الأحد، 3 ديسمبر 2023

عشّ تجربتي

فكرة وكتابة : ابن العراق
تنسيق : امل شانوحة

الحياة الصعبة


إلتفت المراهق وليد لإتجاهيّ الشارع ، قائلاً بقلق :

- كيف سأعود الآن ، بعد أن فاتتني الحافلة ؟! المسافة طويلةٌ جداً الى منزلي ، ولديّ واجبات كثيرة 


بهذه اللحظة ! سمع منى (زميلته بالصفّ) تتأفّف بضيق ، وهي تقف امام باب مدرستهما :

- اكيد الأحمق نسيّ كعادته موعد خروجي .. كم اكره حياتي 

فاقترب منها :

- هل بيتك بعيدٌ ايضاً ؟

- لا ، هو بالشارع الخلفيّ .. لكن والدي يمنعني العودة لوحدي !

- هو يخاف عليك

منى بغيظ : بل يخاف كلام الناس وظنونهم السيئة .. ليتني ولدتُ ولداً ، لأكون اكثر حرّية

- من قال ان جميع الأولاد سعداء

- تقول ذلك لأنك لم تعشّ كفتاةٍ ، ببيئةٍ مُتخلّفةٍ مثلي 


وهنا اقتربت منهما البائعة العجوزة ، التي تفتح كشكاً مُتحرّكاً امام مدرستهما :

- سمعت حديثكما بالصدفة ، وأردّت التخفيف عنكما 

وأعطتهما حلوى مجانيّة ..

منى بتردّد : هذه الحلوى غير معروفة !

العجوز : انا اعطيها فقط للأشخاص المميّزين .. تناولانها الآن


وما ان وضعاها في فمهما ، حتى ذابت على الفور ! 

العجوز : هذه ستُنهي خلافكما ، بعد تبادل ادوراكما .. عطلةٌ سعيدة 

وعادت الى كشكها ، دون ان يفهما قصدها ! 


وأكمل وليد سيره الطويل نحو بيته .. بعد قدوم اخو منى المجبور على تنفيذ أوامر والده المتزمّت ، بإخذها وإعادتها الى منزلهما القريب من مدرستها الثانويّة !  


وفي المساء ، نام وليد ومنى في منازلهما بعد نسيانهما كلام البائعة العجوز الغريب! 

***


وفي صباح العطلة الإسبوعيّة .. إستيقظ وليد باكراً على يدٍ غليظة تسحبه بقوّة من فراشه ، وترميه على الأرض بلا رحمة ! 

ليرى رجلاً خمسينيّاً ، يصرخ في وجهه :

- الأنه يوم عطلتكِ تنامين على راحتك .. هيا قومي وحضّري لنا الفطور !!

فالتفتّ وليد حوله ، ليجد غرفةً ضيّقة لا تشبه غرفته ! 


وقبل استيعابه ما حصل ! سمع امرأة من خارج الغرفة تنادي بعصبية : 

- كم مرّة أمرتك يا غبيّة بتنظيف المطبخ قبل نومكِ ؟!! 

وأكمل الرجل كلامه الحادّ معه : 

- هيا قومي وساعدي امك .. لما تنظرين إليّ كالحمقاء ؟! هيا استعجلي !! اريد فطوري قبل فتح متجري..

ثم علا صراخ المرأة من جديد : هيا يا منى !! ماذا تنتظرين ؟!


وهنا استوعب وليد بأن الحلوى الغريبة ، بدّلت مكانه بزميلته المسكينة التي يبدو انها تعاني من قسّوة والديها !

^^^


بعد امضاء وليد نهاره بتلبيّة طلبات والديّه التي لا تنتهي ! عاد الى غرفة صديقته الصغيرة ، الموجودة بجانب المطبخ .. بينما يحظى اخوها الوحيد بغرفةٍ كبيرة كوالديّه .. 


وحين حاول الدراسة لامتحانه القادم .. دخل اخوها الى غرفتها ، ورمى الكتاب  الذي كان يدرس فيه على الأرض ، صارخاً في وجهه :

- متى ستفهمين انني لن اسمح بتخرّجك من الثانويّة ؟!! 


ورغم عدم معرفة وليد بخصوصيّات زميلته ، إلاّ انه وجد نفسه يقول بضيق :

- وما ذنبي انك لم تُنهي تعليمك ؟!

الأخ بلؤم : انت تعلمين جيداً ان والدي أجبرني على العمل بمتجره .. وطالما حُرمت من الجامعة ، فيمكنكِ نسيان حلمك السخيف بأن تصبحي طبيبة .. لأنني بسهولة يمكنني إقناع والدي بتزويجك باكراً .. وإن لم تخدميني جيداً ، سأحرص ان يكون زوجك رجلاً كهلاً.. هيا قومي وحضّري لي الشايّ فوراً !!


فتوجّه وليد مُجبراً الى المطبخ ، لتحضير الشايّ للعائلة التي تشاهد التلفاز وهم يضحكون بحماقة ، وكأن زميلته الوحيدة المُثقفة بينهم !


وعاد لغرفته مُنهكاً ، لدرجة انه لم يتمكّن من إكمال دراسته ! واستلقى على السرير الحديديّ الصدىء ، وعلى جانبه دميّةً صوفيّة قديمة (تبدو لعبة منى الوحيدة) !  

وتنهّد وليد بضيق : 

- اعانك الله يا منى ، فحياتك تعيسةً فعلاً !

- هل صدّقتني الآن ؟!!


فالتفت برعب لمرآة الخزانة قرب سريره ! ليجد انعكاسه على شكل منى ، وهي تقول بحزن :  

- هل فهمت لما تمنّيت ان اكون ولداً ؟ لأن حياتكم اكثر حرّية من السجن الذي تعيش فيه اغلب النساء مع اهاليهنّ بعقليّتهم المُتخلّفة


وقبل ان يجيبها ، شعر بدوّارٍ شديد ! جعله يغفو دون حِراك 

***


في هذا الوقت .. عاشت منى نفس التجربة ، بعد تجسّدها جسم وليد ! والتي لم تلاحظ ذلك سريعاً .. بعد إستيقاظها فزعة ، خوفاً من تأخّرها على تحضير الطعام لأهلها ..قائلةً بصوتٍ عالي ، بعينيّها الناعستيّن : 

- انا قادمة !! سأعدّ الفطور حالاً !! 


وما ان نهضت من السرير ، حتى انتبهت انها في غرفةٍ كبيرة ! ويوجد حاسوب على الطاولة المليئة بالكتب المدرسيّة ! 

- اين انا ؟! 


وخرجت مُرتعبة من الغرفة .. لتجد المنزل فارغاً ! فلا احد في المطبخ او الصالة او الغرفة العلويّة ! 

منى بخوف : اين انا ؟ هل انا مخطوفة ؟!


وقبل هروبها من المنزل الكئيب ، رأت صورة زميلها وليد على الجدار .. 

- هل خطفني اللعين الى بيته ؟!


وقبل خروجها من الباب الرئيسيّ .. نظرت بالمرآة الموضوعة قرب الباب ، لتجد شكلها تغيّر الى شكل وليد !

فقالت بصدمة : هل فعلاً تحوّلت الى ولد ؟! 


وتذكّرت طعم الحلوى الغريب ، والكلام الغير مفهوم لبائعة الكشك !

فابتسمت بارتياح : يالها من فرصةٍ رائعة ! لقد تحقّق حلمي أخيراً !!


وفتحت الباب الخارجيّ ، لتجد درّاجة وليد التي يستخدمها ايام العطل (خوفاً من سخريّة الطلّاب إن قادها للمدرسة)


فسارعت بركوبها ، فهي لطالما تمنّت تجربتها .. وبعد سقوطها عدّة مرات ، استطاعت قيادتها اخيراً ..

وانتقلت بها من شارعٍ لآخر بحرّيةٍ كبيرة ، وهي تدنّدن بسعادةٍ لم تشعرها من قبل .. حتى انها توقفت للعب الكرة مع اولاد الحيّ..


وظلّت تلعب بكل طاقتها ، حتى اوشكت الشمس على المغيب..

منى بقلق : تأخّرت كثيراً ، عليّ العودة للدّراسة لإمتحاني .. (وركبت الدرّاجة).. ليس من حقي إرعاب اهل وليد عليه .. اتمنى ان لا يكون غضبهم ، كجنون أهلي المُعتاد ! 

^^^


وعادت سريعاً لمنزله .. ودخلت وهي تنادي :

- امي !! ابي !! هآقد عدّت قبل المساء 

لكن لا أحد اجابها ! وجميع الأنوار مازالت مُطفأة لبيتٍ زاد وحشةً وكآبة !

 

منى باستغراب : اين اهل وليد ؟! لم ارهم منذ الصباح .. حسناً لا يهم ، فوجود الأهل مزعجٌ للغاية .. سأذهب لغرفته للدرّاسة من كتبه ، فربما تنتهي هذه التجربة الرائعة غداً


واثناء دراستها ، شعرت بالجوع.. فذهبت للمطبخ ، وفتحت الثلاّجة التي وجدتها شبه فارغة ، إلاّ من بعض المعلّبات..

منى : الم تترك امه طعاماً له ؟!


وتناولت السردين ، ثم عادت لغرفته .. وبعد انهاء دراستها ، شاهدت بعض الفيديوهات من حاسوبه .. لكن سرعان ما أحسّت بالمللّ .. 

كما زاد خوفها بعد تأخّر الوقت ، وبقائها وحدها في المنزل المظلم !

منى : ترى اين اهله ؟! صحيح هو زميلي بالصفّ ، لكن لا اعرف شيئاً عنه


وبدأت البحث في اغراضه .. الى ان وجدت دفتر مذكّراته ، وفيه صورة له وهو صغير مع والديّه..

وعندما قرأت ما كتبه .. انصدمت بموتهما العام الماضي بحادث سيّر ! وأن عمّه يزوره مرّة بالشهر ، لإعطائه مصروفاً بالكاد يكفيه .. وانه سيضّطر قريباً ، للبحث عن عمل ! لأن عمّه لن يتكفّل به ، بعد تخرّجه من الثانويّة .. وبذلك ينتهي حلمه بأن يكون مهندساً ، كما تمنّى والده ! وربما تجبره الظروف على العمل في وظائف وضيعة ، حتى آخر عمره 


منى بحزن : يا مسكين يا وليد ! لم اكن اعلم بحياتك المزريّة

- هل فهمتي الآن ، لما جادلتك امام المدرسة ؟!!


فانتفضت رعباً بعد رؤية انعكاس وليد في المرآة ، وهو يتحدّث بوجهٍ كئيب:

- الحياة صعبة ، اليست كذلك ؟ 

منى : يبدو ان لكل انسانٍ مصيبته !

وليد : اعلم ان عائلتك قاسية ، لكن وجودهم افضل من موتهم .. على الأقل تجدين من تحدّثيه وتأكلين معه ، وأكيد سيهتمون بك عند مرضك .. كما سيحضرون تخرّجك وزواجك ، وعند إنجابك احفادهم .. اما انا ، فشبه ميّت .. لا احد يهتم ان كنت سعيداً ام لا .. وربما اموت وحدي ، دون ان يكتشف احدٌ ذلك ! صحيح استطيع الخروج من منزلي والعودة اليه متى اشاء .. ويمكنني الدراسة او اللعب كما اريد .. لكن الوحدة تُذيبني كشمعةٍ في ليلةٍ باردة .. 


وقبل ان تواسيه ، حصل الشيء ذاته معها .. وشعرت بدوّارٍ شديد ، جعلها تغفو فوق سريره الواسع !

***


في الصباح ، عاد كل شيءٍ كما كان .. ورغم استيقاظ منى على صراخ والديها ، لكنها سارعت بإعداد الفطور دون تأفّفٍ هذه المرة 


اما وليد ، فاستيقظ وهو يتنهّد بضيق بعد عودته لمنزله الكئيب .. ثم لبس زيّ المدرسة مُتثاقلاً ، إستعداد للذهاب بحافلة المدرسة التي ستصل الى منزله بعد قليل

***


بعد نزوله من الحافلة ، وجد منى تنتظره امام باب المدرسة.. ومن نظرة عينيّها ، عرف انها عاشت التجربة الغريبة التي حصلت يوم عطلتهما !

واقترب منها ، وهو يتلفّت يميناً ويساراً..


منى : لا تبحث عنها ، فالبائعة العجوز غير موجودة .. أظنها نقلت كشكها لمدرسةٍ اخرى ! مع اني اردّت شكرها بعد تعليمي قيمة العائلة

وليد : وانا ايضاً تفهّمت حياتك الصعبة كأنثى .. لكن رجاءً لا تتوقفي عن حلمك بأن تصبحي طبيبة ، ولا تهتمي بنقد اخيك الحاقد .. فأنت طالبةٌ متفوّقة ، وستنجحين إن وكّلت امرك لربكِ

منى : مع اني أحسدك على الحرّية التي تحظى بها ! وبحاسوبك وجوّالك ، المُحرّمان عليّ   


وليد : وما فائدة الهاتف دون سماع صوت والديّك ؟ ..وما روعة التنزّه طوال الوقت ، إن لم يكن هناك من يقلق عليك وينتظر رجوعك ؟ ..فمهما كان الأهل سيئين ، فالحياة لا تُطاق من دونهم .. على الأقل سيتذكّرون عيد ميلادك .. ولوّ أهدوك قبلة صغيرة ، فهي اجمل من هدايا الدنيا بما فيها .. فكما ترين ، لكل انسانٍ امتحانه الصعب في هذه الدنيا .. لذا علينا الدعاء دائماً : ((ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به)) على امل ان يكون مستقبلنا اروع مما نعيشه الآن

- سيكون بإذن الله .. فمع الجهد والإصرار ، لا شيء مستحيل

- صدقتي يا منى 

فمدّت يدها نحوه :

- اذاً تصالحنا

فصافحها وليد :

- أكيد !! فبعد تجربتنا الغريبة ، سنصبح صديقيّن مُقربيّن


ودخلا المدرسة ، مُبتسمان .. دون علمهما بأن البائعة العجوز تراقبهما من بعيد ، وهي تقول بفخر :

- الحلوى السحريّة تنجح دائماً  


ثم جرّت كشكها المُتنقل باتجاه مدرسةٍ اخرى ، على امل مساعدة طلاّب آخرين بحلّ مشاكلهم المُعقّدة ! 


هناك 9 تعليقات:

  1. جميع افكار القصة هي لإبن العراق .. كل ما فعلته ، انني اعدّت كتابتها من جديد.. وطالما لما اضف عليها من افكاري ، فلن احتسبها ضمن قصصي ، للإمانة الأدبيّة .. اتمنى تنسيقي للسيناريو والحوار يُعجب ابن العراق ، ويعجبكم ..
    احسنت يا ابن العراق ، فقصصك تتحسّن مع الوقت .. تحياتي لك ، ايها الكاتب الصغير

    ردحذف
    الردود
    1. اشكرك يا أمل على كتابة القصه .. وشكراً لتنسيقها ، بالتأكيد اعجبني .. تسلمي على كلامك .. تحياتي لك ..

      حذف
    2. سعيدة انها اعجبتك .. وانا فخورة بأن قصتك كانت متكاملة لدرجة انني لم استطع اضافة شيء عليها .. احسنت يا ابن العراق .. اتوقع لك مستقبلاً زاهراً بالكتابة ، ايها المبدع الصغير

      حذف
    3. كلماتك هادئة وجميلة .. اشكرك واتمنى ذلك أيضاً ..

      حذف
  2. فكرة القصه عبقريه وحوار شيق سلس ..احسنت ايها الكاتب المفكر
    اما عن وليد ومنى فعليهم محاولة عدم الجزع بالكليه وادخار طاقاتهم لما ينتظرهم من نحس وبؤس وشقاء قادم لا محاله .
    فصدقوني لم تريا شيءا بعد ..
    وددت لو املتكم وبشرتكم ..ولكن ان تعلما من الآن سواد ما سياتي على رؤوسكم ..
    فهذا افضل من احلاما كسرابا بقيعه ..
    فلن ترويا ابدا ..ان كنتم تفهمون قصدي ..
    فتحضرا وشمرا
    للظمأ في الهجير
    ونحت القفير
    وحمي الزفير
    وحلك المصير .




    ردحذف
    الردود
    1. ماذا فعلت يا رجل ؟! كم أنتَ كئيب .. لدرجه احزنت حتى شخصيات القصه !! بلا شك ، سيقومان وليد ومنى بالانتحار .. فهمت من كلامك أن القصه أعجبتك ويسعدني ذلك سيد عاصم ..

      حذف
  3. قصه منى ووليد حزينه!💔

    ردحذف
  4. القصة جيدة وأكثر ما أعجبني تشجيعك لابن العراق اختي امل واصلي الكتابة والمساعدة 💚

    ردحذف

مسابقة الألوان القاتلة

تأليف : امل شانوحة    إنتقام الطفولة  وصلت كروت حفلةٍ مسائيّة الى مجموعة شباب من ابناء اثرياء البلد .. والذين حضروا للمبنى (الذي تمّ تجديده ...