الخميس، 23 نوفمبر 2023

الواقع الإفتراضي

تأليف : امل شانوحة 

 

المُخترق الإنسانيّ


في بداية العام الجديد.. طُرح جهاز متطوّر في الأسواق بسعرٍ يُناسب الأثرياء فقط ، بقيمة الف دولار : عبارة عن نظارةٍ للواقع الإفتراضي مع خوذة للرأس ، يسمح الشعور بكل شيءٍ تراه عبر وسائل التواصل الاجتماعي : فبواسطته يمكنك تذوّق الأطعمة المصوّرة في الفيديوهات ، عبر ذبذباتٍ تُبثّ من الجهاز الى مراكز معينة في الدماغ ، تجعلك تشعر بحلاوة الطعام او لذعته او حموضته او ملوحته وحتى مرورته .. وكأن شعور الشخص الذي تناولها في الفيديو ، إنتقل اليك ! 


ليس هذا فحسب ، فتلك الذبذبات يمكنها أن تُشعرك بأجواء المناطق السياحيّة التي تُعرض على شاشة النظّارة الموصولة بالجوّال او الحاسوب : كبرودة الطقس او حرارته ورطوبته ، وحتى الإحساس بالبللّ ان كنت تشاهد عالم البحار ! 

وكذلك باستطاعتك شمّ رائحة المطر والحيوانات والأطفال ، حتى عطر فنّانك المفضّل من خلال مقابلته التلفزيونيّة المنقولة بوسائل التواصل الإجتماعي.


والأغرب من ذلك هو مشاعر ابطال الأفلام الرومنسيّة وحماسة الممثلين في أفلام الأكشن او مشاعر القلق في المغامرات الحقيقيّة ، جميعها تنتقل اليك بسهولة عبر الجهاز المتطوّر الموصول برأسك وعينيك !

***


مع بداية طرح الجهاز بالأسواق .. إعترض اطباء الأعصاب ، كونه يؤثّر مباشرةً على الدماغ.. 

كما ارتاب اصحاب المطاعم من انخفاض عدد الزبائن ، في حال اكتفوا باكتشاف طعم اطباقهم الجديدة دون تجربتها لاحقاً ! 

كما قلق الأطباء النفسيين من مساهمة الجهاز في زيادة إنطوائيّة الشباب وتشجيعهم على عدم الإختلاط بالآخرين او اكتشاف العالم ، طالما شعروا بكافة الأحاسيس والتجارب دون خروجهم من منازلهم  


ورغم تلك المساوئ ، إلا أن معظم الأثرياء والمشاهير إشتروا نظّارة الواقع الإفتراضي فور عرضها بالأسواق ، والتي ظلّت حِكراً عليهم  


بينما تمنّى افراد الطبقة الوسطى والفقيرة (الذين شاهدوا العديد من الفيديوهات عن تميّز وروعة الجهاز) ان يرخص سعره في المستقبل ، ليُصبح متاحاً للجميع .. فهو حلم كل انسان بتجربة ما يراه في الفيديوهات المنتشرة حول العالم

***


إستمرّ الوضع على ماهو عليه ، الى ان خطرت ببال مُخترق مُحترف (هاكر) فكرةً جهنميّة بعد تمكّنه من إختراق برمجة الجهاز ، وعكس نتائجها .. فبعد ان كانت نعيماً على الطبقة المخمليّة ، قلبها جحيماً عليهم !


وذلك من خلال إجبارهم على تجربة حياة الفقراء حول العالم : كإسماعهم صوت الإنفجارات والطلقات الناريّة وصرخات العائلات المحاصرة في بيئةٍ تتعرّض لحربٍ مدمّرة .. وإشعارهم برهبة من عانوا من الكوارث البيئيّة : كالفيضانات والسيول وتسونامي والأعاصير والزلزال والبراكين ! مما صدم الأثرياء الذين شعروا لأول مرة بخوفٍ شديد ، أفقدهم القدرة على إزالة الجهاز حول رأسهم (وكأنهم أصيبوا بشللٍ مؤقت) !


وازدات التجربة غرابةً ورعباً بعد إحساسهم بألم المجاعات والبرودة القارصة ، وبضيق انفاسٍ يُشابه ما حصل لأشخاصٍ حوصروا تحت الأنقاض .. 

كما شعوروا بالآلام الجسديّة والنفسيّة التي يشعر به اصحاب الإعاقات والأمراض المزمنة .. وصولاً لمشاعر الخذلان والإحباط المُلازمة لحياة المساجين والمُعتدى عليهم والعبيد والرقيق حول العالم ! 


ولم يكن ليحصل ذلك ، لولا عرض الهاكر على شاشات نظّاراتهم الإفتراضيّة مُلخصاً سريعاً عن مآسي الفقراء ، دون تمكّن الأثرياء من التحكّم او تغيّر الفيديوهات التي أثّرت بشكلٍ كبير على نفسيّاتهم .. فهم لم يتوقعوا هذا القدر من الألم والظلم الذي شعر به اهالي الطبقة الكادحة ، كونهم بعيدين عن مناطقهم الشعبيّة! 


وقد تسبّبت التجربة بانتحار بعض الأثرياء المدلّلين.. بينما تغيّرت نظرة الأكثريّة للفقراء الذين ظنّوا سابقاً بافتعالهم الدراما لآلامهم الغير حقيقيّة ! 


فقرّروا (بعد تجربتهم الصعبة) زيادة تبرّعاتهم للجمعيّات الخيريّة ، والمشاركة في المظاهرات السلميّة للمطالبة بحقوق الضعفاء ! عبر ضغطهم على الطبقة السياسيّة الحاكمة من خلال رفض دعمهم الماديّ او الإستمرار بدفع ضرائبهم ، لحين تغيّر معاملة الحكّام مع الدول الناميّة ، ومنعهم من إقامة حروبٍ عشوائيّة ضدّ الدول المُسالمة.. 


مما أدّى لاحقاً لخللٍّ بميزان القوى في العالم ، بعد وقوف الأثرياء لأوّل مرة جنباً الى جنب مع الفقراء لدعمهم فعليّاً ، دون الإكتفاء بالشعارات والخطب الرنّانة.. 


حيث تكفّل كل ثريّ بالأشخاص الأقل حظاً من افراد عائلته واقاربه واصدقائه ، مع دعمه لبعض الجمعيّات الخيريّة .. مما قللّ نسبة الفقر بالعالم ، ونسبة الثراء الفاحش ايضاً ! 

ليُعاد تقسيم العالم الى : اغنياء ذويّ الأعمال الرائدة وطبقة متوسطة ، مع إختفاء طبقة الفقراء المُعدمين ! 

***


لاحقاً ، طالب روّاد الأعمال بطرح النظّارة الإفتراضيّة بكثافة في الأسواق ، لتُصبح متاحة للجميع الذين صار بإمكانهم تجربة شعور الأثرياء ، مما خففّ الحقد عليهم ! 


وفي المقابل مكّن الأغنياء من الإحساس بمآسي الفقراء ، مُقللاً بذلك شعور النفور والإحتقار لديهم ، ومزوّداً تضامنهم وتعاطفهم مع الضعفاء . 


وكل ذلك حصل بفضل الهاكر المجهول (ذوّ المبادئ الإنسانيّة) الذي تمكّن بمفرده من موازنة مفاهيم الحياة التي أصبحت عادلة لكل طبقات المجتمع لأوّل مرة بتاريخ البشريّة !


هناك 11 تعليقًا:

  1. هذه النظارة ستصبح مع الايام رخيصة و في متناول الجميع مثلها مثل التلفونات هذه الايام يمتلكها الاغنياء والفقراء..

    اذكر قبل عام كنت بالعاصمة حيث زُرت منتزه راقي لايدخله إلا الاثرياء .فيه جميع وسائل الترفيه بالاظافة لمطعم تقدم اطعمة غريبه ليست يمنيه .المهم اقترح عليا ابن عمي ان اجرب لعبة القطار الشاشة امامي حيث ارتديت النظارة وكما وصفتي الشعور.وجدت نفسي على سكة القطار بالبدايه كنت امشي ببطئ وبعدها دخلت فوق بحر ثم بركان من تحت السكة ثم منعطفات وصعود وهبوط ولكي ان تتخيلي كيف كان شكلي وحركاتي كيف كنت اتمايل وانحني مع المنعطفات واقفز واشهق. واصرخهههه لدرجة اني تمددت ع الارض وصرت ادعي يالله خارجني حيث نسيت ان ابعد النظارة من عيني حتا ابعدها صاحبها من عيني وتفاجأت من عدد الجمهور الذين تجمعو خلفي يظحكون ع حركاتي وانفعالاتي حتى قريني النذل تخلى عني و وجدته بين الجمهور يشاركهم الظحك عليا ههه..

    عموما املانو تخيلي ربما مع الايام سوف نكون نتابع مدونتك عبر النظارات ونشاهدك وانتي امامنا تسردين قصصك وتشاهدين المتابعين يقفون امامك ..

    تخيلي مثلا لما تكون الاتصالات عبر هذه النظارات حيث ترين الشخص واقف امامك كأنه حقيقه. تخيلي كيف ستكونين تسافرين للبلدان حول العالم بغرض التسوق او السياحه وانتي تقبعين هناك في زاوية غرفتك التي ملّت منك ..
    تخيلي لما اخوك او احد اقاربك او زوجك او اختك في بلد اخر وتتصلين فيه عبر النظارة وتجدينه امامك كأنه حقيقه فتعانقي الجدار او تعانقي النافذة ظننا منك انكي تعانقي الشخص الذي اتصلتي له 😂😂..تخيلي حتا النظرة الشرعية للاجيال القادمة عبر هذه النظارة ..تخيلي لما تحظري حفلة عرس لاحد اقاربك ببلد اخر وتشاركيهم الرقص والمرح وانتي بالواقع وسطـغرفتك ترقصين مع نفسك وتكلمين نفسك 😂😂
    😂😂هو هذى الجنون بحد ذاته ..خلاص خلاص بلاش اتخيل والله مت ظحك ع تخيلاتي الهبله خلينا في عالم الجن والقتل والاشباح 😂

    ردحذف
    الردود
    1. اول مرة ارى جني يخاف من العاب الملاهي !
      كنت في الماضي اختار اصعب العاب الملاهي ، واجلس دائماً في مقدمة الإفعوانات .. لكن الآن كبرت ، وصرت أدوخ من هذه الألعاب.. يا الله حسن الختام

      حذف
    2. ابن اليمن ايش قصتك مع حرف الظاء.... الا يوجد في قاموسك حرف الضاد

      حذف
  2. ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون
    انها سنة كونيه هذا التفاوت والطحن والاعراض
    قال الرفيق جيفارا : انني لاحس بالم كل صفعه توجه الى اي مظلوم في هذه الدنيا
    فاينما وجد الظلم فذاك هو وطني .

    اما وقد وعدنا بدخول الجنه قبل المترفين ب 500 سنه .
    فماذا عن الأسى واللءواء في الهجير .
    افيظن مخبولا بأن هذا الجهاز سينقل كل النوى كل الجوى
    افينقل كلوم الجراح وكل النواح
    افينقل انين الليل ودحس الويل
    افينقل خذلان كل كلاب الحي قاطبة
    وكل خنازير بني جلدتنا
    ام ينقل الم العنقود المعقود السرمدي
    ام ينقل مر الحنظل بالحلوق
    لا اعتقد انني ارغب بنقل وعيي لاحد ولو على سبيل التجربه رحمة بالابعد الذي قد يكفر .
    ولم تزل تلكم الكاتبه تنكأ جراح الباءسين
    بقلمها و سكينها🔪 بكرة وعشيا .

    وقلت يا أملي 📣 في كل ناشبة
    ومن عليها لنقل البؤس اصطبر

    هلمي الى المسرح يا بنيه ..تفضلي المايك معك 🎤 ..
    وجهي كلمه للنشء الحزين

    اعطيهم جرعة سلبيه كي يستطيعون المضي قدما
    عددي لهم طرق الانتحار وفواءد كل منها
    خبريهم بفواءد الموت غضا

    تفضلي 🎤:







    ردحذف
    الردود
    1. لست متشائمة .. بل احاول قدر الإمكان إيجاد افكار متفائلة لقصصي ، لكن الواقع يجبرنا على قول الحقيقة .. وبأن الجانب السيء من الدنيا ، اكثر بكثير من جانبه الجيد .. ماذا نفعل ؟ هذا قدرنا !

      حذف
    2. ايه ياشيخه ..
      ايه ياشيخه ...
      ايه بقى ياشيخه ..
      ربنا يهد المفتري ..واشوفك متشحتفه

      ( بصوت سعيد صالح في مدرسة المشاغبين ) لابله عفت .. ههههه

      برميلا من التفاؤل ..فنطاس من الأمل حاويه من الايجابيه ..
      يعني حقا بجد هذا ليس صحيا من أجلك ..😈


      حذف
    3. ماذا نفعل معك ؟ ان كتبنا قصة تشاؤمية ، تنتقدنا .. وان كتبنا متفائلة ، تسرد لنا شعراً عن الكآبة .. ما نوعية القصص التي تعجبك ؟ لديّ فضول لمعرفتها

      حذف
    4. أملانو اكبحي جماح فضولك فأخونا عاصم قصة بذاته

      حذف
    5. القاتمه المتفحمه كواقعنا يا امل

      فلا تغشي المريض بانه غدا سيشفى من ادرانه وسرطاناته وسيمشي على الشاطيء صحيحا برفقة خطيبته يتسامرون ويلعبون ويلهون ..

      لا بل طسيه بالفاجعة طسا بوجهه الباءس حتى يتعلم الشقي الا يحلم مرة اخرى .
      والا يتمنى ماليس له ولن يكون له ويشفى من الانتظار..
      ويكف عن الامل ويعتاد الالم رفيقا ابديا .

      حذف
    6. ابن اليمن : معك حق.. الأخ عاصم لغز بحد ذاته .. فلا احد يولد بهذا القدر من التشاؤم ، لابد ان الدنيا كانت ظريفة جداً معه ! كحالنا جميعاَ

      حذف
    7. عاصم
      تعليقك الاخير الكتبته للأخت امل
      كان موجع وخليتني حتى افقد املي. بالشفاء 💔

      حذف

المُسامح كريم

تأليف : امل شانوحة     الخيانة المُدمّرة  تفاجأت سلمى بحصولها على دعوة لبرنامجٍ تلفزيونيّ جديد ! أجلسوها فيه امام شاشةٍ مُطفأة ، حيث سألها ا...