كتابة : امل شانوحة
القدر الرحيم
في زمن الثمانينات ، بحيٍّ شعبيٍّ مصري .. استيقظت مرام (18 سنة) على صوت سعال أمها في الغرفة المجاورة..
فأسرعت إليها .. لتجدها شاحبة الوجه ، محاولةً التقاط أنفاسها بصعوبة..
وبجانب سريرها ، وقف اخوها احمد (12 سنة) خائفاً بعد اشتداد مرض امه .. والتي احتضنتهما بحنان :
- أريدكما أن تتماسكا... وأن تبقيا معاً مهما حدث.
ثم ردّدت الشهادتين ، قبل ان تدعي بصوتٍ متعب :
- ((استودعتكما الله الذي لا تضيع ودائعه))
وبعدها فارقت الحياة !
***
والدهما الذي اعتاد قضاء لياليه في حانةٍ شعبية ، لم يهتم مطلقاً لوفاة زوجته المريضة او احتياجات ولديّه !
ولهذا لم تمضي أسابيع على انتهاء العزاء ، حتى فاجأهما بزواجه من إحدى راقصات الحانة المعروفة بسمعتها السيئة !
وكما توقع الولدان ، فقد خطّطت لتخلّص منهما ..
بدايةً بإخراجهما من المدرسة ، رغم تفوّقهما الدراسيّ .. ثم إجبار الصغير على العمل في ورشة تصليح سيارات ، معروفٌ صاحبها بقسوته مع العمّال !
بينما خيّرت مرام بالعمل معها في المرقص ، او السفر كخادمة لدى سيدة ثريّة في لبنان
فحاولت مرام إسترحام والدها :
- رجاءً ابي ، دعني أكمل دراستي... بقيت ثلاثة شهور على تخرّجي من الثانوية .. فأنا وعدت امي المرحومة بأن اصبح طبيبة ، وعلاماتي تخوّلني للحصول على منحةٍ دراسية في كلية الطب .. الا يكفي ان زوجتك حرمت اخي من تعليمه ؟
الأب بلا مبالاة :
- دراستك لن تنفعني بشيء .. هيا إحزمي امتعتك !! فغداً يصل محامي السيدة ، لأخذك الى منزلك الجديد في لبنان .. فهي دفعت ثمنك مقدّماً
فذهبت باكية الى غرفتها ، بعد ان باعها والدها بالرخيص !
***
في الصباح الباكر ، استيقظ الأب قبل تمكّن ابنته الهرب من منزله .. فضربها بعنف ، وحبسها بالغرفة .. لحين وصول المحامي ظهراً ..
ثم إجبرها على التوجه معه الى المطار ، دون السماح بتوقفهما امام الورشة لتوديع اخيها !
***
في الطائرة .. نظرت مرام من النافذة الى بلدها مصر ، وهي تختفي بين الغيوم !
فهمست بقهر :
- إلهي ! ألم تستودعنا أمي لديك قبل وفاتها ، فلما تخلّيت عني وعن اخي ، لما لم تحمينا من أبي وزوجته الفاسقة ؟
وظلّت تبكي حتى غلبها التعب ، فنامت طوال الرحلة.
***
بعد هبوط الطائرة في لبنان.. أوصلها المحامي إلى فيلا جبلية (بعيداً عن ضوضاء الحرب الأهلية)
حيث استقبلتهما سيدة في أواخر الخمسينيات تدعى نجاة ، أرملة تعيش وحدها دون ابناء ..
وبعد ذهاب المحامي ، إصطحبتها إلى غرفتها التي كانت أجمل بكثير من غرفتها القديمة ! بعد ان ملأت السيدة خزانتها بالملابس الجديدة والحاجيات الشخصية.
وبعدها أصرّت نجاة على تناول مرام الطعام معها ..
ثم سمحت لها بالنوم باكراً ، بسبب ارهاقها من السفر
***
في الأيام التالية ..اكتشفت مرام أن العمل في الفيلا ليس شاقاً..فالسيدة نجاة تستعين بخادمتين ، لتنظيف فيلتها مرتين في الشهر ..
ولذلك اقتصر عمل مرام على بعض الترتيبات البسيطة ، ومساعدة نجاة في الأمور اليومية.
كما شعرت بالإمتنان للسيدة التي حرصت على معاملتها كإبنة ، وليس كخادمة عندها .. وهو احترام لم تعتده من قبل !
***
في العطل الإسبوعية .. كانت تصطحبها معها الى السوق ، لشراء كل ما يلزمها .. ثم تتناولان الغداء في المطعم .. واحياناً تدخلان السينما ، بفترات هدوء الحرب
وخلال عودتهما من احدى النزهات (حيث اعتادت نجاة قيادة سيارتها بنفسها) شعرت بحزن مرام التي التزمت الصمت طوال الطريق
- مابك عزيزتي ؟! الم تعجبك النزهة ؟
فمسحت مرام دموعها :
- أشعر بالقهر ، لأنني استمتع بوقتي معك .. بينما اخي الصغير يعاني من عمله بالورشة ، مع خدمته لزوجة ابي اللئيمة
فأصرّت السيدة على معرفة قصتها منذ البداية ..
فأخبرتها مرام بكل شيء عن حياتها السابقة
وحين وصلتا الى الفيلا .. قالت نجاة مبتسمة :
- تأكّدي يا مرام ان دعوة امك لم تذهب سدى ، وستدركين ذلك قريباً
***
بعد اسبوعين ، عصراً .. اخذتها السيدة الى المطار .. وما ان رأته من بعيد ، حتى بكت مرام خوفاً ..
السيدة : مابك ؟!
مرام بقلق : هل فعلت شيئاً ضايقك ، سيدتي ؟
- لا ابداً ، لما تقولين ذلك ؟!
- اذاً لماذا تعيدينني الى بلادي ؟ لا اريد العيش مع زوجة ابي ثانيةً
فضحكت السيدة :
- اهدأي يا مرام ، نحن ذاهبتان لاستقبال احدهم في المطار
فتنفّست مرام الصعداء ، وعادت ابتسامتها من جديد
^^^
في الداخل ، وبعد مرور نصف ساعة إنتظار .. ظهر اخوها مع المحامي .. فأوشكت مرام على الإغماء من هول المفاجأة !
وركضت اليه ، لاحتضانه.. لينهارا معاً بالبكاء ، بعد فراق دام شهرين كاملين
بهذه الأثناء ، تكلّمت السيدة مع المحامي جانباً :
- والده الطمّاع لم يقبل هذه المرة الا بضعف الثمن
السيدة : وهل وقّع على التنازل القانوني عن حضانة الولدين وحقوقه الأبوية؟
المحامي : نعم ، بعد أن شرحت له تبعات الموضوع
فتنفّست نجاة بارتياح :
- جيد.. لا أريده ان يستخدم ابنيّه للضغط عليّ ، أو ابتزازهما مستقبلاً.. ورجاءً لا تنسى متابعة الإجراءات القانونية التي اتفقنا عليها مسبقاً
المحامي : سأخبرك بعد تسجيلهما رسمياً بدائرة النفوس
^^^
ووصلت نجاة مع الولدين الى الفيلا الجبلية مساءً ، بعد تجاوزهم العديد من الحواجز العسكرية التابعة لأحزابٍ متعددة ..
فاستغرب الصبي وجود درّاجة هوائية صغيرة في الحديقة !
وهمس لأخته : الم تقولي انه ليس لديها اولاد ؟!
فسمعته السيدة : الدرّاجة لك
الصبي بدهشة : أحقاً ؟!
السيدة : نعم ، لكن عليك مهمّة ريّ الأشجار كل صباح
الصبي بحماس : بالطبع سأفعل !! فهو اسهل من عملي بورشة السيارات .. فصاحبها رجلٌ متوحش ، اعتاد ضربي كل يوم
السيدة : لا تقلق ، انا لا اضرب ابداً .. هيا الى الداخل ، لتناول عشائنا
^^^
وبعد الأكل .. أصرّ الولد على النوم في غرفة اخته ، رغم ان السيدة جهّزت غرفةً خاصة له ..
ونام الصغيران ، بعد ان تحدثا عمّا جرى في حياتهما بالشهرين الماضيين .. وهما يحمدان الله ان جمعهما على خيرٍ وسلامة
***
ومرّت الأيام بشكلٍ روتيني .. الى ان وجدت السيدة ، مرام تبكي في المطبخ
- ماذا حصل ؟!
مرام وهي تمسح دموعها : تأثّرت حين سمعت ابنة اخيك تخبرك عن تسجيلها في كليّة الطب .. فأمنية امي ان اصبح طبيبة ، لمعالجة الفقراء مجّاناً
- وهل كنت مجتهدة في دراستك ؟
- انا واخي كنا الأوائل دائماً ، لكن ابي لم يهمّه دراستنا مطلقاً
السيدة : وماهو حلم اخيك ؟
- ان يصبح مهندساً معمارياً .. فرغم صغر سنه ، الا انه كان بارعاً بتحويل الكرتون الى مباني ورقية ..
- حسناً ، غداً أعرف مستواكما الدراسيّ
مرام باهتمام : ماذا تقصدين ؟
- لا تستعجلي الأمور
***
في اليوم التالي .. أحضرت السيدة استاذاً خصوصيّاً لامتحان الولديّن .. وبعد خروجه من الصالة ، سألته السيدة عن مستواهما الدراسيّ ؟
- هما ذكيّان ، ويستوعبان الشرح سريعاً .. لكن ابتعادهما عن الدراسة ، جعلهما متأخريّن عن أقرانهما.
السيدة نجاة :
- وهل يمكن تعويض ذلك؟
الأستاذ : بالتأكيد !! يحتاجان إلى برنامجٍ مكثّف في المنزل خلال الأشهر المقبلة ، ثم يتابعان الدراسة بصورةٍ طبيعية.
- حسناً ، سأدفع ثمن كتبهما المدرسية
الأستاذ : اريد فقط تذكيرك بأن المدارس الحكومية مغلقة بالحرب .. والمدارس الخصوصية ، أقساطها غالية..
نجاة مقاطعة : لا يهمّني سوى تعليم الولدين .. ابدأ بتدريسهما غداً
***
وبعد شهور من دراستهما في المنزل .. التحقا مع بداية العام الجديد بمدرستهما الخاصة .. حيث راقبتهما السيدة وهما يركضان سعيدان بزيّهما الرسميّ ، قبل ركوبهما الحافلة المدرسية .. وهي تدعي لهما بالتوفيق والنجاح
^^^
وهذا الشيء اغضب اقارب السيدة الذين قدموا الى منزلها ، لنصحها بعدم صرف مالها على تعليم خدمها ..
فسمع الولدان نقاشهم الحادّ .. وخافا ان يضغطوا على السيدة ، لمنعهما من الدراسة او طردهما من الفيلا !
لكن السيدة فاجأت الجميع بإعلان تبنيّها للولدين رسمياً ! مما ادّى لقطيعة بينها وبين اقاربها ، دون ان يهمّها ذلك مطلقاً ..
ونام الولدان تلك الليلة وهما سعيدان بأمهما الثانية .. فانتمائهما الى عائلتها ، حسّن نفسيتهما كثيراً
***
وبعد اسبوع .. نادتهما السيدة ، لتريهما هويّتهما الجديدة بإسم عائلتها .. ليس هذا فحسب ، بل وظّفت خادمة اخرى ومزارع للإهتمام بالفيلا ، كيّ يتفرّغا لدراستهما
مرام : ما تفعلينه لأجلنا كثير ، سيدة نجاة
- قولي ماما نجاة ، يا مرام
- آسفة ، يا امي الغالية
***
ولم تكتفي نجاة بمتابعة دراسة الولدين فحسب ، بل كانت تهديهما الألعاب والمكافئات المالية بعد ان رفعا رأسها بنتائجهما المبهرة ..
***
بعد سنوات .. تخرّجت مرام من كلية الطب ، وأخوها من مجال الهندسة
وأقامت لهما حفلةً ضخمة ، حضرها الأقارب والأصدقاء بعد تعودهم على مرام وأخيها كأبناء نجاة بالتبني ..
وبعد زواج مرام من زميلها الطبيب ، وخطبة احمد من زميلته المهندسة ..علما بوفاة امهما نجاة بسكتةٍ قلبية ، مما احزنهما كثيراً ..
^^^
وبعد العزاء .. اخبرهما المحامي برغبة امهما نجاة ، باجتماعهما دائماً في فيلتها بالعطل الرسمية والمناسبات العائلية مع اولادهما .. بعد ان سجّلت الفيلا مناصفةً بين الأخوين ..
وذكرت بآخر وصيتها ، التي قرأها المحامي عليهما :
((ارأيتما كيف ان استوداع امكما لم يذهب سدى))
وحين سمعت مرام ذلك ، إستغفرت ربها على اعتراضها السابق .. بعد ان فهمت بأن الإستيداع الربّاني : يعني عيش حياةٍ اختارها الله لهما .. والتي كانت اجمل بكثير مما يتخيلانه .. بعد ان وهبهما الله اماً ثانية حنونة ، غيّرت حياتهما للأفضل !
******
ملاحظة :
هذه القصة حقيقية .. ولليوم مازالت الطبيبة مرام وأخوها المهندس يعيشان في لبنان ، بعد زواجهما من لبنانيّن .. ولم يزورا مصر الا مرةً واحدة ، لحضور عزاء والدهما ..
ورغم كبر سنهما ، الا انهما مازالا مُمّتنان لأمهما نجاة التي حققت جميع احلامهما بقلبها الحنون الطيب !
(كنت حضرت مقابلة لهما بالتلفاز ، لكني لا اذكر اسمائهما الحقيقية)

قصة جميلة..
ردحذفسلمت أناملك أستاذة أمل
انا فقط تخيّلت ما حصل ، حسب اقوال مرام واخوها بالمقابلة
حذف