السبت، 18 نوفمبر 2023

التربية القاسية

تأليف : امل شانوحة 

برّ الوالديّن


- ماهذا العقوق ؟! مُحال أن اقبل بوضع ابي في دار المسنين !

- لا تحكم علينا يا اخي .. فأنت هاجرت لدراستك الجامعيّة ، ونحن اعتنينا به لسنواتٍ عديدة .. لكن لم يعد باستطاعتنا تحمّل طباعه الصعبة

- حسناً انتظروني لحين انهاء اوراقي الرسميّة ، وسآتي للإعتناء به بنفسي

- معك اسبوعين فقط ، فزوجاتنا لن تتحمّله اكثر من ذلك

***


فور عودة اخوهم الطبيب للبلاد ..قدموا لزيارته ، ومعهم والدهم العجوز وأغراضه

الأخ الأوسط : الأمانة أصبحت عندك ، إعتني به لحين وفاته

الطبيب بصدمة : أهذه نهاية تعبه معكم ؟!

- والدنا ازداد صعوبة بعد وفاة امنا.. اعان الله زوجتك الأجنبيّة عليه

^^^


بعد ذهاب إخوته .. رتّب الطبيب غرفة الضيوف لوالده الذي مازال غاضباً من ابنائه العاقّين..

الطبيب : رجاءً ابي لا تدعي عليهم ، فكلاً لديه ظروفه.. وربما حان دوري للإهتمام بك ، بعد غربتي لسنواتٍ طويلة

العجوز بقهر : بارك الله فيك ، يا بنيّ

- هل تريد تناول العشاء معنا ؟

- لا ، اريد النوم باكراً

- كما تشاء ابي .. تصبح على خير

^^^


لكن العجوز ظلّ سهراناً حتى الصباح ، وهو يستذكر ماضيه مع ابنائه .. رغم عدم استغرابه جفاؤهم ، لقسوته عليهم طوال فترة طفولتهم ومراهقتهم  

كما لومهِ على وفاة امهم باكراً بعد حرمانها من رؤية اهلها وتعامله السيء معها ، وإهانتها باستمرار رغم لطافتها وحسن تدبيرها ، فهو لم يعرف قيمتها إلاّ بعد وفاتها ! وأكثر شيءٍ أخافه ، هو كلامها على فراش الموت : بأنها ستطلب من الله زوجاً آخر بالجنة ، يُعوّضها عن حياتها البائسة معه ! 

وأمنيّتها هذه قهرته .. لغيرته الشديدة عليها ، ولعدم تحمّله خسارتها في الآخرة ايضاً

***


بمرور الأيام .. تقرّبت زوجة الطبيب من عمّها الذي أخبرته عن لقائها بإبنه في المشفى الذي عملت فيه ممرّضة.. وبسبب معاملته اللطيفة معها ، أعلنت إسلامها بعد قبولها الزواج به


وقد لاحظ العجوز تصرّفات ابنه الحسنة مع زوجته الأجنبيّة ، حيث اعتاد تقبيل  رأسها بعد عودته من العمل ، وشُكرها على إعدادها الطعام واعتنائها بالأولاد في غيابه !


كما انتبه على سلوكه الرائع مع ابنائه .. خاصة عندما اراد طفله الصغير تناول الطعام بيده اليسار .. فظلّ الطبيب لنصف ساعة يعلّمه الأكل باليمين ، مع ابتسامةٍ حنونة وصبرٍ كبير ! 

ليتذكّر العجوز ضربه ليد طفلته مراراً في صغرها لأكلها باليسار ، حتى ابكاها من الألم ..


كما تذكّر ابنه المراهق الذي مازال لليوم يرفض الصلاة والصوم ، بعد إجباره وهو صغير على الذهاب معه لصلاة الفجر في صباحٍ بارد .. فلوّث ملابسه غصباً عنه ، ليقوم بضربه وأهانته امام المصلّين !

فكبر ليُصبح علمانيّاً ، تحدّياً لوالده الذي علّمه الدين بقسّوةٍ مبالغة.. 


وهاهو يرى ابنه الطبيب يُسمّع القرآن لإبنه البكر بابتسامةٍ وهدوء ، مع وعده بهديّة في حال أنهى جزء عمّ سريعاً .. ممّا شجع ابنه على حفظ المزيد من السوّر القرآنيّة


كما شاهد ابنه يضحك مع طفلته التي تصرّ على وضع المكياج له.. الى ان توصّل لاتفاقٍ معها على رسم شاربٍ له بألوانها ، بعد إفهامها بلطف بأن الرجال لا يتشبّهون بالنساء.. 


ليتذكّر العجوز ابنته الصبيّة التي اهانها امام صديقاتها ، حين رآهم يتزيّنون في غرفتها .. ومن يومها تتجنّب الحديث معه !


ففهم ان قساوته على اولاده ، وإهانة امهم امامهم جعلهم ينفرون منه .. مع ان معاملته مع الناس رائعة ، لتوقّعه الخير من الغرباء دون عائلته ! لكنه فشل بتحقيق الأمرين : بعد تخلّي الناس واولاده عنه ، بعد كبر سنه

***


وفي إحدى الليالي .. إستيقظ الطبيب ، ليجد والده مهموماً بالصالة :

- لما لم تنمّ يا ابي ؟!

العجوز : اريدك ان تصوّر وصيّتي

- لا تقلّ ذلك .. أطال الله عمرك

- صوّرني بجوالك ، ولا تجادلني رجاءً

- كما تشاء يا ابي


ثم سجّل العجوز وصيّته لإبنائه .. مُبتدئاً كلامه بتفسير قسّوته عليهم : خوفاً ان يكون ضعيف الشخصيّة كوالده الذي أُهين آخر عمره .. لكن جلافته أتتّ بنفس النتيجة !


ثم تنهّد العجوز مُطولاً ، قبل أن يقول : 

- سامحوني يا ابنائي ، فأنا لا اكرهكم مُطلقاً ولا اكره امكم .. فهي امرأة مثاليّة لم تقصّر يوماً في تنفيذ طلباتي ، وربّتكم افضل تربيّة بغيابي وبانشغالي الدائم مع أصدقائي.. ظناً بأن واجبي الوحيد : هو توفير المال لكم ! ولم ادري ان عليّ نصحكم والبقاء بجانبكم وتوفير الأمان لكم.. بل العكس !! ارعبتكم بصرامتي ، لدرجة جعلتكم تهربون لغرفكم فور دخولي المنزل ، خوفاً من عصبيّتي الزائدة ! بينما رأيت احفادي يهجمون على ابني الطبيب فور عودته من العمل ، لأنه الأمان بالنسبة لهم.. ففهمت انني خسرت حب زوجتي واطفالي.. 


ثم مسح دموعه ، مُكملاً كلامه : 

- ليت الزمان يُعيدني للماضي ، لأكون اباً جيداً لكم.. لكن الحياة كانت قاسية معي ، وأجبرتني على العمل بسنٍ صغيرة بعد مرض والدي وملازمته الفراش.. فكنت مراهقاً لديه الكثير من المسؤليّات .. وكم أشفقت على نفسي وانا ارى زملائي يكملون دراستهم ويلعبون بالشارع ، بينما عليّ العمل في وظيفتيّن صباحيّة ومسائيّة ، لتوفير المال لأهلي وجمع المال لعرسي.. فكبرت قبل سني ، لتصبح هناك فجوة زمانيّة بيني وبينكم.. وكان بإمكاني الشعور بطفولتي وانا ألاعبكم ، لكني اردّت ان اكون قدّوة لكم .. فلم اتنازل لطلباتكم البريئة بمشاهدة الرسوم المتحرّكة معكم ، او إخباركم قصصاً قبل النوم.. 


فسامحوني يا ابنائي ، فأنا الخاسر بينكم.. وأملي الأخير ان تسامحني امكم في الآخرة .. لهذا وصيّتي ان تدفنونني في قبرها ، لربما تلتقي روحيّنا بالسماء لطلب السماح منها.. وانتم ايضاً ، حاولوا نسيان الذكريات السيئة التي تركتها بطفولتكم ..وسامحوا والدكم العجوز الذي قريباً لن يكون معكم.. اما وصيّتي لأخوكم الصغير : ان لا يترك دينه بسبب قسّوتي عليه ، حتى لا أُحرم انا وامه من لقياه في الجنة .. وساعدوه على إصلاح دينه لأجله .. هداكم الله جميعاً لما يُحب ويرضاه .. وأختم وصيّتي بهذا الدعاء : ((اللهم استودعتك ابنائي ، يا من لا تضيع عنده الودائع))


ثم أشار لإبنه الطبيب بإنهاء الفيديو الذي سارع بإرساله لإخوته الذين شاهدوه فور استيقاظهم

***


وفي الصباح الباكر وقبل ذهاب الطبيب الى عمله ، تفاجأ بقدوم إخوته الثلاثة الى منزله لرؤية والدهم ، بعد ان ابكاهم الفيديو كثيراً !


فأدخلهم غرفة الضيوف ، مُحاولين إيقاظ ابيهم .. لكن عينيه المفتوحتين ووجهه الشاحب جعلهم ينهارون بالبكاء ، بعد تأكّدهم من وفاته !

***


في المقبرة وبعد ذهاب المُعزّيين ، بقيّ ابنه الصغير لوحده امام قبر والديه:

- لي مدة طويلة لم ادخل الجامع ..واليوم دخلت للصلاة عليك يا ابي .. لهذا اعدك بالعودة الى رشدي وديني ، لألقاك انت وامي بالجنة.. فأنا سامحتك على قساوتك معي طوال حياتي.. وانت ايضاً سامحني على عقوقي معك


ثم قرأ الفاتحة ومسح دموعه وخرج من المقبرة ، دون علمه ببكاء روح والده فرحاً على هدايته اخيراً .. والذي عانق روح زوجته التي سامحته عن الماضي ، لينطلقا معاً مسروريّن الى جنّة الخلد  


هناك 12 تعليقًا:

  1. آسفة على تأخّر بالنشر ، لمشاكل في الحاسوب .. اتمنى ان تعجبكم القصة

    ردحذف
  2. 😭😭😭
    ما تحملت وبكيت بنهاية القصه😭💔
    القصه تشگ شگ😭

    ردحذف
  3. الحقيقه ان هناك بعض الاباء والامهات يستحقون الضرب بالنعال بكرة وعشيا

    ولكن لم يعد اي من هذا يهم الان فكلنا هالكون لا محاله وساءرون لمصير مظلم شقي

    فيا قوم لوووط ...
    ايا قوم المغرب والحجاز ومصر والشام والعراق ...
    يا اهل الشقاق والنفاق ومساوءي الاخلاق
    خبتم وخاب مسعاكم وتبوأتم من الجحيم منزلا


    ردحذف
  4. جزاك الله خيرا استاذه امل دوما متالقه

    ردحذف
  5. القصه حزينه جداً .. بالأمس صباحاً أتانا خبر استشهاد والدي ، واليوم قرأت هذه القصه فتأثرت كثيراً.. رحم الله جميع الشهداء .. والينصر المجاهدين ..

    ردحذف
    الردود
    1. رحم الله والدك وجميع الشهداء ..
      سبحان الله ، ماذا كان سيحصل لوّ بقيت في منزل زوجة والدك بعد رحيله ؟! الله انقذك منها في الوقت المناسب .. ((عسى ان تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ))

      تأكّد ان الله نجّاك من شرورها ، لأنك ستكون انساناً مهماً في المستقبل .. فعقلك الذي يتجاوز سنك هو اكبر برهان بأن الأيام السيئة مرّت وانتهت ، والمستقبل سيكون مُبهراً ورائعاً بالنسبة لك .. المبدع الصغير ، ابن العراق .. تعازيّ الحارّة لك

      حذف
    2. أمين .. أخبرتني خالتي بكلامك أيضاً ، خصوصاً أن والدي عندما استشهد .. سيقومون بقطع راتبه ابتداءً من الشهر المقبل .. إلا بشرط أن تقوم زوجته بملفات وأوراق كثيرة ويستغرق وقتاً طويلاً .. وأن ذهبت للأشخاص الذين يجلسون على الكراسي ، وطلبت إعادة راتب زوجها .. سيطلبون شرفها أولاً ، من بعدها يفكرون بأعادته أم لا .. والحمدلله إني تخلصت منها .. لأني بالتأكيد سأكون ضحيتها الأولى لاكتساب المال .. هذا ما قالته خالتي.. وسيعطونها راتب قليل في كل شهر ، كوناً بأنها أرمله .. أنا أؤمن بأي قضاء يأتي من الله.. وسأحمد الله واشكره بالشيء السيء والجيد ، استشهاد والدي أفضل بكثير من العيش مع زوجته الشريرة .. فالخبيثون للخبيثات .. ووالدي ليس خبيثاً ولا سيئاً ولا يستحق تلك الشريره أبداً.. وأنا واثق بأن الله سيرزقها بزوج يحمل صفاتها ونواياها السيئه فالقرأن لا يكذب أبداً .. واتمنى حقاً أن تتزوج حتى لو تأخر الوقت للسنه ، المهم أنها أن تزوجت سيأخذ عمي إخوتي الصغار ، وسيتركهم معي .. اشكرك على كلامك .. وبصراحه شديدة لولاك لما تشجعت واخبرت خالتي ، أشكرك من أعماق قلبي .. وسأركز على مستقبلي كثيراً.. خصوصاً من ناحية الدراسه فأنا لا أرغب بأن أكون تحت أيدي الناس بالعمل مذلولاً ومكسوراً .. وبأذن الله سأكون أفضل شخص من اقراني وسيعوضني الله بالكثير .. سأبقا أشتاق لوالدي و والدتي.. أتمنى حقاً أن يعيشا بسعادة بالاخره وان يعوضهما الله أكثر بكثير .. تحياتي لك ..

      حذف
    3. رحم الله اباك يابن اخي
      اليك مرثية اوفراقية بن زريق البغدادي

      اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً

      بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ

      وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي

      صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

      وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً

      وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ

      لا أَكُذب اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ

      عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ

      اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ

      كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ

      أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ

      لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ

      إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفِنُها

      بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ

      بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ

      بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ

      لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذا

      لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ

      ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي

      بِهِ وَلا أَن بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ

      حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ

      عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ

      بالله يامنزل القصف الذي درست

      اثاره وعفت مذ غبت اربعه

      هل الزمان معيد فيك لذتنا

      أم الليالي التي مرت وترجعه

      فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ

      وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ

      مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ

      كَما لَهُ عَهدُ صِداقٍ لا أُضَيِّعُهُ

      وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرَهُ وَإِذا

      جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ

      لَأَصبِرَنَّ لِدهرٍ لا يُمَتِّعُنِي

      بِهِ وَلا بِيَ فِي حالٍ يُمَتِّعُهُ

      عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً

      فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ

      عَل اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا

      جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ

      وَإِن تُنلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ

      فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ

      حذف
    4. اشكرك يا عمي لوضع هذه القصيده ..
      آمين و رحم الله جميع الشهداء

      حذف
    5. الله يرحمه ويكتبه من الشهداء

      حذف
  6. القصه حلوه اتمني ان يقرأها كل اب وام

    ردحذف
  7. الصراحه أكو آباء يستحقون الطرد بالشارع ومو ابدار المسنين!

    ردحذف

طبّاخة الأسر

تأليف : امل شانوحة  ماما صوفيا هجمت كتيبةٌ إلمانيّة على منطقةٍ ريفيّة روسيّة اثناء الحرب العالميّة الثانية ، مُستغلين خلوّ القرية من رجالها ...