الجمعة، 8 ديسمبر 2023

الشهرة المُتطفّلة

تأليف : امل شانوحة 

 

السرقة الأدبيّة


في تلك الليلة .. تلقّت اميرة اتصالاً من قريبتها التي تسكن اوروبا :

- لك مدة تتفاخرين بأن ميغيل (الكاتب الإسباني الشهير من اصول عربيّة) أعجبته قصّتك

اميرة بفخر : نعم ، هو استاذي في معهد الآداب

- هي اساساً له .. سأرسل لك نسخة عن قصّته الإسبانيّة ..ويمكنك ترجمة سطورها من جوجل ، وستجدين انها نفس احداث قصتك .. (وبنبرةٍ ساخرة) ..يعني كل الذي فعلته ، انكِ غيّرتي العنوان 


وكانت صدمة اميرة كبيرة بعد تأكّدها بسرقة استاذها قصتها ، بعد ترجمتها بلغته !

***


وفي اليوم التالي.. دخلت مكتبه في المعهد ، ووضعت نسخته الإسبانيّة امامه :

- لما نسبت قصتي اليك ؟! 

فسكت ميغيل بامتعاض لاكتشاف امره ! .. فتابعت كلامها بغيظ :

- كنت فخورة ان قصتي اعجبتك ، لكني لم اتصوّر ان تسرقها !

فضرب بيده بقوّة على مكتبه ، غاضباً :

- لن اسمح لك بإهانتي !! انا بدأت الكتابة قبل ولادتك 

اميرة : هذا صحيح ، لكنك توقفت لخمس سنوات بعد الحادثة التي أنهت حياة عائلتك .. وظنّ الجميع ان الإصابة القويّة في رأسك ، أفقدتك موهبتك.. لكن يبدو انك عدت الى بلدة امك ، لسرقة مواهبنا العربيّة !

ميغيل : اذا كنتِ تريدين المال ، فيمكنني اعطائكِ نسبة من الأرباح

اميرة بضيق : وماذا عن اسمي ؟

- ومن تكونين ايتها الكاتبة المُبتدئة ؟!!

- اذاً سأبلّغ عنك 


فتدارك الأستاذ الموقف ، فهو لا يريد الفضيحة : 

- حسناً ، لنهدأ قليلاً

وقدّم لها العصير ، وهو يقترح عملهما سويّاً..

***


لتستيقظ مساءً في قبوّ فلته التي يسكنها وحده ، وهي مقيّدة بالحبال !

اميرة بفزع : ماذا فعلت ؟! .. هل خدّرتني بالعصير ؟!

استاذها : وهل ظننتِ انني سأسمح لك بفضحي آخر عمري ؟!

- يبدو ان جميع قصصك بعد الحادثة ، مسروقة من طلاّبك المميّزين من عدة معاهد عربيّة ! 


فتنهّد بضيق : حاولت كثيراً الكتابة بعد إصابتي البالغة ، لكني افتقدّت للأفكار المناسبة ! وحين قدمت الى هنا .. أغاظني براعة الكتّاب المُبتدئين التي تفوّق موهبتي .. خاصة انت !! فقصصك تُشبه قصصي ايام شبابي ! وقد أعجبتني قصتك الأخيرة ، لدرجة جعلتني أترجمها وأبيعها في المكتبات الأوروبيّة.. فالنّقاد والقرّاء ينتظرونني منذ خمس سنوات ! 

اميرة بعصبية : وهل ظننت بترجمتك قصتي للغةٍ اجنبيّة ، إنني لن اعلم بسرقتك تعبي ومجهودي ؟!!


وهو يحاول كتم غضبه : مازلت اطيل بالي على تجاوزاتك اللفظيّة بحقّ استاذك

اميرة : أيّ استاذ !! انت تسرق مواهب غيرك 

ميغيل بلؤم : أتدرين عزيزتي .. لولا موهبتك الفريدة ، لتخلّصت منك اليوم .. لكني للأسف بحاجة اليك .. لهذا ستبقين هنا ، لكتابة القصص لي .. وهذه المرة سأنشرها بالإسبانيّة والعربيّة ايضاً.. طالما انك خرّيجة آداب ، فلن اخشى الأخطاء الإملائيّة والإعرابيّة ، وبذلك اضاعف ارباحي وشهرتي .. فمعجبيني متعطّشون لرواياتي الجديدة


اميرة بحزم : مُحال ان اساعدك !! فكّ وثاقي ، قبل إتصال اهلي بالشرطة

الأستاذ : آه ! نسيت أن اخبرك .. بعد تقيّدك هنا ، عدّت الى مكتبي .. فقدم والدك للسؤال عنك ، بعد تأخّرك بالعودة لمنزله.. فأخبرته انني رأيتك تذهبين مع زميلك الذي تعشقينه ، بدرّاجته الناريّة

اميرة بصدمة : ماذا ! أتشوّه سمعتي ايضاً.. اللعنة عليك !! انا من عائلةٍ محافظة

- أدركت ذلك بعد غضب والدك الشديد ، وهو يدعو عليك بالموت !

- يا لعين !! فكّ وثاقي حالاً

ميغيل : لن افعل ، فأنت كنز بالنسبة لي.. وطالما والدك هدّد بقتلك إن رآك ثانيةً ، فلا مكان تذهبين اليه.. لهذا وضعت لكِ آلةً كاتبة بزاويّة القبوّ ، لتدوين افكارك اولاً بأول بعد أخذي جوالك 

- آلةٌ كاتبة يا متخلّف !

- بالتأكيد لن اضع حاسوباً ، لتتواصلين فيه مع زملائك وتفضحينني.. الآن سأتركك تنامين بعد تأخر الوقت ، وغداً تبدأين قصتي الجديدة

اميرة : وإن لم افعل ؟

- طعامك ليس مجانيّ ، يا عزيزتي .. وكما تلاحظين الحبل المُقيّدة فيه طويل ، سيسمح لك بدخول حمام القبوّ .. ليلةٌ سعيدة


وأقفل باب القبوّ ..وعاد لغرفته ، وهو يفكّر بالأرباح التي سيحصل عليها من بيع قصصها المتميّزة

***


بعد يومين ، أعطته قصتها الجديدة .. 

فقرأها في مكتب فيّلته .. قبل عودته اليها ، ورميّ الأوراق في وجهها غاضباً :

- هل تظننيني غبيّاً ؟!! ماهذه القصة التافهة ؟!

اميرة : هذا الموجود عندي

فقال مهدّداً : إسمعيني جيداً !! انا اعرف عنوان منزلك ، وعنوان متجر والدك.

ثم اخرج مسدساً من جيبه :

- أتريدين ان يموت والدك بسببك ؟

اميرة بصدمة : هل انت رئيس عصابة ؟! .. ظننتك كاتباً محترماً

- الفقر بعد الغنى مؤلماً للغاية ..وبعد خسارة عائلتي ، سأفعل المستحيل للبقاء مشهوراً.. هيا ألّفي قصة تناسب مقامي الرفيع

***


وبعد ثلاثة ايام .. رمى ايضاً قصتها امامها ، بعصبية :

- هل تكتبين عن اختطافك ، ضمن احداث قصةٍ بوليسيّة ؟!! أتريدين التلميح لزملائك بما يحصل هنا ؟ انت تستخفّين بذكائي.. هيا أعيدي الكتابة .. وهذه المرة اختاري قصةً رومنسيّة ، وإلاّ سأنفّذ تهديدي بشأن عائلتك !!

***


وبنهاية الإسبوع .. نزل القبوّ سعيداً ، بعد قراءته قصتها الجديدة :

- احسنت !! هذه هي نوعيّة القصص التي تعجبني .. وطالما كتبتها بلغةٍ مُتمكّنة.. سأطرحها بالمكتبات العربيّة اولاً ، قبل ترجمتها للإسبانيّة

***


وظلّت أميرة تكتب له ، لمدة عام ! 

وبعد قرابة ٥٠ قصة ، إستطاعت الهرب اخيراً من القبوّ ! بعد عودته سكراناً في إحدى الليالي ، ونسيانه قفل الباب .. وذلك بعد تمكّنها من قطع الحبال السميكة بصعوبة .. 


ولعلمها بعصبية والدها ، لم تعد الى منزلها .. بل الى بيت خالتها التي اخبرتها بكل شيء.. والتي صدّقتها ، لآثار الحبال الواضحة على يديها وقدميها !

الخالة بقلق : وماذا ستفعلين الآن ؟

اميرة بقهر : سأنتقم منه

^^^


وكانت اميرة تركت على طاولة القبوّ ، روايةً رائعة لم تُنهي فصلها الأخير 

مما اغاظ استاذها الذي بحث عنها في كل مكان ، حتى انه زار والدها لسؤال عنها.. ليجيبه الأب مقهوراً :

- لم نرى المغضوبة منذ عام .. اكيد أنجبت ولداً غير شرعيّ من ذلك السافل ..لعنة الله عليها !!

فعرف الأستاذ انها لم تعدّ الى بيتها !


ولأن الرواية أعجبته كثيراً .. عصر مخّه لليالي طويلة ، حتى استطاع انهائها .. ثم باعها في المكتبات..

***


وفي حفل توقيع الرواية ، سأله الناقد :

- بداية القصة رائعة وقويّة لغوياً .. لكن نهايتها لا بأس فيها ، ولغتها ركيكة وفيها اخطاء اعرابيّة ، وكأن شخصاً آخر كتب لك النهاية 

ليظهر صوت من آخر الصالة : 

- بل قلّ شخصاً آخر كتب معظم الرواية !! 


فتوجهّت الأنظار نحو اميرة التي اكملت كلامها :

- جميع القصص التي نشرها السيد ميغيل قبل عام ، وحتى منتصف هذه الرواية .. هي من تأليفي !!

ثم أخبرت الموجودين بما حصل لها ..


ميغيل غاضباً : كاذبة !! هي كاتبةٌ مبتدئة من تلاميذي ، وتريد الشهرة على ظهري

اميرة : أحقاً ؟ أتظنني سآتي الى هنا ، دون التحضير لعقابك العادل .. هيا يا اصدقاء ، إدعموا كلامي


فاقترب منها ثلاثة شباب ، ومعهم نسخاً من قصصه الإسبانيّة

- هذه القصة لي !!

الشاب الثاني : وهذه لي !!

اميرة : هو سرق اجمل قصص تلاميذه من عدّة معاهد عربيّة ، وترجمها للإسبانيّة.. إستطعت معرفة ذلك ، بعد نشري قصصه المترجمة على مواقع الكتّاب المبتدئين العرب .. خاصة القصص التي نشرها بعد حادثة عائلته ، التي أفقدته موهبته.. واستطعت التواصل مع هؤلاء الشباب ، الذين كانوا ضحايا مثلي !

ميغيل بلؤم : لا دليل بأنها قصصكم

الشاب الأول : معي جميع مسودّات قصتي

الشاب الثاني : وهذا الكشكول المكتوب بخطّ يدي ، هو مسودة القصة التي سرقتها

ميغيل بإصرار : هي أدلّةٌ ضعيفة جداً 


فوضع الشاب الثالث على الشاشة الكبيرة في الحفل ، صفحة مدوّنته:

- في هذه المدونة .. تجدون قصتي التي سرقتها استاذي ، بعد شهرين من نشري لها ! كما هو واضح من تاريخ قصتي ، وتاريخ نشر كتابه ..(ثم نظر لميغيل بحنق).. وإن لم تعطنا حقنا الماليّ من بيعك قصصنا ، سنرفع القضيّة للمحكمة !!

الأستاذ بلا مبالاة : إفعلوا ما تشاؤون .. فأنا كاتبٌ مشهور ، وانتم حثالة مٌتطفّلين

***


وبالفعل صدّق القاضي أدلّة الكتّاب المبتدئين ، وأمر ميغيل بدفع التعويضات الماليّة لهم او السجن.. فاضّطر ميغيل لدفع جزءاً من ارباحهم .. ثم الهرب الى خارج البلد قبل دفعه بقيّة مستحقاتهم ، وقبل محاكمته بتهمة الخطف بعد ان وجدت الشرطة بصمات اميرة في قبوّ فلّته التي وصفته جيداً ! 

***


لاحقاً ، إعتذر والد اميرة عن شكّه بإبنته الموهوبة التي أصبحت مشهورة اعلاميّاً بعد فضحها الكاتب اللصّ الذي انتقل للهند بعد تعلّم لغتهم .. وبدأ بتدريس كتّابهم المبتدئين على امل سرقتها لاحقاً ، وترجمتها للغاتٍ اجنبيّة بإسمٍ مستعار (بعد تشكّيك الناقدون بموهبته من الأساس) مُتوجّهاً هذه المرة للسينما العالميّة ، بعد سرقته لأهم المواهب الشابة من البلدان الناميّة الفقيرة!


الأربعاء، 6 ديسمبر 2023

الرحلة المتهوّرة

كتابة : امل شانوحة

عاصفة الصحراء


إتصل سعود بأصدقائه عصراً بعد عودته من العمل ، قائلاً بحماس :

- طالما غداً عطلة نهاية الإسبوع ، فسأذهب معكم الى الرحلة!! 

- لكن المسافة كبيرة بين قريّتك ومدينتنا !

سعود : سأنام ساعتين ، وانطلق بعد الغروب .. وبذلك أصل الى إستراحة الشباب آخر الليل .. ثم انام قليلاً ، للإنطلاق صباحاً الى نزهتنا .. فلي سنوات لم ألتقي بكم

- لكن انتبه ، فالجوّ يُنذر بعاصفة.. فإن امطرت بغزارة ، لا تسافر ليلاً...وستذهب معنا في رحلتنا القادمة

سعود : سأرى الوضع لاحقاً 

***


إستيقظ سعود في منتصف الليل .. وبدل إلغاء سفرته البريّة ، إنطلق بسيارته باتجاه الطريق السريع الذي خلا من السيارات بسبب العاصفة الرعديّة التي زادت قوّتها بعد قطعه نصف المسافة نحوّ المدينة !

فتمّتم سعود نادماً : غبي !! ماذا فعلت ؟! كان عليّ إلغاء الموضوع


لكن بسبب عناده ، زاد سرعته .. غير مكترثٍ بالأمطار الغزيرة ! 

كما فضّل عدم الإجابة على إتصالات اصدقائه ، رغبةً في مفآجأتهم بقدومه رغم الظروف الجويّة الصعبة


ولوحشة الطريق الذي زاد ظلمةً بعد احتراق عدّة مصابيح للشارع العام ، بسبب الصواعق المتتاليّة .. رفع صوت الأغاني ، خوفاً من نومه لطول المسافة


وفجأة ! ضربت صاعقةٌ قويّة ، على بعد امتارٍ من سيارته ! 

ولشدّة رعبه ، انحرفت سيارته يميناً ويساراً.. وبالكاد استطاع موازنتها فوق الشارع المُبتلّ بالمطر


لم يرعبه الحادث الوشيك بقدر تغيّر قناة مذياع سيارته ، الى صوتٍ مبحوحّ يُخبر قصصاً عن جنّ البرّ والصحراء ! 

ولم يستطع سعود تغيّر القناة ! وكلما حاول اطفاء المذياع ، زاد الصوت ارتفاعاً !


وظلّ المذيع العجوز يُخبر قصص الجنّ الواحدة تلوّ الأخرى ، بزيادة الرعب تصاعديّاً ! 

الى أن وصل للقصّة الأخيرة التي أرعبت كيان سعود ، بعد أن ابتدأها المذيع بقوله :

((آخر قصصنا عن شابٍ متهوّر ، أصرّ على رؤية اصحابه رغم العاصفة الرعديّة..))


وقبل إكماله القصة ، أُغلقت اقفال ابواب سيارته الأربعة ! وتوقفت المسّاحات عن الحركة ! لتصبح الرؤية معدومة ، بعد انطفاء انوار السيارة الأماميّة والخلفيّة..  لينصدم سعود بأن مقوّد سيارته يتحرّك لوحده !

فحاول الإتصال بالشرطة ، لكن جوّاله لم يلتقط أيّةِ إشارة على طول الطريق..


وقبل استيعابه ما حصل ! سمع المذيع يقول :

((انت ضيفنا الليلة))

وانحرفت سيارته باتجاه الصحراء المظلمة !

***


في الصباح التالي ..وبعد عدّة اتصالات من اصدقائه ، دون إجابة ! وبعد تأكيد جار سعود على رؤيته يقود سيارته متأخّراً ! 

إتصلوا بالشرطة التي بدأت البحث عن الشاب المفقود على طول الطريق العام مع جوانبه الرمليّة !  


ليجدوا سيارته متوقفة في منتصف الصحراء ، امام بئرٍ مهجور ! وجميع ابواب سيارته الأربعة مفتوحة ، بالإضافة للصندوق والغطاء الأماميّ .. 

وفي المقعد الأمامي : وجدوا ثوب سعود وحذائه وغترته ومفاتيحه وجوّاله ، ومحفظته التي فيها هويّته وماله ، دون أثرٍ له !


الشيء الوحيد الذي كان يصدح في الصحراء ، هو صوت الموسيقى العالية القادمة من سيارته الفارغة ، بأغنيّة : ((من حاول فكّ ضفائرها ، يا ولدي .. مفقودٌ مفقودٌ مفقود !!!


الأحد، 3 ديسمبر 2023

عشّ تجربتي

فكرة وكتابة : ابن العراق
تنسيق : امل شانوحة

الحياة الصعبة


إلتفت المراهق وليد لإتجاهيّ الشارع ، قائلاً بقلق :

- كيف سأعود الآن ، بعد أن فاتتني الحافلة ؟! المسافة طويلةٌ جداً الى منزلي ، ولديّ واجبات كثيرة 


بهذه اللحظة ! سمع منى (زميلته بالصفّ) تتأفّف بضيق ، وهي تقف امام باب مدرستهما :

- اكيد الأحمق نسيّ كعادته موعد خروجي .. كم اكره حياتي 

فاقترب منها :

- هل بيتك بعيدٌ ايضاً ؟

- لا ، هو بالشارع الخلفيّ .. لكن والدي يمنعني العودة لوحدي !

- هو يخاف عليك

منى بغيظ : بل يخاف كلام الناس وظنونهم السيئة .. ليتني ولدتُ ولداً ، لأكون اكثر حرّية

- من قال ان جميع الأولاد سعداء

- تقول ذلك لأنك لم تعشّ كفتاةٍ ، ببيئةٍ مُتخلّفةٍ مثلي 


وهنا اقتربت منهما البائعة العجوزة ، التي تفتح كشكاً مُتحرّكاً امام مدرستهما :

- سمعت حديثكما بالصدفة ، وأردّت التخفيف عنكما 

وأعطتهما حلوى مجانيّة ..

منى بتردّد : هذه الحلوى غير معروفة !

العجوز : انا اعطيها فقط للأشخاص المميّزين .. تناولانها الآن


وما ان وضعاها في فمهما ، حتى ذابت على الفور ! 

العجوز : هذه ستُنهي خلافكما ، بعد تبادل ادوراكما .. عطلةٌ سعيدة 

وعادت الى كشكها ، دون ان يفهما قصدها ! 


وأكمل وليد سيره الطويل نحو بيته .. بعد قدوم اخو منى المجبور على تنفيذ أوامر والده المتزمّت ، بإخذها وإعادتها الى منزلهما القريب من مدرستها الثانويّة !  


وفي المساء ، نام وليد ومنى في منازلهما بعد نسيانهما كلام البائعة العجوز الغريب! 

***


وفي صباح العطلة الإسبوعيّة .. إستيقظ وليد باكراً على يدٍ غليظة تسحبه بقوّة من فراشه ، وترميه على الأرض بلا رحمة ! 

ليرى رجلاً خمسينيّاً ، يصرخ في وجهه :

- الأنه يوم عطلتكِ تنامين على راحتك .. هيا قومي وحضّري لنا الفطور !!

فالتفتّ وليد حوله ، ليجد غرفةً ضيّقة لا تشبه غرفته ! 


وقبل استيعابه ما حصل ! سمع امرأة من خارج الغرفة تنادي بعصبية : 

- كم مرّة أمرتك يا غبيّة بتنظيف المطبخ قبل نومكِ ؟!! 

وأكمل الرجل كلامه الحادّ معه : 

- هيا قومي وساعدي امك .. لما تنظرين إليّ كالحمقاء ؟! هيا استعجلي !! اريد فطوري قبل فتح متجري..

ثم علا صراخ المرأة من جديد : هيا يا منى !! ماذا تنتظرين ؟!


وهنا استوعب وليد بأن الحلوى الغريبة ، بدّلت مكانه بزميلته المسكينة التي يبدو انها تعاني من قسّوة والديها !

^^^


بعد امضاء وليد نهاره بتلبيّة طلبات والديّه التي لا تنتهي ! عاد الى غرفة صديقته الصغيرة ، الموجودة بجانب المطبخ .. بينما يحظى اخوها الوحيد بغرفةٍ كبيرة كوالديّه .. 


وحين حاول الدراسة لامتحانه القادم .. دخل اخوها الى غرفتها ، ورمى الكتاب  الذي كان يدرس فيه على الأرض ، صارخاً في وجهه :

- متى ستفهمين انني لن اسمح بتخرّجك من الثانويّة ؟!! 


ورغم عدم معرفة وليد بخصوصيّات زميلته ، إلاّ انه وجد نفسه يقول بضيق :

- وما ذنبي انك لم تُنهي تعليمك ؟!

الأخ بلؤم : انت تعلمين جيداً ان والدي أجبرني على العمل بمتجره .. وطالما حُرمت من الجامعة ، فيمكنكِ نسيان حلمك السخيف بأن تصبحي طبيبة .. لأنني بسهولة يمكنني إقناع والدي بتزويجك باكراً .. وإن لم تخدميني جيداً ، سأحرص ان يكون زوجك رجلاً كهلاً.. هيا قومي وحضّري لي الشايّ فوراً !!


فتوجّه وليد مُجبراً الى المطبخ ، لتحضير الشايّ للعائلة التي تشاهد التلفاز وهم يضحكون بحماقة ، وكأن زميلته الوحيدة المُثقفة بينهم !


وعاد لغرفته مُنهكاً ، لدرجة انه لم يتمكّن من إكمال دراسته ! واستلقى على السرير الحديديّ الصدىء ، وعلى جانبه دميّةً صوفيّة قديمة (تبدو لعبة منى الوحيدة) !  

وتنهّد وليد بضيق : 

- اعانك الله يا منى ، فحياتك تعيسةً فعلاً !

- هل صدّقتني الآن ؟!!


فالتفت برعب لمرآة الخزانة قرب سريره ! ليجد انعكاسه على شكل منى ، وهي تقول بحزن :  

- هل فهمت لما تمنّيت ان اكون ولداً ؟ لأن حياتكم اكثر حرّية من السجن الذي تعيش فيه اغلب النساء مع اهاليهنّ بعقليّتهم المُتخلّفة


وقبل ان يجيبها ، شعر بدوّارٍ شديد ! جعله يغفو دون حِراك 

***


في هذا الوقت .. عاشت منى نفس التجربة ، بعد تجسّدها جسم وليد ! والتي لم تلاحظ ذلك سريعاً .. بعد إستيقاظها فزعة ، خوفاً من تأخّرها على تحضير الطعام لأهلها ..قائلةً بصوتٍ عالي ، بعينيّها الناعستيّن : 

- انا قادمة !! سأعدّ الفطور حالاً !! 


وما ان نهضت من السرير ، حتى انتبهت انها في غرفةٍ كبيرة ! ويوجد حاسوب على الطاولة المليئة بالكتب المدرسيّة ! 

- اين انا ؟! 


وخرجت مُرتعبة من الغرفة .. لتجد المنزل فارغاً ! فلا احد في المطبخ او الصالة او الغرفة العلويّة ! 

منى بخوف : اين انا ؟ هل انا مخطوفة ؟!


وقبل هروبها من المنزل الكئيب ، رأت صورة زميلها وليد على الجدار .. 

- هل خطفني اللعين الى بيته ؟!


وقبل خروجها من الباب الرئيسيّ .. نظرت بالمرآة الموضوعة قرب الباب ، لتجد شكلها تغيّر الى شكل وليد !

فقالت بصدمة : هل فعلاً تحوّلت الى ولد ؟! 


وتذكّرت طعم الحلوى الغريب ، والكلام الغير مفهوم لبائعة الكشك !

فابتسمت بارتياح : يالها من فرصةٍ رائعة ! لقد تحقّق حلمي أخيراً !!


وفتحت الباب الخارجيّ ، لتجد درّاجة وليد التي يستخدمها ايام العطل (خوفاً من سخريّة الطلّاب إن قادها للمدرسة)


فسارعت بركوبها ، فهي لطالما تمنّت تجربتها .. وبعد سقوطها عدّة مرات ، استطاعت قيادتها اخيراً ..

وانتقلت بها من شارعٍ لآخر بحرّيةٍ كبيرة ، وهي تدنّدن بسعادةٍ لم تشعرها من قبل .. حتى انها توقفت للعب الكرة مع اولاد الحيّ..


وظلّت تلعب بكل طاقتها ، حتى اوشكت الشمس على المغيب..

منى بقلق : تأخّرت كثيراً ، عليّ العودة للدّراسة لإمتحاني .. (وركبت الدرّاجة).. ليس من حقي إرعاب اهل وليد عليه .. اتمنى ان لا يكون غضبهم ، كجنون أهلي المُعتاد ! 

^^^


وعادت سريعاً لمنزله .. ودخلت وهي تنادي :

- امي !! ابي !! هآقد عدّت قبل المساء 

لكن لا أحد اجابها ! وجميع الأنوار مازالت مُطفأة لبيتٍ زاد وحشةً وكآبة !

 

منى باستغراب : اين اهل وليد ؟! لم ارهم منذ الصباح .. حسناً لا يهم ، فوجود الأهل مزعجٌ للغاية .. سأذهب لغرفته للدرّاسة من كتبه ، فربما تنتهي هذه التجربة الرائعة غداً


واثناء دراستها ، شعرت بالجوع.. فذهبت للمطبخ ، وفتحت الثلاّجة التي وجدتها شبه فارغة ، إلاّ من بعض المعلّبات..

منى : الم تترك امه طعاماً له ؟!


وتناولت السردين ، ثم عادت لغرفته .. وبعد انهاء دراستها ، شاهدت بعض الفيديوهات من حاسوبه .. لكن سرعان ما أحسّت بالمللّ .. 

كما زاد خوفها بعد تأخّر الوقت ، وبقائها وحدها في المنزل المظلم !

منى : ترى اين اهله ؟! صحيح هو زميلي بالصفّ ، لكن لا اعرف شيئاً عنه


وبدأت البحث في اغراضه .. الى ان وجدت دفتر مذكّراته ، وفيه صورة له وهو صغير مع والديّه..

وعندما قرأت ما كتبه .. انصدمت بموتهما العام الماضي بحادث سيّر ! وأن عمّه يزوره مرّة بالشهر ، لإعطائه مصروفاً بالكاد يكفيه .. وانه سيضّطر قريباً ، للبحث عن عمل ! لأن عمّه لن يتكفّل به ، بعد تخرّجه من الثانويّة .. وبذلك ينتهي حلمه بأن يكون مهندساً ، كما تمنّى والده ! وربما تجبره الظروف على العمل في وظائف وضيعة ، حتى آخر عمره 


منى بحزن : يا مسكين يا وليد ! لم اكن اعلم بحياتك المزريّة

- هل فهمتي الآن ، لما جادلتك امام المدرسة ؟!!


فانتفضت رعباً بعد رؤية انعكاس وليد في المرآة ، وهو يتحدّث بوجهٍ كئيب:

- الحياة صعبة ، اليست كذلك ؟ 

منى : يبدو ان لكل انسانٍ مصيبته !

وليد : اعلم ان عائلتك قاسية ، لكن وجودهم افضل من موتهم .. على الأقل تجدين من تحدّثيه وتأكلين معه ، وأكيد سيهتمون بك عند مرضك .. كما سيحضرون تخرّجك وزواجك ، وعند إنجابك احفادهم .. اما انا ، فشبه ميّت .. لا احد يهتم ان كنت سعيداً ام لا .. وربما اموت وحدي ، دون ان يكتشف احدٌ ذلك ! صحيح استطيع الخروج من منزلي والعودة اليه متى اشاء .. ويمكنني الدراسة او اللعب كما اريد .. لكن الوحدة تُذيبني كشمعةٍ في ليلةٍ باردة .. 


وقبل ان تواسيه ، حصل الشيء ذاته معها .. وشعرت بدوّارٍ شديد ، جعلها تغفو فوق سريره الواسع !

***


في الصباح ، عاد كل شيءٍ كما كان .. ورغم استيقاظ منى على صراخ والديها ، لكنها سارعت بإعداد الفطور دون تأفّفٍ هذه المرة 


اما وليد ، فاستيقظ وهو يتنهّد بضيق بعد عودته لمنزله الكئيب .. ثم لبس زيّ المدرسة مُتثاقلاً ، إستعداد للذهاب بحافلة المدرسة التي ستصل الى منزله بعد قليل

***


بعد نزوله من الحافلة ، وجد منى تنتظره امام باب المدرسة.. ومن نظرة عينيّها ، عرف انها عاشت التجربة الغريبة التي حصلت يوم عطلتهما !

واقترب منها ، وهو يتلفّت يميناً ويساراً..


منى : لا تبحث عنها ، فالبائعة العجوز غير موجودة .. أظنها نقلت كشكها لمدرسةٍ اخرى ! مع اني اردّت شكرها بعد تعليمي قيمة العائلة

وليد : وانا ايضاً تفهّمت حياتك الصعبة كأنثى .. لكن رجاءً لا تتوقفي عن حلمك بأن تصبحي طبيبة ، ولا تهتمي بنقد اخيك الحاقد .. فأنت طالبةٌ متفوّقة ، وستنجحين إن وكّلت امرك لربكِ

منى : مع اني أحسدك على الحرّية التي تحظى بها ! وبحاسوبك وجوّالك ، المُحرّمان عليّ   


وليد : وما فائدة الهاتف دون سماع صوت والديّك ؟ ..وما روعة التنزّه طوال الوقت ، إن لم يكن هناك من يقلق عليك وينتظر رجوعك ؟ ..فمهما كان الأهل سيئين ، فالحياة لا تُطاق من دونهم .. على الأقل سيتذكّرون عيد ميلادك .. ولوّ أهدوك قبلة صغيرة ، فهي اجمل من هدايا الدنيا بما فيها .. فكما ترين ، لكل انسانٍ امتحانه الصعب في هذه الدنيا .. لذا علينا الدعاء دائماً : ((ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به)) على امل ان يكون مستقبلنا اروع مما نعيشه الآن

- سيكون بإذن الله .. فمع الجهد والإصرار ، لا شيء مستحيل

- صدقتي يا منى 

فمدّت يدها نحوه :

- اذاً تصالحنا

فصافحها وليد :

- أكيد !! فبعد تجربتنا الغريبة ، سنصبح صديقيّن مُقربيّن


ودخلا المدرسة ، مُبتسمان .. دون علمهما بأن البائعة العجوز تراقبهما من بعيد ، وهي تقول بفخر :

- الحلوى السحريّة تنجح دائماً  


ثم جرّت كشكها المُتنقل باتجاه مدرسةٍ اخرى ، على امل مساعدة طلاّب آخرين بحلّ مشاكلهم المُعقّدة ! 


الخميس، 30 نوفمبر 2023

مسابقة الطبخ

تأليف : امل شانوحة 

 

الطبّاخة العربيّة


ما ان دخلت اماني الى غرفة اللّجنة (الخاصّة ببرنامج الطبخ الأمريكي الشهير) وهي تدفع عربة الطعام ، حتى تجهّمت وجوه الحكّام الثلاثة ! كوّنها اول عربيّة مُحجّبة تشترك في المسابقة ، بعد إنتهائها من طبخ البامية والأرز على طريقة الشرق الأوسط التي تنتمي اليها


فاقترب اول الحكّام لتذوّق طبقها :

- مذاق البامية غريب ، ولا يشبه الطعام الهندي !

فرفعت حبّة بامية صغيرة غير مقشّرة ، وهي تقول :

- نحن لا نختارها اكبر من هذا الحجم ، وعلينا تقشيرها مثل المبراة والقلم كيّ لا تخرج منها المادة المطاطيّة وتُفسد طعم الطبخة


ثم أرته طريقة تقليمها (تقميع) للبامية الصغيرة بالسكين..

الحكم : هذا سيأخذ وقتاً طويلاً !

اماني : يعني الكيلو الواحد يستغرق بحدود الساعتين .. لكن الطعم النهائي جدير بهذا التعب ، خاصة عندما يُطبخ بمرقة اللحم

- هو فعلاً طبقٌ مميز

ثم نادى الحكمين : 

- تعالا وتذوّقانه !! انه حقاً لذيذ


وقد أُعجب الثلاثة بطعم البامية الفريد من نوعه ، حيث سألها أحدهم:

- هل هذه شعيريّة ؟

اماني : نعم ، نحن بالعادة نقلي الشعيريّة مع الأرز

- ممتاز !

اماني بحماس : أهذا يعني انني إصبحت ضمن المشتركين في برنامجكم العالميّ ؟

ورغم امتعاض الثلاثة من كوّنها عربيّة ، لكنهم وافقوا بعد إعجابهم بطبقها المثاليّ 


وبعد لبسها مئزر البرنامج .. توجّهت لأهلها الذين ينتظرونها بالخارج ، للإحتفال معها .. في الوقت الذي تناول فيه الحكّام الثلاثة ما تبقّى من صحن البامية ، لطعمه الفريد الذي لا يُشبه أيّ شيءٍ تذوّقوه من قبل ! 

***


وبدأت المسابقة مع عشرة طبّاخين قدموا من جميع انحاء اميركا ، لتقديم افضل ما لديهم ..


وكان طلب الحكّام الأول : هو طبخ البطاطا بطريقةٍ جديدة

فاختارت اماني طبقين : البطاطا المسلوقة ، والبطاطا الحرّة بالكزبرة

وقدّمتها على ثلاثة اطباق


فقال لها الحكم : يكفي طبقٌ واحد

اماني بنبرةٍ جادة : لنتفق على شيء منذ البداية .. فأنا سأخوض المسابقة على الطريقة العربيّة ، حيث اعتدنا تقديم الأطباق على حسب عدد الضيوف.. وبما أنكم ثلاثة ، فسأوزّع اطباقي عليكم بالتساوي.. لأن وصفاتي ستكون جديدة بالنسبة لكم ، لذلك ملعقة واحدة لن تكفيكم لاستيعاب طعمها المميّز


ورغم ضيق الحكّام من ثقتها الزائدة وقوّة شخصيتها ، إلاّ انهم تفاجأوا بأن البطاطا المسلوقة ليست مالحة كما تعوّدوا عليها ، بل حامضة كالسلطة ! وأن البطاطا بالكزبرة مميّزة ، رغم بساطتها .. لهذا وجدوا انفسهم ينهون طبقهم ، بعد ان علّمتهم طريقة اكلها بالخبز العربي .. 

وبذلك فازت بالإمتحان الأول للجنة الحكم

***


في المسابقة الثانية : طلبوا منهم طبقاً حلّواً

فقدّم اكثريّتهم وصفات سريعة ومعروفة.. وكل من انهى عمله ، وقف مع زملائه على الشرفة العلويّة للمطبخ الضخم ، لمتابعة بقيّة المتسابقين الذين يسارعون بإنهاء طبقهم قبل انتهاء الوقت المحدّد .. لتبقى اماني آخر متسابقة في المطبخ المشترك ، بينما زملائها يتابعونها من فوق


فنادى الحكم : عليكِ ان تسرعي يا اماني ، فقد بقيت خمس دقائق فقط !! 


فأخرجت صينيّتها من الفرن .. لتبدو شكلها من فوق (حسب ما رآه المشتركون من الشرفة) وكأنها جبنة سائحة ! 

فسخروا منها بصوتٍ خافت ، بعد تأكّدهم من خسارتها


لتفاجأهم بقلبها على صينيّة مستويّة ، وظهور السطح البنيّ الرائع للكنافة التي زيّنتها بالقطر والمكسّرات !


الحكم الثاني : بقيّت دقيقة واحدة على نهاية المدة !! إسرعي بتقطيعها ووضعها بالصحن

فأشارت بأصبعها للحكّام ثلاث ، برفضها تقطيع الصينيّة .. وسط دهشة بقيّة المتسابقين ! الى ان انتهى الوقت .. 


ثم حملت الكنافة بحجمها الكبير ، ووضعتها امام الحكّام وهي تقول :

- اخبرتكم منذ البداية انني سأقوم بذلك على الطريقة العربيّة .. ونحن بالعادة نقطّع الصينيّة امام الضيوف ، لإعلامهم بصنعها خصيصاً لهم وليست بائتة في ثلاّجتنا


ثم قطّعتها امامهم ، ووضعتها كعادتها بثلاثة صحون .. ليندهش الحكّام من طعمها الغريب ! حيث قال احدهم :

- هي حلوة ومالحة معاً !

اماني : هي تشيز كيك بالنسخة العربيّة والتركيّة ايضاً.. وأُعدّت لأول مرّة قبل قرون من نسختكم المعروفة .. فالعرب القدامى عرفوا اهميّة خلط المذاقات المختلفة 


فقال المشترك الحاقد من فوق :

- لا يمكنها الفوز بهذه الجوّلة ، بعد تأخّرها بتقديم طبقها !!

فردّ عليه أحد الحكّام : 

- إنزل وتذوّق طبقها اولاً ، ثم أحكم ان كانت تستحق الفوز ام لا


ثم نادى الحكم الآخر على بقيّة المشتركين : 

- الأفضل ان تأتوا جميعاً لتناول هذا الحلو الفريد من نوعه ، واحضروا اطباقكم معكم !!


فنزل الجميع من الشرفة .. ماعدا الحاقد الذي ظلّ يرمق اماني باستحقار ، وهو مُغتاظ من زملائه المستمتعين بطبقها المميّز ، بنكهة ماء الزهر في القطر

***


في المسابقة الثالثة : طُلب منهم نوعيّة من الطعام يمكن تناوله صباحاً او مساءً ، لوحدك او معك ضيوف ..

فاختارت اماني طبق الفتّة بالصنوبر


فاقترب الحكم الإيطالي من طبقها ، وهو يقول باشمئزاز :

- زملائك أعدّوا شرائح اللحم والدجاج والسمك ..وانت تقدّمين لنا خبزاً مُبلّلاً


وحمل صحنها ، متوجّهاً لسلّة النفايات .. لكنه توقف مصدوماً بعد صرخة اماني ، وسط دهشة الجميع !

- إيّاك ان ترميه !! إن كنت لا تريد تذوّق الفتّة ، فارجع مكانك ودعّ زميليك يتذوقان اطيب طبقٍ في حياتهما.. فهذه هي الأكلة المفضّلة لأهالي الشرق الأوسط ، ولا اسمح بإهانتك لأهم وصفات بلادي !!


فتراجع للخلف مُمتعضاً ! ليتقدّم الحكم الثاني ، ويتذوّق ملعقة منه ..قبل ان ينظر لزميله الإيطالي قائلاً :

- آسف يا صديقي ، لكنها حقاً لذيذة

وكذلك أعجبت الحكم الثالث.. فنادت اماني الحكم الإيطالي ، وهي ترفع ملعقة نظيفة نحوه :

- الآن دورك !! صدّقني هذا الطبق ، سيصبح طعامك المفضّل .. فهي فرصة لك ، لتذوّق اهم الطبخات العربيّة .. فوظيفتك كحكم ، هو تجربة الأطباق الجديدة 


وبتردّد ، تناول ملعقة صغيرة .. قبل ان يقول بضيق :

- لا بأس بها

اماني بابتسامة : وهذا يكفيني.. رجاءً لا ترمي الطعام ثانيةً ، فهي نعمة من الله .. فهناك بشر يموتون حرفيّاً من الجوع حول العالم .. فلا تستهين بها ، كيّ لا يحرمك الله منها بآخر عمرك


واستغرب الجميع من وقوفها في وجه أقوى حكّام البرنامج دون تردّدٍ او خوف ! 

ومن بعدها عادت الى مكانها ، فور إعلان نجاحها في هذه الجوّلة ايضاً

***


في المسابقة التالية : طُلب منهم تذوّق طبقاً مجهولاً ، واكتشاف مكوّناته العشرة

وعندما وصل دورها ، سألت الحكّام :

- قبل تذوّقه ، هل فيه خمر او منتجات خنزير ؟

فأجابها الإيطالي : فيه القليل من الوسكي

اماني : لا يهمّ إن كان قليلاً او كثيراً ، فهو مُحرّماً في ديننا.. لهذا سأحاول تخمين المكوّنات دون تذوّق الطبق


والغريب انها استطاعت تخمين ٩ من ١٠ ، أيّ اكثر من بقيّة المتسابقين !

ثم قال الحكم : بقيّت دقيقتين لاكتشاف آخر مكوّنٍ بالطبق .. لكنكِ بجميع الأحوال ، فزتِ بالمسابقة

اماني : طالما الطبق هو السمك بالليمون ، فلابد ان هذه النقاط الخضراء هي الشبت


فصفّق الحكّام لكونها الوحيدة من المشتركين التي اكتشفت جميع المكوّنات بمجرد النظر للطبق ، دون تذوّقه ! مما اغاظ زميلها الحاقد الذي يتمنّى خسارتها في الجوّلات القادمة

***


في المسابقة التالية : كان عليهم العمل في المطعم التابع لأحد الحكّام ، حيث وُكّلت اماني بشواء اللحم

ولشدّة ذكائها ، كانت تضع عدداً من شرائح اللحم على المشواة ، فور رؤيتها للزبائن وهم يدخلون المطعم (من خلال الزجاج الفاصل الشفّاف بين الصالة والمطبخ) حيث توقعت بأن الرجال سيطلبون شريحة لحمٍ شبه ناضجة ، بينما النساء ستختارها مستويّةً تماماً.. 

وبذلك استطاعت بوقتٍ قصير انهاء جميع الطلبات ! مما اعجب الزبائن لسرعة خدمتها .. 


وبعد انهاء عملها ، سمعت الحكم يلوم المشترك الحاقد لإفساده صوصّ الخضار.. فسارعت لتقديم المساعدة رغم تعبها الشديد.. واستطاعت حلّ المشكلة بوقتٍ قصير.. 


وبدل ان يشكرها زميلها على إنهاء مهمّته المُتعسّرة ، إقترح اسمها للطرد بعد انتهاء المسابقة !

فردّ عليه الحكم :

- لوّ كان الموضوع بيدي ، لطردتك على سوء طباعك ..فهي من انقذتك من شكوى الزبائن !


وكان تصرّفه متوقعاً بالنسبة لأماني التي دائماً تسمع تعليقاته الشائنة عن العرب قبل بدء تصوير الحلقة ، لهذا حاولت تجنّبه قدر الإمكان.. 

وعندما وصل دورها..سألها الحكم عن رأيها بأسوء طبّاخٍ في مسابقة المطعم ، لكنها رفضت الإجابة !


فردّ الحكم :

- عليكِ أن تجيبي ، فهذه قوانين البرنامج

اماني بحزم : أخبرتكم منذ البداية بأنه لا يهمّني الفوز بالمسابقة ، بقدر إظهار سلوكيّات العرب وعاداتهم الحميدة .. ونحن تربّينا منذ الصغر بأن لا نفتن على احد.. لهذا أفضّل عدم الإجابة


ولأوّل مرة بتاريخ البرنامج لم يضغط عليها الحكّام ، بعد إصرارها على موقفها الأخلاقي النبيل ! لهذا اكتفى الحكم بتنبيه المشترك الحاقد بالحرص على عمله بالمهام القادمة

***


في المسابقة التالية : كان عليهم إقتراح وجبةً خفيفة ولذيذة لحفلة الجنود العائدين من الحرب.. فقدّمت اماني للضابط الأمريكي (الذي كان ضيفاً على البرنامج) صحناً مليئاً بورق العنب ، وهي تقول :

- المشكلة بأطباقنا العربيّة أنها تأخذ ساعتين الى ثلاثة لإنهائها : كالفوارغ وكبّة بلبن والمحاشي بشكلٍ عام.. ولضيق وقت البرنامج ، إكتفيت بورق العنب دون الكوسا والباذنجان والفليلفة والبندورة والبصل والسلق التي تُحشى جميعها بالأرز واللحم المفروم في طبقٍ معروف بالعراق بإسم (الدولمة)


فتذوّق الضابط حبتيّ ورق العنب ، قبل ان يقول :

- طعمها غريب ! ولا يُشبه أيّ شيءٍ تناولته من قبل

اماني : كم حاربت في العراق ؟

الضابط : خمس سنوات

اماني : وكل هذا الوقت لم تتذوّق اكلتهم الشهيرة ؟!

- نحن لا نثق بهم

- تريدون حربنا دون تعلّم حضارتنا .. لوّ انكم فقط تذوّقتكم طعامنا اللذيذ ، لما أشهرتم السلاح في وجوهنا


وعادت لمكانها بعد ان لقّتنه درساً صدمه ، وصدم بقيّة الحكّام والمشتركين!

***


في المسابقة التالية : طلبوا منهم اطباقاً يمكن اكلها باردة ، للأشخاص العاملين والموظفين .. مما اسعد اماني ، لوجود العديد من هذه الأطباق في الشرق الأوسط .. لهذا عملت طوال الليل وحدها في المطبخ ، بينما يستريح زملائها في غرفهم بالطابق العلويّ

^^^


وفي الصباح .. قدّم كل واحدٍ منهم طبقاً إعتياديّاً ، بينما اماني صدمت الجميع بالعديد من الأصناف الباردة : مثل الحمّص والبابا غنّوج والتبّولة ، ولوبيا بزيت والهندباء ، ولبّ الكوسا والعدس بالحامض والمغمور (الباذنجان بالصلصة وحبّات الحمّص) ممّا جعلها الفائزة الأولى ، بعد إعجاب الحكّام بجميع اطباقها الباردة اللذيذة !

***


في المسابقة التي بعدها : طلبوا منهم طبخةً مُشبعة ، وغير مُكلّفة ماديّاً.. 

فقدّمت لهم اكلة (المكمورة) الملفوف بالأرز مع سلطة الملفوف ، والتي أعجبت الحكّام لدرجة انهم طلبوا الوصفة منها ! 

خاصة الطبّاخة العجوز (الضيفة) التي من المفترض تناول ملعقتين او ثلاثة (حسب قوانين البرنامج) لكنها نظرت للكاميرا قائلةً :

- لا تهمّني قوانينكم ، فربما لا اتناول هذه الوصفة الرائعة ثانيةً.. لهذا سأنهي صحني كلّه !! 

وتناولته بنهم ، وسط ضحك الحكّام الثلاثة

***


في المسابقة التالية : نقلوا المتسابقين لإحدى القرى الريفيّة الأمريكيّة ، الخاصّة برعاة البقر.. حيث عليهم الطبخ لهم في حفلتهم السنويّة 


فتفنّن المتسابقون بشواء اللحم والسمك والدجاج المقلي .. بينما اختارت اماني وجبة الفاصوليا بالأرز ! 

فسخر منها المشترك الحاقد ، لكونهم تناولوها آلاف المرّات .. فأجابته بثقة:

- لكنهم لم يتذوّقوها بالطريقة العربيّة


وبنهاية المسابقة ، سأل الحكم الرجال الريفيين عن طبقهم المفضّل .. فاختاروا جميعاً طبق الفاصوليا ! 

وحين سأل الحكم الطبّاخة اماني عن سبب اختيارها لهذا الطبق المُعتاد ؟ 

اجابت :

- هم تعوّدوا على تناول الفاصوليا من المعلّبات المليئة بالمواد الحافظة .. لهذا طبخت اكلتهم المفضّلة مع قطع اللحم والكزبرة التي حسّنت من مذاقها النهائيّ 


واثناء حديثها مع الحكم ، إقترب منها ريفيّ عجوز ومعه علبة بلاستيكيّة :

- رجاءً .. هل يمكنكِ السكب لزوجتي ، فهي مريضة ولم تأتي الحفلة

فوضعت كميّةً كافية في علبته ، بابتسامةٍ حنونة..


وبسبب طبقها اللذيذ .. فازت على بقيّة المشتركين ، بإجماع المعازيم الريفيين

***


في المسابقة التالية : طلبوا منهم البيع بكشك امام الشاطىء .. 

فاختارت شاورما الدجاح بالثوميّة ، وشاورما اللحمة بالطرطور.. بينما الأكشاك الأخرى قدّموا النقانق والدجاج المقلي والهمبرجر.


لتفوز بالمركز الأول ، بعد تجمّع المصطافون حول كشكها ..والذين انهوا طعامها بالكامل !

***


بنهاية البرنامج ..وصلت اماني للمرحلة النهائية مع المتسابق الأفريقي .. وكان عليهما اختيار فريقهما من زملائهما الذين فشلوا بالجوّلات السابقة

وسألها الحكم : 

- من تختارين من زملائك السابقين ، ليكون ضمن فريقك الختاميّ ؟

ففاجأته باختيارها لزميلها الحاقد !

الحكم بصدمة : أحقاً تريدينه ؟!

اماني : هو بارع بالحلويات ، واحتاجه ضمن فريقي


واختيارها لأكثر مشترك ضايقها منذ بداية البرنامج ، جعله يتغيّر في معاملته معها ! مُنهيةً بذلك خلافها الطويل مع زميلها المشاكس

^^^


بعد اختيار كلا المرشحيّن لفريقهما المكوّن من اربعة طبّاخين ، كان عليهما كتابة قائمة الطعام للمسابقة النهائيّة..

فجمعت اماني فريقها جانباً :

- إسمعوني جيداً !! سيحضر المسابقة النهائيّة أفضل ستة طبّاخين بأميركا .. لهذا اعتبروا انفسكم تطبخون لهم ، وليس لي.. فربما تثيرون اعجاب احدهم ، للعمل في مطعمه الشهير.. لهذا سأدعكم تختارون لي قائمة الطعام 

- نحن لا نعلم بالطعام العربيّ !

فسألتهم : ماهو الطبق الذي يمكنكم إعداده بعينين مُغمضتين ، لشدّة إتقانكم للوصفة ؟


فاختار كل واحدٍ طبخته المفضّلة ، التي دوّنتها بالمنيو ..

اماني : ممتاز !! اذاً هذه قائمتنا النهائيّة.. شرطي الوحيد : هو عدم استخدامكم الخمور او منتجات الخنزيز

زميلها : لكن التيراميسوّ لا يمكن عمله دون القليل من الخمر

فربتتّ على كتقه : رجاءً ، قمّ باستثناءٍ لأجلي


وفي الوقت الذي كان فيه فريق الطبّاخ الأفريقيّ يعانون من صراخه المتواصل ، لتقديم اطباقهم للحكّام بالوقت المناسب.. كانت الطبّاخة اماني تستمع مع فريقها للموسيقى الكلاسيكيّة بعد أن تركتهم يطبخون بهدوء ، مع إشرافها عليهم دون إزعاجهم بأوامرها


والنتيجة كانت صادمة ! حيث أنهى فريقها تقديم الأطباق الرئيسيّة مع السلطة والحلوى للحكّام الستة ، قبل الفريق الثاني الذي كان واضحاً عليه التوتّر والإجهاد .. ليس هذا فحسب ، بل أن فريقها تفوّق ايضاً بالطعم المميّز لأطباقه !


وعندما سألها الحكم عن السبب ، اجابته :

- لدينا شيء بالتراث العربي يُسمى النفس.. حيث يمكنك طبخ ذات المكوّنات لشخصين ، احدهما تحبه والآخر تكرهه .. لتلاحظ بأن الطعم اختلف في كلا الطبقين ! وهذا الطعم يختلف ايضاً من طبّاخٍ لآخر ، حتى لوّ استخدما ذات المكوّنات .. ونحن نسميّه (النفس الجيّد بالطبخ) والذي يتأثّر مباشرةً بالنفسيّة المُرتاحة .. لهذا تركتهم يطبخون على صوت الموسيقى الهادئة دون إزعاجهم بأوامري ، وأظنك لاحظت الفرق بالطعم


وبالفعل كان طعام فريقها افضل بكثير من طعام الفريق المتوتّر ! وبذلك فازت في البرنامج بجائزةٍ ضخمة : وهي مطعمٌ مُجهّزاً بأسمها .. حيث تمنّى الحكّام الثلاثة ان تعلّمهم بعض وصفاتها التي اعجبتهم في البرنامج .. كما وعدوها بزيارة مطعمها الجديد ، عقب افتتاحه..


وهي بدورها اقترحت على بقيّة المشتركين الخاسرين ، الإنضمام للعمل في مطعمها الجديد ، كلاً حسب الإختصاص الذي يريده : سواءً المشاوي او السلطات او الحلويات التي يبرع فيها.. بينما تكون مسؤولة عن الطعام العربيّ ، مع إحضارها لطبّاخين بارعين من عدة دولٍ عربيّة .. 


فرفض بعض المشتركين إقتراحها .. بينما وافق اثنين على العمل معها ، كونها فرصة لا تعوّض لإظهار براعتهما .. 

والغريب ان المشترك الحاقد كان من ضمن الموافقيّن على الإنضمام لمطعمها ، بعد إعجابه بإدارتها لفريقها في المسابقة الختاميّة !

***


في الحفلة النهائيّة .. تمّ تقديم الأوراق الرسميّة لمطعمها الجديد ، بحضور اهلها واصدقائها .. لكنها رفضت أن تُرشّ بزجاجة الخمرة الغالية ، التي أهدتها لمنافسها الأفريقيّ الذي قدّمها لزوجته بذكرى زواجهما 


وبنهاية البرنامج .. تُوّجت اماني كأول عربيّة تحصل على لقب افضل طبّاخة في اميركا ، بعد نجاحها بإبهار الحكّام بأطباقها العربيّة الشهيرة .. بالإضافة لأخلاقها العالية ، مُظهرةً بلادها بأفضل صورة للإعلام والجمهور الغربيّ الذين أُعجبوا بشخصيّتها الطموحة ، واستقامتها النادرة بزمننا الحاليّ !


الأحد، 26 نوفمبر 2023

الطريق المستقيم

كتابة : امل شانوحة 

 

الهداية الإلهيّة


- اخيراً وصلت الى ايطاليا ، بلد الحرّيات !!

وبعد ترتيب اغراضه في غرفة الفندق ، بدأ الشاب العربي بتخطيط برنامجٍ حماسيّ قبل بداية دراسته الجامعيّة .. فهو من عائلةٍ متديّنة ، إلاّ انه كره الدين لصرامة والده (إمام الجامع) الذي اجبره على حفظ القرآن بعمرٍ صغير ، والمداومة على الصلاة في المسجد المسؤول عنه !


ولأن الشاب مُغرمٌ بالحياة الأوروبيّة ، درس بجهدٍ كبير للحصول على منحة الماجستير في ايطاليا .. فهذا سيريحه من العادات والتقاليد المُتزمّتة (حسب رأيه) والأهم من ذلك ، يُبعده عن تسلّط والده الشيخ ! 


وكان ينوي تجربة الخمور وعشق النساء الأجنبيات اللآتي حلم بهنّ دائماً !


واثناء بحثه بالإنترنت عن اقرب بارّ من فندقه ، غفى من مشقّة السفر.. 

^^^


إستيقظ آخر الليل على صوت طرقٍ خفيف ! فنظر لساعته بتعب : 

- من الغبي الذي يوقظني قبل بزوغ الفجر ؟! 


وفتح باب غرفته غاضباً ، ليجد راهبيّن يقولان بصوتٍ منخفض :

- هل انت قادم من المدينة المنوّرة ؟!

- نعم ، ماذا تريدان ؟


فدخلا غرفته ، وأغلقا الباب خلفهما (مما اخاف الشاب) وأكملا حديثهما بحماس :

- نحن لدينا شغف على الديانة الإسلاميّة ، دون إعلان ذلك لأحد.. فأهلنا وضعونا في الكنيسة منذ صغرنا لخدمة المطران ، وبقينا هناك حتى أصبحنا رهباناً.. وكان حلمنا الإنتقال للفاتيكان ، رغم الشكوك حول ديننا ! لهذا اشترينا جوّالات دون علم الأساقفة ، واطّلعنا على دينك الذي أُعجبنا بكل تفاصيله ..ولأننا احياناً نبيت في هذا الفندق القريب من الكنيسة ، سمعناك بالصدفة تُخبر موظفة الإستقبال بأنك عربيّ وقادم من مدينة رسول الله ! لذلك انتظرنا لهذا الوقت ، لكيّ نستفسر منك عن بعض الأمور الدينيّة.. لربما تكون هدايتنا على يديك


الشاب بضيق : الا يمكنكما تأجيل الموضوع لبعد الظهر ؟

الراهب بحماس : لا !! لأننا في حال أسلمنا ، نريدك ان تؤمّنا لصلاة الفجر التي بقيّت ساعة على أذانها .. فهل نستطيع طرح الأسئلة حول ديانتك ؟


فقال الشاب في نفسه :

((يالا سخريّة القدر ! هربت من بلدي ، لأجد راهبيّن مُتعطشيّن لمعرفة ديني اكثر مني.. ليت ابي مكاني ، فهو ادرى بهذه الأمور))


ولعدم رغبته بإظهار جهله بالدين ، حاول إجابتهما حسب دروس والده وخطبه يوم الجمعة التي حضرها غصباً عنه ، في جامعه الصغير القريب من المسجد النبويّ

^^^


بعد عدّة اسئلة .. نظر الراهبان لبعضهما بسعادة ، قبل ان يسأله أحدهما :

- ماهي صيغة الدخول في الإسلام ؟

فسألهما الشاب بدهشة :

- هل اقتنعتما بهذه السهولة ؟!

الراهب : نحن قرأنا القرآن المترجم بلغتنا قبل شهرين ، ودرسنا العديد من الأحاديث النبويّة بالإنترنت .. لكننا رغبنا بمجادلة احد المسلمين ، قبل اتخاذ قرارنا المصيريّ 

الراهب الثاني بابتسامة : يبدو انك ستحصل على ثواب هدايتنا .. فماذا نقول للدخول في دينك ؟ 


فلقّنهما الشهادة ، ليحتضناه باكيّن من شدّة فرحتهما باعتناقهما الدين الجديد

احدهما بحماس : هل نصلي خلفك الآن ؟ فقد أذّن الفجر قبل دققتيّن ، حسب برنامج الصلاة في جوّالي

الشاب : عليكما الإغتسال اولاً

الراهب الثاني : اذاً سننزل فوراً الى غرفنا .. ثم نعود اليك لتؤمّنا ، لكيّ نحفظ  خطوات الصلاة .. رجاءً لا تنمّ ، إنتظرنا !!


وبعد ذهابهما ، قال الشاب بتعب :

- اشعر بنعاسٍ شديد ، لكن عليّ انتظارهما

^^^


وبالفعل صلّى إماماً لهما بصلاة الفجر.. وعندما جلس للتشهّد الأخير .. وجد انهما مازالا ساجديّن ، وهما منهاريّن ببكاءٍ مرير عن ذنوبهما الماضية !


فشعر الشاب بالذهول لقوّة ايمانهما ، رغم دخولهما حديثاً في الإسلام ! كما استغرب شعورهما بالروحنيّات التي أخبره عنها والده كثيراً (دون إحساسه بها) 

والأهم من ذلك : انه شعر بالخجل من نفسه لتخطيطه بإمضاء عطلته بالمنكرات ، بينما الراهبيّن يتوقان لتعلّم كل شيء عن دينه ، حتى السننّ النبويّة !

***


وخلال ايام .. أزال الشاب فكرة الخمور والساقطات تماماً من تفكيره ، بعد إحضار المسلمان الجدّد المزيد من الرهبان الى غرفته لدراسة الدين على يديه ! 

مما أجبره على التفقه بالدين من الإنترنت. .حتى انه اضّطر للإتصال بأبيه (الذي قاطعه لمدةٍ طويلة) لسؤاله عن بعض الأمور الدينيّة ..مما أسعد والده الذي اجابه عن جميع اسئلته بعيونٍ دامعة ، والذي ختم كلامه :

- لطالما دعوت لك بالهدايّة مع كل أذانٍ وصلاة ، يا بنيّ


ابنه : يبدو ان الله استجاب لك ، بعد سفري لأوروبا ! وبعد سماعي فضائح التحرّر من اصدقائي العربيين في الغربة.. عدا عن اعترافات اصحابي الرهبان بالتحرّشات التي تعرّضوا لها بالكنائس في صغرهم ! حتى زميلتي بالدراسة أخبرتني عن تعاسة النساء في الغرب ، ومعاملتهنّ كسلعةٍ رخيصة في العمل والشارع.. حينها فهمت كلامك بأن قوّتنا تكمن بالتزامنا بديننا .. وبأننا وصلنا لقمّة الحضارة في الماضي ، لخوفنا من عقاب الله ورجائنا عفوّه وبركته .. وكأن الغشاوة حول عينيّ عن حضارة الغرب وتخلّف العرب ، أُزيحت نهائيّاً بفضل الله.. لهذا قرّرت بعد حصولي على الماجستير بعلم النفس ، أن أعود لدراسة الشريعة في مدينة رسول الله ، كما تمنّيت دائماً يا ابي .. وسأستخدم علم النفس في حواري مع الديانات الأخرى لإقناعهم بديننا ، فلا شيء اجمل من هداية الناس للطريق المستقيم

الأب بفخر : ونحن بانتظار عودتك ، يا ابنيّ الغالي

***


بعد حصوله على شهادته ، وقبل عودته لبلده .. زاره عشرون شخصاً ممّن اعلنوا اسلامهم على يديه ، وهم يشكرونه على هدايتهم..

الشاب : بل انا أشكركم على إعادتي لرشدي وديني ، بعد إعجابي بتدبّركم لآيات الله وانبهاركم بأحكامه العادلة .. كما ذكّرتموني بتاريخ العرب المُشرق الذي كنت أستسّخفه سابقاً ! 

احدهم : طالما ستسافر غداً ، ما رأيك لوّ تشاركنا بمظاهرة غزّة التي ستُقام في السّاحة بعد قليل ؟

فرد الشاب مُبتسماً :

- يعني اسلمتم حديثاً ، وصرتم مناصرين للقضيّة الفلسطينيّة ايضاً !

- نعم ، فهي منطقة مُباركة لجميع الأديان .. ولا يحقّ لليهود إستحواذها لأنفسهم

***


وبالفعل شارك الشاب بالمظاهرة الضخمة .. ورقص مع المغتربين على الدبكة الفلسطينيّة وهو فخور للمرّة الأولى بهويّته العربيّة والإسلاميّة ، بعد سنوات من انبهاره بحضارة الغرب وقوانينهم المنحرفة ! 

***


في المطار .. ودّعه المسلمون الجدّد بامتنان ، ليعود الى احضان والده الذي وعده بأن يصبح شيخاً مثله بعد شعوره بالفخر لنشر دينه ، مع إستمراره بهداية الضّالين حتى آخر حياته التي أصبح لها معنى أخيراً !


الخميس، 23 نوفمبر 2023

الواقع الإفتراضي

تأليف : امل شانوحة 

 

المُخترق الإنسانيّ


في بداية العام الجديد.. طُرح جهاز متطوّر في الأسواق بسعرٍ يُناسب الأثرياء فقط ، بقيمة الف دولار : عبارة عن نظارةٍ للواقع الإفتراضي مع خوذة للرأس ، يسمح الشعور بكل شيءٍ تراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي : فبواسطته يمكنك تذوّق الأطعمة المصوّرة في الفيديوهات ، عبر ذبذباتٍ تُبثّ من الجهاز الى مراكز معينة في الدماغ ، تجعلك تشعر بحلاوة الطعام او لذعته او حموضته او ملوحته وحتى مرورته .. وكأن شعور الشخص الذي تناولها في الفيديو ، إنتقل اليك ! 


ليس هذا فحسب ، فتلك الذبذبات يمكنها أن تُشعرك بأجواء المناطق السياحيّة التي تُعرض على شاشة النظّارة الموصولة بالجوّال او الحاسوب : كبرودة الطقس او حرارته ورطوبته ، وحتى الإحساس بالبللّ ان كنت تشاهد عالم البحار ! 

وكذلك باستطاعتك شمّ رائحة المطر والحيوانات والأطفال ، حتى عطر فنّانك المفضّل من خلال مقابلته التلفزيونيّة المنقولة بوسائل التواصل الإجتماعي.


والأغرب من ذلك هو مشاعر ابطال الأفلام الرومنسيّة وحماسة الممثلين في أفلام الأكشن او مشاعر القلق في المغامرات الحقيقيّة ، جميعها تنتقل اليك بسهولة عبر الجهاز المتطوّر الموصول برأسك وعينيك !

***


مع بداية طرح الجهاز بالأسواق .. إعترض اطباء الأعصاب ، كونه يؤثّر مباشرةً على الدماغ.. 

كما ارتاب اصحاب المطاعم من انخفاض عدد الزبائن ، في حال اكتفوا باكتشاف طعم اطباقهم الجديدة دون تجربتها لاحقاً ! 

كما قلق الأطباء النفسيين من مساهمة الجهاز في زيادة إنطوائيّة الشباب وتشجيعهم على عدم الإختلاط بالآخرين او اكتشاف العالم ، طالما شعروا بكافة الأحاسيس والتجارب دون خروجهم من منازلهم  


ورغم تلك المساوئ ، إلا أن معظم الأثرياء والمشاهير إشتروا نظّارة الواقع الإفتراضي فور عرضها بالأسواق ، والتي ظلّت حِكراً عليهم  


بينما تمنّى افراد الطبقة الوسطى والفقيرة (الذين شاهدوا العديد من الفيديوهات عن تميّز وروعة الجهاز) ان يرخص سعره في المستقبل ، ليُصبح متاحاً للجميع .. فهو حلم كل انسان بتجربة ما يراه في الفيديوهات المنتشرة حول العالم

***


إستمرّ الوضع على ماهو عليه ، الى ان خطرت ببال مُخترق مُحترف (هاكر) فكرةً جهنميّة بعد تمكّنه من إختراق برمجة الجهاز ، وعكس نتائجها .. فبعد ان كانت نعيماً على الطبقة المخمليّة ، قلبها جحيماً عليهم !


وذلك من خلال إجبارهم على تجربة حياة الفقراء حول العالم : كإسماعهم صوت الإنفجارات والطلقات الناريّة وصرخات العائلات المحاصرة في بيئةٍ تتعرّض لحربٍ مدمّرة .. وإشعارهم برهبة من عانوا من الكوارث البيئيّة : كالفيضانات والسيول وتسونامي والأعاصير والزلزال والبراكين ! مما صدم الأثرياء الذين شعروا لأول مرة بخوفٍ شديد ، أفقدهم القدرة على إزالة الجهاز حول رأسهم (وكأنهم أصيبوا بشللٍ مؤقت) !


وازدات التجربة غرابةً ورعباً بعد إحساسهم بألم المجاعات والبرودة القارصة ، وبضيق انفاسٍ يُشابه ما حصل لأشخاصٍ حوصروا تحت الأنقاض .. 

كما شعوروا بالآلام الجسديّة والنفسيّة التي يشعر به اصحاب الإعاقات والأمراض المزمنة .. وصولاً لمشاعر الخذلان والإحباط المُلازمة لحياة المساجين والمُعتدى عليهم والعبيد والرقيق حول العالم ! 


ولم يكن ليحصل ذلك ، لولا عرض الهاكر على شاشات نظّاراتهم الإفتراضيّة مُلخصاً سريعاً عن مآسي الفقراء ، دون تمكّن الأثرياء من التحكّم او تغيّر الفيديوهات التي أثّرت بشكلٍ كبير على نفسيّاتهم .. فهم لم يتوقعوا هذا القدر من الألم والظلم الذي شعر به اهالي الطبقة الكادحة ، كونهم بعيدين عن مناطقهم الشعبيّة! 


وقد تسبّبت التجربة بانتحار بعض الأثرياء المدلّلين.. بينما تغيّرت نظرة الأكثريّة للفقراء الذين ظنّوا سابقاً بافتعالهم الدراما لآلامهم الغير حقيقيّة ! 


فقرّروا (بعد تجربتهم الصعبة) زيادة تبرّعاتهم للجمعيّات الخيريّة ، والمشاركة في المظاهرات السلميّة للمطالبة بحقوق الضعفاء ! عبر ضغطهم على الطبقة السياسيّة الحاكمة من خلال رفض دعمهم الماديّ او الإستمرار بدفع ضرائبهم ، لحين تغيّر معاملة الحكّام مع الدول الناميّة ، ومنعهم من إقامة حروبٍ عشوائيّة ضدّ الدول المُسالمة.. 


مما أدّى لاحقاً لخللٍّ بميزان القوى في العالم ، بعد وقوف الأثرياء لأوّل مرة جنباً الى جنب مع الفقراء لدعمهم فعليّاً ، دون الإكتفاء بالشعارات والخطب الرنّانة.. 


حيث تكفّل كل ثريّ بالأشخاص الأقل حظاً من افراد عائلته واقاربه واصدقائه ، مع دعمه لبعض الجمعيّات الخيريّة .. مما قللّ نسبة الفقر بالعالم ، ونسبة الثراء الفاحش ايضاً ! 

ليُعاد تقسيم العالم الى : اغنياء ذويّ الأعمال الرائدة وطبقة متوسطة ، مع إختفاء طبقة الفقراء المُعدمين ! 

***


لاحقاً ، طالب روّاد الأعمال بطرح النظّارة الإفتراضيّة بكثافة في الأسواق ، لتُصبح متاحة للجميع الذين صار بإمكانهم تجربة شعور الأثرياء ، مما خففّ الحقد عليهم ! 


وفي المقابل مكّن الأغنياء من الإحساس بمآسي الفقراء ، مُقللاً بذلك شعور النفور والإحتقار لديهم ، ومزوّداً تضامنهم وتعاطفهم مع الضعفاء . 


وكل ذلك حصل بفضل الهاكر المجهول (ذوّ المبادئ الإنسانيّة) الذي تمكّن بمفرده من موازنة مفاهيم الحياة التي أصبحت عادلة لكل طبقات المجتمع لأوّل مرة بتاريخ البشريّة !


الإستيداع الإلهي

كتابة : امل شانوحة  القدر الرحيم في زمن الثمانينات ، بحيٍّ شعبيٍّ مصري .. استيقظت مرام (18 سنة) على صوت سعال أمها في الغرفة المجاورة.. فأسرع...