الاثنين، 21 سبتمبر 2026

الإستيداع الإلهي

كتابة : امل شانوحة 

القدر الرحيم


في زمن الثمانينات ، بحيٍّ شعبيٍّ مصري .. استيقظت مرام (18 سنة) على صوت سعال أمها في الغرفة المجاورة..

فأسرعت إليها .. لتجدها شاحبة الوجه ، محاولةً التقاط أنفاسها بصعوبة..

وبجانب سريرها ، وقف اخوها احمد (12 سنة) خائفاً بعد اشتداد مرض امه .. والتي احتضنتهما بحنان : 

- أريدكما أن تتماسكا... وأن تبقيا معاً مهما حدث.


ثم ردّدت الشهادتين ، قبل ان تدعي بصوتٍ متعب : 

- ((استودعتكما الله الذي لا تضيع ودائعه))

وبعدها فارقت الحياة !

***


والدهما الذي اعتاد قضاء لياليه في حانةٍ شعبية ، لم يهتم مطلقاً لوفاة زوجته المريضة او احتياجات ولديّه ! 

ولهذا لم تمضي أسابيع على انتهاء العزاء ، حتى فاجأهما بزواجه من إحدى راقصات الحانة المعروفة بسمعتها السيئة !


وكما توقع الولدان ، فقد خطّطت لتخلّص منهما .. 

بدايةً بإخراجهما من المدرسة ، رغم تفوّقهما الدراسيّ .. ثم إجبار الصغير على العمل في ورشة تصليح سيارات ، معروفٌ صاحبها بقسوته مع العمّال ! 

بينما خيّرت مرام بالعمل معها في المرقص ، او السفر كخادمة لدى سيدة ثريّة في لبنان 


فحاولت مرام إسترحام والدها :

- رجاءً ابي ، دعني أكمل دراستي... بقيت ثلاثة شهور على تخرّجي من الثانوية .. فأنا وعدت امي المرحومة بأن اصبح طبيبة ، وعلاماتي تخوّلني للحصول على منحةٍ دراسية في كلية الطب .. الا يكفي ان زوجتك حرمت اخي من تعليمه ؟ 

الأب بلا مبالاة : 

- دراستك لن تنفعني بشيء .. هيا إحزمي امتعتك !! فغداً يصل محامي السيدة ، لأخذك الى منزلك الجديد في لبنان .. فهي دفعت ثمنك مقدّماً


فذهبت باكية الى غرفتها ، بعد ان باعها والدها بالرخيص !

***


في الصباح الباكر ، استيقظ الأب قبل تمكّن ابنته الهرب من منزله .. فضربها بعنف ، وحبسها بالغرفة .. لحين وصول المحامي ظهراً .. 

ثم إجبرها على التوجه معه الى المطار ، دون السماح بتوقفهما امام الورشة لتوديع اخيها !

***


في الطائرة .. نظرت مرام من النافذة الى بلدها مصر ، وهي تختفي بين الغيوم ! 

فهمست بقهر :

- إلهي ! ألم تستودعنا أمي لديك قبل وفاتها ، فلما تخلّيت عني وعن اخي ، لما لم تحمينا من أبي وزوجته الفاسقة ؟


وظلّت تبكي حتى غلبها التعب ، فنامت طوال الرحلة.

***


بعد هبوط الطائرة في لبنان.. أوصلها المحامي إلى فيلا جبلية (بعيداً عن ضوضاء الحرب الأهلية) 

حيث استقبلتهما سيدة في أواخر الخمسينيات تدعى نجاة ، أرملة تعيش وحدها دون ابناء .. 


وبعد ذهاب المحامي ، إصطحبتها إلى غرفتها التي كانت أجمل بكثير من غرفتها القديمة ! بعد ان ملأت السيدة خزانتها بالملابس الجديدة والحاجيات الشخصية.

وبعدها أصرّت نجاة على تناول مرام الطعام معها ..

ثم سمحت لها بالنوم باكراً ، بسبب ارهاقها من السفر 

*** 


في الأيام التالية ..اكتشفت مرام أن العمل في الفيلا ليس شاقاً..فالسيدة نجاة تستعين بخادمتين ، لتنظيف فيلتها مرتين في الشهر .. 

ولذلك اقتصر عمل مرام على بعض الترتيبات البسيطة ، ومساعدة نجاة في الأمور اليومية.

كما شعرت بالإمتنان للسيدة التي حرصت على معاملتها كإبنة ، وليس كخادمة عندها .. وهو احترام لم تعتده من قبل ! 

***


في العطل الإسبوعية .. كانت تصطحبها معها الى السوق ، لشراء كل ما يلزمها .. ثم تتناولان الغداء في المطعم .. واحياناً تدخلان السينما ، بفترات هدوء الحرب 


وخلال عودتهما من احدى النزهات (حيث اعتادت نجاة قيادة سيارتها بنفسها) شعرت بحزن مرام التي التزمت الصمت طوال الطريق 

- مابك عزيزتي ؟! الم تعجبك النزهة ؟

فمسحت مرام دموعها :

- أشعر بالقهر ، لأنني استمتع بوقتي معك .. بينما اخي الصغير يعاني من عمله بالورشة ، مع خدمته لزوجة ابي اللئيمة

فأصرّت السيدة على معرفة قصتها منذ البداية ..

فأخبرتها مرام بكل شيء عن حياتها السابقة 


وحين وصلتا الى الفيلا .. قالت نجاة مبتسمة :

- تأكّدي يا مرام ان دعوة امك لم تذهب سدى ، وستدركين ذلك قريباً

***


بعد اسبوعين ، عصراً .. اخذتها السيدة الى المطار .. وما ان رأته من بعيد ، حتى بكت مرام خوفاً ..

السيدة : مابك ؟!

مرام بقلق : هل فعلت شيئاً ضايقك ، سيدتي ؟

- لا ابداً ، لما تقولين ذلك ؟!

- اذاً لماذا تعيدينني الى بلادي ؟ لا اريد العيش مع زوجة ابي ثانيةً 

فضحكت السيدة : 

- اهدأي يا مرام ، نحن ذاهبتان لاستقبال احدهم في المطار

فتنفّست مرام الصعداء ، وعادت ابتسامتها من جديد

^^^


في الداخل ، وبعد مرور نصف ساعة إنتظار .. ظهر اخوها مع المحامي .. فأوشكت مرام على الإغماء من هول المفاجأة ! 

وركضت اليه ، لاحتضانه.. لينهارا معاً بالبكاء ، بعد فراق دام شهرين كاملين


بهذه الأثناء ، تكلّمت السيدة مع المحامي جانباً :

- والده الطمّاع لم يقبل هذه المرة الا بضعف الثمن

السيدة : وهل وقّع على التنازل القانوني عن حضانة الولدين وحقوقه الأبوية؟

المحامي : نعم ، بعد أن شرحت له تبعات الموضوع 

فتنفّست نجاة بارتياح : 

- جيد.. لا أريده ان يستخدم ابنيّه للضغط عليّ ، أو ابتزازهما مستقبلاً.. ورجاءً لا تنسى متابعة الإجراءات القانونية التي اتفقنا عليها مسبقاً  

المحامي : سأخبرك بعد تسجيلهما رسمياً بدائرة النفوس 

^^^


ووصلت نجاة مع الولدين الى الفيلا الجبلية مساءً ، بعد تجاوزهم العديد من الحواجز العسكرية التابعة لأحزابٍ متعددة .. 

فاستغرب الصبي وجود درّاجة هوائية صغيرة في الحديقة !

وهمس لأخته : الم تقولي انه ليس لديها اولاد ؟!

فسمعته السيدة : الدرّاجة لك 

الصبي بدهشة : أحقاً ؟! 

السيدة : نعم ، لكن عليك مهمّة ريّ الأشجار كل صباح

الصبي بحماس : بالطبع سأفعل !! فهو اسهل من عملي بورشة السيارات .. فصاحبها رجلٌ متوحش ، اعتاد ضربي كل يوم 

السيدة : لا تقلق ، انا لا اضرب ابداً .. هيا الى الداخل ، لتناول عشائنا 

^^^


وبعد الأكل .. أصرّ الولد على النوم في غرفة اخته ، رغم ان السيدة جهّزت غرفةً خاصة له .. 

ونام الصغيران ، بعد ان تحدثا عمّا جرى في حياتهما بالشهرين الماضيين .. وهما يحمدان الله ان جمعهما على خيرٍ وسلامة 

***


ومرّت الأيام بشكلٍ روتيني .. الى ان وجدت السيدة ، مرام تبكي في المطبخ

- ماذا حصل ؟!

مرام وهي تمسح دموعها : تأثّرت حين سمعت ابنة اخيك تخبرك عن تسجيلها في كليّة الطب .. فأمنية امي ان اصبح طبيبة ، لمعالجة الفقراء مجّاناً 

- وهل كنت مجتهدة في دراستك ؟

- انا واخي كنا الأوائل دائماً ، لكن ابي لم يهمّه دراستنا مطلقاً 

السيدة : وماهو حلم اخيك ؟

- ان يصبح مهندساً معمارياً .. فرغم صغر سنه ، الا انه كان بارعاً بتحويل الكرتون الى مباني ورقية .. 

- حسناً ، غداً أعرف مستواكما الدراسيّ

مرام باهتمام : ماذا تقصدين ؟ 

- لا تستعجلي الأمور

***


في اليوم التالي .. أحضرت السيدة استاذاً خصوصيّاً لامتحان الولديّن .. وبعد خروجه من الصالة ، سألته السيدة عن مستواهما الدراسيّ ؟

- هما ذكيّان ، ويستوعبان الشرح سريعاً .. لكن ابتعادهما عن الدراسة ، جعلهما متأخريّن عن أقرانهما.

السيدة نجاة :

- وهل يمكن تعويض ذلك؟

الأستاذ : بالتأكيد !! يحتاجان إلى برنامجٍ مكثّف في المنزل خلال الأشهر المقبلة ، ثم يتابعان الدراسة بصورةٍ طبيعية.

- حسناً ، سأدفع ثمن كتبهما المدرسية 

الأستاذ : اريد فقط تذكيرك بأن المدارس الحكومية مغلقة بالحرب .. والمدارس الخصوصية ، أقساطها غالية.. 

نجاة مقاطعة : لا يهمّني سوى تعليم الولدين .. ابدأ بتدريسهما غداً 

***


وبعد شهور من دراستهما في المنزل .. التحقا مع بداية العام الجديد بمدرستهما الخاصة .. حيث راقبتهما السيدة وهما يركضان سعيدان بزيّهما الرسميّ ، قبل ركوبهما الحافلة المدرسية .. وهي تدعي لهما بالتوفيق والنجاح 

^^^

وهذا الشيء اغضب اقارب السيدة الذين قدموا الى منزلها ، لنصحها بعدم صرف مالها على تعليم خدمها ..

فسمع الولدان نقاشهم الحادّ .. وخافا ان يضغطوا على السيدة ، لمنعهما من الدراسة او طردهما من الفيلا !


لكن السيدة فاجأت الجميع بإعلان تبنيّها للولدين رسمياً ! مما ادّى لقطيعة بينها وبين اقاربها ، دون ان يهمّها ذلك مطلقاً ..

ونام الولدان تلك الليلة وهما سعيدان بأمهما الثانية .. فانتمائهما الى عائلتها ، حسّن نفسيتهما كثيراً 

***


وبعد اسبوع .. نادتهما السيدة ، لتريهما هويّتهما الجديدة بإسم عائلتها .. ليس هذا فحسب ، بل وظّفت خادمة اخرى ومزارع للإهتمام بالفيلا ، كيّ يتفرّغا لدراستهما 

مرام : ما تفعلينه لأجلنا كثير ، سيدة نجاة

- قولي ماما نجاة ، يا مرام

- آسفة ، يا امي الغالية

***


ولم تكتفي نجاة بمتابعة دراسة الولدين فحسب ، بل كانت تهديهما الألعاب والمكافئات المالية بعد ان رفعا رأسها بنتائجهما المبهرة .. 

***


بعد سنوات .. تخرّجت مرام من كلية الطب ، وأخوها من مجال الهندسة 

وأقامت لهما حفلةً ضخمة ، حضرها الأقارب والأصدقاء بعد تعودهم على مرام وأخيها كأبناء نجاة بالتبني ..


وبعد زواج مرام من زميلها الطبيب ، وخطبة احمد من زميلته المهندسة ..علما بوفاة امهما نجاة بسكتةٍ قلبية ، مما احزنهما كثيراً ..

^^^


وبعد العزاء .. اخبرهما المحامي برغبة امهما نجاة ، باجتماعهما دائماً في فيلتها بالعطل الرسمية والمناسبات العائلية مع اولادهما .. بعد ان سجّلت الفيلا مناصفةً بين الأخوين ..

وذكرت بآخر وصيتها ، التي قرأها المحامي عليهما :

((ارأيتما كيف ان استوداع امكما لم يذهب سدى))


وحين سمعت مرام ذلك ، إستغفرت ربها على اعتراضها السابق .. بعد ان فهمت بأن الإستيداع الربّاني : يعني عيش حياةٍ اختارها الله لهما .. والتي كانت اجمل بكثير مما يتخيلانه .. بعد ان وهبهما الله اماً ثانية حنونة ، غيّرت حياتهما للأفضل !


****** 

ملاحظة :

هذه القصة حقيقية .. ولليوم مازالت الطبيبة مرام وأخوها المهندس يعيشان في لبنان ، بعد زواجهما من لبنانيّن .. ولم يزورا مصر الا مرةً واحدة ، لحضور عزاء والدهما .. 

ورغم كبر سنهما ، الا انهما مازالا مُمّتنان لأمهما نجاة التي حققت جميع احلامهما بقلبها الحنون الطيب !

(كنت حضرت مقابلة لهما بالتلفاز ، لكني لا اذكر اسمائهما الحقيقية)


هناك تعليقان (2):

  1. قصة جميلة..
    سلمت أناملك أستاذة أمل

    ردحذف
    الردود
    1. انا فقط تخيّلت ما حصل ، حسب اقوال مرام واخوها بالمقابلة

      حذف

هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة  سنوات الندم استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !  لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عج...