الأحد، 17 ديسمبر 2023

حاوية البحر

تأليف : امل شانوحة 

رحلة الخوف


في نزهةٍ جامعيّة .. وقفت ديانا امام البحر وهي تشعر بخفقان قلبها السريع .. وخوفها الذي تزايد مع تلاطم الأمواج ، دون فهمها السبب! 

وأثناء لعب اصدقائها الكرة على الشاطىء .. تناهى الى سمعها صرخات اطفالٍ مرتعبة .. ورائحة انفاسٍ مكتومة .. وعتمةً هزّت كيانها ! 


ففتحت عينيها الدامعتيّن ، وهي تتساءل :

((لما يتردّد هذا الكابوس في منامي ، وفي يقظتي ايضاً ؟! .. لما اخاف لهذه الدرجة من البحر ؟!))


وهنا اقترب منها زميليّها ، وهي شاردة بأفكارها .. وما ان وضع الشاب يده على كتفها ، حتى انتفضت مُرتعبة !

زميلها بضيق : يا الهي يا ديانا ! الن تكفّي عن حركاتك الغريبة ؟!

فقالت زميلتها باستهزاء :

- هي تدّعي العفّة والبراءة.. 

ديانا مقاطعة : لا ادّعي شيئاً !! لكني لا احب ان يلمسني احد.. (ثم تنهّدت بضيق) .. سأعود للحافلة


وابتعدت عنهما ، وهي تسمع تلميحاتهما المُستفزّة :

الشاب : يالها من فتاةٍ مُعقّدة ! 

زميلتها : أكيد حصل شيء في ماضيها ، جعلها ترفض العرسان باستمرار! 

- لا يهم ، دعينا نعود للمباراة


بينما عادت ديانا لوحدها الى الحافلة ، وهي تشاهد زملائها يتسلّون امام البحر بحرّيةٍ وسعادة..

فتساءلت بضيق : ((لما انا هكذا ؟! والدايّ رائعان ، ومحبّان للغاية .. فلما اشعر بالخوف الشديد من الرجال ومن البحر ومن الأماكن الضيّقة ومن الظلام ؟! ..لما لديّ كل هذه العقد الغريبة ؟!))

***


وفي احد الأيام ، إقترحت عليها صديقتها تجربة اليوغا لإراحة اعصابها


وفي الصالة الرياضيّة ، طلبت امنهم لمُدرّبة : إغماض اعينهم اثناء استماعهم لموسيقى ، تُنشّط الشاكرات السبعة


وخلال ذلك ، شاهدت ديانا الكابوس من جديد ! وهذه المرة ، كان اكثر وضوحاً : حيث رأت رجلاً مخيفاً يرميها داخل حاويّةٍ مُتنقلة (حديديّة) مُكتظّة بعشرات الأطفال ، منهم المشرّدين والشحاذين والمختطفين امثالها ! لتبدأ معهم رحلةً طويلة بالبحر..


واثناء الرحلة.. أختار القبطان وربّانه (من وقتٍ لآخر) اولاداً وبناتاً من الحاويّة لأخذهم لغرفهم ، لمتعتهم الخاصّة ! 

وتذكّرت اشكال الأولاد المزريّة بعد عودتهم للحاوية ، وهم منهارين بالبكاء .. بعضهم ينزف ، وآخرون يتمنّون الموت رغم صغر سنهم!

لم تفهم ما حصل ، كونها آنذاك في السادسة من عمرها..


وعندما حان دورها ، اخذها القبطان الى كابينته .. وبعد تمعّنه فيها جيداً ، قال لها : 

- انت جميلةٌ جداً .. لهذا لن يلمسك احد لحين بلوغك ، وبيعك بالمزاد لأحد الأثرياء 


ثم نادى مساعده :

- إخبر بقيّة الرجال بأن هذه محجوزة .. اما بقيّة الأوغاد ، فاختاروا ما تشاؤون منهم .. فأعضائهم ستُباع كقطع غيار للمرضى الأثرياء

^^^


بعد تذكّرها الماضي ، انهارت ديانا بالبكاء اثناء جلسة اليوغا..

فأخذتها المدرّبة جانباً :

- هل انت بخير ؟!


فلم تستطع إخبارها بأنها اكتشفت : أنها خُطفت من تجّار الرقيق وبيع الأعضاء في طفولتها ، وأن والديّها أخفيا الموضوع عنها !

***


وعادت سريعاً الى منزلها لمعرفة الحقيقة..

فتنهّد والدها بحزن :

- كنت تلعبين خارج منزلنا.. ولم ننتبه على غيابك إلاّ بعد ساعة من اختطافك ، بعد أن أخبرنا بائع المتجر انه رآكِ داخل سيارة رجلٍ مجهول ، ربما وعدك بحلوى او نزهةً جميلة !

ومسحت الأم دموعها ، قائلةً : 

- لم نعرف شيئاً عنك لثلاثة شهور .. وأبلغنا المحقّق عن اشتباهه بعصابة لبيع الرقيق ، نقلوك بالسفينة لدولةٍ اخرى !

الأب : لكن القدر اعادك الينا بعد غرق حاوية الأطفال ، عقب عاصفةٍ هوجاء ضربت سفينة العصابة


((وهنا استعاد ذهن ديانا صوراً من الحادثة : وصراخ الأولاد فزعاً بعد تسرّب مياه البحر الى حاويتهم المُظلمة ! ولولا الموجة الضخمة التي فتحت القفل اليدويّ الخارجيّ ، لغرقت مع بقيّة المُختطفين .. لكن حتى بعد تحرّرها من الحاوية ، باعدت الأمواج العاتية بينها وبين القلّة الناجين منهم.. الى ان بقيّت وحدها وسط البحر المُعتم !


وفي الصباح .. وقبل موتها جوعاً وعطشاً ، شاهدت زعنفة تقترب منها ..فظنت انها سمكة قرش ! لكنها كانت دُلفينا ودوداً.. أمسكت بزعنفته بقوّة وهي شبه واعية ، الى ان استيقظت فوق رمالٍ دافئة على صراخ احد المصطافين وهو ينادي خفر السواحل لإنقاذها !


وبعد اسبوع من وجودها في مركز الشرطة ، توصّلوا لعنوان اهلها الذين أبلغوا عن اختطافها بالدولة المجاورة ، في نفس تاريخ إبحار سفينة العصابة من الميناء ! وأعادوها اليهم ، دون تذكّرها ما حصل من أثر الصدمة))


ديانا : ألهذا كنت اكره الرجال طوال عمري ، وأخاف البحر و..

الأب مقاطعاً :

- هذا خطأنا ، كان علينا علاجك عند طبيبٍ نفسيّ .. لكننا لم نردّ ان تستردّي ذكرياتك المؤلمة .. بل شكرنا الله على نسيانك لها.. وأعدناك للمدرسة ، كأن شيئاً لم يكن

الأم : وكلما صرختي خوفاً من الكوابيس ، نحاول إقناعك إنك شاهدتِ فيلماً مرعباً في صغرك ، أثّر عليك ! كيّ لا تتذكّري عمليّة اختطافك .. لكن يبدو عليك البدء بالعلاج النفسي بأقرب وقتٍ ممكن

***


وافقت ديانا بتردّد الذهاب عند طبيب تخرّج حديثاً ، لكنه بارع في عمله.. والذي أخضعها لتنويمٍ مغناطيسي .. أخبرته فيه عن تفاصيل دقيقة طوال شهور خطفها : وعن نفسيّة الأولاد المحطّمة بعد عودتهم للحاوية.. وغيظهم منها ، لعدم الإعتداء عليها مثلهم ! لهذا تنمّروا عليها اثناء تناولها الطعام ونومها بزاوية الحاوية ، لعلمهم بأنها لن تُمسّ إلاّ بعد بلوغها سن المراهقة .. بينما سيتمّ إهدار دمهم ، فور وصولهم للميناء !


واستيقظت من التنويم باكية :

- كيف سأنسى كل هذا الرعب الذي عشته في طفولتي ؟!

الطبيب : سأحاول علاجك اولاً بأول ، حتى تتعافين تماماً

وحين حاول إمساك يدها ، إنتفضت برعبٍ شديد !

الدكتور بابتسامةٍ حنونة : لا تقلقي .. عندما تُنهين علاجك ، سيخفّ رعبك من الجنس الآخر

وهي تمسح دموعها : أتعدني بذلك ؟

فأومأ برأسه إيجاباً ..

***


إستمرّ العلاج عاماً كاملاً ..شعرت فيها ديانا بتقاربٍ فكّري بينها وبين الطبيب الشاب الذي كان حنوناً عليها ، وصبوراً على علاجها الطويل


وذات يوم أخبرها :

- هذه آخر جلسة علاجيّة لك

بقلق : لماذا ؟!

الطبيب : لأنك تحسّنتِ بشكلٍ ملحوظ.. يمكنك الآن متابعة حياتك بسلام

فردّت بحزن : هل مللّت مني ؟

- مستحيل ان أملّ من مريضتي المفضّلة

ديانا : اذاً كيف سآراك ثانيةً ؟

- هل تريدين ذلك فعلاً ؟

فسكتت بخجل ..


الطبيب : ليس ضروري ان نلتقي هنا

ديانا : بعد شهرين عيد ميلادي ، هل يمكنك الحضور ؟

بابتسامة : سأحاول

***


وفي عيد ميلادها .. قدِمَ الطبيب بملابس رياضيّة (زادته وسامةً) بعد تعوّدها على رؤيته بالروب الأبيض وبذلتة الرسميّة !

ديانا : هكذا افضل ، تبدو من جيلي .. وكأنك .. (وسكتت بارتباك) 

فأكمل الطبيب : صديقك

- يعني افضل من طبيب ومريضة

فأعطاها هديّته .. لتفتح الصندوق ، وتجد لعبةً صوفيّة


فقال بصوتٍ منخفض : لا تخبري احداً انني أجيد حياكة الصوف ، لأني تربّيت عند جدتي بعد طلاق والدايّ

ديانا بدهشة : لم اكن اعرف !

- انت حظيتي بفترةٍ سوداء في طفولتك .. وأنا عشت حياةً مُختلفة عن بقيّة الأطفال ! بعد إمضاء طفولتي بغسل الصحون والطبخ وزراعة الحديقة ، وإطعام الطيور بالحديقة مع جدتي التي بالكاد تقوى على الحِراك ! لهذا لم استطع تركها وحدها ، للعب مع اصدقائي.. يعني باختصار كنت ارعاها ، بدل ان ترعاني ! لهذا استوعبت مشكلتك ، لأني مثلك لم أحظى بطفولةٍ رائعة

ديانا : هل حقاً حكت اللعبة لأجلي ؟!

- الم تخبريني اثناء وجودك بالحاوية ، كنت تنامين وانت تحتضنين لعبةً صوفيّة تخصّ فتاةٍ ماتت بعد نزيفٍ حاد من الإعتداء المتواصل عليها؟

- نعم ، لكن اللعبة غرقت مني بالبحر

الطبيب : وهذه بدالها


ودون انتباهٍ منها ، حضنته بامتنان ..وسط دهشة والديّها وصديقاتها بالحفل ، لعلمهم بنوباتها الهستيريّة إن اقترب منها احد ! وعمّ الصمت بين المعازيم الذين يراقبانهما بحذر..


لينتبه الطبيب على نظرات والدها القلقة .. فاقترب منه ، بعد إنشغال ديانا مع صديقاتها..

- انا لا اتلاعب بمشاعر ابنتك

الأب بحزم : الأفضل ان لا تفعل ، فأنت حبها الأول

الطبيب : وهي حبيّ الحقيقي

الأم باهتمام : ماذا يعني هذا ؟! 

الطبيب : إن وافقتما عليّ ، يمكنني خطبتها الآن

وأخرج خاتماً من جيبه.. ممّا افرح الأم كثيراً..


الطبيب : ديانا لم تره بعد .. اريد اولاً محادثتها على انفراد .. إن سمحت لي ، عمي

الأب : طالما نيّتك جيدة ، فلا بأس

^^^


وخرجا للحديقة .. والمعازيم يراقبانهما من خلف الستائر باهتمام

ديانا بقلق : لما خرجنا الى هنا ؟!

الطبيب : هل مازلتِ تخافين الظلام ؟

- لا ابداً .. فمع جلساتك العلاجيّة ، إنتهت معظم رهاباتي السابقة


فسكت مطوّلاً ، قبل ان يقول : 

- لا تعلمين كم ضاق صدري بعد انتهاء علاجك

ديانا : وانا ايضاً ، إفتقدتك الشهرين الماضيين .. وكلما مررّت اسفل عيادتك ، رغبت بالصعود للسلام عليك !

- طالما شعورنا مُتبادل

وجثا على ركبته ، وهو يرفع الخاتم..

الطبيب : هل تقبلين الزواج بي ؟


وهنا ارتبكت بعد رؤيتها لنظرات المعازيم من خلف الستائر !

فطلب الأب ابتعادهم عن النوافذ ، كيّ لا تغيّر رأيها..


في هذا الوقت .. أمسكت ديانا يد الطبيب ، وأوقفته من جديد

- انا فعلاً احبك.. اساساً لم اشعر بهذا الشعور مع شخصٍ آخر ! لكني مازلت قلقة بشأن الزواج بحدّ ذاته.. فأنت لم ترى منظر الفتيات الصغيرات بعد عودتهنّ للحاوية ، وكأن روحهنّ اقتلعت من اجسادهنّ ! عدا عن تأوّهاتهنّ المؤلمة طوال الليل ، ونزيفهنّ الحادّ..

الطبيب : الزواج يختلف كثيراً عن الإعتداء.. كما لم يكنّ بالغات ، لهذا ماتت بعضهنّ بالنزيف

- اليس الأمر مُقلقاً ؟

- لا تربطي زواجنا ، بقساوة العصابة


ثم همس في اذنها : 

- لن اقترب منك حتى تكوني مستعدة نفسيّاً لذلك.. اعدك عزيزتي

ديانا : حتى لوّ مرّت ايام بعد الزواج ؟!

الطبيب بحنان : حتى لوّ مرّ العمر كلّه.. سأنتظرك

ديانا بتردّد : اذاً .. انا موافقة


فوضع الخاتم بيدها ، واحتضنها ..وسط تصفيق وصفير المعازيم من داخل المنزل ، بعد شفائها اخيراً من عقدتها المُزمنة !


هناك 6 تعليقات:

  1. تعليق ابن العراق (القصه حزينه .. لكن ذات نهايه سعيده ، وبنفس الوقت مؤلمه ..)
    اما جواب سؤالك .. ان كان ذلك سيريحك مستقبلاً ، فلما لا .. احياناً الفضفضة تزيل جبالا من الأحزان عن اكتافنا .. المهم ان تقوي ايمانك بالله .. وتعلم انه كان امتحاناً صعباً وانتهى بإذن الله .. وحاول ان لا يؤثر ذلك على مستقبلك .. حماك الله ووفقك يا ابن العراق

    ردحذف
    الردود
    1. ابن العراق .. اذاً ليس امامك الا ان تقوي ايمانك .. فكل البشر لديهم امتحان صعب في حياتهم .. وانت مرّرت به باكراً .. وان شاء الله بقية حياتك ستكون سعادة ونجاح .. وستصبح معلماً واديباً كما تتمنى .. ذهب الجزء الصعب من حياتك ، والباقي يإذن الله سيكون ميسراً .. ثقّ بربك .. حماك الله يا ابن العراق

      حذف
    2. حسناً .. سأقوي ايماني .. وباذن الله ساصبح ما اتمنى ، تحياتي لك .. وبنهايه الامتحانات الشهريه سأبدأ بكتابه لك القصه الثانيه واتمنى أن تنال اعجابك ..

      حذف
  2. الا فلتاكلني السباع والتماسيح حيا ..
    ولينغرس الف مخلب في قلب الحزين بن الابعد الذي بذر البذره التي منها نمت الشجره التي منها اخذتي غصنك قلما ...ان لم تكتبي لنا قادما وابدا مثل تلك القصة المنيله ..
    فها انتم كاءن بشري مثلنا ... ههههه
    سبحان الله ...
    وان كانت النهايه سعيده فلا بأس فقط ليقيني بأن ديانا في الواقع ماتت في السفينه ..
    فاردتي لها نهايه تضمدين بها مابقي من روحها المتالمه المعذبه ... الا فليكن ..
    لان الجماهير داءما تحب النهايات السعيده ..
    فلا تقتلين ديانا كما قتلتي جاكلين ..



    ردحذف
    الردود
    1. حسناً سندع ديانا حيّة حتى آخر لحظة .. اوامر اخرى ، سيد مكتئب

      حذف
  3. شكرا جزيلا ..ايها الشيف ..الا عشتم وطبختم لنا .. اكلتم زيادة كبد الحوت .

    ردحذف

المُسامح كريم

تأليف : امل شانوحة     الخيانة المُدمّرة  تفاجأت سلمى بحصولها على دعوة لبرنامجٍ تلفزيونيّ جديد ! أجلسوها فيه امام شاشةٍ مُطفأة ، حيث سألها ا...