السبت، 13 مايو 2023

الحلّ المُتطرّف

كتابة : امل شانوحة 

مشاكل الدراسة


شعر جيمي (١٥ عام) بجسمه يطفو بخفّة بين رفاق مدرسته المتوسطة التي ضجّت بالصراخ والبكاء بعد حادثةٍ حصلت قبل وقتٍ قصير ! 

عدا عن الأهالي المُجتمعة خارج سور المدرسة ، وهم يصرخون بغضبٍ شديد !  حيث انهار بعضهم ، فور دخول المسعفين الى السّاحة  .


لم يفهم جيمي ما حصل ! فالوقت مازال مُبكّراً على موعد الإنصراف من المدرسة.. ومع ذلك منعت الشرطة الأهالي من رؤية اولادها ، لحين التحقيق معهم عن حادثةٍ غامضة فاتته لسببٍ ما : فهل نام بإحدى الحصصّ ، أم كان في دورة المياه ؟! 

^^^


وسط المعّمعة ، رأى صديقه جاك .. فاقترب ليسأله عمّا حصل ، ليُفاجأ بصراخه غاضباً :

- أُغرب عن وجهي ، ايها اللعين !! 

وابتعد جاك ، مُطلقاً ألقاباً بذيئة لم يعتدّ سماعها من قبل !


والأغرب من ردّة فعله العنيفة ، هي حركته السريعة التي تُشابه طفوّ جيمي الخفيف ! فكلاهما لا تلمس أقدامهما الأرض ، بعكس بقيّة الطلاّب بوجوههم الشاحبة المُنصدمة


ثم رأى جيمي سبعة من زملاء فصله ، بالإضافة لأستاذه .. جميعهم نظروا اليه من بعيد ، بغيظٍ واشمئزاز ! وهم يطفون بخفّة بين اهاليهم المنهارة بالخارج.


ولشدّة رغبة جيمي بمعرفة ما حصل ، إقترب من الشرطة المُجتمعة خلف الشريط الأصفر ، وهم يتهامسون عن مجريات الحادثة .. وبيدهم ورقة ، مكتوباً فيها بعض الأسماء ! مُستغرباً عدم منعهِ التنصّت عليهم ، رغم إبعادهم الجميع عن منطقة تحرّكاتهم ! 


وأكثر ما أخافه : هي الرسالة التي يحملونا ، التي تبدو مكتوبة بخطّ يده ! .. والأسماء المدوّنة : هي لرفاقه الغاضبين منه !


لكن صدمته الأكبر كانت بعد سماعه المحقّق يتحدّث بجواله مع مدير الشرطة ، عمّا حصل بالمدرسة :

((نعم سيدي .. مُطلق النار انتحر بعد قتله ثمانية من زملاء صفّه ، بالإضافة الى معلّمه .. كما وجدنا في جيبه مخطّط الجريمة ، وورقة بأسماء المستهدفين .. وحسب كاميرات المدرسة : فقد تعرّض للتنمّر منذ بدء السنة الدراسيّة ، لكونه طالباً جديداً.. ويبدو أن المدير والأساتذة تجاهلوا شكواه ! .. كما اعترف والداه برفضهما نقله لمدرسةٍ اخرى ، مُبرّران تصرّفه الهمجيّ : بتعرّضه لضغطٍ نفسيٍّ كبير ! .. وأحضرا معهما شهادات تفوّقه بالمدرسة الإبتدائيّة ، وفيديو يُظهر إبداعه بالعزف في سنٍ صغيرة.. وأن التنمّر هو ما دمّر حياته ، وحمّلا موظفي المدرسة مسؤوليّة إنهياره العصبيّ ! وقد أبدى ابوه ندمه على شرائه مسدساً لحماية منزله ، والذي استخدمه ابنه في تنفيذه جريمة المدرسة.. ونحن الآن نقف امام جثته ، فما هي اوامرك سيدي ؟)) 


فطفى جيمي مرتعباً باتجاه الجثة الملقاة على الأرض .. ليجد نفسه ميتاً بعد تشوّه وجهه الوسيم ، بطلقةٍ في الفم ! 

ثم توجّه نحو فصله : ليجد روح قتلاه تحوم حول الخبراء الجنائيين الذين قدموا لإزالة الأدلّة والرصاصات الفارغة التي تناثرت في كل مكان ، عدا التي اخترقت جثث المغدورين !

فتمّتم نادماً : يا الهي ! ماذا فعلت ؟!


وهنا سمع صديقه جاك يعاتبه :

- أنا أتفهّم قتلك لهم ، فهم تنمّروا عليك كثيراً .. لكني دافعت عنك ، وواسيتك طوال السنة .. فلما قتلتني ؟!


(فتذكّر جيمي احداث الجريمة : فبعد إطلاقه النار على اعدائه .. تبقّى معه بضعة رصاصات .. أطلقها عشوائيّاً ، فأصاب بعض التلاميذ من الصفوف الأخرى ..  وقتل استاذه الذي حاول تهريب الطلاّب الى خارج الفصل ، بالإضافة لصديقه الوحيد بالمدرسة !)


جيمي مُبرّراً : قتلك بالغلط يا صديقي هو ما جعلني أنتحر ، لعدم تحمّلي وفاتك

جاك غاضباً : كاذب !! انت خطّطت لقتلي بعد مصاحبتي ديانا التي فضّلتني عليك ، والدليل إن اسمي موجود ضمن لائحتك السوداء .. لهذا لن أغفر لك ابداً !!

^^^


وإذّ بجيمي يهرب بعيداً من ارواح زملائه الغاضبين (الذين وقفوا بجانب جثثهم) باتجاه ساحة المدرسة ، ومنها الى خارج الأسوار .. ليجد والديه يُرميان بالحجارة من الأهالي المقهورين :

- اللعنة عليكما !! لما لم تربّيا ابنكما جيداً ؟ لما لم تعالجانه نفسيّاً؟!!


فشعر جيمي بخذلانه والديه الّلذين فرّا من المكان ، قبل تسلّمهما جثته ..وهما منهاريّن بالبكاء ، بعد فشل توسّلاتهما لغفران ذنب ابنهما الوحيد !

***


في المساء ، وبعد هدوء الوضع في المدرسة .. طفى جيمي باتجاه المقبرة التي امتلأت بالشموع والورود ! حيث تجمهّر اهالي المنطقة بجانب قبور الموتى المراهقين ..وهم يحملون صورهم ، التي ذكّرت جيمي بتنمّرهم عليه لمدةٍ طويلة .. 

بينما دُفنت جثته في مكانٍ مجهول ، خوفاً من غضب الأهالي !


فتمّتم بضيق : وماذا الآن ؟! 

ليرى روح رفاقه تقترب منه ، قائلاً كبيرهم بنبرة تهديد :

- الآن ينتظرك عقاب الآخرة !!


وفجأة ! ظهر ملاكٌ جميل ، وهو يقول لهم : 

- تعالوا معي !!

أحد القتلى : أذاهبون للجنة ؟

الملاك : نعم ، فأنتم شهداء


وانفتح بابٌ في السماء ، خرج منه نوراً ساطعاً .. وانتشرت معه رائحةٌ عطرة في ارجاء المقبرة .. وسرعان ما حلّقت ارواح المراهقين الى السماء بسعادةٍ غامرة .. 

وعندما حاول جيمي الّلحاق بهم ، أوقفه الملاك :

- لا !! انت ستذهب معه


فالتفت خلفه ، ليجد شيطاناً مخيفاً امام فتحةٍ بالأرض تخرج منها النار

- ايها المشاغب !! ستأتي معي للجحيم 

جيمي برعب : لكني بلغت ١٥ عاماً منذ شهرٍ فقط .. وتعرّضي للتنمّر هو ما أفقدني صوابي

- انت شخصٌ بالغ ، وستُعاقب عن ذنوبك ..عدا عن السمعة السيئة والعار الذي جلبته لأهلك .. اما مشكلة التنمّر ، فكان الأجدر حلّها : بإصرارك على عدم الذهاب ، لحين تغيّر اهلك المدرسة .. او تصوير تنمّر اصدقائك ، ونشرها بوسائل التواصل ، لاستعطاف الناس وجبر المدرسة على إيقافهم عند حدّهم .. كان لديك العديد من الحلول بزمن التطوّر التكنولوجي ، لكنك فضّلت قتلهم جميعاً

جيمي : أعرف إن ذنبي كبير ، لكني مراهقٌ صغير .. أمعقول ان أتعذّب دنيا وآخرة؟!

- ورفاقك صغار السن ايضاً .. صحيح انهم اخطأوا معك ، لكنهم لا يستحقون الموت .. فالمشكلة الحقيقية هي شخصيّتك الضعيفة التي منعتك من الدفاع عن نفسك ، فاخترت الحلّ الأسهل .. أما هم ، فتعاقبوا بخسرانهم حياتهم باكراً .. والآن تعال معي للجحيم!!


وقيّده بسلسلةٍ طويلة ، سحبه بها الى باطن الأرض .. لنيل عقابٍ قد يطول مدّته ، لحين حصوله على الغفران الإلهيّ !

******


ملاحظة : 

هذه القصة مستوحاة من الطالب الصربيّ (كوستا) الذي قتل رفاقه بسبب التنمّر ..

الرابط

https://www.alarabiya.net/last-page/2023/05/04/%D8%B5%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B0-%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%A8%D9%87-%D9%85%D8%AC%D8%B2%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%B9%D8%A9%D8%9F


وبرأيّ حل التنمّر : هو تعيّن ناظر قويّ الشخصيّة ، لديه الصلاحيّة لضرب المتنمّرين بعصاه الطويلة ، اثناء مراقبته الممرّات والساحة البعيدة عن صفوف الدراسة .. فلابد من خوف المراهقين من العقاب ، لوقف هذه الظاهرة المرعبة ! 


الخميس، 11 مايو 2023

محطة الصحراء

*كتابة : امل شانوحة* 

المعركة الدمويّة 


كان (بوكاسا) سعيدًا بحصوله على الإقامة الأمريكيّة، بعد هروبه من المعارك الدائمة في بلدته وسط إفريقيا! ليواجه مشكلةً أخرى بإيجاد عملٍ، بسبب لغته الإنجليزيّة الركيكة..


وبعد شهرين من البحث المتواصل، أصبح مسؤولًا عن محطّة وقودٍ في طريقٍ صحراويّ بين ولايتين.. وعليه العيش وحيدًا في غرفةٍ داخل بقالة، بالإضافة إلى اهتمامه بخزّاني: البنزين والديزل!

وكان عمله روتينيًّا وغير متعبٍ، فنادرًا ما تمرّ سيارات من هناك.. واقتصر الأمر على بعض شاحنات البضائع والنقل!

***


كلّ هذا تغيّر ذلك المساء، بعد قدوم راكب درّاجةٍ ناريّة..

وقبل قيام بوكاسا بتزويده بالوقود، شهر المسدّس في وجهه وهو يدفعه بقوّة باتّجاه البقالة!


وما إن أصبحا داخلها، حتّى أمره بإغلاق بابها الحديديّ!

فقال بوكاسا برعب، وبلغته البسيطة:

-  سيدي! لا يوجد لديّ الكثير من المال

فصرخ الرجل بارتباكٍ واضح: فقط أَقفل الباب اللعين.. بسرعة!!


وسارع بوكاسا بإنزال الباب وقفله، فور رؤيته عشرات الدرّاجات الناريّة قادمةً من جهتين مختلفتين باتّجاه المحطّة!

بوكاسا بخوف: ماذا يحصل؟!

فأجابه الرجل: تعاملت مع كلتا العصابتين (العقرب والثعبان).. وانكشف أمري، ويريدان قتلي..


ثمّ أخرج مسدّسًا آخر، وضعه بيد العامل الإفريقيّ:

-  دافع عن نفسك، فبعد قليل ستحصل معركةٌ عنيفة

بوكاسا بضيق: أهربتُ من معارك إفريقيا، لأموت هنا؟!

الرجل: لا وقت لندب حظّك العاثر.. حاول عدم إطلاق النار إلّا بعد اختراقهم الباب.. حينها لا ترحم أحدًا، فجميعهم مجرمون.. مفهوم؟!!


فارتجف بوكاسا بعد سماعه صرخة أحد القائدين، الذي بدا من صوته أنّه كبيرٌ في السنّ (رئيس عصابة العقرب)، وهو يعاتب القائد الثاني (رئيس عصابة الثعبان) الذي لمحه بوكاسا من فتحة الباب الحديديّ: بأنّه رجلٌ أعور يضع عصابةً سوداء على عينه!


العجوز غاضبًا: لِمَ أتيتَ إلى هنا؟!! فرأس الخائن جاك من نصيبنا!!

الأعور: اسمع أيّها الخَرِف!! هو تسبّب بموت عشيقتي، ولا بدّ من قتله بيديّ

العجوز: مستحيل!! هو قتل ابني البكر، وأنا الأولى برأسه


ثمّ سمع المختبئان صوتًا يقول:

-  درّاجة جاك هناك!! أكيد هو داخل البقالة.. فلنطلق عليه النار، إلى أن يتحوّل جسمه إلى مصفاة

العجوز بحزم: إذًا ترجّلوا من درّاجاتكم، واصطفّوا هنا!! ولا تطلقوا النار إلّا بعد أمري.. مفهوم!!

ثمّ نادى بصوتٍ عالٍ:

-  جاك!! سلّم نفسك أيّها الخائن


فأجاب جاك من الداخل:

-  كيف تعاقبني بعد تنفيذي أمرك بالحرف الواحد: بقتل محبوبة قائد الثعبان لرفضها علاقةً عابرة مع ابنك الفاسق؟!!

فالتفت قائد الثعبان إليه بدهشةٍ وغضب: أأنتَ أمرته بذلك؟!

فشعر زعيم العقرب بارتباك!


فأكمل جاك قائلًا:

-  وأنت أيّها الأعور!! ألم تأمرني بقتل ابنه البكر، بعد علمك بملاحقته المستمرّة لحبيبتك؟!!

العجوز غاضبًا: يا لعين!! أنتَ أمرته بذلك!

جاك: أنا مجرّد قاتلٌ محترف، لم أرد الانتماء لأيّ العصابتين! فعملي مستقلّ.. لهذا نفّذت طلبكما مقابل المال.. وعليكما حلّ مشاكلكما بعيدًا عنّي!!

العجوز بعصبيّة: دفعتُ لك الكثير من الدولارات لتصبح من رجالي، وفي المقابل تعاملت مع عدوّي اللدود!!

الأعور: بل نحن أعطيناه منزلًا ودرّاجةً فخمة، ليخون ثقتنا به!

فالتزم جاك الصمت!

^^^


بهذه الأثناء.. همس جاك للعامل:

-  سيطلقون النار علينا لا محالة، هل يوجد مخبأٌ هنا؟

بوكاسا: هناك قبوٌّ صغير، أُكدّس فيه بضائع المحل

جاك: وماذا تنتظر؟! دعنا نختبئ فيه بسرعة!!


ففتح العامل بابًا صغيرًا في الأرضيّة، ونزلا درجتين.. محاولين الاختباء من المجرمين الذين حاصروا البقالة من الخارج!

^^^


في هذا الوقت، اتّفق الزعيمان على الانتقام من جاك..

ونادى العجوز بعلوّ صوته:

-  سأعدّ للرقم ثلاثة!! إن لم تخرج مستسلمًا من البقالة، سنُرديك قتيلًا بمئات الرصاصات.. هل تسمعني يا جاك؟!!

ثمّ عدّ بصوتٍ عالٍ:

-  1.. 2.. 3!!!

لينطلق وابلٌ من الرصاص، حطّم كلّ شبرٍ بالمحلّ الصغير!

***


بعد ربع ساعة من المعركة المتواصلة، نادى العجوز:

- توقّفوا يا شباب!! دعونا نكسر الباب، لسَحْل جثّة الخائن إلى وكرنا

الأعور بعصبيّة: لن أسمح لك بأخذه!! فجثّته هو انتصارٌ لي أمام عشيقاتي

العجوز: إذًا لنقسم جثّته لنصفين، لي الرأس وأنت الجسم

الأعور بإصرار: جسمه لن يُثبت هويّته، أريد رأسه!!

العجوز غاضبًا: أنا الأكبر سنًّا، وأكثر خبرةً منك في عالم الإجرام!!

الأعور: وأنا الأغنى!! وتجارة الدعارة والرقيق منتشرةٌ في حارات الفقراء، أكثر من مخدّراتك الرخيصة

العجوز بعصبيّة: لم أعد أستطيع تحمّل تفاهتك، أيّها المعاق!!

الأعور بغضبٍ شديد: أتسخر منّي أمام عصابتي!.. هجوم يا رجال!!


وسرعان ما انقلبت المعركة بينهما! محاولًا كلّ فردٍ من العصابتين الاحتماء خلف حائط المحطّة، أو وراء درّاجته.. ليموت عددٌ كبيرٌ منهم، بعد انفجار أحد خزانَي الوقود اللذين أُحرِقا أحياءً.. بينما أُصيب الباقون بالرصاص الطائش!


وفي القبوّ، استمع جاك وبوكاسا لمعركة العصابتين بقلقٍ شديد

***


بعد نصف ساعة، عمّ الهدوء المخيف!

جاك: هل تسمع شيئًا؟!

العامل: لا.. أظنّهم رحلوا!

-  بل أفنوا بعضهم، فلا صوت للدرّاجات التي تعطّلت حتمًا بالرصاص

-  هل نخرج الآن؟

  جاك: أساسًا يظنّون بموتنا.. دعنا نخرج بحذرٍ شديد

^^^


بعد صعودهما من القبوّ، صُدم العامل بمنظر البقالة التي لم يبقَ فيها منتجٌ سليم! ومشى مع جاك فوق شظايا الزجاج والرصاصات الفارغة..


ثم فتحا الباب الحديديّ المثقوب بمئات الرصاصات، ليجدا عشرات الجثث بالخارج.. بعضها ما زال يحترق!

فأسرع العامل بإطفائهم بالعبوّة المخصّصة لذلك


أمّا جاك، فتوجّه للقائد العجوز (وهو يتلوّى بألمٍ شديد) الذي قال بدهشة، بعد رؤيته الخائن سليمًا:

-  ألم تمت أيّها اللعين؟!


فنظر جاك إلى جراح العجوز الخطيرة التي تؤكّد احتضاره، هامسًا في أذنه:

-  على فكرة.. لستُ قاتلًا مأجورًا، بل شرطيٌّ متخفٍّ.. تعمّدتُ العمل مع كلتا العصابتين، للقضاء عليكما.. وأنا من نشرت إشاعة خيانتي وعملي للفريق الآخر، لأجعلكما تلاحقاني إلى منطقةٍ مهجورةٍ مفخّخةٍ بالديناميت، تبعد كيلومترين من هنا... لكن للأسف فرغ بنزين درّاجتي! ولحقتماني قبل تزوّدي بالوقود.. المهم!! خطّتي نجحت بجميع الأحوال، وقضيتما على رجالكما برصاصكما، بعد أن لوّثتما سمعة منطقتنا الريفيّة لسنوات! .. وأريد إعلامك بأن الحكومة ستزوّدنا بالأطبّاء لعلاج الإدمان، الذي نشره رجالك بين شبابنا.. كما سنغلق دور الدعارة، ونعيد الرقيق المخطوفين إلى أهاليهم.. ومن بعدها تُمحى عصابة العقرب والثعبان من ذاكرة منطقتنا للأبد!! .. أمّا جثثكم، فستتكفّل الشرطة برميها في المحرقة، لعدم استحقاقها الدفن كبقيّة البشر.. عدا عمّا ينتظركم من عذاب الجحيم.. والآن مُتْ أيّها المجرم الخَرِف!!

وخنقه بقوّة، إلى أن مات العجوز بين يديه!


من بعدها اتصل جاك بمركز الشرطة لإخبارهم بنجاح خطّتهم، وتنفيذه للمهمّة السرّيّة الخطيرة.. وأعطاهم عنوان المحطّة


ثم زوّد درّاجته (التي من حسن حظّه أوقفها بعيدًا عن المعركة العنيفة) بوقود الخزّان (الوحيد الذي بقي سليمًا في المحطّة)!

^^^


قبل ذهاب جاك، اقترب من العامل لإعطائه حقيبةً صغيرةً مليئةً بالمال:

-  أقترح عليك ترك كلّ شيءٍ خلفك، والرحيل من هنا.. فالشرطة قادمة بعد قليل لإزالة الجثث.. وأمامك حلٌّ من اثنين: إمّا إعطاء رُزم المال لصاحب المحطّة كتعويضٍ عن دمارها، وبذلك تبقى عاملًا بسيطًا لديه ! .. أو تركب درّاجة زعيم الثعبان (الوحيدة التي سلمت من الرصاص من درّاجات العصابتين)، لفتح محلٍّ خاصٍّ بك في المدينة، بثروتك البسيطة..ففي جميع الأحوال، سيظنّ مديرك بموتك بعد المعركة الطاحنة.. والقرار النهائي يعود إليك!!

فأعاد العامل المسدّس لجاك، وهو يقول: سأفكّر بالأمر

***


بعد رحيل جاك بساعة، سمع بوكاسا صافرات الشرطة من بعيد!

وبدون تفكير، سارع بحمل حقيبة المال.. منطلقًا بالدرّاجة الفخمة، للابتعاد عن المحطّة المدمّرة.. وهو يطمح بحياةٍ هادئة، تليق بأحلامه البسيطة!


الاثنين، 8 مايو 2023

مضيفة الرئيس

*تأليف : امل شانوحة* 

إغتيالٌ مُدبّر ! 


سافر الرئيس الأمريكي (المنتخب حديثًا) بطائرة الرئاسة، لحضور مؤتمرٍ صحفيّ ضدّ المعارضة (الرافضين نتائج الانتخابات التي جعلته يفوز على مرشّحهم بنسبةٍ قليلة).


وفي تلك الرحلة، تلقّت جاكلين (المضيفة الوحيدة برفقة ركّابها: الرئيس، وثلاثة من حرّاسه الشخصيّين، بالإضافة إلى الطيّار ومساعده) رسالةً على هاتف المطبخ (الركن المُخصّص للطعام على الطائرة) قادمةً من منزلها!

لتسمع رجلًا يقول:

- مرحبًا جاكلين.. ستجدين علبة بهارٍ زهريّ في الرفّ العلويّ للكاسات، ضعي القليل منه في شراب الرئيس.

فردّت بخوف: من أنت؟! وكيف اتصلت من منزلي؟!

- لا يهمّ!! نفّذي طلبنا قبل وصولكم إلى المطار.

جاكلين بقلق: أهو سمّ؟!

- ليس من شأنك!! فقط ضعي رشّتَين منه.

- وإن لم أفعل؟!

الرجل بنبرة تهديد: أقتل عائلتك!! وإن كان الرقم الظاهر لك لا يؤكّد أنّني في منزلك، سأدعك تكلّمين ابنك، لتأخذي كلامي محمل الجدّ.


ثم سمح لابنها جيمي (8 سنوات) بالحديث معها:

- أمي!! زميلي في العمل أهداني سيارةً جميلة، وهو يلعب معي بعد نوم جدّتي.

جاكلين بفزع: هل أنت متأكّد أنّها نائمة؟!

جيمي: نامت بعد شربها الشايّ.. حاولت إيقاظها، دون فائدة!

فعاد الرجل للحديث معها:

- هل صدّقتِ أنّني مع عائلتك؟

جاكلين بفزع: هل قتلتَ أمي؟!

- لا، مجرّد منوّمٍ طبّيّ.. فهي استقبلتني بحفاوة، بعد أن أخبرتها بنيّة الزواج من ابنتها المطلّقة.

جاكلين باكية: أرجوك لا تؤذِ عائلتي..

مقاطعًا بحزم: إذًا افعلي ما أمرتكِ به!!

- وكيف ستعرف أنّني نفّذت طلبك؟!

الرجل: أنتِ مُراقبة من راكبٍ في الطائرة.

فقالت بعصبية: إذًا دعه يُنفّذ أمرك!!

- نحن لا نورّط رجالنا، هذه إحدى قواعد المعارضة.. معك ساعة فقط، على أبعد تقدير.

جاكلين: أريد محادثة ابني مجدّدًا، رجاءً.

- حسنًا.. لكنّي أسمع حديثكما، فلا تتذاكي عليّ.. (ثم نادى) ها هو يا صغير!! أمّك تريدك.


وعند سماع صوت ابنها، قالت بجدّية:

- جيمي.. العالم الخياليّ!!

الولد باستغراب: ماذا؟!

أمّه: عالمنا الخياليّ.. الآن!!

فأخذ الرجل سمّاعة الهاتف الأرضيّ من الصغير:

- ماذا تحاولين فعله؟!

جاكلين بارتباك: كنت أوهمه بأن ما يحصل في منزلنا هو مجرّد أحداث لقصةٍ خياليّة، كالتي أقرأها له قبل النوم، كي لا يُصاب بعقدةٍ نفسيّة.

الرجل ساخرًا: التربية الحديثة الغبيّة!.. كما قلت لك!! معك بحدود 50 دقيقة، لتنفيذ طلبنا.. مفهوم!!

ثم أنهى المكالمة!

^^^


شعرت جاكلين بارتباكٍ شديد، وهي تراقب الحرّاس الشخصيّين الثلاثة للرئيس، مُتسائلةً في نفسها:

((من منهم الخائن؟)) 


ولم تستطع تحذير الرئيس المُنغمس بأعماله الورقيّة، والمُحاط بحرّاسه الذين يمنعون اقترابها منه!

***


في منزل جاكلين، شعر الخاطف بارتباك الولد الذي رفض اللعب معه!

فسأله باستغراب: ماذا حصل؟!

جيمي بقلق: ستهبط طائرة أمّي قريبًا.. عليّ النوم قبل وصولها، كي لا تغضب منّي.

ثم حمل لعبته الجديدة، قائلًا:

- سألعب بغرفتي قليلًا، ثم أنام.

الرجل: حاول عدم إصدار الضجيج.


وأسرع الولد لإغلاق غرفته، ثم دخل إلى خزانة ملابسه التي فيها بابٌ سرّيّ، يوصله لغرفةٍ خشبيّة لا تتعدّى المترين، واختبأ فيها.

فأمّه طلبت من النجّار بناء الغرفة السرّية، بسبب عملها الحسّاس والخطير في طائرة الرئاسة (فهي نالت وظيفتها الرفيعة لإتقانها أربع لغات، بالإضافة إلى موهبتها في التعامل مع الشخصيّات المهمّة، التي تفوّقت بها على بقيّة زملائها).

كما علّمت ابنها بأن كلمة ((العالم الخياليّ)) تعني وجود خطرٍ على حياته، وعليه الاختباء لحين قدومها!

^^^


في هذه الأثناء، استيقظت أمّها العجوز، وهي تقول بدهشة:

- هل غفوت؟!

الرجل: لا بأس يا خالة، نمتِ دقيقتَين فقط.

- يبدو أنّني كبرتُ في العمر!.. أين جيمي؟!

- أصرّ على اللعب بسيّارته مع ابن الجيران.

الجدّة باستغراب: في هذا الوقت المتأخّر؟!

الرجل: لا تقلقي، سأحضره بنفسي بعد اتفاقنا على موعد الزفاف.

- آه! نسيتُ الموضوع.. (ثم عدّلت جلستها).. لم تخبرني بعد، أين ستعيشان بعد الزواج؟

- في فلّتي.

الجدّة بدهشة: أتملك فيلّا؟!

- طبعًا، فأنا ابن عائلةٍ ثريّة.

فابتسمت بارتياح..

***


بهذا الوقت، أخبرت المضيفة الحارس العجوز بما حصل، ليُفاجئها بالقول:

- نفّذي طلبنا فورًا، وإلّا سأقتلك بنفسي!!

جاكلين بصدمة: أأنت الخائن؟!

- لأنّ رئيسك أجبرني على التقاعد بعد هذه الرحلة، لكِبر سنّي مع أنّي من نفس جيله! ولم يكتفِ بذلك، بل خصم جزءًا من تعويضي بعد معارضتي قراره.. لهذا لا تهمّني سلامته الشخصيّة.. معك نصف ساعة، وإلّا سأعطي الأمر للخاطف لقتل ابنك!!

وتركها في المطبخ، وهي ترتجف رعبًا!

***


بعد دقائق، دخل مساعد الطيّار لشرب الماء.. فمسكت يده، وهي تهمس بخوف:

- جاك! سيقتلون الرئيس.

لتنصدم بعد وضعه السكين في خاصرتها:

- نفّذي طلبهم حالًا!!

بدهشة: وأنت أيضًا؟!

المساعد: دفعوا مبلغًا كبيرًا لأراقبك.

جاكلين : يا لعين!! كنت أحبّك بالفعل.

- أفعل ذلك لأجلنا، فزواجنا سيكلّف الكثير من المال.

- أيّ زواج؟! إن نفّذت طلبهم، سأُسجن لبقيّة حياتي يا غبيّ!!

المساعد: لحين تشريحهم جثّة الرئيس، والتأكّد أنّه مات مسمومًا وليس بسكتةٍ قلبيّة لكِبر سنّه، نكون قد هربنا للخارج.. (ثم بلؤم).. لكن طبعًا دون ابنك!! فأنا أخبرتك مرارًا أنّني لا أطيق الأطفال.. دعي جدّته تتكفّل به، أو أعيديه لطليقك.

- مستحيل أن أتزوّجك بعد خيانتك الرئيس، أيّها التافه!!

- وهل أُغرمتِ به بهذه السرعة؟! فهو استلم الرئاسة منذ شهرين فقط!.. هيّا جاكلين!! كفّي عن وطنيّتك الزائفة، وضعي السمّ في كأسه اللعين.

ثم تركها في المطبخ، وهي في حيرةٍ مُربكة!

***


بعد قليل، أعادت جاكلين الاتّصال بمنزلها، طالبةً من الخاطف التحدّث مع ابنها.

فأجابها: أظنّه نائمًا، سأذهب لأراه.


واستغلّ انشغال أمّها بالبحث عن ألبوم الصور في غرفتها، لدخول غرفة الصغير الذي لم يجده هناك!

فبحث تحت السرير، وفي الخزانة دون العثور عليه!

فشعر بالارتباك بعد رؤية نافذة الغرفة مُغلقة من الداخل، ولا أثر للصبيّ في الحمّام!


لكنّه تمالك أعصابه، بعد قدوم الجدّة:

- أخيرًا وجدتُ الصور!!.. ما الذي تفعله بغرفة حفيدي؟!

الخاطف: كنت أبحث عن دورة المياه.

الجدّة: هي بآخر الممرّ.

وهنا لمحت السيّارة (الهديّة) على سرير الصغير!

الجدّة باستغراب: ألم تُخبرني أنّ جيمي أخذها لمنزل الجيران؟!

الخاطف بارتباك: أنتِ تعرفين الصغار، يخافون مشاركة ألعابهم الجديدة مع الآخرين.. ربّما غيّر رأيه، قبل ذهابه إليه! لا تقلقي، سأحضر جيمي من منزل الجيران بعد شربنا الشايّ.

الجدّة: حسنًا إذًا، سأعدّ الشايّ لحين انتهائك.

- انتهائي من ماذا؟!

- ألم تكن تريد دخول الحمّام؟!

الخاطف: آه! صحيح.

^^^


ثم دخل إلى دورة المياه، لإعادة الاتّصال بالمضيفة التي سألته بعصبيّة:

- لماذا أغلقتَ المكالمة في وجهي؟!!.. أين ابني؟!

الرجل: أمّك أجبرته على النوم باكرًا، لكي تتابع حديثنا عن زواجنا المزعوم.. المهمّ الآن!! تأخّرتِ كثيرًا بتنفيذ طلبنا، فمُراقبك لم يُخبرني بعد بموت الرئيس!

جاكلين : أتقصد الخائنَين: الحارس العجوز، ومساعد الطيّار الأحمق؟!

- ومن قال إنّهما الوحيدَين من رجالنا في الطائرة؟! فالمعارضة أقوى من مناصري رئيسكم بكثير.. هيّا لا تطيلِي التفكير، فحياة أمّك وابنك في خطر.

جاكلين بقلق: وكيف أعرف أنّك لن تقتلهما بعد تنفيذي المهمّة؟!

الخاطف: عائلتك غير مهمّة، لأضيفها على سجّلّي الإجراميّ.. وسأتركهما فور تخلّصك من الرئيس.. عليكِ الوثوق بي، لا حلّ آخر أمامك.

ثم أغلق الهاتف، دون علمه بتنصّت الصغير عليه من خلف باب الحمّام!

***


لم تعرف جاكلين إن كان ابنها نائمًا، أو مختبئًا في المكان السرّي كما طلبت منه!

لهذا سارعت برميّ السمّ في الزبالة، وأذابت حبّتَي منوّمٍ في الشايّ الساخن.

وبذلك اطمأنّ الخائنان، بعد رؤية الرئيس دون حِراك (ظنًّا بموته مسمومًا).

***


في هذه الأثناء، اختبأ الطفل في غرفة جدّته، لحين عودة الخاطف إلى الصالة.

ثم سارع بأخذ جوّالها (الجدّة) والعودة سريعًا إلى غرفته الخشبيّة السرّية، لإرسال رسالةٍ نصيّة إلى والده (الذي يعمل شرطيًّا):

((أبي.. أنقذ أمّي.. هي في خطر.. فقد طلبت منّي الاختباء من رجلٍ غريبٍ يتجوّل في بيتنا، والذي سمعته يُحدّثها هاتفيًّا عن الرئيس!)) 

^^^


كان والده على علم بتهديد المعارضة للرئيس الحاليّ (فهو من مناصريه).

فاتّصل بمركز الشرطة لإخبارهم بوجود خطرٍ يهدّد حياة الرئيس.


ووصل الأمر بغضون دقائق إلى أمن الدولة، الذين سارعوا بإرسال طائرةٍ عسكريّة لملاحقة طائرة الرئيس الذي لم يردّ على مكالمتهم!

خاصّة بعد رفض الطيّار إسماعهم صوت الرئيس (النائم)، دون علمهم أنّه تحت تهديد مساعده الذي يضع المسدّس على رأسه!

بينما يُسلّط العجوز مسدّسه في وجه الحارسَين الشابَّين (المصدومَين ممّا حصل)!

أمّا جاكلين، فاختبأت في المطبخ، لحين انتهاء الأزمة!

***


في هذه الأثناء، أسرع والد جيمي إلى منزل أمّ طليقته..

وما إن فتح الخاطف الباب، حتّى عاجله بضربةٍ قويّة أفقدته الوعيّ، ثم قيّده بالأصفاد، بينما حماته القديمة تعاتبه، ظنًّا بأنّه يُغار من العريس الجديد!

لكنّه لم يكترث لكلامها، وذهب إلى غرفة ابنه، مناديًا بعلوّ صوته:

- جيمي!! أنا والدك!!.. هل أنت بخير؟!!


وما إن سمع الصغير صوته، حتّى خرج من مخبئه..

ثم أفهم الوالد حماته بما حصل، لحين قدوم زميله لنقل الخاطف إلى مركز الشرطة، وهو يدعو ربّه أن تخرج طليقته من أزمتها المرعبة على خيرٍ وسلامة!

***


بهذه الأثناء، أجبرت الطائرة العسكريّة الخاطفَين على الهبوط في المدرّج..

ورغم انكشاف المؤامرة، إلّا أنّهما سعيدَين بموت الرئيس وتنفيذهما المهمّة الصعبة، دون علمهما بأنّه مخدَّرٌ فقط!


وفور وقوف الخاطفَين أوّل سلّم الطائرة، حتّى فاجأتهما المضيفة بدفعهما من ظهرهما! ليسقطا بقوّة على طول الدرج..


فاقتادوا مساعد الطيّار إلى مركز الشرطة، وهو مُصاب بكدماتٍ بسيطة، بينما نُقل الحارس العجوز إلى المستشفى بعد كسرٍ في قدمه!

***


لاحقًا.. تمّ تكريم المضيفة على إفشالها مؤامرة قتل الرئيس، بالإضافة إلى درعٍ تكريميّ لطليقها الشرطيّ الذي عادت إليه بعد إنقاذه عائلتها..


كما غيّرت المخابرات هويّة المضيفة وعائلتها، التي نُقلت إلى قريةٍ مجهولة، خوفًا من انتقام المعارضة التي ستظلّ تُخطّط لاستلام الحكم بالبلاد، مهما كلّف الأمر!


السبت، 6 مايو 2023

رسّامة المدرسة

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

بصمة الدمّ !


طلبت المديرة من ريما (معلّمة الرسم) تزيّن جدار حديقة المدرسة.. 

وبعد ذهاب الطلاّب والمدرّسين الى منازلهم.. وضعت ريما علب الألوان امامها ، لرسم لوحةٍ على الجدار ..


واثناء تخيّلها الرسمة النهائيّة ، نادتها خادمة المدرسة (زوجة الحارس) برفقتها ابنها الصغير (الذي يبدو في العاشرة من العمر) وهي تقول :

- يمكن لأبني ان يساعدك ، فهو رسامٌ بارع

فسألت ريما الصغير : 

- أحقاً يمكنك الرسم ؟

فأجابها بثقة : طبعاً !! فقط إخبريني بما تنوين رسمه ؟

ريما : أفكّر بأشجارٍ وورود .. واولادٌ يلعبون بالمراجيح ، كشيءٍ يُشبه فناء مدرستنا 

الولد بحماس : سأبدأ حالاً !!

المعلمة بقلق : اولاً إرسم لي قطة على هذا الجزء من الجدار ، لأقيّم رسمك 


وبأقل من دقيقة ، رسم قطة تبدو حقيقة لشدّة موهبته !

ريما بذهول : هذا رائع ! موهبتك تفوق عمرك بكثير

الخادمة : دعي ابني يُنهي الرسمة ، ولنتحدّث سويّاً بموضوعٍ مهم


ثم انضمّ اليهما الحارس الذي أخذهما الى الحديقة الخلفيّة (المُغلقة من الإدارة السابقة)..

فسألت ريما الحارس باستغراب : 

- لم اكن أعلم إن معك مفتاح الحديقة ! فمديرتنا لم تُخبرنا عن السبب الحقيقي لإغلاق الحديقة بدل إستفادتنا منها ، بتحويلها لملعبٍ للصغار

الحارس : تمّ إغلاقها بعد عدّة إصاباتٍ للطلّاب 

ريما : هذا بسبب الأعشاب الضارّة .. ولوّ أحضرنا مزارعاً بارعاً ، سيسوّي العشب ليصبح ملعباً إضافيّاً للطلّاب !  

الخادمة : دعينا الآن من موضوع الحديقة ، واخبرينا عن حلمك ؟

ريما بدهشة : ماذا تقصدين ؟!


الخادمة : هل تتمنّين أن تصبحي أفضل رسّامة بالبلد ؟

ريما : طبيعي أن احلم هكذا

الحارس : ونحن يمكننا تحويل حلمك الى حقيقة

ريما باهتمام : كيف !

الحارس وهو يشير الى الشجرة الضخمة : 

- بمجرّد دخولك عالمنا ، تصبحين موهوبة بشكلٍ خياليّ

ريما بقلق : عالمكم !


فقرأ الحارس تعويذةً غريبة امام الشجرة ! أظهرت باباً خفيّاً داخلها ، يخرج منه شعاعٌ احمر ! 

فتراجعت ريما للخلف بخوف ، بعد رؤية عينيّ الزوجيّن المضاءة !


الحارس : لا تخافي ، فنحن سكّان هذه الأرض قبل تحويلها الى مدرسة ..ومنزلنا اسفل منها .. ونعدك أن تصبحي أفضل رسّامة ، بعد زيارتك عالمنا

الخادمة : لا تخافي يا صغيرتي ، فعالمنا لا يختلف كثيراً عنكم

ريما وهي ترتجف بخوف : رجاءً لا تأذونني !!

الحارس مُطمّئناً : لم نكشف سرّنا ، كيّ نؤذيك

الخادمة : أنظري الى رسمة ابني


فنظرت ريما خلفها .. لتُصعق برؤية اجمل لوحةٍ جداريّة ، باتقان رسّامٍ محترف يفوق عمر الصبي بأعوام !

ريما بذهول : هل رسمها بخمس دقائق ؟!

الخادمة : ويمكنك بسهولة التفوّق عليه

الحارس : كل ما عليك فعله ، هو الدخول الى عالمنا

الخادمة : وسنعيدك الى هنا بغضون ثوانيٍ ، فزمننا ابطأ من عالمكم


وعادت ريما تتمعّن الّلوحة الجداريّة ، والصبي يقول لها :

- سيظن الجميع إنها رسمتك ، فأنا لا اظهر في الصباح إلاّ كشبحٍ خفيّ

فسألته ريما بعد وقوفه بجانبها : 

- وهل كنت تلعب بمراجيح الملعب اثناء وجود الطلبة في صفوفهم ؟! فقد أرعبني تحرّكها وحدها أكثر من مرة ! 

الصبي : احياناً أشعر بالمللّ في عالمنا ، فآتي للعب عندكم .. اساساً ملعبكم كان ساحة بيتنا قديماً


الحارس : هآ يا آنسة ريما ، هل توافقين على زيارتنا ؟ 

ريما بقلق : إلحاحكم يُخيفني ! فأنا لا اعرف ماذا تستفيدون من زيارتي لعالمكم ؟! 

الخادمة بابتسامةٍ غريبة : ستعلمين لاحقاً


وبترددٍ شديد ، دخلت ريما مع عائلة الجن لداخل الشجرة .. لتفاجأ بعالمٍ كبير وضخم ، مليئاً بأنواع الجن المختلفة : من الزاحف والطائر والعملاق والقزم ! حيث يبدون كقصةٍ خياليّة .. اما زمانهم : فكأنهم يعيشون بالقرن الماضي ، بعربات الخيول وقناديل الزيت تضيء شوارعهم الترابيّة .. أما الأكثر غرابة ، فهو زيّ نسائهم ورجالهم الموحّد : فجميعهم يلبسون الثوب الأبيض الطويل ، بشعورهم التي تغطي معظم وجوههم ، وهم يطفون كنسمة هواءٍ باردة !


وكانوا جميعاً يراقبونها بابتسامةٍ عريضة أخافتها ، دون أن يأذوها ! وظلّت تمشي برفقة عائلة الحارس ، الى ان وصلت لساحتهم .. التي في وسطها ، كتابٌ كبير مفتوح على عقدٍ بإسمها ، على النحو التالي:  

((انا المعلمة ريما .. أتعهّد بتنفيذ اوامر الجن ، مقابل موهبة رسمٍ عظيمة))


الحارس وهو يشير لأسفل الورقة : 

- وقّعي هنا !!

ريما : واين القلم ؟

الخادمة : ستبصمين بصمة الدم

ريما بقلق : لم أفهم !

الحارس : ستجرحين اصبعك بهذا المشرط المُطهّر ، وتبصمين في هذه الخانة

ريما : لكني استطيع الكتابة !

الحارس : نعرف هذا ..لكن عقدنا يبقى ساريّ المفعول ، طالما انت حيّة .. فنحن نتتبّع رائحة الدم


فشعرت ريما بالخوف بعد تجمّع الجن حولها ! ولم يكن امامها سوى تنفيذ امرهم 

***


لتستيقظ لاحقاً في منزلها على منبّه اليوم الدراسي الجديد ! 

فظنت انه حلم ، قبل أن تفجع برؤية لصقةٍ طبّية على ابهامها :

((ربما جرحته البارحة ، فذاكرتي ضعيفة !))

***


فور دخولها المدرسة ، صفّق لها التلاميذ والأساتذة بعد إعجابهم بلوحتها الجداريّة المميزة (التي رسمها الجني الصغير).. 

فعلمت ان ما حصل الليلة الماضية حقيقياً ! خاصة بعد رؤيتها الخادمة والحارس يلوّحان لها من بعيد ، بابتسامةٍ مريبة !

***


بمرور الأيام ، تطوّر رسمها بشكلٍ ملحوظ ! فشاركت بأهم مسابقات الرسم ببلادها .. وفازت بجوائز عديدة ، جعلتها بغضون عام من اهم الرسّامين البارعين بدولتها ! 

وصارت تذهب للمدرسة من وقتٍ لآخر بشكلٍ تطوّعيّ ، بعد التزامها بعدّة معارض ساهمت في شهرتها العالميّة

***


وفي يوم ، ذهبت للمدرسة لحضور حفل تكريمها .. لتجد الحارس والخادمة يُشيران لها من بعيد بضرورة التحدّث معهما .. لكنها تجاهلتهما ، وخرجت فوراً من المدرسة بعد انتهاء الحفل !

***


في المساء ، إنشغلت برسم لوحةٍ لمعرضها الجديد .. لكن كلما رسمت شيئاً ، يُمحى ثانيةً ! .. فصرخت غاضبة :

- ماذا تريدون مني ؟!! دعوني ارسم على راحتي

فشعرت بدوارٍ مفاجىء ، جعلتها تتوهّم ان اللوحة تتحدّث معها : 

- لن نسمح لك بخذلاننا !!

^^^


لتستيقظ قرب حديقة المدرسة ، والحارس وزوجته وابنهما امامها !

ريما بخوف : كيف أتيت الى هنا ؟!

الخادمة : يبدو انك نسيت وعدنا بعد شهرتك ! لكنه يا عزيزتي ، حان وقت تسديد دينك

ريما بقلق : وماذا تريدون مني ؟!

الحارس : القرابين البشريّة

ريما بفزع : ماذا تعني ؟!

الحارس : اولاً عليك العودة للمداومة في مدرستك 

ريما : لكن وقتي لا يسمح..

الحارس مقاطعاً بحزم : لا تعارضينا !! وفي نهاية كل اسبوع ، إحضري تلميذاً الينا

ريما : الأمر ليس بهذه السهولة !


الخادمة : إختاري اليتامى او الكسالى والمشاغبين ، واحضريهم تباعاً الى الحديقة المقفلة التي سنعطيك مفتاحها.. كل ما عليك فعله ، هو إيقافهم قرب الشجرة ..ونحن نسحبهم لباطن الأرض

ريما بخوف : وماذا ستفعلون بهم ؟!

الحارس : كما نفعل عادةً بالقرابين

فصرخت ريما فزعة : ستقتلونهم ؟!!!

الخادمة : سنحرقهم لإبليس

ريما : مستحيل !! انا لست قاتلة

الحارس : اذاً ستُحرمين من موهبتك للأبد !! وأكيد هذا سيقهرك بعد تعوّدك على الشهرة والمال وحديث الصحافة


ففكّرت ريما قليلاً ، قبل أن تقول بارتباك :

- حسناً ، سأحاول بعد خروج الطلبة .. ربما مع تلميذٍ يتيم

الحارس : اذاً موعدنا غداً !!

***


وبمرور الأسابيع ، زاد إختفاء الطلبة .. مما أفقد الأهل صوابهم ، وطالبوا بتحقيقٍ شامل مع جميع مسؤولي المدرسة .. رغم محاولات ريما بإيهام الشرطة باختطاف الأولاد خارج المدرسة !


ولخوف المديرة من إغلاق مدرستها ، قامت بتركيب كاميراتٍ سرّية دون إخبار احدٍ بذلك .. لترى ان المعلمة ريما ، هي آخر من رافقت الطلبة المفقودين ! حيث ظهرت بوضوح وهي تُدخل التلميذ الى الحديقة المُقفلة !

^^^


بهذه الأثناء .. كانت ريما تحتفل بعالم الجن على شهرتها المتزايدة ، قبل قدوم الصبي لإخبارها بما حصل :

- لقد كُشف امرك !! فقبل قليل ، إتصلت مديرتك بالشرطة للإبلاغ عنك.. وسيقبضون عليك غداً صباحاً ، امام الطلبة والأساتذة

ريما بعصبية : لكنكم وعدّتم بحمايتي !!  

الحارس : طالما فُضح أمرك .. فلا يمكنك الصعود لعالمك ، فهم سيسجنونك لفترةٍ طويلة

ريما بقلق : وما الحلّ ؟

الخادمة : البقاء عندنا


ريما : وماذا عن عائلتي وأصدقائي ؟!

الخادمة : جميعهم سيتخلّون عنك بعد فضيحتك الشنيعة

ريما : وماذا سيحصل بالقضيّة ؟

الحارس : سنمحيها من عقول الأهل الذين سينسون إنجابهم لأولادهم المفقودين ، فور إخفائنا جميع اغراض صغارهم 

ريما بدهشة : أبهذه السهولة ؟!

الحارس : نعم ، كما فعلنا مع غيرك

ريما باستغراب : وهل اتفقتم مع اساتذة آخرين ؟!

الخادمة : تعالي نريك اصحابك العالقين هنا ، منذ سنوات

***


وأخذوها الى منزلٍ ، يبدو كنزل المسافرين في عالمهم .. لتجد ريما مديرة مدرستها القديمة وناظرتها ومعلّمة الموسيقى اللآتي اختفينّ قبل اعوام .. وأشيع انهنّ هربنّ للخارج بعد تورّطهن بأمورٍ مشبوهة!

الخادمة : المديرة ضحّت ب٧ طلاّب من اجل المال .. والناظرة ارادت الزواج قبل عنوستها.. ومعلّمة الموسيقى رغبت بزيادة صوتها جمالاً .. وجميعهن علقنّ هنا لوجود قضايا ضدّهن في عالمكم

المديرة بحزن : اهلاً بك معنا


ريما : وماذا سأفعل هنا ؟!

الخادمة : يمكنك أن ترسمي قدر ما تشائين ، كما تفعل زميلتك التي تغني طوال الوقت دون جمهورٍ يُصفّق لها.. بينما مديرتك تعدّ رزم المال دون فائدة ..اما الناظرة فمُجبرة على الزواج من رجال الجن المشاغبين

ريما : وهل سأبقى هنا حتى الموت ؟

الحارس : لا وجود للموت في عالمنا ، ستبقين هنا ليوم القيامة


وضحكت عائلة الجن (ساخرين منها) وهم يقفلون باب النزل من الخارج ..لتعلق ريما بدوّامة تأنيب الضمير ، الى ما لا نهاية !


الجمعة، 5 مايو 2023

موهبةٌ روحيّة

تأليف : امل شانوحة 

 

خفايا الماضي


بعد إحتفال وليد مع اصدقائه ببلوغه سن الأربعين .. خرج من المطعم باتجاه الشاطئ ، ليسمع بصّارة تناديه من بعيد :

- الا تريد هديّةً مميزة بعيد ميلادك ؟!!

فتفاجأ معرفتها بالمناسبة ! فاقترب ليسألها باهتمام :

- وماذا يمكنك إهدائي ؟!

بصّارة : موهبةٌ تتميّز بها عن غيرك  

- وهل يمكنني الإختيار ؟

- ماذا تريد ؟

وليد : اريد معرفة مكان الكنوز القديمة .. فعملي كمُرشد سياحي ، يسمح لي التنقّل في العديد من الأماكن الأثريّة 


ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول : 

- يمكنني اهدائك موهبة أفضل من ذلك 

- وماذا يوجد أفضل من الذهب والجواهر المدفونة ؟!

البصّارة : ستعرف بعد شربك الماء


وقرأت تعويذة على قارورة بها القليل من الماء ، وأعطتها له ! 

ورغم اشمئزازه من قذارة يديها ، إلا انه رغب في عيش مغامرةٍ تُسعد حياته المملّة 

وبعد شربه الماء ، قالت بحزم :

- إن لم تُحقّق العدالة !! ستعرف حقيقةً مخفيّة عن عائلتك ، ستؤلم قلبك 


وقبل سؤالها عن قصدها ! سمع صديقته تنادي من بعيد : 

- وليد !! أنت هنا ؟! .. كل عام وانت بخير

فذهب للسلام عليها ..وحين التفت ، لم يجد البصّارة على طول الشاطئ !

***


لم تظهر موهبته إلاّ بعد اسبوع ، عندما اراد سائحٌ إكتشاف قصرٍ مهجور .. فاضّطر وليد للدخول معه .. 

ثم تركه يصوّر الصالة ، متوجّهاً للطابق العلويّ .. 

وعندما مرّ وليد من غرفةٍ فارغة ، شاهد خيال طفلٍ في الخامسة يلعب فوق حصانه الخشبيّ .. فتراجع خطوةً للخلف ! ونادى على السائح ، الذي سارع بالصعود .. وسأله عن الطفل ؟ 

فأجاب السائح باستغراب : 

- أيّ طفل ! لا يوجد هنا سوى الخراب 


وهنا سمع وليد صوت البصّارة في أذنه :

((سترى ما لا يراه الآخرون .. وهذه هي موهبتك الجديدة))


فترك السائح مشغولاً بالتقاط صور الغرف المهجوره ، وتتبّع خيال الطفل الذي ظهر من جديد ! 

وهذه المرة وقف الصغير أعلى السلّم بخوف ، وهو يراقب شجار والديه في الصالة! 


حينما شاهد وليد : الزوج الغاضب يدفع زوجته بقوة .. ليرتطم رأسها بالكنبة الخشبيّة ، وتسقط على الأرض دون حراك ! 

وانهار الصبي باكياً ، بعد رؤيته دماء امه .. 


ليشاهد الأب يأمر ابنه بالبقاء في غرفته ، لحين أخذها الى المستشفى .. فعاد الصبي مُرتجفاً الى غرفته .. بينما تتبّع وليد الأب وهو يحمل زوجته الى قبو قصره ، ويدفنها هناك ! 


لكن خيالات العائلة الغامضة تلاشت فور سماع وليد بوق الحافلة ، ونداء السائق للسوّاح لإكمال رحلتهم .. 


وكان وليد آخر من صعد الحافلة ، وهو منصدماً مما رآه ! 

وفي رأسه الكثير من الأسئلة : ((هل الجثة مازالت في القبو ؟ وهل كبر الصغير دون علمه بأن امه قُتلت ذلك النهار ؟ وهل اختلق والده كذبة وفاتها ؟ وهل مازال الصغير حيّاً ليومنا هذا ؟))

 

جميع الأسئلة متوقفة إجابتها على زمن إرتكاب الجريمة ! التي لولا تعويذة البصّارة ، لما عرف وليد بحصولها ! .. فلما اختارته من بين كل المصطافين على الشاطىء لابتلائه بموهبته المخيفة ؟!

***


لم ينمّ وليد طوال الليل.. فنهض من فراشه للبحث بحاسوبه عن الإشاعات حول القصر المهجور الذي أصبح مزاراً للسوّاح ..

ليعلم بأن المنزل هُجر قبل سبعين عاماً .. وهذا يعني : أنه لوّ بقيّ الصغير حيّاً ، سيكون ف 75 من عمره ! .. فهل مازال في وعيه ؟ وهل هناك قبرٌ مزيّف لأمه ؟ وكيف تفادى والده تحقيقات الشرطة عن إختفائها ؟!


اسئلةٌ كثيرة جعلته يقلق على مصير الطفل الذي رغب بشدة إيصال الحقيقة له .. لكن عليه اولاً التأكّد بأن الجثة مازالت في القبو !

***


في يوم عطلته ، ذهب وليد الى القصر المهجور الموجود اعلى الجبل ..وبعد إخراجه المجرفة من صندوق سيارته ، بدأ بحفر القبو .. الى ان تجمّد في مكانه بعد رؤيته يدٍ هيكلٍ عظميّ .. عرف انها للسيدة التي رآها بخياله ، لوجود اسورةً ذهبيّة ! فزوجها دفنها بالحليّ التي تلبسها.. 


بالبداية ، شعر وليد برغبةٍ لسرقة عقدها وحلقها وأسورتها الثمينة ، لكنه يعلم أن هذه الحليّ هي التي ستكشف هويّة القتيلة .. لهذا طمر الجثة ، وعاد الى سيارته

ذاهباً لأقرب سوق لشراء كرت جوّالٍ جديد ، ينوي إستخدامه بحلّ الّلغز.. 

واتصل به على الشرطة لإعلامهم بوجود جثة امرأةٍ مجهولة ، وأعطاهم العنوان .. وأخبرهم بأن زوجها هو القاتل..


وقبل ان يستفسروا منه ، أنهى كلامه بالقول :

- لدى الضحيّة طفلاً في الخامسة ، سلّموه جثتها ليدفنها بطريقةٍ لائقة

ثم أغلق المكالمة..

***


بعد اسبوعين ، رأى في منامه البصّارة تخبره بأن جريمة القبو نُشرت في الإنترنت 


وفور استيقاظه ، بحث بجوّاله عن اسم قصر الجبل .. ليجد فيديو لعجوزٍ يبكي امام قبرٍ حديث ، قائلاً للصحافة : بأن روح امه استراحت اخيراً .. 

فسأله الصحفيّ : هل ستُسامح والدك المرحوم عن قتله امك ؟ 

فأجاب غاضباً : ابداً !! هو أوهمني أن الجريمة التي شاهدتها بطفولتي ، والتي لاحقتني لسنوات ككوابيسٍ مرعبة ، ماهي الا توهّمات طفلٍ أحمق ! وأن امي هربت مع عشيقها بعد تخلّيها عني ! وجعلني أكرهها طوال حياتي ، وهي مدفونة بقبو قصرنا الذي نقلنا منه بعد شهر على وفاتها ! 

الصحفي : الا تظن خسارته لثروته بنهاية عمره ، عقاباً كافياً له ؟

العجوز بعصبية : ما أعلمه جيداً ، انه سيُعاقب بالجحيم لفترةٍ طويلة!!

الصحفي : وما رأيك بالمكالمة الغريبة التي كشفت مكان قبرها ؟ هل تظن والدك أفشى سرّه لأحد ؟

العجوز : كل اصدقاء والدي توفّوا قبله ! ولا أظنه تجرّأ على إخبار أحد بفعلته الوسخة.. على كلٍ ، أشكر المتصل على كشفه للجريمة الغامضة 

^^^


كلام الصبي (الذي اصبح عجوزاً) اراح وليد ، وأشعره أنه قام بشيءٍ جيد! 

وهو ما أعطاه النشاط لإكمال يومه مع رحلةٍ جديدة مع السوّاح.. 


وهذه المرة الى نهرٍ بين جبلين .. وبينما يستمتع السوّاح بتصوير المنظر الخلّاب .. شاهد وليد رجلين يتشاجران قرب النهر ! أشكالهما غريبة ، بزيّ ملابسهما القديم وشعرهما وذقنهما الطويلة .. وكانا يتحدّثان عن أحقيّة السقاية بين ارضيهما على الجهتين المعاكستين من النهر.. 

وقبل إقتراب وليد منهما ، رأى احدهما يُغرق رأس الآخر بالنهر ! 

فأسرع نحوه ، وهو يصرخ بعلوّ صوته :

- توقف !!!


ليختفيا فجأة ! فعلم وليد أن موهبته اللعينة جعلته يُشاهد جريمةً اخرى حصلت قرب النهر منذ مدةٍ طويلة ! 

فحاول التهرّب من نظرات الدهشة للسوّاح ! مُتظاهراً بالضحك :

- تذكّرت طفولتي ، حين كاد اخي الصغير يسقط في المياه الباردة .. رجاءً إكملوا تِجوالكم .. وأعتذر مجدّداً عن مضايقتكم


وجلس بعيداً ، محاولاً نسيان ما رآه .. ثم ارتعب بعد رؤيته القاتل يتجه نحوه غاضباً ، ويمرّ من خلال جسده ! لأخذ مجرفته الموجودة قرب طعامه .. ثم عاد لاستخراج جثة جاره ، قبل أن يجرفه النهر .. ويقوم بدفنه اسفل الشجرة الضخمة .. 


وقبل إختفاء خيال القاتل ، نظر لوليد بلؤم وهو يضع أصبعه على فمه ((بمعنى : إلتزم الصمت)) 

فارتعب وليد ، متسائلاً في نفسه :

((هل يمكن للأشباح أن تراني ؟!)) 


وانتظر عودة السوّاح الى الحافلة ، ليقوم بتغيّر شريحة جواله ..والإتصال بالشرطة لإخبارهم بمكان الجثة .. 

ثم سارع للحافلة بعد سماعه بوق السائق ، دون علمه إن كانت الشرطة ستأخذ بلاغه محمل الجدّ ام لا !

***


في تلك الليلة .. شاهد وليد في منامه ، البصّارة تقول :

((وهآ انت كشفت جريمة اخرى حصلت القرن الماضي.. صحيح ان اولاد الجارين توفيّا ، لكن احفادهما مازالا على خصام حول أحقيّة مياه النهر لسقاية ارضيهما الّلتين تبعدان أمتاراً عن المكان السياحيّ .. وكشفك الجريمة سيُعطي الحقّ اخيراً لعائلة المغدور .. أحسنت يا وليد !!))

وقبل سؤالها عن طريقة تخلّصه من موهبته المخيفة ، إستيقظ من منامه !

***


وبسبب عمل وليد السياحيّ ، جعله يكتشف جرائم فظيعة حصلت منذ قرن الى خمسين سنة كأقل تقدير.. حيث رأى جثثاً مجهولة مرمية في الوادي او مشنوقة وسط الغابة ، او تطفو في أقنيّة المجاري او داخل كهوفٍ عميقة ! 

وبدوره ارسل المعلومات للشرطة التي أعادت رفاتهم الى من تبقّى من نسلهم !


وهذا الشيء ضايق وليد لعدم استمتاعه بالرحلات السياحيّة، كما فعل سابقاً ! فجميع تلك المناطق النائيّة هي اماكن مثاليّة لإخفاء الجرائم السابقة ! 

لهذا قرّر تجاهل ما يراه ، وعدم إبلاغ الشرطة بها .. ففي النهاية جميعها جرائم سقطت عقوبتها بالتقادم ، او توفيّ قاتلها لكبر سنه .

***


مرّت الأيام بسلام .. الى ان ظهرت فتاةٌ صغيرة تصرخ هاربة من رجلٍ يحاول الإعتداء عليها بعد عودتها من المدرسة ، وهي تلوّح لوليد من بعيد لإنقاذها ! وطالما الوحيد الذي رآها داخل حافلة السوّاح ، فهي ايضاً شبحاً من الماضي ! لهذا تجاهلها تماماً .. 


وتكرّر المشهد في كل مرّة يمرّ سائق الحافلة بجانب الغابة القريبة من منطقة المدارس.


وبعد تجاهله الطفلة ، ظهرت في منامه وهي تعاتبه :

- لما يا وليد لا تريد مساعدتي ؟! دعنا نُعاقب الرجل السيء ، رجاءً!!


فاستيقظ فزعاً ، وهو يصرخ غاضباً :

- ايتها الأشباح الملعونة !! إكملوا طريقكم نحو السماء ، ودعوا الله يعاقب من أذاكم في الآخرة ، فالدنيا ليست عادلة.. وأنا لست محامياً او قاضياً ، ولا يهمّني أمركم .. فدعوني وشأني !!


ثم بلع حبّة منوّم ، ليرى في منامه البصّارة تهدّده :

((ستُعاقب يا وليد لرفضك موهبتك الفريدة !!))

^^^


لم يكن وليد يعلم بأن حلّه للألغاز السابقة ، أثارت حيرة محقّق الشرطة .. خاصة بعد إبلاغه عن الجرائم لنفس المركز ! 


فتساءل المحقّق : من ذلك الشخص القادر على كشف جرائم حصلت في القرن الماضي ؟! 

ثم سأل الشرطي :

- انت من استلمت جميع مكالمات الشخص المجهول ، فهل يمكنك وصفه لي ؟

- من صوته ، يبدو رجلاً متوسّط العمر .. ونبرته مبحوحة بعض الشيء

المحقق : وهل جميع البلاغات التي وصلتنا من نفس الرقم ؟

فبحث الشرطي بحاسوبه :

- نعم سيدي ، نفس الرقم

المحقق : اذاً تتبّعه ، وجدّ لي عنوانه


في البداية وجدوا صعوبة بتحديد منطقة وليد ، لأنه اتصل من اماكن وقوع الجرائم ..لكنه اخطأ مرة باتصاله بالمطعم من رقمه الجديد ! فعرفت الشرطة عنوان منزله الذي أعطاه لرجل التوصيلات (الدليفري) ..

***


في اليوم التالي .. إستيقظ وليد على طرق الشرطي لبابه ، وهو يأمره بالقدوم معهم للمركز !


وفي غرفة التحقيق .. وفي انتظاره قدوم المحقّق ، رأى شبح الصغيرة وهي تعاتبه :

- هذا عقابك لأنك تجاهلتني ، يا دودو

فانتفض وليد في مكانه ! لأنه لم يسمع هذا اللقب منذ طفولته


وقد حاول وليد في بداية التحقيق إنكار اتصاله بالمركز .. لكن بعد أن أطلعه المحقق على خطئه : باتصاله بالمطعم بشريحته الجديدة .. أخبره الحقيقة كاملةً !


المحقق : أتريدني ان أصدّق أن البصّارة أعطتك هذه الموهبة الغريبة ؟!

وليد : وهل لديك تفسيراً آخر عن اكتشافي جرائم حصلت القرن الماضي ؟


فسكت المحقق ، ليكمل وليد بضيق :

- انها لعنة يا سيدي .. فالأشباح تظهر في منامي .. فتشكرني الضحايا على اكتشافي السرّ ، بينما اشباح القتلة تطاردني بسبب تشويهي سمعتها ! مُبرّرةً ذلك : بأن الله سترهم لسنوات ، لآتي انا وأفضحهم بين عائلاتهم وأصدقائهم ! .. وحتى اليوم ، مازلت أتجاهل شبح فتاةٍ صغيرة تلاحقني في كل مكان..


المحقق باهتمام : أيّةِ صغيرة ؟!

- التي تقف خلفك .. فقد رأيت رجلاً ضخماً يعتدي عليها بالغابة ، بعد خروجها من المدرسة 

- أيّةِ مدرسة ؟

وليد : أظنها من ذات المدرسة المختلطة التي تعلّمت فيها الإبتدائية ، رغم أن الزيّ الموحّد أُلغي قبل تسجيلي فيها ! 

المحقق : تقصد أن المغدورة سبقتك بجيل او جيلين ؟! 

وليد : ربما ، فقصّة شعرها قديمة ! 

- الغريب ان منطقتنا لم تحدث فيها إعتداءاتٍ كثيرة ! .. دعني أبحث في الأرشيف عن تلك الحادثة


وفتح المحقق حاسوبه للبحث بملفات أرشيف مركز الشرطة : عن جريمة إغتصاب طفلة .. 

ليجد تقريراً من والد الفتاة ، دون إيجادهم الفاعل ..وقد حصلت قبل ستين عاماً ! والصدمة الأكبر ان اسم الفتاة وعائلتها ، تؤكّد انها أم وليد التي انتحرت (وهو بعمر الثامنة)


المحقق : الم يخبرك ابوك قبل وفاته ، بانتحار امك واسبابه ؟!

وليد بصدمة : أخبرني إنها توفيّت بحادث سير .. لكن قبل سنتين علمت من خالتي انها انتحرت بسبب حادثةٍ سيئة حصلت بطفولتها ، دون إخباري التفاصيل !

- الم تلاحظ شبه الفتاة التي تلاحقك ، بأمك ؟

- لا ! فأبي مزّق جميع صورها بعد وفاتها .. كل ما أذكره أن شعرها احمر ، تماماً كشبح الصغيرة التي تجاهلتها لأسبوعين !

وانهار باكياً..


المحقق : اهدأ قليلاً ، ودعنا نكتشف هويّة الرجل الذي أذى والدتك ..هل تذكر وجهه؟

- نعم ، أحفظ شكله جيداً.. لكنه حتماً توفيّ او أصبح عجوزاً هرماً .. فهو كان شاباً ، حينما كانت امي صغيرة .

- سأرسلك الى رسّامنا ، فربما نحلّ لغز وفاتها

^^^


وبعد رسم المشتبه به ، وضعوا الرسمة في محرّك البحث بحاسوب الشرطة .. ليجدوا شاباً يشبهه كثيراً !  

وليد بصدمة : مستحيل أن يكون شاباً حتى اليوم !

المحقق : ربما هو من اقارب المعتدي.. سنُحضره حالاً !!

^^^


وبعد إخبار الشاب بقصة المعتدي ، قال حزيناً : 

- والدي اعترف قبل وفاته بتحرّشه بطفلة ، اثناء سكره .. ولم يكرّر الحادثة ثانيةً ، لهذا لم تجدوا سجلّه الإجرامي في ملفّاتكم

ثم نظر لوليد :

- أعتذر بالنيابة عن والدي لما فعله بأمك .. لابد انك فخور بنفسك لاكتشافك المجرم بعد كل هذه السنوات ؟


وبذلك خُتمت القضيّة .. 

***


بعد خروج وليد من المركز ، ذهب لزيارة قبر امه :

- يمكن لروحك ان تهدأ ، فالمعتدي أصبح في الجحيم الآن


لكنه ارتبك بعد رؤيته شبح الطفلة تشير لذات الغابة ، وهي تقول :

- غداً ، الثالثة ظهراً 

ثم اختفت !


ولم يستطع وليد النوم طوال الليل ، وهو يتساءل بحيرة :

((لما لم تهدأ روحك يا امي بعد حلّي الّلغز ؟!))

***


وفي ظهراليوم التالي ، إختبأ في الغابة عند الموعد المحدّد .. ليجد طفلة أخرى عائدة من المدرسة ، والتي سارعت بالهرب بعد ملاحقتها من رجلٍ مقنّع (كان مختبئاً خلف الشجرة).. 

وقبل انقضاضه عليها ، عاجله وليد بضربةٍ قوية أفقدته الوعيّ.. 

فأكملت الطفلة ركضها نحو منزلها خلف الغابة.. بينما أزال وليد قناع المعتدي ، ليجد ابن الرجل الذي اغتصب امه !

- أتحاول إكمال مسيرة والدك القذرة ، ايها اللعين ؟!!


وقيّده بالحبل ، وأحضره الى المركز .. 

***


بالتحقيق ، أنكر الشاب تماماً ملاحقته للطالبة.. مُدّعياً أن وليد ضربه ، إنتقاماً لخطأ والده مع امه !


لكن وليد أصرّ على ما حصل ، واصفاً ملامح وزيّ التلميذة .. 

فبحث المحقق بين المدارس الثلاثة القريبة من الغابة ، ليجد مدرسةً وحيدة مازالت تُلزم طلّابها بالزيّ الموحّد !

***


في صباح اليوم التالي .. وفور دخول وليد مع المحقق والشرطين الى ملعب المدرسة ، حتى هربت طالبة الى فوق على عجل !

فلحقها وليد ، مُمسكاً يدها .. لتصرخ فزعةً :

- أتركني ارجوك !!

- لن أؤذيك .. اريد مساعدتك للقبض على المقنّع الذي أرعبك البارحة 


فأخبرت المحقق بما حصل ، وأن وليد أنقذها من المعتدي الذي حاول تمزيق ملابسها !


فتمّ سجن الشاب الذي شعر طوال حياته بتشابه صفاته الإجراميّة مع والده !

***


بعد انتهاء المشكلة ، ذهب وليد الى الشاطىء لتحسين مزاجه .. 

ليجد البصّارة الغامضة ، فأسرع نحوها :

- أخيراً وجدتك !!!

البصّارة : أظنك تريد إنهاء موهبتك الغريبة ؟

- نعم رجاءً !! اريد العودة لحياتي السابقة

- الا تريد إكتشاف الكنور ؟

وليد : لا اريد رؤية الماضي بعد اليوم !!

- كنت أعطيتك الموهبة ، لإراحة روح امك

- وقد فعلت !! رجاءً أزيلي لعنتك عليّ


فقرأت تعويذة على قارورة الماء ، شربها دون تردّد !

وسرعان ما شعر بدوارٍ ، أسقطه مغشياً عليه ! 

^^^


ليستيقظ في منزله ، وهو يتساءل بحيرة :

((كيف وصلت الى هنا ؟!))


وعندما نهض من سريره ، صرخ بفزع بعد رؤية إنعكاسه في المرآة : كعجوزٍ هرم! 

فركض للحمام لغسل وجهه .. ليرى إنعكاسه تحوّل لأمراةٍ حامل ! 

وسرعان ما تغيّر وجهها الى البصّارة وهي تقول :

- أبدلتك بموهبةٍ جديدة : وهي العيش كل يوم بشخصيّةٍ مغايّرة .. أتمنى لك مغامرةٌ شيّقة !!


ومن بعدها اختفت ! ليُظهر إنعكاس مراهق ، يسأله بابتسامةٍ مستفزّة: 

- بأيّ شخصيّة تريد بدء يومك ؟


ثم ظهر في المرآة : عشرة شخصيّات من كافة الأعمار ، وهم يضحكون على وليد الذي ارتجف بقوة ، خوفاً من موهبته الجديدة المرعبة ! 


الثلاثاء، 2 مايو 2023

سجينٌ في بيتي

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

كوخ الغابة


أضاع شابٌ طريقه اثناء تجّواله في غابةٍ موحشة ، وشعر بالإحباط بعد دروانه في نفس المكان ! وقبل أن يُدبّ اليأس في قلبه ، سمع صبيّة تناديه من الخلف :

- هل تريد ان تأكل ؟!!


فتفاجأ بكوخها الصغير الجميل ، والزهور الملوّنة تحيط حديقتها التي توسّطتها طاولة سفرة امتلأت بالطعام الشهيّ !

فقال في نفسه ، بدهشة :

((كيف لم ألاحظ منزلها رغم مروري من هذا الطريق من قبل ؟!))

***


بعد انتهائه من الطعام ، سألها باهتمام :

- لما تعيشين وحدك في هذا المكان المنعزل ؟!

- انا زوجة الحطّاب الذي مات قبل سنتين ، بعد وقوع شجرةٍ ضخمة على رأسه ..وبقيّت مع حماتي ، الى ان توفيّت قبل شهرين

الشاب : ولما لا تعودين لأهلك ؟!

- انا يتيمة .. فأمه البخيلة ، خطبتني من دار الأيتام


ثم ارتشفت قليلاً من الشايّ ، قبل قولها :

- رأيتك تمرّ اكثر من مرة بجانب منزلي ، فهل تبحث عن شيءٍ معيّن؟!

الشاب : اريد العودة للشارع العام الذي أضعته منذ الصباح !


فدلّته على الطريق.. وبدوره شكرها على الطعام ، وأكمل سيره.. 

ليتفاجأ بعد ساعة ، بعودته الى كوخها الذي وجده مهجوراً ومظلماً ! .. وأكثر ما أخافه هو الهيكل العظميّ فوق الكرسي الهزّاز ، بوسط حديقة الكوخ اليابسة !


وقبل فراره ، سمع الصبيّة تسأله باستغراب :

- لما عُدّت الى هنا ؟!


وعندما التفت خلفه ، وجد كل شيءٍ عاد جميلاً كما كان ! والصبيّة تسأله :

- الم تكن تريد العودة للشارع العام ؟!

الشاب بدهشة : كيف تغيّر كل شيءٍ بثواني ؟!

- ماذا تقصد ؟! 


فاقترب منها غاضباً :

- لما دللّتني خطأً على الطريق ؟!! هل تعمّدتي عودتي اليك ؟!

- إهدأ قليلاً ، فأنا لم أخرج من منزلي منذ وقتٍ طويل


ثم أشارت الى طريقٍ مُغايّر.. 

- هذه المرة ، حاول من ذلك الطريق 

فأسرع مُبتعداً عنها .. 

لكنه عاد الى كوخها قبل مغيب الشمس ، فطرق بابها غاضباً ..


وما أن فتحت ، حتى لمحها كأمرأةٍ عجوز ! وكاد قلبه يقف من الخوف 

لكن بثوانيٍ ، عادت جميلة كما كانت ! وهي تقول :

- يبدو جميع الطرق تعيدك إليّ ! من الأفضل أن تنام هنا ، وغداً أُرافقك الى الطريق العام.. هيا لا تتردّد ، فالظلام موحشٌ بالغابة .. تعال وتدفّأ في الصالة ، وسأعدّ لك كوب شايّ ساخن


فلم يكن امامه سوى قبول عزيمتها ، خوفاً من الكلاب الضالّة التي زاد نباحها مع حلول الظلام !

***


في الداخل .. تظاهر بالنوم بعد شربه الشايّ .. فغطّته بالّلحاف ، وتركته نائماً على الكنبة ، امام المدفأة .. ودخلت غرفتها


وبعد سماعه شخيرها .. نزل لاكتشاف قبو الكوخ ، لشعوره بالريبة من تلك السيدة الغامضة .. 

ليصعق برؤية هياكل عظميّة لعشرة جثثٍ مُعلّقة من قدميها بحبلٍ مربوطٍ بالسقف ! وقبل استيعابه ما رآه ! أُضيء نور بأعلى درج القبو .. لتظهر السيدة بهيئتها الحقيقية ، كعجوزٍ شمطاء بيدها حبلٍ وسكينٍ حادّ !


فحاول إيجاد مخرجٍ بفزعٍ شديد ، لكن نافذتيّ القبو مُقفلة بالقضبان الحديديّة!


العجوز بخبث : لا تحاول الهرب ، فجميع الضحايا حاولوا دون فائدة

الشاب صارخاً : من انت يا امرأة ؟!! هل انت جنيّة ؟!

- يا ليتني كنت من الجنّ ، لرحلت الى عالمي .. بدل بقائي مسجونة لمئة عام بهذا الكوخ العفن !

- اذاً من تكونين ؟!

العجوز : انا اليتيمة التي أخبرتك عنها.. وتلك الجثة التي خلفك ، هي زوجي الحطّاب

بصدمة : أقتلت زوجكِ ؟!

- بل امه فعلت ذلك ، مع ٦ الآخرين ! .. اما انا ، ف ٣ فقط ..وانت الرابع

الشاب : ولما تفعلان ذلك ؟!


فتنهّدت العجوز بضيق : بعد اختفاء زوجي بطريقةٍ غامضة ، لاحظت زيادة قوة حماتي وشبابها ! ولم أكتشف سرها إلاّ بعد سرقتي مفتاح القبو اثناء نومها ، فهي منعتني من النزول الى هنا.. وجنّ جنوني حينما رأيت جثة زوجي التي لم تتحلّل بالكامل.. لتعترف لاحقاً بأنها تشرب دماء الضحايا ، ليزداد عمرها ! وأن زوجي هو حفيد حفيدها ، وأنها تبلغ ٣٠٠ سنة.. فتشاجرت معها ، ورميّتها من اعلى درج القبو .. فدقّ عنقها ! وقبل موت اللعينة ، بصقت الدماء في وجهي ، لتنتقل لعنة اجدادها إليّ ! ومن يومها تضاعف عندي رهاب الموت ، وأصبحت لديّ رغبة شديدة بتجديد شبابي ! وعندما قتلت اول تائهٍ ، شعرت بنشاطٍ كبير وازداد كوخي جمالاً ! وكان شعوراً رائعاً أدمنت عليه.. والآن كبرت من جديد ، وأصبح عمري ٧٠ عاماً .. ولا اريد الموت .. لهذا لا تتعبني ودعني أعلّقك من قدميك ، لأجرح رقبتك ، ويتصفّى دمك داخل السطل الحديديّ.


الشاب بقلق : وإن لم أفعل ؟!

- سأحبسك في هذا القبو ببابه الحديديّ السميك الى ان تموت جوعاً ، كما حصل مع الجثة الثانية .. فلا ترهقني معك ، واستسلم لقدرك


ففاجأها بالقول  : 

- أتدرين يا خالة أني قدمت الى الغابة للبحث عن شجرةٍ طويلة ، لشنق نفسي

العجوز بدهشة : أحقاً !

- نعم ، فحياتي سيئة للغاية ولا أُمانع الموت .. هيا إرمي الحبل لأربط قدمي

- لا !! سأقيّدك بنفسي ، فأنا احب عملي 

الشاب : اذاً اقتربي مني


وما أن فعلت ، حتى عاجلها بضربةٍ قوية ، أسقطتها ارضاً.. ثم سحب منها السكين ، ونحر رقبتها .. لتتطاير قطرة من دمائها الى فمه .. فتقول بارتياح :

- أخيراً نقلت لعنة حماتي اليك !!

ثم سلّمت الروح..


فأسرع الى خارج القبو ، وهو يمسح وجهه بخوف..

ليُصعق بعجزه عن تجاوز سور حديقة الكوخ ، مهما حاول ! وكأن هناك زجاجٌ عازلٌ شفّاف يمنعه من الخروج ، كلعنةٍ سحريّة ! .. حينها فهم لما علقت الصبيّة في كوخها طوال حياتها !


وعاد حزيناً للداخل ، بعد اشتداد البرد .. ليتفاجأ بطاولة الصالة وقد مُلأت بأشهى الطعام الذي ظهر من العدم ! والتي ستبقيه حيّاً لسنواتٍ عديدة

***


بعد خمسين عاماً .. إستيقظ العجوز على صوت شابٍ ينادي خارج الكوخ :

- هل يوجد احدٌ هنا ؟!!

وبصعوبةٍ بالغة وصل لباب منزله ، بسبب آلام قدميه وظهره ، وضُعف نظره بعد بلوغه ٨٠ عاماً !


فسأله الشاب التائه :

- يا عم !! كيف أخرج من هذه الغابة ؟ فأنا ادور في حلقةٍ مُفرغة منذ الصباح !

العجوز : يبدو عليك التعب .. تعال للداخل لتناول الفطور معي ، وسأدلّك على الطريق لاحقاً


فدخل الشاب ، ليجد أشهى الأطباق على الطاولة  قرب المدفاة !

وعلى الفور !! تناول الطعام من شدّة جوعه.. بينما ابتسم العجوز بخبث وهو يُخفي فرحته ، لعودته شاباً بعد دقائق قليلة !


الإستيداع الإلهي

كتابة : امل شانوحة  القدر الرحيم في زمن الثمانينات ، بحيٍّ شعبيٍّ مصري .. استيقظت مرام (18 سنة) على صوت سعال أمها في الغرفة المجاورة.. فأسرع...