الأربعاء، 17 يناير 2024

قرية الصالحون

تأليف : امل شانوحة 

 

الجوامع الأربعة


إضّطر الشيخ لأخذ زوجته وابنه (٩سنوات) لزيارة عائلته في المدينة المجاورة بعد غروب الشمس ، لحضور جنازة قريبه الذي سيُدفن صباح اليوم التالي


وفي الطريق .. أخذ منعطفاً لم يسلكه من قبل ، للوصول سريعاً الى وجهته.. لكن يبدو ان الطريق اوصله الى قريةٍ جبليّة لم يرها من قبل! 

بهذه الأثناء ، ألحّ ابنه على دخول الحمام .. كما رغبت زوجته التزوّد بالطعام والماء ، لعدم توقعهم السير كل هذه المسافة.. 

بينما أراد الشيخ الصلاة بعد سماعه اذان العشاء.. فأوقف سيارته امام جامعٍ مدهون باللون الأزرق.. وذهبت زوجته وابنه للطرق على احد المنازل القريبة من الجامع ، لطلب المساعدة


ففتحت امرأة عجوز باب بيتها ، وهي تسألها :

- ماذا تريدين ؟

زوجة الشيخ : هل يمكنك السماح لإبني بدخول الحمام ، فالجامع ليس فيه مكان للوضوء !

- تبدوان تائهان .. هيا ادخلا


ثم طلبت العجوز من حفيدها ، أخذ الصبي الى دورة المياه .. بينما ذهبت مع الأم للمطبخ لتزويدها بالطعام ، بعد معرفتها بأنهم عابري سبيل

وهناك سألتها زوجة الشيخ :

- لما اراك مهمومة يا خالة ؟!  

العجوز بضيق : ماذا افعل بكنّتي التي تخلّت عن ابنها بعد وفاة ولدي ؟ فأنا كبيرة بالسن ، ولا يمكنني الإهتمام بالصغير

- ولما تركت ابنها ؟

- للزواج ثانيةً

زوجة الشيخ : اذاً إفسدي عرسها بإخبار خطيبها عن تخلّيها عن ابنها ، وقصصاً أخرى عن سوء معاملتها لإبنك المرحوم .. حينها يخاف منها ويتركها.. وبذلك تُجبرينها على الإهتمام بحفيدك 

العجوز بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!

- نعم ، فمن حقك العيش مرتاحة في منزلك

- عرسها آخر الإسبوع ، وأظني سأنفّذ اقتراحك .. فنحن بالعادة نثق بكم


ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ تجاهلته ، وأخذت ما يلزمها من طعام لنهاية رحلتهم

^^^


في هذه الأثناء .. تكلّم حفيد العجوز مع الولد جانباً :

- اريد سؤالك عن طريقة يمكنني العيش بها مع أمي.. فجدتي عجوزٌ جداً ، ولا يمكنها الإهتمام بي

ابن الشيخ : اذاً شاغب قدر الإمكان ، ولا تنفّذ اوامرها.. وبذلك تُجبرها على إعادتك لأمك ..

الحفيد بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!

- طبعاً !! فالحياة مُملّة مع العجائز

- شكراً لك ، فنحن تعوّدنا على التعلّم منكم

ثم رجع الصبي لأمه ، للعودة لسيارة والده

^^^


بهذه الأثناء .. أنهى الشيخ صلاته خلف صفّين من المصلّين.. ليجد رجلاً بجانبه يقول :

- تبدو غريباً عن منطقتنا

الشيخ : انا وعائلتي عابري سبيل

- اذاً رجاءً تحدّث مع شيخنا الهرِم لترك الإمامة ، فهو يصلي ببطءٍ شديد

- ولما لا تخبرونه بذلك ؟

الرجل : هو عنيدٌ جداً.. وبما انك شيخ ، فربما يستمع اليك ويدع المهمّة لغيره 

- حسناً سأكلّمه


واقترب من الإمام ، لإخباره بشكوى قريته..

الإمام العجوز باستغراب : أتريديني ترك مهمّتي التي عملت فيها لسنواتٍ طويلة ؟!

الشيخ : من واجبنا كمشايخ ، التشجيع على الصلاة بالجامع.. وركوعك وسجودك البطيء يُصيبهم بالمللّ

- إن كان هذا رأيك ، فسأعود من حيث اتيت ..لأني اثق بكم

الشيخ باستغراب : تثق بنا ! .. المهم انك عملت جهدك ، وجزاك الله خيراً.. الأفضل ان تسترحّ مع اهلك ، ودعّ غيرك يتحمّل المسؤولية

- كما تشاء يا بنيّ

***


بعد عودته للسيارة.. حاول إدارتها ، لكن السيارة توقفت عند منعطفٍ آخر من قرية الجبل .. قرب جامعٍ مطليّ بالأحمر ، وصوت امام المسجد الأجشّ يصدح وهو يؤمّ المصلّين

الشيخ باستغراب : لكننا صلّينا قبل قليل !

زوجته : هذا جامعٌ آخر ، وربما تأخروا بالإقامة

زوجها : جامعان لنفس القرية الصغيرة ! أهم اناسٌ صالحين لهذه الدرجة؟!

فقال ابنه من المقعد الخلفيّ : 

- امي .. هل يمكنني دخول الحمام ؟

الأم بعصبية : الم تدخل قبل قليل ؟!!

ابنها : معدتي تؤلمني

فقالت لزوجها : حسناً ، سآخذه لأحد المنازل

الشيخ : وانا سأدخل الجامع ، لأرى وضع المصلّين

^^^


وكان شكل المسجد من الداخل مختلفاً عن سابقه ، تماماً كهيئة المصلّين ! ففي الجامع الأزرق كان معظمهم نحيلي الأجسام ، اما هؤلاء فمميزين بضخامة العضلات ! فانتظر الشيخ لحين انتهائهم من الصلاة.. ليجد رجلاً يقترب منه وهو يقول :

- تبدو غريباً عن منطقتنا !

الشيخ : انا عابر سبيل .. ولم أصلّي معكم ، لأني صلّيت بالجامع الأزرق

- تقصد خلف الإمام العجوز ؟

- وإمامكم يبدو صوته..

الرجل مقاطعاً : مزعجاً ، اليس كذلك ؟ ليتك تنصحه بتسليم عمله لمن هو افضل منه

- لما قريتكم لديها نفس المشاكل ؟!

الرجل بضيق : لأن كبارنا يستحوذون على اهم المراكز ، ويرفضون تركها

- اذاً سأحاول نصحه


واقترب من شيخهم لإخباره : بأن الصوت الجميل من شروط الإمامة ، كيّ لا ينفّر غيره من الصلاة.. وأكمل قائلاً :

- لابد في قريتكم شخصاً صوته عذبٌ وجميل

الإمام : يوجد الكثير منهم ، لكنهم لا يعلمون بأمور الدين مثلي

الشيخ : اذاً علّمه ، ثم وكّله بالإمامة

- إن كان هذا رأيك ، فسأترك مهمّتي .. لأني اثق بكم

الشيخ بدهشة : بنا من جديد ! كلامكم غريب ، ولا افهمه .. المهم انني نصحتك ، والقرار يعود لك

ثم خرج من الجامع..

^^^


في هذه الأثناء .. نصحت زوجته المرأة (التي دخلت بيتها) بصرف مال زوجها اولاً بأول حتى لا يفكّر الزواج عليها ، كما هدّدها دائماً

المرأة باستغراب : الا نعاقب على التبذير ؟!

زوجة الشيخ : أليس افضل من هدم منزلك ، وتشتّت عيالك ؟

- إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ نصيحتك .. فنحن نثق بكم


ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ انتظرت عودة ابنها بصمت .. والذي بدوره نصح ابن المرأة بضرب ابن الجيران المتفوّق عليه دراسيّاً

ليردّ بدهشة : أحقاً يمكنني ضربه ؟!

ابن الشيخ : نعم !! فهو يتباهى امام اهلك ، بأنه اذكى منك.. لهذا اضربه بالخفاء ، حتى لا يتجرّأ على ذلك ثانيةً  

ابن المرأة : كما تشاء ، فأنتم ادرى بهذه الشؤون

***


ثم خرج الولد مع امه باتجاه السيارة التي ادارها والده..

لكن قبل خروجهم من القرية ، تعطّلت مجدداً قرب الجامع الأخضر!

زوجة الشيخ بضيق : ما بال سيارتنا تتوقف دائماً امام الجوامع ؟!

زوجها : بل قولي ، لما يوجد ثلاثة جوامع في قريةٍ صغيرة ؟!

ليسمع صوت الإمام الذي يبدو انه يصلي بسرعة !

فنظر الشيخ لساعته :

- مرّت نصف ساعة على انتهاء توقيت الصلاة ! ماذا يصلّي هؤلاء ؟ سأدخل لأراهم..


فنزل للجامع.. وبعد قليل ، قال ابنه بألم من المقعد الخلفيّ :

- امي ! عضضّت لساني وانا اكل الشطيرة ، والدم لا يتوقف

امه بقلق : اذاً لنذهب لذلك البيت ، لغسل فمك

^^^


وهناك التقت بعروسٍ جديدة ، فضّفضت لها عن مشكلتها .. في الوقت الذي كان ابنها يغسل فمه بالحمام ، وبجانبه اخت العروس الصغيرة


زوجة الشيخ : اذاً هو يتركك بالساعات لزيارة اهله ، رغم انك عروس منذ اسبوعين فقط ؟!

العروس بحزن : نعم .. ويريد عزيمتهم كل يوم ، فور انتهاء شهر العسل  

- من حقك ان تسعدي ببيتك وزوجك ، دون تدخّل اهله

- ماذا افعل يا خالة ؟ إنصحيني

زوجة الشيخ : بعد كل زيارة لهم ، حدّثيه عن اخطاء امه واخوته سواءً بالتصرّفات او الأقوال

- وإن لم يفعلوا شيئاً خاطئاً ؟

- لفّقي التهم ضدّهم ، الى ان ينفر قلبه منهم ..وبذلك يمنعهم من زيارته ، ليصبح المنزل لك وحدك 

العروس بصدمة : أيمكنني فعل ذلك ؟!

- ما بال هذه القرية بريئة اكثر من اللزوم ؟! نعم حبيبتي ، يمكنك فعل ما يلزم لضمان سعادتك  

- حسناً .. انتم ادرى بهذه الشؤون ، ونحن نثق بكم

زوجة الشيخ بضيق : لما تصرّون على محادثتي بصيغة الجمع ؟!

لكن العروس التزمت الصمت !

^^^


في هذا الوقت .. كان ابنها ينصح الصغيرة باستعمال زينة اختها العروس ، كما تتمنى..

الأخت : أتقصد انه يمكنني سرقة هدايا عرسها دون علمها ؟!

ابن الشيخ : لما لا.. أظن اختك حصلت على العديد من الهدايا ، ولن تتذكّرها جميعاً

- حسناً ..إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ كلامك .. فنحن بالعادة نصدّق افعالكم


وهنا نادته امه :

- هل انتهى نزيف فمك ؟!!

ابنها : نعم امي ، انا قادم !!

^^^


بهذه الأثناء .. انتهت الصلاة بالجامع الأخضر ، بعد ملاحظة الشيخ سرعة إمامهم بالركوع والسجود ! حتى إن مصلّي عجوز اقترب منه بنهاية الصلاة ، وهو يسأله :

- تبدو مُتديّناً يا بنيّ ؟

- انا شيخ بالمنطقة المجاورة

العجوز : رجاءً إخبر إمامنا بترك عمله ، فركبتي تؤلمني بنهاية كل صلاة

الشيخ : هو فعلاً سريع ، ولا يراعي الظروف الصحيّة للمصلّين

- إنصحه رجاءً


فاقترب من الإمام الذي رغم كبر سنه إلاّ انه يتمتّع بصحةٍ جيدة.. ونصحه بترك مهنته لمن يتدبّر الصلاة افضل منه..

الإمام : كما تشاء ، فنحن نثق بكم

الشيخ بعصبية : لما تتحدثون معي وكأني قادم من كوكبٍ آخر ؟! فأنا نصحت مشايخ قريتكم بتوظيف غيرهم ، حتى لا تكره الأهالي الدين.. ولا نوايا أخرى لي 

^^^


ثم خرج من الجامع ، ليجد زوجته تبحث حول السيارة بفزع :

- ماذا هناك ؟!

زوجته بخوف : لا اجد ابننا !! 

الشيخ بصدمة : ماذا !

- خرجنا معاً من منزل العروس التي اعطتنا العصير.. وعندما انشغلت بوضعهم في السيارة ، إختفى الولد 

- من أي منزلٍ خرجتِ ؟

زوجته : هناك

وأشارت للمكان ، لتتفاجأ باختفاء منزل العروس ! مما ارعبها كثيراً 

- احلف ان منزلها كان بجانب الجامع 

الشيخ : تعالي نبحث عنه


لكن كلما تعمّقا في الحيّ القديم ، تحوّلت ابواب المنازل الى جدارنٍ طينيّة ! حتى الجامع اطفأ نوره ، ليعمّ الظلام على طول الجبل


وفجأة ! سمعا ضحكاتٍ مريبة ، جعلتهما يركضان باتجاه السيارة التي اقفلا ابوابها 

ليظهر لهما مخلوق بقرنين مخيفين ، وهو يطرق بقوة على مقدّمة سيارتهما ويقول :

- انا ممتنّ لكم.. فهذه قرية الجن الذين اهتدوا بزمن النبي محمد .. وقد تعاهد مشايخهم الأربعة مع والدي ، أعني ابليس .. بعدم تعليمهم الدين لأحدٍ من قريتهم ، بشرط عدم إغواء شعبهم الذين يلتجأون لهم في نصائحهم اليومية.. وبسبب اتفاقهم القديم مع ابليس ، لم نستطع نحن الشياطين إفسادهم .. فحافظوا على طهارة قلوبهم ، كالسلف الصالح ! ولأنهم يثقون بالمسلمين البشر ، تمكّنت زوجتك وابنك بنشر الفساد بينهم.. بينما كنت السبب بترك شيوخهم الثلاثة للإمامة ، وعودتهم لباطن الأرض.

زوجة الشيخ : هل انت من خطفت ابني ؟

الشيطان : نعم !! لأنكم على وشك الرحيل من القرية ، قبل انهاء مهمّتكم الأخيرة ..وهو الشيخ الرابع والأخير ، إمام الجامع الأبيض الموجود اعلى الجبل


فنظرا الى حيث اشار.. ليجدا الجامع الكبير الذي كان يؤذّن للعشاء ، رغم تأخّر الوقت !

الشيطان : لا تستغربا .. فالأوقات هنا تختلف في كل حيّ ، بقرية الجن المسلمين.. لهذا سأدعّ السيارة تتحرّك وحدها ، لأخذكما الى هناك.. (ثم اشار للشيخ) ..اريدك ان تجد طريقة لإقناعه بترك الإمامة .. وفي المقابل أعيد ابنكما ، وإلاّ لن ترياه ثانيةً


واثناء تحرّك السيارة وحدها صعوداً.. تساءل الشيخ بضيق :

- تُرى ما عقوبة إفسادنا للجن المسلم ؟!

زوجته بقلق : المهم ان تنقذ ابننا !! رجاءً نفّذ ما امرك به الشيطان

^^^


وبوصولهما لأعلى الجبل ، بقيّت الزوجة في السيارة .. بينما دخل الشيخ للجامع مُتثاقلاً ، لإقناع الإمام الأخير بترك عمله.. والذي اجابه برضا :

- طالما وجدت تجويدي للقرآن خاطئاً ، فسأترك عملي .. لأني اثق بكم


وفجأة ! اختفى الإمام ، ليبدأ المصلّون بالإختفاء الواحد تلوّ الآخر .. 

فأسرع الشيخ الى سيارته .. ليشاهد تجمّع اهالي الأحياء الأربعة في ساحةٍ وسط الطرقات الجبليّة ، بعد ظهورهم على حقيقتهم ! حيث بدوا من اجناسٍ مختلفة من الجن والذين عاشوا بهذه القرية المنعزلة ، هرباً من الجن الفاسد والشياطين .. وحسب اشكالهم فهم مقسّمين : للجن المائي والناري والهوائي والترابي ..والذين قرّروا دون سابق انذار بتدمير مساجدهم الأربعة وحرقها ، بعد اختفاء شيوخهم الذين احتفظوا بعلوم الدين وحدهم ! ليتبدّل صوت الآذان ، بالعزف والرقص والمزامير والطبول .. وكأن جيشاً من الشياطين استولت على عقولهم وقلوبهم .. 


بينما سارع الأب (الشيخ) باحتضان ابنه الذي خرج من احد منازلهم .. ثم انطلق بعائلته ، وهو يقود سيارته بسرعة باتجاه الطريق العام ، وهو يشعر بتأنيب الضمير بعد نشره هو وعائلته الفساد بقرية الجن المسلمين الذين حافظوا على دينهم لقرون عديدة

^^^


وفي الطريق .. إلتزم الوالدان الصمت وهما يستذكران تلويثهما لقلوب القرية الطاهرة ، دون علمهما بأن الشيطان (الذي ظهر للشيخ سابقاً بهيئة المصلّين المنزعجين من أئمّتهم) تلبّس جسد ابنهما الصغير الذي سيدمّر سمعة والده الشيخ فور بلوغه ، ليصبح لعنة على اهله وعلى المجتمع بأكمله !


الأحد، 14 يناير 2024

سنلتقي ولوّ بعد حين

تأليف : امل شانوحة 

 

الحب الدائم


بعد وفاة امها بسنتين .. اوصلت والدها بسيارتها ، لإعادته الى مزرعته.. فسألها بقلق :

- متى ستظهر نتيجة فحص دمي ؟

ابنته : خلال يومين

(فهي تعمل بمختبر يبعد ميلاً عن قريتهم الريفيّة)..

وأكملت قائلة : 

- لا تخفّ يا ابي ، مجرّد ارهاق من عيشك وحيداً بالمزرعة.. عليك وضع اعلان لشابٍ يساعدك بأعمال الحظيرة

الأب : لا احتاج لأحد.. فقط اوصليني للمنزل

^^^


في الطريق .. إدارت راديو سيارتها الذي عرض اغنيةً قديمة.. ليسارع والدها بإطفاء الراديو بعصبية :

- لا احب هذ الأغنية !!

ثم أسند رأسه للنافذة ، محاولاً إخفاء دمعته ! 


فأحسّت ابنته ان الأغنية ذكّرته بالماضي ! ربما بحبيبةٍ سابقة قبل زواجه بأمها التي لم يحبها يوماً ، لكنه عاش معها بعد تعوّده عليها.. هذا ما أخبرها به ، يوم جنازة امها !

وتذكّرت كيف اشتكت والدتها من جلوسه لساعات في علّية المنزل التي منعها طوال زواجها من الدخول اليها ! وخوفها ان يكون مُحتفظاً بذكرياتٍ قديمة لا يريدها ان تطلّع عليها..

***


بعد وصولهما للقرية .. أخبرها والدها بضرورة زيارته لصديقه المريض ..فأخذته الى بيته ، وعادت الى منزل ابيها وحدها


واعتراها الفضول للصعود للعلّية التي وجدت بابها مفتوحاً هذه المرة ! كأن والدها لم يعدّ يقفلها بعد وفاة امها..

ولم يكن بالغرفة سوى طاولة وكرسي وعلبة كرتون ، وجدت داخلها : البوم صور ، وبضعة رسائل قديمة وأشرطة تسجيل 


وتأكّدت شكوكها بعد رؤية صورة والدها وهو شاب مع صبيّةٍ فاتنة ، ليست امها ! فعرفت انها حبه الأول التي يبدو انه لم ينسها يوماً...

فقد كتب خلف صورتها :

((حبيبتي التي خلعت قلبي من بين ضلوعي ! اكرهها بقدر ما احببتها)) 


فتمّتمت بشفقة :

- يبدو انها كسرت قلبك يا ابي ..لهذا لم تحبني انا وامي ، مهما حاولنا التقرّب منك ! ترى ماذا فعلت لك ؟!


ووجدت الجواب في الصفحة الأخيرة من دفتر مذكّراته بين سطوره التي كتبها بقهرٍ شديد :

((كنا مراهقيّن عاشقيّن .. لما فعلتي ذلك يا جوليا ؟ لما حملتي من جيم ، عدوي الّلدود ؟! لما نسفّتي كل ذكرياتنا الجميلة ؟ الم تعديني ان نعيش العمر كلّه معاً ؟ الم نتخيّل ابناءنا قبل ولادتهم ؟ كيف تجرّأتي النظر اليّ ، وانت تحلفين انك حامل بإبني بعد رؤيتك تخرجين من منزل اللعين ليلاً ؟ لن اسامحك طوال حياتي))


كما وجدت البوم موسيقي قديم ، فيه الأغنية التي ظهرت براديو سيارتها.. تبدو انها اغنيتهم المميزة ، لهذا كرهها !


ومن خلال آخر رسالة بعثتها حبيبته ، عرفت عنوانها.. والتي بداخلها صورة طفل ، مع ملاحظة خلف الصورة : 

((انه ابنك اريك .. الا ترى الشبه بينكما ؟ انت ظلمتني بشكوكك ، وكسرت قلبي للأبد))


فنظرت الإبنة الى صورة الولد بتمعّن :

- يا الهي ! هذا الولد يشبهني تماماً ، عندما كنت في عمره .. هل هو اخي الكبير ؟!


وسجّلت العنوان في جوّالها على عجل ، بعد سماع مفاتيح والدها بالطابق الأرضيّ 


وأعادت كل شيء مكانه .. ونزلت بسرعة .. لتلتقي بأبيها عند الدرج ، والذي سألها باستغراب :

- ماذا هناك ؟ لما تلهثين ؟!

- لا شيء ، كنت في طريقي للمطبخ .. هل نتعشّى معاً ؟

- تكفيني شطيرة جبن ، وحليبٌ ساخن

- كما تشاء ابي


وظلّت طوال الليل تخطّط للذهاب للمدينة ، لاكتشاف لغز حبيبة والدها الأولى..

***


وبالفعل تحجّجت لأبيها بدورةٍ تدريبيّة في مختبر المدينة ، وعودتها بعد ثلاثة ايام..

وهناك بحثت عن العنوان ، ليخبرها الجار العجوز بانتقال السيدة الى منزل ابنها في المنطقة المجاورة..


وبعد بحثٍ مطوّل ، وجدت الإبن يركن سيارته قرب منزله.. فنادته من بعيد :

- هل انت اريك ؟!!

فنظر اليها باستغراب :

- كيف عرفتني ؟! لم ارك من قبل ! 

الصبيّة : اريد التكلّم مع امك اولاً ، لتأكيد شكوكي.. هل هي بالمنزل؟

- نعم ، تفضلي


وتحدّثت مع السيدة (في الخمسينات) لوحدهما في المطبخ ..وأخبرتها بأنها ابنة حبيبها الأول..

السيدة : لم يفاجئني الخبر ، فأنت تشبهينه كثيراً 

- وأنا عرفت اخي منذ رؤية صورته وهو طفل ، بين رسائلك التي يحتفظ بها والدي 

السيدة بحزن : وانا ايضاً احتفظ بكل ما يذكّرني بأبيك ، رغم قهري من تصديق خيانتي له !  

- حسب الكلام الذي قرأته في مذكّراته ، فقد رآك تخرجين من منزل..


السيدة مقاطعة : جيم اتصل تلك الليلة ، ليخبرني بأنه ضرب والدك بعد شجارٍ عنيفٍ بينهما .. وعليّ أخذه للمشفى بعد فقده وعيّه .. لأتفاجأ بهجومه عليّ ، وتمزيق ملابسي ..وكان اللعين قبل قدومي ، اتصل بوالدك ليخبره بقضائه ليلةً سعيدة معي ! وعند هروبي من الإعتداء ، إلتقيت بوالدك عند الباب .. فصفعني غاضباً ورحل ، دون ان يسمعني ! .. بعدها بشهر علمت بحملي ، وأخبرته انه لم يلمسني احدٌ سواه .. فقد كنا مخطوبيّن ، ونخطّط للزواج بالصيف .. لكنه لم يصدّقني ! .. بعدها سافر للقرية .. وفور علمي بعنوانه بعد ولادتي ، ارسلت له صورة طفلنا ..لكنه لم يردّ عليّ ! لأعلم بعدها بزواجه من امك .. لهذا اضّطررت العمل كنادلة ، لتربية ابني وحدي .. (ثم مسحت دموعها).. والدك كسر قلبي.. فأنا لم احب رجلاً ، كما احببته!


فقالت ابنته : 

- لا تظني انه كان سعيداً من دونك.. فأمي وصفته بالرجل الآلي دون مشاعر ، فهو لم يحبها يوماً .. ولا اذكر مرة حضنني ، او ابتسم في وجهي ! كان فعلاً جسداً بلا روح..

- يحزنني انتهاء مشاعرنا الصادقة 

- عندي خطة للجمع بينكما ، لكني أحتاج لبعض الوقت ..فهل تصبرين ؟

السيدة : صبرت ثلاثين سنة ، لا يهم ان انتظرت بضعة شهور .. يعني ، إن بقينا احياء 

^^^


بعدها اخبرت الأم ابنها (إريك) بالسرّ الذي اخفته عنه ، وادّعائها موت والده بحادث سير قبل ولادته.. لكنه لم يصدّق ان لديه اخت ، قبل القيام بفحصٍ طبّي .. ولأنها تعمل في المختبر ، أخذت عيّنة من دمه ودمها.. وظهرت النتيجة مُطابقة.. حينها وافق الذهاب معها ، للعمل في حظيرة والده كأجير ، دون اخباره بأنه ابنه

*** 


في البداية رفض والدها عمل شابٍ غريب في مزرعته ..لكن بعد أن اخبرته ابنته انها ستتكفّل بمعاش العامل ، بشرط السماح له السكن في غرفتها القديمة.. وافق مُكرهاً ، لعدم إرتياحه للغرباء

***


ومرّت ثلاثة شهور لعمل الشاب مع والده بجهدٍ وتفاني بالحظيرة ، فقد ورث عنه حب الحيوانات والزراعة ! وقد أُعجب الأب به ، لدرجة انه في عيد رأس السنة واثناء تناوله العشاء مع العامل وابنته ، إقترح عليهما الزواج !

فأجابت ابنته بابتسامة :

- مُحال يا ابي ، فإريك هو اخي


وقبل استيعابه كلامها ! وضعت نتيجة المختبر امامه ، وهي تقول :

- اجرينا فحص الأخوّة قبل شهور ، والنتيجة مُطابقة

فنظر الأب للشاب بدهشة : 

- من امك ؟!

فأجاب : انا ابن جوليا .. حبيبتك المراهقة

وجاء الخبر صادماً على الأب :

- لا مستحيل ! والدك هو جيم

ابنه : امي لم تخنك يوماً.. كما لم تتزوّج مطلقاً ، بعد ان كسرت قلبها

وأخبره عن حيلة جيم التي ادّت لانفصالهما..


الأب غاضباً : اللعين !! إخبرني بعنوانه لأقتله بالحال

ابنه : مات بالسرطان قبل اعوام.. وتعذّب كثيراً قبل موته

- يستحقّ ذلك !! فقد كسر قلبيّنا لفترةٍ طويلة

ابنه : امي مازالت تحبك ، وتنتظر اشارةً منك لرؤيتك.. فهي محتفظة بكل هداياك ورسائلك القديمة 

الأب بقهر : وانا ايضاً احتفظ بهم.. فكّرت مراراً بتمزيق رسائلها وصورها ، لكني عجزت عن ذلك ! 

ونزلت دموعه غصباً عنه..

فاحتضنته ابنته ، وهي تقول :

- سأتصل بها الآن ، لكيّ تجتمعا غداً 

***


وبالفعل راقب الأخوان والداهما وهما يلتقيان بعد ثلاثين سنة من الفراق الموجع

لم تكن هناك كلمات بينهما ، فقط حضنٍ طويلٍ دافئ مع الكثير من الدموع.. كان موقفاً رومنسيّاً للغاية ..وهما ينظران لبعضهما مطوّلاً ، كأنهما يحاولان حفظ شكلهما الجديد ، بعد أن ارهقتهما الحياة الظالمة !


ولم يتركا يديهما طوال جلستهما امام المدفئة.. ولم يستطع ولداهما فعل شيء سوى مراقبتهما اعلى الدرج ، كأنهما عادا صغيريّن من جديد !

الأخت : ما رأيك لوّ نخطّط لعرسهما ؟

اخوها اريك : ستكون مفاجأة سارّة لهما 

- اذاً تعال لغرفتي لبدء التجهيزات

***


وبالفعل فاجئا والدهما بتحضير جلسة عرسٍ وسط المزرعة ، عزما عليها كل معارفهما ، بعد ان ألبسا والدهما طقما العرس.. وأحضرا رجل الدين لزواجهما.. 


وطوال الحفل لم يتوقفا عن الإبتسام ، وهما يرقصان بأعينٍ تفيض بدموع الشوق والشغف الحنون !

وقرّر الولدان المبيت بنزلٍ قريب ، لترك المنزل لهما.. ليعودا بنهاية شهر عسل ، ويجتمعوا كعائلةٍ مليئة بالحب والمودّة !


الجمعة، 12 يناير 2024

مشفى المجانين المشبوه

تأليف : امل شانوحة 


إنتقام الأشباح


عادت كوابيس الممرّضة الجديدة جاكلين بعد اسبوع من تعيّنها بدار المجانين بعد غفّوها على طاولة مكتبها ، عقب منتصف الليل.. لترى في المنام : ((انها تمشي في ممرٍّ طويل يبدو لنفس الدار لكن بزمنٍ قديم ، بأنواره التي تُطفيء وتضاء لوحدها ! وجداره مطليّاً باللون الأحمر ، وليس الأزرق كما هو حالياً ! وأكملت سيرها حتى تعثّرت ، وارتطمت بلوحٍ خشبيّ مطلي بذات لون الجدار .. يبدو انهم اغلقوا به باب القبوّ السرّي ! فنزلت الأدراج ، لتصل لغرفة جراحيّة تبدو قديمة حسب الحاسوب الضخم الموجود على الطاولة هناك ! ووجدت بالغرفة : طبيب ومساعده والممرّضة وهم يصعقون مريضاً كهربائيّاً دون رحمة ، غير مكترثين بصراخه المؤلم ! ثم سمعت الممرّضة تقول للطبيب بقلق :

- يكفي هذا القدر من الصعقات ، سيفصل دمه ويموت !

فردّ الطبيب : ولما تكترثين لهؤلاء المجانين ، إن كان اهلهم تخلّوا عنهم ؟ فهم بالنسبة لي فئران تجارب.. وعليّ معالجتهم بقسّوة ودون تخدير ، للقضاء على امراضهم النفسيّة المزمنة .. وبذلك أحصل على جائزة نقابة الأطبّاء في البحث العلمي.. فهل ستدعمينني ، ام ستعارضينني ككل مرة ؟


ولأنهم لم يروا جاكلين معهم بالغرفة ! إقتربت من الممرّضة في محاولة للتعرّف عليها ، رغم القناع الطبّي الذي يغطّي معظم وجهها .. فقد بدتّ عيناها مألوفتان بالنسبة لها!)) 


لكنها استيقظت من منامها على صراخ المجنون العجوز (المتواجد بالغرفة ، قرب مكتبها) والذي يصرخ دائماً قبيل فجر ، بذات الكلمات : 

((الأشباح تريد قتلي ... أنقذوني !!))


فتمّتمت جاكلين بنعاس : 

- يا الهي ! ليس ثانيةً

ورغم توظّفها قبل اسبوع ، إلاّ ان هذا المريض الأخرق يفزعها دائماً بصراخه المتواصل !

***


فذهبت اليه ومعها ابرة المنوّم ، لكنه اوقفها :

- رجاءً إسمعيني اولاً ، فلا احد يريد تصديقي

جاكلين : ومن سيصدّق ان الأشباح تلاحقك ؟

- الم تشاهدي الكوابيس بعد ؟ 


فتذكّرت كابوسها الذي شاهدته بأول ليلة عملٍ لها بالمشفى : (( حين رأت الرؤوس المحفوظة في مرطبانات داخل مختبر المشفى تتحدّث معها.. بعضها يطلب المساعدة ، والأخرى تصرخ بألم بسبب التعذيب المتواصل لها !))


وقبل ان تجيبه ، تابع المريض كلامه : 

- انت محظوظة لأنك ترينهم بالكوابيس ، فهم يظهرون لي كل مساء !

الممرّضة : أتقصد الأشباح ؟

- نعم !! لابد انهم ظهروا في منامك .. وإن كنت لا تصدّقيني ، فابحثي عن الباب السريّ لقبوّ التجارب الوحشيّة ، الموجود بالطابق السفليّ .. اكيد انهم أخفوه بالتجديد الحديث للمشفى 


وقد فاجأها كلامه ، لأنها رأت الباب السرّي في كابوسها !

المريض : انا يدايّ مقيدتيّن ، فهل تحكّي طلاء غرفتي بظفرك ؟

- ولما افعل ذلك ؟!

- فقط إفعلي ، رجاءً


وعندما كشطت الطلاء الأزرق ، وجدت خلفه الطلاء الأحمر الذي رأته في منامها ! 

فارتجف قلبها ، بعد تصديقها كلام المجنون .. وتساءلت بنفسها بقلق : ((لما تلاحقني اشباح المجانين الذين قتلوا تحت التعذيب ، رغم توظّفي حديثاً هنا؟!)) 


وأسرعت بحقنه بإبرة المنوّم ، والخروج من غرفته..

***


واثناء شرودها بكلامه ، ضغطت بالخطأ على زرّ الطابق السفليّ للمشفى (بدل عودتها لمكتبها ، القريب من غرفة العجوز)


فأوصلها المصعد الى ممرٍّ طويل ، بإضاءةٍ معطّلة جزئيّاً .. يُشبه ما شاهدته في كابوسها ! والأرعب انه خالي من الموظفين ، لوجود غرفةٍ وحيدة فيه : وهي المشرحة.. 

فنظرت للأرضيّة وهي تقول :

- في منامي تعثّرت ببلاطةٍ مكسورة .. آه ! هاهي .. اذاً لابد ان باب القبّو الذي أخفوه ، موجود خلف هذا الجدار ..


وبدأت بطرق الحائط .. الى ان سمعت صوت الّلوح الخشبيّ المطلي بالأزرق .. لكنها لم تجرؤ على كسره ، خوفاً من كاميرات المشفى (المجدّدة حديثاً) ولعدم رغبتها باكتشاف غرفة التعذيب الموجودة في القبوّ السرّي

***


وعادت الى مكتبها ، للبحث بالإنترنت عن ماضي الدار ..

وبعد بحثٍ مطوّل ، لم تجد شيئاً عن جرائمٍ حصلت فيه ! الى ان غفت فوق حاسوبها ، لترى ذات الممرّضة (وهذه المرة لم تغطّي وجهها بالكمّامة) تقول لها :

- غيّر مديركم الجديد إسم مشفانا


واستيقظت فزعة ، وهي تقول :

- كيف لم يخطر ببالي هذا الموضوع ! لابد ان اول شيء فعلوه قبل تجديد المشفى سيء السمعة ، هو تغيّر اسمها


وعادت للبحث بالإنترنت عن مشفى عُذّب فيه المجانين ، لتنكشف الجريمة لاحقاً

فوجدت مقالاً وحيداً عن الموضوع ، ذُكر فيه عنوان المشفى القريب من الغابة المهملة ، والبعيد عن المجمّعات السكنيّة .. ويبدو ان المدير القديم للمشفى هو من سمح للطبيب ومساعده والممرّضة بإجراء الإختبارات الغير إنسانيّة .. وكُشف امرهم بعد تمكّن أحد المجانين من الهرب من المشفى شديد الحراسة ، والتوغّل بالغابة ..الى ان وجده احد الحطّابين ، ونقله لمركز الشرطة ..فأخبرهم عن التعذيبات التي ادّت لوفاة بعض المجانين ، عدا عن الذين خرجوا من القبوّ مشوّهين ومبتوريّ الأعضاء او محروقين بالكامل ! فتمّ اغلاق الدار بالشمع الأحمر ..قبل تجديده بعد سنوات طويلة من هجره .. اما المدير القديم : فقد وُجد مشنوقاً في زنزانته ، مع وجود ملاحظة بالمقال : بأن جسمه كان متورّماً بالكامل ، كأنه تعرّض لضربٍ مبرح رغم عدم اختلاطه ببقيّة المساجين ، لوجوده في سجنٍ إنفراديّ منذ اعتقاله بانتظار محاكمته ! لكنه شنق نفسه بملاءته.. اما مساعد الطبيب : فاختفى لفترةٍ طويلة.. قبل اكتشاف احد طلّاب الطبّ بأن الجثة المسلوخة الموجودة في مختبرهم تعود لمساعد الطبيب المفقود ، من خلال بصمات يده التي وضعها الطالب في حاسوب والده الشرطي.. اما الطبيب الذي اجرى كل عمليات تعذيب ، فقد جنّ جنونه بعد انكشاف امره! 

وعندما قرأت جاكلين اسم الطبيب المجرم ، كادت تقع عن كرسيها مع رؤيتها صورته ..فهو نفسه المجنون العجوز الذي تلاحقه الأشباح !


فأسرعت الى غرفته ، لتجده مازال نائماً من ابرة المخدّر..

فتمتّمت بضيق : سيكون لدينا حديثاً مطوّلاً غداً ، ايها المجرم المجنون

***


في اليوم التالي .. دخلت غرفته وهي تقول :

- انت ترى اشباح من عذّبتهم ، اليس كذلك ؟

وكانت ردّة فعله غريبة ! حيث ابتسم قائلاً :

- ذكيّة كأمك

جاكلين بصدمة : وما ادراك بأمي ؟!

المجنون : المسكينة .. لم تتحمّل تعذيب الأشباح مثلي ، فتناولت جرعةً كبيرة من الأدوية .. وانتحرت مسمومة


وهنا تذكّرت خالتها التي ربّتها ، حين سألتها عن تنمّر الطلبة في مدرستها : بموت امها منتحرة ؟ لكن خالتها أصرّت انها ماتت بالسرطان وهي بعمر الثانية ..


جاكلين : لا !! امي ماتت بالسرطان

المجنون : بل منتحرة .. فهي بالنهاية ساعدتني بتعذيب اولئك الملاعين الذين تحوّلوا لأشباحٍ مؤذيّة 

جاكلين بصدمة : امي هي الممرّضة التي ساعدتك بغرفة القبوّ ؟! 

- يبدو انك رأيتها بإحدى كوابيسك


فتذكّرت كيف ان عيون الممرّضة بدّت مألوفة بالنسبة لها ، فهي شاهدت صورها عند خالتها ! 


جاكلين : هذا مُحال !! امي مستحيل ان تكون مجرمة مثلك

المجنون : هي عارضت تعذيبي لهم ، دون مخدّر .. لكن بعد حصولها على نسبة من ارباح بيع اعضائهم ، لم تعد تكترث للملاعين .. لهذا انا متأكد أنها انتحرت بسبب الأشباح التي تحاول منذ سنوات عقابي ، خصوصاً بعد منتصف الليل وحتى الفجر .. وهو وقت اختياري لأحدهم ، لإنزاله للقبوّ السرّي بعد ذهاب بقيّة الممرّضين والموظفين الى بيوتهم.. او ربما انتحرت ، بعد رفضي الإعتراف بك

جاكلين بصدمة : ماذا !


المجنون : انت ابنتي الغير شرعيّة .. 

- وكيف عرفت انني ابنة عشيقتك ؟! 

- لأنك تشبهينها تماماً .. كما إن الأشباح أخبرتني بأنها ارسلت في طلبك .. ولا تسأليني كيف ! فقبول الإدارة بك ، ضمن مئات المتقدّمين للعمل براتبٍ مجزّي ، لم يكن صدفة .. (ثم سكت قليلاً) .. كم أصبح عمرك ؟

جاكلين : بلغت الثلاثين ، في يوم عملي الأول هنا 

فابتسم قائلاً : أذكر يوم احتفالي مع امك بعيد ميلادها الثلاثين ، أخبرتها بعملي السرّي بالقبوّ .. فهل مازلتي تظنينها صدفة ان تعملي هنا ، بنفس السنّ الذي بدأت فيه امك بمساعدتي على تعذيب المجانين ؟ 


فتذكّرت جاكلين اول كابوسٍ لها في المشفى (ليلة توظّفها الذي يصادف عيد ميلادها).. فتساءلت بنفسها بقلق : ((ترى هل اختارتني الأشباح ، ظناً بأنّي امي التي اختارت الموت بإرادتها ، مما اغاظهم لعدم تمكّنهم من قتلها ! كما فعلوا بالمدير السابق ومساعد الطبيب؟!)) 


وقطع تفكيرها ، قول المجنون : 

- اريدك ان تنتبهي على نفسك جيداً ، فموتي اصبح وشيكاً حسب تهديداتهم الأخيرة .. فبعد شنقهم المدير وسلخهم مساعدي ، لا ادري ما العقاب الذي سيختارونه لي .. حتماً سيكون اقسى من العقابيّن السابقيّن ، كوني الشخص الذي عذّبهم حتى الموت .. لذلك احترسي يا ابنتي 

- انا لا دخل لي بجريمتكم الشنيعة !! 

المجنون : هم لن يرتاحوا وتصعد روحهم للسماء إلاّ بعد اغلاقهم القضيّة ، من خلال قتلهم للأشخاص الأربعة الذين تسبّبوا بموتهم .. وأظنهم اختاروك مكان امك ! 


وقبل إكمال كلامه ، صرخ بعلوّ صوته وهو ينظر للسقف بفزع : 

- لقد احضروا معهم ادوات التعذيب !!


وفجأة ! تلوّث روبها الأبيض بالدماء ، بعد ان ازيلت عينا المجنون من محجرهما !

فتجمّدت مكانها ، وهي ترى لسانه يُشدّ بقوةّ للخارج .. قبل ان يقطع بالكامل ! 

ثم رأت اصابعه تبترّ الواحدة تلوّ الأخرى ، وهو يتلوّى بألمٍ شديد.. قبل تدلّي مصرانه من جسده ! لينتفض انتقاضته الأخيرة ، قبل خروج روحه !


وهنا ظهرت جملة مكتوبة بالدماء على جدار غرفته : 

- انت التالية يا ايميليا

(وهو اسم امها !)

فصرخت بخوف :

- لست ايميليا !! انا جاكلين .. امي توفيّت وانا طفلة ، وبذلك أُغلقت قضيّتكم بعد موت جميع اعدائكم .. رجاءً اصعدوا للسماء ، واتركوا المشفى اللعين !!


وفجأة ! توقفت الضوضاء القادمة من تحريك اغراض المجنون في الغرفة ..فظنت جاكلين ان الأشباح فهموا كلامها ، وبدأوا الخروج من الدار التي قُتل فيها خمسين مجنوناً .. عدا عن 70 اصابة بليغة ، منها أعاقاتٍ دائمة 

***


وأسرعت فزعة الى غرفتها لجمع اغراضها ، بنيّة الإستقالة من المشفى الملعون..

لتظهر جملة بالدماء على جدارها : 

- الى اين تهربين يا ايميليا ؟ 


وقبل ان تخبرهم مجدّداً بأنها ليست امها ، ارتفعت قدماها لسقف الغرفة .. لينقلب جسدها رأساً على عقب .. فحاولت الصراخ !! لكن الدماء التي تجمّعت في رأسها ، منعتها من النطق ! 

***


عثر الممرّض على جثة جاكلين في الصباح ، ممدّدة على الأرض .. بعد انفجار رأسها وخروج الدم من فمها وعيونها ! 

فكُتب بتقرير المشفى الذي عُرض على الشرطة ان سبب وفاتها : هو انتحارها شنقاً ، لإحساسها بالذنب بعد قتلها المجنون العجوز بوحشيّة .. رغم ان المدير الجديد وطبيب المشرحة يعلمان بأن موتهما لم يكن بفعلٍ بشريّ ، خاصة بعد تعطّل كاميرا المجنون وكاميرا غرفتها ، لحظة وفاتهما الغامضة !


الشيء الوحيد الذي لاحظه بقيّة الموظفين : ان المجانين لم يعد لديهم نوبات فزعٍ في المساء ! حيث أخبرهم أحدهم : أنه رأى الأشباح الغاضبة تذهب تِباعاً من نافذة الممرّ ، باتجاه السماء .. 


وبذلك أُغلقت القضيّة الغامضة ، مع تكتّمٍ اعلاميّ من قبل وزارة الصحّة التي تكلّفت مبالغ طائلة لتجديد مشفى المجانين ذوّ السمعة السيئة !


الثلاثاء، 9 يناير 2024

مسابقة المواهب الإبداعية

تأليف : امل شانوحة 

 

المُثابرة حتى النهاية


إستفاق خمسة شباب في مستودعٍ مهجور على موسيقى عالية ، وصوت من الميكروفون يقول :

- اهلاً بمواهبنا الشبابيّة المميزة !!

فسأله احدهم : من انت ؟! وكيف وصلنا الى هنا ؟!

فتجاهل الصوت سؤاله ، وأكمل قائلاً :

- كما تلاحظون ، المستودع مقسّم الى غرفٍ حديديّة .. كل واحدة عليها رسمة لإحدى مواهبكم .. اريد كل واحدٍ منكم ، ان يختار غرفته

الشاب مُعترضاً : وإن لم نفعل !!

الصوت مهدّداً : أتظنون انني أتسلّى معكم .. من يعترض ، سأفجّر الطوّق الحديديّ حول رقبته ، ويموت في الحال !! امّا الذي ينجح في تنفيذ طلبي ، سيفوز بمليون دولار


وقد أثار مبلغ الجائزة حماس الشباب (من الطبقة الكادحة)..

فسأله احدهم باهتمام : وماذا تريد منا ؟

الصوت : عليكم التوجّه لغرفكم ، كاتمة الصوت ..وفي داخلها ، تجدون مهمّاتكم


وبالفعل رأوا صوّراً مُعلّقة على ابواب الغرف ، حسب مواهبهم المختلفة : كرسمة بيانو .. وعلى الباب الآخر : آلة كاتبة .. والثالث : لوحة وفرشاة رسم .. والرابع : مجسّمٌ صلصاليّ .. والخامس : ميكروفون


وتابع الصوت كلامه : انتم افضل الشباب الموهوبين بالغناء والعزف والرسم والنحت وتأليف القصص بعد حصولكم على اعلى نسبة تصويت الجمهور الذين تابعوا مواهبكم عبر وسائل التواصل الإجتماعي .. وهم الذين اقترحوا عليّ دعمكم ماديّاً ، كوني ثريّاً يهتم بالمواهب الشابة

الشاب باهتمام : ومن تكون بالضبط ؟

الصوت : لا يهم اسمي ، لكني معروف بحرصي على مالي الذي لا انفقه إلاّ لمن يستحقّه بالفعل .. لذلك سأخضعكم لامتحانٍ صعب .. ومن يفوز منكم ، يحصل على جائزتي الماليّة .. فهل انتم مستعدون؟!! 


فوقف كل شاب امام غرفته التي فتح الثريّ المجهول أقفالها عن بُعد (اوتوماتيكيّاً)..

وما ان دخلوا اليها ، حتى أُعيد إقفالها من الخارج ! ليتابع كل شاب تعليمات مسابقته الخاصة..

***


ففي غرفة الرسم .. إستمع الشاب الى تعليمات الثريّ ، وهو يقول :

- امامك لوحةٌ كبيرة وألوان وفرشّ من كافة المقاسات.. ومهمّتك : رسم لوحة تعبّر عن مراحل حياتك ، واصفاً من خلالها تغيّراتك النفسيّة بمرور السنين .. فنحن الآن في منتصف الليل ، عليك إنهائها قبل بزوغ الفجر .. وإن اعجبتني ، تحصل على الجائزة

الرسّام بثقة : مهمّةٌ بسيطة

الصوت : ليس بهذه السهولة .. فمقبض الفرشّ مدهونة بالأسيد ، ستحرق اصابعك مع مرور الوقت .. اما الألوان : فتنبعث منها رائحة خانقة ، سرعان ما تنتشر داخل غرفتك المغلقة .. لذا عليك انهاء الّلوحة في الوقت المناسب ، قبل دخولك بنوبة سعالٍ مزعجة .. ولا تنسى الإبداع بفكرة الرسمة ومضمونها .. توقيت المسابقة بدأ الآن !!


وظهر العدّ التنازلي على الشاشة امامه..

ليُسرع الرسّام بخلط الألوان التي فاحت منها الرائحة المزعجة ، فتمّتم بضيق :

- هذه الّلوحة اما ستجعلني غنيّاً ، او تقتضي على حياتي !

وربط شاله حول انفه ، لبدء مهمّته الصعبة

***


في غرفة النحت : كان الأمر مُشابهاً .. فالطين مخلوط بمادةٍ حارقة ! تجعل طلب الثريّ مستحيلاً ، بصنعه مُجسّماً لوجهه المجهول ، حسب تخيّل النحّات الذي عليه إنهائها قبل ذوبان جلد يديه !

ورغم قساوة الإمتحان إلاّ انه بحاجةٍ ماسّة للمال ، لعلاج زوجته من السرطان.. لهذا بدأ العمل مع بدء العدّ التنازلي ، مُتجاهلاً الحرق الّلاذع في كفيّه ! 

***


اما غرفة الغناء : فوجد الشاب امامه ميكروفون ، داخل غرفته الصغيرة (كاتمة الصوت) وعليه غناء مقطعاً من تأليفه ، بحدود الدقيقتيّن !

وبعد معرفة الشاب نوعيّة امتحانه ، إعترض قائلاً : 

- لست مؤلّفاً لكلمات اغاني ، او ملحّناً

صوت الثريّ : ليس هذا ما اخبروني إيّاه زملائك بكليّة الفنون

- نعم ألّفت بعض المقاطع ، لكنها ليست بجودة الأغاني الرائجة

- إمّا ان تفعل ما امرتك به .. او تظلّ تغني بشكلٍ متواصل ، حتى الصباح


فنظر المغني للساعة المُعلّقة على جدار الغرفة ، والتي بدأت عدّها التنازلي..

الشاب بقلق : خمس ساعاتٍ متواصلة ! سيختفي صوتي بعدها

الصوت : يمكنك غناء الأغاني الهادئة التي لا تحتاج لمجهودٍ جبّار .. او تؤلّف اغنية بها جميع الطبقات .. سأترك الخيار لك ، معك نصف ساعة لتقرّر.. ستجد دفتراً وقلماً على الطاولة ، لكتابة كلمات اغنيتك الجديدة


وعلى فور !! جلس الشاب امام الطاولة ، في محاولة لتأليف مقطعاً غنائيّاً يُخرجه من مأزقه .. بعد تهديد الثريّ بنشر غازٍ سامّ في غرفته ، في حال فشل بالإمتحان قبل الموعد المحدّد !

***


وفي غرفة العزف : وجد الشاب بيانو كبير ، وُصّلت بعض مفاتيحه بصاعقٍ كهربائيّ مزعج ، والبعض الآخر تخرج منها الدبابيس عند الضغط عليها ! 

ومهمّته العزف حتى الصباح ، متجاهلاً آلام اصابعه التي يعلم انها ستُدمّى بالكامل قبل نهاية الإمتحان ..هذا في حال اختار عزف مقطوعاتٍ شهيرة .. امّا إذا قرّر تأليف معزوفةٍ خاصة به ، فسيخفّ تعذيبه الجسدي ، بشرط إنهائها قبل الفجر

***


وفي الغرفة الأخيرة : كان على الشاب كتابة قصة من تأليفه على آلة كاتبةٍ قديمة دون اخطاء املائيّة او اعرابيّة ، بحدود ٥٠ صفحة ..وهو من يختار نوعها اذا كانت مخيفة او دراميّة او رومنسيّة ، بشرط ان تُعجب الثريّ .. والمشكلة ان امامه ٥٠ ورقة فقط ! يعني لا مجال لتمزيق إيّاً منها.. ولأنه يستخدم آلة قديمة ، فلابد أن تكون نصوصه خالية من الأخطاء الكتابيّة قدر الإمكان.. لذا عليه الكتابة بتركيزٍ شديد على فكرته وحواره وعدد صفحات قصته ، مع الإهتمام بجوّدة اللغة ! كل ذلك خلال ٥ ساعات حتى بزوغ الفجر ..وإلاّ ستقتله الآلة الكاتبة الموصولة بسلكٍ كهربائيّ ، سيصعقه فور انتهاء الوقت المحدّد لإنهاء قصته الجديدة (فالثريّ أخبره انه سيتأكّد بأنها ليست قصة قديمة له ، او مسروقة من كاتبٍ آخر عبر بحثه عن جملِها وكلماتها في الإنترنت) 


فسارع الكاتب بالجلوس امام الآلة ، فور بدء العدّ التنازلي لساعة الجدار .. فهو يحتاج المال لشراء منزلٍ ، للزواج بحبيبته التي تنتظره منذ سنوات لتحسن اوضاعه الماليّة !

***


ومرّ الوقت سريعاً على المتسابقين الذين يحاولون جاهداً الإبداع بمواهبهم الى أقصى حدّ ، رغم معاناتهم الجسديّة والذهنية لإنهاء مهمّتهم الصعبة ! إرضاءً للثريّ الذي لن يعطي الجائزة إلاّ لمن لديه اصرارٌ كبير لتجاوز آلامه ، في سبيل إنجاح موهبته.. والأسوء انه بعد مرور نصف وقت الإمتحان ، بدأ الثريّ بتذكيرهم بمعاناتهم النفسيّة ايضاً !


حيث ذكّر الرسّام : بأنه لقيط ، عاش طفولته ومراهقته في ميتمٍ معروف بقساوته على الأطفال ! 

لترتجف يدا الشاب اثناء رسمه الّلوحة بعد امتلاء عيونه بالدموع ، لتذكّر ماضيه الحزين .. لكن كلام الثريّ المستفزّ ساهم ايضاً بوضع الرسّام لإضافاتٍ جديدة على لوحته التي تحاكي قصة حياته البائسة


اما النحّات : فذكّره بوالده القاسي الذي طرده بأول شبابه بعد فشله بإيجاد وظيفة روتينيّة ، للمشاركة بآجار منزل اهله ! ليعيش سنوات في سيارته القديمة


اما الكاتب : فكان من والديّن منفصليّن ، وتنقّل معظم طفولته بين منزليّن ..ليصبح ثقيلاً على والديّه بعد زواجهما من اشخاصٍ آخرين ، وإنجاب غيره .. لهذا فضّل العمل في سن مراهقته بدار العجزة التي وفّرت له غرفة يمكنه فيها تطوير موهبته ، بعد يوم عملٍ طويل بالدّار ! على امل ان تنقذه موهبته يوماً ، من فقره وقلّة حيلته


اما المغني : فذكّره بحبيبته التي تركته للزواج من مغني مشهور ، بعد فشل ألبوميّن كلّفاه كل ماله ، دون حصوله على الشهرة المرجوّة.. أدّت لكسرة قلبه بعد خسارة حبه الأول.. لكن تعذيب الثريّ النفسيّ ، أعطته فكرة اغنيته التي كتبها عن خيانة حبيبته ..وهو يمسح دموعه ، محاولاً إخراج غضبه وقهره بكلماتٍ قوية مُنمّقة .. ليقوم بتسجيل الأغنية قبيل الفجر ، بنغمةٍ حزينة مؤثّرة !


اما العازف : فذكّره بعرجة قدمه لفترةٍ طويلة من عمره ، قبل تمكّنه من علاج إعاقته بعمليّةٍ جراحيّة كلّفته منزله ! ليعيش بعدها عند اقاربه الذين ينزعجون من تدرّبه على البيانو الصغير .. لذلك يحلم بشراء بيانو فخم ، فور كسبه الجائزة.. والعمل في الفنادق الفخمة ، او الأوركسترا !

***


بحلول الفجر .. كان معظمهم إنهارت قواه بآلامه الجسديّة والنفسيّة ، لكنهم انهوا المهمّة قبل رنّ الجرس الختاميّ !

فقال الصوت بفخر :

- أحسنتم يا ابطال !! أثبتّم عشقكم لمواهبكم من خلال الضغط على انفسكم حتى آخر نفس .. والآن جاء وقت تقييم اعمالكم.. بعد قليل سيفتح رجالي ابواب غرفكم ، لأخذ الّلوحة والمجسّم الصلصالي واوراق القصة ، والسي دي المسجّل للمعزوفة الكلاسيكيّة والأغنية الجديدة التي سيقيّمها خمس خبراء متواجدين معي الآن ، هم الأبرع في مجال موهبتكم .. وحسب تقريرهم ، سيحصل الفائز على الجائزة الكبرى .. وهذا سيأخذ بعض الوقت.. الى ذلك الحين ، سيحضر طبيبان لفحص جروحكم .. كما ستجدون خارج غرفكم ، مائدة مليئة بالوصفات الفاخرة. .يمكنكم تناول طعامكم الأخير قبل اعلان الفائز ، وموت الخاسرين بعد تفجير الطوّق حول رقبتهم ، فور ظهور النتيجة النهائيّة

***


حول المائدة.. تهامس الشباب فيما بينهم ، بقلقٍ وتوتّر :

- هل تظنوا اننا سننجوا من هنا ؟!

- حسب كلام الثريّ : واحدٌ فقط سيخرج حيّاً من المستودع .. فحياتنا مرهونة بالطوّق اللعين الذي فشلنا في إزالته !

النحّات بغيظ : كل عملي يعتمد على يدايّ ، وهو حرق جلدي بالأسيد

العازف : وانا اصابعي هي مصدر رزقي ، وقد امتلأت بالثقوب والحروق الكهربائيّة

الكاتب : خوفي ان لا تعجب قصتي خبيره الّلغوي ! رغم محاولتي جاهداً ان تكون القصة متكاملة

- وكأن آلامنا لا تكفينا ، ليذكّرنا اللعين بماضينا الحزين !

- الأغرب هو كيفيّة معرفته بتفاصيل حياتنا !

- يبدو انه اجرى بحثاً شاملاً عنا قبل خطفنا ، بسؤاله الأقارب والأصدقاء او اطبّائنا النفسيين .. فأولئك الأثرياء يمكنهم الحصول على ما يشاؤون من المعلومات بمالهم القذر 

النحّات مهموماً : المهم ان اخرج من هنا حيّاً .. فلم تعدّ الجائزة تهمّني ، بقدر عودتي سالماً لزوجتي المريضة

- لا تتفاءل كثيراً ، فحتماً سيموت اربعة منا


ثم عمّ الصمت بعد دخول رجلٍ مقنّع ببذلته الفخمة الى المستودع ، برفقة حرسه المسلّحين .. فعرف الشباب انه الثريّ (صاحب المسابقة) الذي نادى بحماس :

- لقد ظهرت النتيجة !!


فاقتربوا منه متثاقلين ، بعد رؤية الجهاز الإلكتروني بيده..

الثريّ بلؤم : نعم !! هذا هو جهاز التحكّم بأطواقكم الملغّمة

وأشار لرجاله المقنّعين الذين احضروا اعمالهم السابقة ، ووضعوها امامهم


الثريّ : اريدكم جميعاً ان تعاينوا إنجازات بعضكم.. فهذه المنحوتة المخيفة من المفترض انها تمثّلني ، بعد ان شكّلها النحّات على هيئة مسخٍ مرعب !

النحّات بقلق : كنت تريد تمثالاً دون رؤيتي وجهك ، لهذا صوّرتك كبطل فيلم رعب

الثريّ : وقد أعجبت خبيري ، لدرجة إقتراحه ان تكون شكل الوحش في فيلم رعب الذي ألّفه صاحبكم.. (وأشار للكاتب)


فعايّن الكاتب المنحوتة باهتمام ، قبل ان يقول :

- لوّ اني رسمت الوحش الذي كتبته بقصتي المخيفة ، لكان شبيه هذه المنحوتة بالضبط !

الثريّ : وهذا رأيّ الخبير السينمائي الذي اعجبه تفاصيل قصتك ، رغم إيجاده بعض الأخطاء الإعرابيّة

فارتعب الكاتب .. ليُكمل الثريّ قائلاً :

- لكنه لم يهتم ، لأنها ستُمثّل بالعاميّة

الكاتب بارتياح : أهذا يعني انني الفائز ؟!

الثريّ : ليس قبل تقيّمي لبقية الأعمال .. فالّلوحة كما تلاحظون فيها ثلاثة وجوه تمثّل الرسّام وهو طفلٌ خائف ، ومراهقٌ عنيد ، وشابٌ مثقلاً بالهموم

الرسّام : تحليلٌ صحيح .. فأنت طلبت مني رسمة تمثّل مراحل حياتي ..وقد أمضيت طفولتي خائفاً من إدارة الميتم القاسية.. ثم تحوّلت لمراهقٍ مشاغب.. والآن اصبحت شخصاً مديوناً ، ومُرهقاً بالهموم الماديّة والنفسيّة 

الثريّ : وقد أُعجب خبيرنا بلوحتك .. خصوصاً الألوان التي استخدمتها بكل وجه ، تعبيراً عن نفسيّتك التي تغيّرت بمرور السنين ! والآن دعونا نستمع للمقطوعة الرائعة للعازف الذي ألّفها بآخر ساعة من المسابقة.. بعدها نستمع للأغنية القصيرة التي أثّرت بي وبصديقي الموسيقي الكبير ، لكلماتها النابعة من قلبٍ مكسور


وبعد سماعهم للمعزوفتيّن .. سأله الكاتب :

- يبدو ان اعمالنا الخمسة أعجبتك ، فمن منا الرابح ؟!

فرفع الثريّ جهاز التحكّم .. لينتفض الجميع وهم يضعون ايديهم حول اطوّاقهم ، ويتوسّلون بعدم تفجيرها.. لكنه كبس زرّاً آخر ، فكّت الأطواق عنهم ..فنظروا لبعضهم بدهشة ! وهم يتساءلون :

- ماذا يعني هذا ؟!

الثريّ : الجميع قدّم افضل ما لديه بعد الضغط عليكم جسديّاً ونفسيّاً ، ضمن وقتٍ محدود جعلكم تخرجون افضل ما لديكم.. وإن تابعتم على هذا المنوال اثناء عملكم المستقبلي ، وانتم تتخيّلون بأنها آخر لوحة ترسمونها وآخر معزوفة وآخر رواية تؤلّفونها ، فستبدعون طوال حياتكم.. لهذا نتيجة المسابقة هي...


وأشار بيده لرجاله الذين وضعوا حقائب جلديّة امام الشباب الخمسة ، مُكملاً كلامه :

- كل واحدٍ منكم استحقّ الجائزة

الرسّام : هل قسّمت المليون علينا بالتساوي ؟

الثريّ : بل حصل كل موهوبٍ منكم على مليون دولار ، بالإضافة الى..


ووزّع بطاقات فيها أرقام جوّالات الخبراء الذين اعجبوا بأعمالهم ، قائلاً لهم :

- هذه ارقامهم السرّية التي لا يعرفها سوى القلّة من المشاهير ، وهم مستعدين لدعمكم في اعمالكم القادمة


فقفز الشباب فرحاً بهذه الهديّة القيّمة ، فهي اهم من الجائزة لأنها ستمهّد لهم طريق الشهرة التي حلموا بها دائماً ، بعد تعسّر امورهم العمليّة لسنواتٍ طويلة


الثريّ : والآن عودوا لبيوتكم للإحتفال مع اهاليكم ، لكن إيّاكم اخبار احد بمسابقتنا العنيفة.. اما جروحكم ، فستشفى خلال ايام .. وحاولوا الإستفادة من تجاربكم الحزينة ، بتحويلها لإبداعاتٍ مستقبليّة 


وخرج الشباب من المستودع المهجور .. ليجدوا خمس سيارات اجرة بانتظارهم ، لإعادتهم لمنازلهم التي خُطفوا منها .. وهذه المرة مُفعمين بالأمل بعد نجاحهم اخيراً بمواهبهم المميزة ، التي تعاهدوا فيما بينهم على عدم التخلّي عنها طوال حياتهم !

******


ملاحظة :

عندما اشعر بالإحباط وعدم الرغبة بمتابعة موهبتي ، استمع لهذه الأغنية التحفيزيّة التي تعطيني القوّة النفسيّة للكتابة من جديد .. اتمنى ان يلهمكم الفيديو ، كما يفعل معي دائماً 

الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=MzQs3VrO8_s



الخميس، 4 يناير 2024

الحِوار الأخير

تأليف : امل شانوحة

 

ذنوب الماضي


في ليلةٍ ماطرة على طريقٍ جبليّ ، تسارعت سيارة الشاب فوق شارعٍ زلِق خالي من السيارات خلال عاصفةٍ رعديّة .. ورغم علمه بأن القيادة بهذه الظروف الصعبة فيها خطرٌ على حياته ، لكنه لم يتحمّل خبر نقل امه الى الطوارىء ! ولم يشعر بالرعب إلاّ بعد تعطّل المكابح الذي زادت من نبضات قلبه ، ولسانه الذي يلهج بالدعاء.. وعرقه الذي تصبّب ، تناغماً مع دموع عينيه الخائفتين على امه في المستشفى ، وزوجته وطفلته الذي تركهما في بيت الجبل ، بعد شعوره أنها رحلته الأخيرة مع القدر !


وحينما رأى الشجرة الكبيرة على حافّة المنعطف الجبليّ من بعيد ، إرتعدت مفاصله بعد تلويح شخصٍ يُشبهه هناك ! 


وفجأة عمّ الظلام ، مع ارتفاع صوت الإرتطام المخيف لمقدّمة سيارته التي انغرزت بجذع الشجرة الضخمة التي منعته من الإنحدار نحوّ الوادي السحيق


وبصعوبةٍ بالغة فتح عينيه ، ليجد نفسه جالساً تحت الشجرة ! برفقة شبيهه الذي مدّ يده نحوه ، وهو يقول :

- لنتشارك سيجارتنا الأخيرة ، فهي تساعد على التقاط انفاسك من أثر الصدمة

فسأله برعب : من انت ؟!

- قرينك الذي سيصبح عاطلاً عن العمل بعد دقائق ، لحين لقائنا مجدّداً يوم القيامة


فأمسك الشاب بيده الدامية السيجارة المُشتعلة ، ودخّن بأنفاسٍ مُنقطعة وهو يراقب سيارته التي أصبحت كومة حديد ، بعد ارتطامها بالشجرة التي خسرت معظم اغصانها من الحادث المروّع!

وتنهّد بضيق :

- ماذا الآن ؟!

القرين : إلى أن يتوقف قلبك وعقلك نهائيّاً ، سأبقى بجوارك لحين إنتقال روحك مع ملك الموت .. والى ذلك الوقت ، سنتشارك ذكرياتنا معاً


وصار يذكّره بطفولته المشاغبة ..وجميع المقالب والأعمال الشريرة التي كانت من أفكار القرين ، التي انتهت بعقابات متعدّدة للشاب من والديّه ومعلميه في المدرسة

الشاب بقهر : الجميع اتهمني بأنني ولدٌ مشاغب ، مع اني نفّذت خططك الشريرة

القرين : انا لم أفعل شيء سوى الوسّوسة .. وطالما أطعتني ، فستعاقب على ذنبك وحدك


ثم ذكّره بهروبه المتكرّر من المدرسة ، ومشاغبته بالفصل ، وتنمّره على زميله ضعيف الشخصيّة.. عدا عن معاندته لوالديّه ، وإثارة المشاكل بين الأقارب بنقل النميمة بينهم..الى ان وصل لسن المراهقة : وتدخينه السجائر ، وتركه الثانويّة وتسكّعه بالطرقات.. 


ثم سرد مطوّلاً تفاصيل اكبر ذنوبه بعد خداعه لمراهقةٍ بريئة أحبته بجنون ، والذي تسلّى بها عقب إيهامها بالزواج ! ليصدمها بخطبته لزوجته الحاليّة بالطريقة التقليديّة .. وتخلّيه عن حبه الأول التي انتحرت خوفاً من عائلتها.. بينما أخفى موضوعها عن زوجته التي أنجب منها طفلته الوحيدة التي ربّاها على الأخلاق والفضيلة ، رغم مطاردة شبح حبيبته في كوابيسه لسنواتٍ عدّة !


وفجأة ! ظهرت روح المراهقة المخدوعة وهي تجلس بجواره ، مُراقبةً الوادي بعينيها الشاحبتين..

الشاب بصدمة : ألستِ ميتة ؟!

فردّت بنبرةٍ غاضبة : بل قلّ مقتولة ، بعد ان سحبت روحي من جسدي.. ولكونك تحتضر ، سمحوا لي بلقائك ايها الوغد !!

الشاب بندم : ارجوك سامحيني ، فهو من وسّوس لي بالتلاعب بمشاعرك الصادقة


وأشار لقرينه الذي رفع يديه مستسلماً ، قائلاً للصبيّة :

- انا لم اقترح عليه تركك.. بالعكس !! كنت سعيداً بذنوبكما معاً.. لكنه تخلّى عنك وتزوّج بأخرى بخطوةٍ جريئة ، صدمتني ايضاً !

الشاب : ارجوك سامحيني ، حبيبتي

الصبيّة بغضب : الآن اصبحت حبيبتك ! مُحال ان اسامحك ، فبسببك أُعذّب بالنار منذ فترةٍ طويلة لعلاقتي المُحرّمة معك ، ولجوئي للإنتحار.. لهذا رغبت برؤية ملك الموت وهو يسحب روحك الخبيثة للجحيم !!

الشاب : صدّقيني ، تغيّرت مباشرةً بعد وفاتك .. ووقفت امام قبرك ، وأن أعدّ ربي بتحسين تصرّفاتي .. وبالفعل أصبحت زوجاً مُخلصاً وأباً حنوناً .. وتوظّفت بالحلال وأرضيّت اهلي ، بعد اعتنائي بأبي المرحوم طوال مرضه.. كما نويّت الإهتمام بأمي التي تحتضر الآن


فظهر صوت من خلف الشجرة : مُتّ قبل قليل

الشاب بصدمة : امي !

الأم بحزن : كم كانت صدمتي كبيرة ، وأنا اسمع حوارك مع قرينك عن ذنوبك السرّية !

الشاب باكياً : رجاءً امي سامحيني

الأم معاتبة : هل ربّيتك لتلعب ببنات الناس ؟!

فقالت الصبيّة لها :

- ارأيتي يا خالتي ، والله أحببته اكثر من روحي .. لكني غبيّة ، لتصديقي وعوده 

فردّت عليها : وهذا خطئِك ايضاً .. فواجبك كفتاة ان تحافظي على نفسك طاعةً لربك ، ومراعاةً لسمعة عائلتك

فأخفضت الصبيّة رأسها بندم : 

- للأسف ، عرفت ذلك متأخراً .. وحالياً أحترق بالجحيم ، على امل ان يسامحني ربي بنهاية المطاف


وهنا نظرت الأم للسماء :

- هاهو ملاك الرحمة قادماً نحوي ، لأخذي للجنة

ابنها بخوف : هل ستتركيني يا امي ؟!

الأم : عليك ان تُعاقب على جميع ذنوبك .. لحين حصولك على غفران ربك ، وسماحه بإجتماعنا سويّاً في الجنة .. كان الله في عونك ، يا بنيّ

ثم انتقلت مع الملاك للسماء..


بينما ارتعدت اوصال ابنها ، بعد نزول ملكٍ آخر بهيئةٍ مخيفة من السماء باتجاهه

فأسرع القرين برميّ سيجارته ، قائلاً :

- آسف يا صديقي ، حان وقت عودتي لعالم الشياطين بعد انتهاء مهمّتي.. فبصراحة ، يُخيفني ملك الموت كثيراً


وما ان اختفى القرين ، حتى خرجت يدٌ ناريّة من الأرض !

فقالت الصبية بغضب : 

- هاهو ملاك العذاب يأمرني بالعودة للجحيم الذي سنجتمع فيها قريباً ، ايها الخائن الماكر !! 

ثم سُحبت لباطن الأرض..


وهنا اقترب ملك الموت من الشاب ، وهو يقول : 

- لقد توقف قلبك وعقلك قبل قليل في جسدك المحشور بسيارتك المحطّمة ، وحان وقت حسابك

الشاب بخوف : هل سأنتقل مباشرةً للجحيم ؟

- ليس قبل دفنك ، وسؤالك من قبل ملكيّن القبر

ثم اشار الملك للسيارة :

- انظر هناك !!


فرأى الناس والشرطة مُجتمعين حول سيارته ، وهم يحاولون اخراج جثته!

الملاك : سآخذ روحك الآن .. ولا تظنه بالأمر الهيّن ، لأنك ستشعر وكأني أقلع قلبك من بين ضلوعك


فصرخ الشاب بألمٍ شديد ، دون ان يسمعه احد من المتواجدين هناك ! لتنتقل روحه الخائفة مع ملك الموت للسماء ، بانتظار حسابه الذي يبدو سيطول قبل رؤية والديّه الصالحيّن بالجنة مُجدّداً !


الثلاثاء، 2 يناير 2024

الحُليّ المُباركة

فكرة وكتابة : ابن العراق
تنسيق : امل شانوحة 

 

المحل المشبوه !


تجمّعت نساء حول محل لبيع الإكسسّوارات وادوات الزينة ، بعد رؤيتهنّ لإعلان عن تخفيضات بنصف السعر لنهاية اليوم فقط .. 

واختارت كلاً منهنّ ما ارادته : فإحداهنّ اشترت العدسة العسليّة ، بينما امها اشترت إسّورةً فضيّة .. أمّا الصبيّة فطوّق شعرٍ لامع ، والخاتم لأختها الصغرى.. والأخيرة قرطان من اللؤلؤ الصناعي ، بعد بيع زوجها ذهبها لدفع دينه !

وبعد ذهابهنّ ، ازال البائع الإعلان وهو يقول : سأنتظر عودتهنّ قريباً 

*** 


في المساء .. استيقظت الأم على صراخ ابنتها ، بعد تعذّر إزالتها للعدسة من عينيها الدامعتين من شدّة الألم .. 

فقالت الأم : وانا ايضاً لا استطيع إزالة السّوار من يدي ! هناك شيءٌ مريب يحصل لنا !

- رجاءً امي ، لا اريد ان تُؤذى عينايّ

- سأتصل بجارتنا ، فإبنتاها اشترتا من ذات المحل 

^^^


فعلمت أن ابنة الجيران تعاني من المٍ في رأسها ، بعد ان علق الطوّق في شعرها .. بينما اختها تورّم اصبعها من الخاتم .. 

فطلبت من جارتها الإتصال بصاحب المحل التي حصلت على بطاقته .. ليتفاجئنّ بأن محله مازال مفتوحاً بعد تجاوزهم منتصف الليل ! 

***


فأسرعنّ اليه .. ليجدنّ المرأة الخامسة هناك ، وهي تعاني الماً من قرطا اللؤلؤ اللتان انغرستا في اذنيّها !


وبعد ان دخلنّ المحل ، إستقبلهنّ البائع بابتسامة :

- كنت اعلم بعودتكنّ .. فما الذنوب التي ارتكبتموها ، والتي بسببها عوقبتم بالحليّ المباركة ؟


فحاولنّ الأنكار اولاً .. الى ان اعترفت الصبيّة (صاحبة العدسات) برؤيتها للمقاطع القذرة بالجوّال ليلاً .. بينما امها اعتادت ضرب ابن ضرّتها المتوفيّة ، لهذا علق السِوّار الحارق بيدها .. بينما صاحبة القرط ، تعشق الأغاني التي لم تطفئها حتى وقت الأذان ! اما صاحبة طوّق الشعر العالق ، فهي مُحجّبة امام اهلها .. لكنها تزيله في الجامعة ، لتفتن الشباب بشعرها الطويل الناعم.. اما الصبيّة (صاحبة الخاتم) فاعتادت الإشارة بإصبعها بحركةٍ قذرة التي نشرتها بين زملائها بالمدرسة ! 


فأخبرهم البائع بأن الحلّ : هو قطع العضوّ العاصي لربه .. وذلك بحلق الشعر ، وقلع العين وبتر اليد والإصبع والإذن .. فرفضنّ ذلك ، وخرجنّ من محله باتجاه المستشفى لزيادة ألمهنّ ، بعد ضغطٍ لا يُطاق من الحليّ الحارقة ! 


لتنادي إحداهنّ الشرطي ، للإبلاغ عن البائع المشبوه.. فذهب معهنّ الى المحل .. لينصدمنّ أنه متجرٌ مهجور ومحطّم الواجهة ! 

فقال الشرطي : 

- لما تختلقنّ قصةً خرافيّة بهذا الوقت المتأخر من الليل ؟! فالمحل مُغلق منذ سنوات .. ثم لا ارى انكم خسرتنّ أيّ جزءٍ من اجسامكنّ ، كما تدّعين !


وفجأة استطاعت الفتاة إزالة الخاتم بسهولة من اصبعها ! وكذلك فعلنّ البقيّة ، بعد ان خفّ ضغط الحليّ عليهن .. فاعتذرنّ من الشرطي .. 


وبعد ذهابه ، إجتمعنّ امام المجمّع السكني.. 

الأم : لا اعلم ما حصل بالضبط ، ومن هو صاحب المحل المجهول .. لكنه لقننا درساً لن ننساه ابداً ! 

الجارة بقلق : إن كان هذا عذابنا بالدنيا ، فكيف سيكون عقابنا بالأخرة ؟!


وتواعدنّ على التوبة من ذنوبهنّ بعد الإمتحان القاسي من البائع الذي لم يكن سوى ملاكاً مُتخفّياً ينوي التنقّل من مكانٍ للآخر لنشر الوعيّ والفضيلة بين الناس ، وخصوصاً النساء المُثقلات بالذنوب !


الإستيداع الإلهي

كتابة : امل شانوحة  القدر الرحيم في زمن الثمانينات ، بحيٍّ شعبيٍّ مصري .. استيقظت مرام (18 سنة) على صوت سعال أمها في الغرفة المجاورة.. فأسرع...