تأليف : امل شانوحة
السرقة الأدبيّة
في تلك الليلة .. تلقّت اميرة اتصالاً من قريبتها التي تسكن اوروبا :
- لك مدة تتفاخرين بأن ميغيل (الكاتب الإسباني الشهير من اصول عربيّة) أعجبته قصّتك
اميرة بفخر : نعم ، هو استاذي في معهد الآداب
- هي اساساً له .. سأرسل لك نسخة عن قصّته الإسبانيّة ..ويمكنك ترجمة سطورها من جوجل ، وستجدين انها نفس احداث قصتك .. (وبنبرةٍ ساخرة) ..يعني كل الذي فعلته ، انكِ غيّرتي العنوان
وكانت صدمة اميرة كبيرة بعد تأكّدها بسرقة استاذها قصتها ، بعد ترجمتها بلغته !
***
وفي اليوم التالي.. دخلت مكتبه في المعهد ، ووضعت نسخته الإسبانيّة امامه :
- لما نسبت قصتي اليك ؟!
فسكت ميغيل بامتعاض لاكتشاف امره ! .. فتابعت كلامها بغيظ :
- كنت فخورة ان قصتي اعجبتك ، لكني لم اتصوّر ان تسرقها !
فضرب بيده بقوّة على مكتبه ، غاضباً :
- لن اسمح لك بإهانتي !! انا بدأت الكتابة قبل ولادتك
اميرة : هذا صحيح ، لكنك توقفت لخمس سنوات بعد الحادثة التي أنهت حياة عائلتك .. وظنّ الجميع ان الإصابة القويّة في رأسك ، أفقدتك موهبتك.. لكن يبدو انك عدت الى بلدة امك ، لسرقة مواهبنا العربيّة !
ميغيل : اذا كنتِ تريدين المال ، فيمكنني اعطائكِ نسبة من الأرباح
اميرة بضيق : وماذا عن اسمي ؟
- ومن تكونين ايتها الكاتبة المُبتدئة ؟!!
- اذاً سأبلّغ عنك
فتدارك الأستاذ الموقف ، فهو لا يريد الفضيحة :
- حسناً ، لنهدأ قليلاً
وقدّم لها العصير ، وهو يقترح عملهما سويّاً..
***
لتستيقظ مساءً في قبوّ فلته التي يسكنها وحده ، وهي مقيّدة بالحبال !
اميرة بفزع : ماذا فعلت ؟! .. هل خدّرتني بالعصير ؟!
استاذها : وهل ظننتِ انني سأسمح لك بفضحي آخر عمري ؟!
- يبدو ان جميع قصصك بعد الحادثة ، مسروقة من طلاّبك المميّزين من عدة معاهد عربيّة !
فتنهّد بضيق : حاولت كثيراً الكتابة بعد إصابتي البالغة ، لكني افتقدّت للأفكار المناسبة ! وحين قدمت الى هنا .. أغاظني براعة الكتّاب المُبتدئين التي تفوّق موهبتي .. خاصة انت !! فقصصك تُشبه قصصي ايام شبابي ! وقد أعجبتني قصتك الأخيرة ، لدرجة جعلتني أترجمها وأبيعها في المكتبات الأوروبيّة.. فالنّقاد والقرّاء ينتظرونني منذ خمس سنوات !
اميرة بعصبية : وهل ظننت بترجمتك قصتي للغةٍ اجنبيّة ، إنني لن اعلم بسرقتك تعبي ومجهودي ؟!!
وهو يحاول كتم غضبه : مازلت اطيل بالي على تجاوزاتك اللفظيّة بحقّ استاذك
اميرة : أيّ استاذ !! انت تسرق مواهب غيرك
ميغيل بلؤم : أتدرين عزيزتي .. لولا موهبتك الفريدة ، لتخلّصت منك اليوم .. لكني للأسف بحاجة اليك .. لهذا ستبقين هنا ، لكتابة القصص لي .. وهذه المرة سأنشرها بالإسبانيّة والعربيّة ايضاً.. طالما انك خرّيجة آداب ، فلن اخشى الأخطاء الإملائيّة والإعرابيّة ، وبذلك اضاعف ارباحي وشهرتي .. فمعجبيني متعطّشون لرواياتي الجديدة
اميرة بحزم : مُحال ان اساعدك !! فكّ وثاقي ، قبل إتصال اهلي بالشرطة
الأستاذ : آه ! نسيت أن اخبرك .. بعد تقيّدك هنا ، عدّت الى مكتبي .. فقدم والدك للسؤال عنك ، بعد تأخّرك بالعودة لمنزله.. فأخبرته انني رأيتك تذهبين مع زميلك الذي تعشقينه ، بدرّاجته الناريّة
اميرة بصدمة : ماذا ! أتشوّه سمعتي ايضاً.. اللعنة عليك !! انا من عائلةٍ محافظة
- أدركت ذلك بعد غضب والدك الشديد ، وهو يدعو عليك بالموت !
- يا لعين !! فكّ وثاقي حالاً
ميغيل : لن افعل ، فأنت كنز بالنسبة لي.. وطالما والدك هدّد بقتلك إن رآك ثانيةً ، فلا مكان تذهبين اليه.. لهذا وضعت لكِ آلةً كاتبة بزاويّة القبوّ ، لتدوين افكارك اولاً بأول بعد أخذي جوالك
- آلةٌ كاتبة يا متخلّف !
- بالتأكيد لن اضع حاسوباً ، لتتواصلين فيه مع زملائك وتفضحينني.. الآن سأتركك تنامين بعد تأخر الوقت ، وغداً تبدأين قصتي الجديدة
اميرة : وإن لم افعل ؟
- طعامك ليس مجانيّ ، يا عزيزتي .. وكما تلاحظين الحبل المُقيّدة فيه طويل ، سيسمح لك بدخول حمام القبوّ .. ليلةٌ سعيدة
وأقفل باب القبوّ ..وعاد لغرفته ، وهو يفكّر بالأرباح التي سيحصل عليها من بيع قصصها المتميّزة
***
بعد يومين ، أعطته قصتها الجديدة ..
فقرأها في مكتب فيّلته .. قبل عودته اليها ، ورميّ الأوراق في وجهها غاضباً :
- هل تظننيني غبيّاً ؟!! ماهذه القصة التافهة ؟!
اميرة : هذا الموجود عندي
فقال مهدّداً : إسمعيني جيداً !! انا اعرف عنوان منزلك ، وعنوان متجر والدك.
ثم اخرج مسدساً من جيبه :
- أتريدين ان يموت والدك بسببك ؟
اميرة بصدمة : هل انت رئيس عصابة ؟! .. ظننتك كاتباً محترماً
- الفقر بعد الغنى مؤلماً للغاية ..وبعد خسارة عائلتي ، سأفعل المستحيل للبقاء مشهوراً.. هيا ألّفي قصة تناسب مقامي الرفيع
***
وبعد ثلاثة ايام .. رمى ايضاً قصتها امامها ، بعصبية :
- هل تكتبين عن اختطافك ، ضمن احداث قصةٍ بوليسيّة ؟!! أتريدين التلميح لزملائك بما يحصل هنا ؟ انت تستخفّين بذكائي.. هيا أعيدي الكتابة .. وهذه المرة اختاري قصةً رومنسيّة ، وإلاّ سأنفّذ تهديدي بشأن عائلتك !!
***
وبنهاية الإسبوع .. نزل القبوّ سعيداً ، بعد قراءته قصتها الجديدة :
- احسنت !! هذه هي نوعيّة القصص التي تعجبني .. وطالما كتبتها بلغةٍ مُتمكّنة.. سأطرحها بالمكتبات العربيّة اولاً ، قبل ترجمتها للإسبانيّة
***
وظلّت أميرة تكتب له ، لمدة عام !
وبعد قرابة ٥٠ قصة ، إستطاعت الهرب اخيراً من القبوّ ! بعد عودته سكراناً في إحدى الليالي ، ونسيانه قفل الباب .. وذلك بعد تمكّنها من قطع الحبال السميكة بصعوبة ..
ولعلمها بعصبية والدها ، لم تعد الى منزلها .. بل الى بيت خالتها التي اخبرتها بكل شيء.. والتي صدّقتها ، لآثار الحبال الواضحة على يديها وقدميها !
الخالة بقلق : وماذا ستفعلين الآن ؟
اميرة بقهر : سأنتقم منه
^^^
وكانت اميرة تركت على طاولة القبوّ ، روايةً رائعة لم تُنهي فصلها الأخير
مما اغاظ استاذها الذي بحث عنها في كل مكان ، حتى انه زار والدها لسؤال عنها.. ليجيبه الأب مقهوراً :
- لم نرى المغضوبة منذ عام .. اكيد أنجبت ولداً غير شرعيّ من ذلك السافل ..لعنة الله عليها !!
فعرف الأستاذ انها لم تعدّ الى بيتها !
ولأن الرواية أعجبته كثيراً .. عصر مخّه لليالي طويلة ، حتى استطاع انهائها .. ثم باعها في المكتبات..
***
وفي حفل توقيع الرواية ، سأله الناقد :
- بداية القصة رائعة وقويّة لغوياً .. لكن نهايتها لا بأس فيها ، ولغتها ركيكة وفيها اخطاء اعرابيّة ، وكأن شخصاً آخر كتب لك النهاية
ليظهر صوت من آخر الصالة :
- بل قلّ شخصاً آخر كتب معظم الرواية !!
فتوجهّت الأنظار نحو اميرة التي اكملت كلامها :
- جميع القصص التي نشرها السيد ميغيل قبل عام ، وحتى منتصف هذه الرواية .. هي من تأليفي !!
ثم أخبرت الموجودين بما حصل لها ..
ميغيل غاضباً : كاذبة !! هي كاتبةٌ مبتدئة من تلاميذي ، وتريد الشهرة على ظهري
اميرة : أحقاً ؟ أتظنني سآتي الى هنا ، دون التحضير لعقابك العادل .. هيا يا اصدقاء ، إدعموا كلامي
فاقترب منها ثلاثة شباب ، ومعهم نسخاً من قصصه الإسبانيّة
- هذه القصة لي !!
الشاب الثاني : وهذه لي !!
اميرة : هو سرق اجمل قصص تلاميذه من عدّة معاهد عربيّة ، وترجمها للإسبانيّة.. إستطعت معرفة ذلك ، بعد نشري قصصه المترجمة على مواقع الكتّاب المبتدئين العرب .. خاصة القصص التي نشرها بعد حادثة عائلته ، التي أفقدته موهبته.. واستطعت التواصل مع هؤلاء الشباب ، الذين كانوا ضحايا مثلي !
ميغيل بلؤم : لا دليل بأنها قصصكم
الشاب الأول : معي جميع مسودّات قصتي
الشاب الثاني : وهذا الكشكول المكتوب بخطّ يدي ، هو مسودة القصة التي سرقتها
ميغيل بإصرار : هي أدلّةٌ ضعيفة جداً
فوضع الشاب الثالث على الشاشة الكبيرة في الحفل ، صفحة مدوّنته:
- في هذه المدونة .. تجدون قصتي التي سرقتها استاذي ، بعد شهرين من نشري لها ! كما هو واضح من تاريخ قصتي ، وتاريخ نشر كتابه ..(ثم نظر لميغيل بحنق).. وإن لم تعطنا حقنا الماليّ من بيعك قصصنا ، سنرفع القضيّة للمحكمة !!
الأستاذ بلا مبالاة : إفعلوا ما تشاؤون .. فأنا كاتبٌ مشهور ، وانتم حثالة مٌتطفّلين
***
وبالفعل صدّق القاضي أدلّة الكتّاب المبتدئين ، وأمر ميغيل بدفع التعويضات الماليّة لهم او السجن.. فاضّطر ميغيل لدفع جزءاً من ارباحهم .. ثم الهرب الى خارج البلد قبل دفعه بقيّة مستحقاتهم ، وقبل محاكمته بتهمة الخطف بعد ان وجدت الشرطة بصمات اميرة في قبوّ فلّته التي وصفته جيداً !
***
لاحقاً ، إعتذر والد اميرة عن شكّه بإبنته الموهوبة التي أصبحت مشهورة اعلاميّاً بعد فضحها الكاتب اللصّ الذي انتقل للهند بعد تعلّم لغتهم .. وبدأ بتدريس كتّابهم المبتدئين على امل سرقتها لاحقاً ، وترجمتها للغاتٍ اجنبيّة بإسمٍ مستعار (بعد تشكّيك الناقدون بموهبته من الأساس) مُتوجّهاً هذه المرة للسينما العالميّة ، بعد سرقته لأهم المواهب الشابة من البلدان الناميّة الفقيرة!





