ، فكيف سأستعيده ؟!
- اما انا ، فرميته بالبحر.. ثم انت تلوميننا بعد تعليمنا السحر ، الم تكوني شريكتنا ؟!
العجوز : سأخبركن برأيّ لاحقاً ، لكن دعوني اشارككن هذه المعلومة الغريبة : الرزق موجود بالسماء ، ولا يمكن لبشري التحكّم به .. يعني في حال ذُكر باللوح المحفوظ : ان فلان سيعطيك مالاً باليوم الفلانيّ .. فسيفعل ذلك دون ارادةٍ منه ، لأنه قدرك المكتوب .. والدليل ، قول الله تعالى بكتابه : ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾
امرأة بدهشة : هذه اول مرة اسمعك تستشهدين بالقرآن ؟!
العجوز بحزم : دعوني اكمل كلامي .. الرزق وإن ضاق بسبب اعمالكن الخبيثة ، لم يُمحى من القدر .. بل اسحاركن جمعته بحصّالةٍ ضخمة في السماء
- لم نفهم !
الساحرة : يعني فور فكّ أسحاركن ، سينزل الرزق على المسحور دفعةً واحدة .. كأنكن قدمتنّ خدمةً له .. وهي تجميع فتات رزقه ، حتى اصبح ثروّة تؤمّن مستقبله
فسكتن بغيظ ، فأكملت العجوز كلامها :
- تخيّلن طالباً جامعياً عليه انهاء عددٍ محدّدٍ من المواد ، خلال سنواته الأربعة الدراسية .. فاختار جميع مواده الصعبة بالسنوات الثلاثة الأولى ، لجعل سنة تخرّجه سهلة .. وهذه هي الحياة : فيها مصائب ومكافآت .. وانتن بسحركن ، ضغطتن المسحور بالمصائب المتتالية .. وعندما يأتي إذن الله بفكّ الأذى عنه ، سينعم المسحور بحياةٍ سهلة خالية من الإبتلاءات .. حتى صحته التي ضاعت بسببكن ، سيضاعفها الله بعض انتهاء ازمته .. بعكسكن !! فأنتن عشتن حياةً رغدة ، بعد نجاح مكائدكن بأذيّة منافسينكن .. لكن طالما بدأت اسحاركن تُفكّ بالوقت الحالي ، فابشرن بحياةٍ عصيبة من اليوم فصاعداً ..
فقالت احداهن بفزع : آمنا بقوّة الأسحار ، وإنه يمكن بها القضاء على نصيبهن وأرزاقهن للأبد !
العجوز : مُحال ان توجد وسيلة تمنع ما كتبه الله لضحاياكم ، وإن كنتن نجحتن بتعسيره لفترةٍ من الزمن.. حتى بقيّة اسحاركن الخفيّة ، ستُفكّ بمجرّد موتكن .. كما تنكسر العين الحارقة بموت الحاسد
فسألتها احداهن بحنق : طالما تعرفين هذه الحقائق ، لما علّمتنا السحر ؟
العجوز : لأشارككن همّي.. فأنا تبرّأت مني عائلتي .. وهاجرت من منطقةٍ لأخرى كلما ذاع صيتي السيء ، خوفاً من عقاب الأهالي الغاضبين.. وكما ترينّ !! انا مطلّقةٌ عقيمةٌ ، وفقيرة .. والأهم انني منبوذة من الجميع ، وهو المصير المُقدّر لجميع السحرة !
فسادت لحظة صمتٍ ثقيلة ، قبل ان تسألها إحداهن بمرارة :
- ولما لم تنذرينا قبل خسارة أنفسنا ؟
فابتسمت العجوز بمكر :
- خُفت تفرّدي بالعقاب ، ورغبت بمن يرافقني .. فاخترتكن !! أكثر النساء حقداً وغيرة ، لتؤنسنَ وحدتي في جهنم
فقالت إحداهن بتحدّي : لن اجتمع معكِ في الأخرة ، لأني أُعلن توبتي منذ اليوم !!
فضحكت العجوز ضحكةً مجلّجلة ، ارعبتهن :
- لا توبة لساحر ، بل نارٌ ابديّة !!
فخرجنّ من بيتها ، وهن تشعرنّ بثقل ذنوبهن بعد خسارتهنّ الدنيا والآخرة!

بهذه القصة اكون وصلت لرقمٍ قياسيّ لشهر نوفمبر ، بعد نشري 16 قصة بشهرٍ واحد .. _كل يومين ، قصة) ولله الحمد
ردحذف