الخميس، 3 مارس 2022

حبيب الغربة

كتابة : امل شانوحة 


 

الوفاء بالوعد 


اجواءٌ ربيعيّة دافئة .. نهرٌ متدفّق .. مناظر خلاّبة .. كل شيء جعله يركض بنشاط لممارسة رياضته الصباحيّة للحفاظ على رشاقته ، فهو مغني مشهور تميّز بوسامته وصوته الجبليّ المميز ، بالإضافة لغروره وعلاقاته المتعدّدة !


وكان متحمّساً في ذاك الصباح لاكتشاف جمال البلد الأوروبي الذي يزوره لأول مرة لتصوير فيديو لأغنيته الجديدة ..

 

وبعد ركضه لساعاتٍ متواصلة , توقف بعد أن أنهكه التعب .. فنظر للخلف ، ليتفاجأ بابتعاده مسافةً كبيرة عن الفندق ! كما انه نسيّ إحضار نقوده وجوّاله ! 

فقال بنفسه بامتعاض : ((كيف سأعود الآن ، وبالكاد أقف على قدميّ))


فحاول الرجوع بخطواتٍ ثقيلة وهو ينهجّ بتعب .. وتمنّى لوّ احد المارّة يعطيه شربة ماء .. فهو رغم ثرائه الذي جمعه بسنٍ صغيرة ، إلاّ انه بتلك اللحظة شعر باليأس وبعض الخوف لعدم إتقانه لغة البلد .. كما إن كرامته منعته من شحذ الماء من الغرباء ..


وفي غمرة يأسه .. شاهد صبيّة تشرب الماء وهي متوجّهة نحوه ، والتي لاحظت تعبه وإرهاقه .. فاقتربت منه وهي تسأله بلغته : 

- أتريد الماء ؟

فسألها بارتياح :

- انت عربيّة ؟

- نعم ومن بلدك .. إشربها كلّها ، فأنت تبدو متعباً

ومن شدّة عطشه شرب القارورة دفعةً واحدة..

- يا الهي ! كدّتُ اموت من العطش


الصبيّة : هل سيارتك قريبة ؟ 

- لا ، سيارتي المُستأجرة مازالت في موقف الفندق الذي لا أذكر اسمه!

- أرني ساعتك الرياضيّة ..


وبعد رؤيتها المسافة التي قطعها ، قالت باستغراب :

- مشيت 5 كيلو ! مسافةً طويلة .. اذاً اكيد حجزت بالفندق الفلاني ، فهو الأقرب للنهر ..

المغني : أبهرتني المناظر الخلاّبة 

- كان عليك توفير طاقتك للعودة من حيث اتيت 

المغني : هذا خطأي

- اذاً دعني أعيدك للفندق ، فسيارتي قريبة من هنا

- لا اريد إزعاجك

الصبيّة بابتسامة : نريد خدمة لفنّاننا الكبير ، هيا بنا

***


في السيارة ، قالت له :

- لن ادير جهاز التكييف ، كيّ لا تصاب بنزلة برد 

- أشعر بالحرج من ملابسي المبلولة 

- لا بأس ، سأنظّف السيارة لاحقاً .. هل جوّالك معك ؟

المغني : تركته في غرفة الفندق

فنصحته قائلة : لا تخرج ثانيةً دون جوّال ، فالأجانب لا يساعدون احداً ..

***


في الطريق ، تأخّر وصولهما للفندق بسبب شرطة المرور .. فقال لها بضيق : 

- عليّ الإتصال بمدير اعمالي ، فهو ينتظرني للذهاب معه الى مكان تصوير الأغنية.. والمشكلة انني لا اذكر رقمه ، او رقم مكتب الإستقبال للوصول لغرفته ..

- حسناً سأبحث بجوجل عن رقم الفندق 


وبعد أن وجدته ، أعطته جوّالها وهي تقول :

- فقط إضغط هنا ، لتكلّم مع إدارة الفندق

- لا أعرف لغتهم 

الصبيّة : يا رجل ! جيد انني وجدتك ، وإلاّ لكانوا اختطفوك بسبب.. 

- غبائي

- بل لسوء حظّك .. دعني أحدّث موظّف الإستقبال ، ما اسم مدير اعمالك ؟


وبعد أن أخبرها ، أوصلها الموظّف بغرفة صديقه .. ثم أعطته الجوّال ليقول لمدير اعماله : 

((أعرف انني تأخّرت ، هآ انا قادم .. لا ، لن استطيع الذهاب مباشرةً لموقع التصوير .. سأستحم اولاً ثم انام ساعتين ، فقدمايّ تؤلماني جداً .. سأذهب الى هناك عصراً .. إعتذر من فريق التصوير بالنيابة عني .. سأكون بالفندق بعد قليل ، سلام))

***


بعد إيصاله للفندق ، نزل من سيارتها مسرعاً .. فوضعت أصبعيها على أذنها وفمها (بإشارةٍ ليعيد جوّالها الذي مازال بيده) .. فظنّ انها تطلب التواصل معه .. فقال لها :

- سأتصل بك قبل نومي

فردّت غاضبة : 

- أتظنني إحدى فتيات الفندق !.. أعطني جوّالي !!


فأعاده إليها ، وهو يعتذر عن سوء التفاهم الذي حصل ! 

فأسرعت بالعودة للطريق العام ، وهي مازالت غاضبة من سوء ظنّه بها !

فشعر بخطئه ، لكنه كان مستعجلاً لمتابعة جدول اعماله المزدحم 

***


في الصباح التالي .. سمع المغني طرقاً على باب غرفته ! ليجد الصبيّة تعطيه ساعته المخصّصة للرياضيين ، وهي تقول بوجهٍ مُتجهّم :

- نسيتها في سيارتي 

- آه ! كنت ابحث عنها 


وبعد ان أعطته إيّاها ، توجهت للمصعد للخروج من الفندق .. فأسرع بإيقافها :

- لحظة !! اريد شكرك عن البارحة

- شكرتني بطريقتك المستفزّة

المغني : لم أقصد ما فهمته ! كنت أعني انني أنهي اعمالي مساءً ، وحينها أتصل بك .. اساساً لم ارك من الفتيات الرخيصات ، ولا ادري لما خطرت ببالك هذه الفكرة ؟!

- لأنك معروف بزير النساء ..

- توقفي رجاءً.. سافرت الى هنا للعمل ، ولا وقت لديّ لتلك التفاهات 


الصبيّة بلؤم : إذاً حلّلنا سوء التفاهم .. إبتعد عن المصعد ، لأذهب في حال سبيلي

- ليس قبل موافقتك على الفطور معي .. إختاري أيّ مطعمٍ تريدينه

- لا أحب الذهاب الى أماكن بعيدة مع رجلٍ غريب

المغني : اذاً لنفطر في صالة الفندق ؟

- حسناً ، كوب شايّ فقط

- إتفقنا .. هيا بنا

***


ونزلا للطابق السفليّ ، حيث يتواجد بوفيه مفتوح من الفطور الشهيّ ..وأصرّ بأن تأكل شيئاً ..


وبعد جلوسهما على الطاولة ، قالت ممازحة :

- إن اكلت ما في صحنك ، ستُعيد الوزن الذي خسرته البارحة

المغني : آه صحيح ، لم أنتبه .. اذاً سآكل التوست الأسمر والبيض المسلوق فقط


وأخذا يتحدثان عن احلامهما ودراستهما وطفولتهما ، والأوضاع الراهنة في بلدهما .. 

وبدورها أخبرته عن غربتها بعد موت والديها في الحرب ، وعيشها سنتين في منزل عمها ، قبل عملها كمعلمة للإهتمام بأخويها الّلذين تزوجا منذ سنوات ، لتبقى وحيدة في منزلها القريب من النهر ..

 

المغني : ولما لم تعودي للوطن يا نوال ؟

- اخوايّ يعيشان هنا ، ولا استطيع تركهما

- وماذا لوّ طلب زوجك أن تسافري معه ؟

نوال : أظنني كبرت على الزواج ، فأنا بأواخر الثلاثينات 

- لا تفكّري هكذا ، فالنصيب لا يعرف عمراً محددّاً.. (ثم نظر من النافذة) .. ما رأيك لوّ نتمشى قليلاً امام النهر ؟

- يبدو أعجبك منظره ؟ 

المغني : كثيراً ، وأفضّل الذهاب معك كيّ لا أتوه مجدّداً 


نوال : الست مشغولاً بعملك ؟

المغني : أنهينا التصوير البارحة  

نوال وهي تُخفي قلقها : أيعني هذا انك ستعود للوطن ؟

- بعد اسبوع .. والآن لنذهب ، فالجوّ جميلٌ بالخارج

***


وخلال الإسبوع .. تحدّثا بالجوّال كلما سنحت لهما الفرصة ، والتقيا عند النهر لمشاهدة الغروب معاً .. ومع الوقت شعرا بتشابه ظروف حياتهما ، وطريقة تفكيرهما وشخصياتهما المتقاربة .. 


وفي اليوم الأخير .. سألها إن كان باستطاعتها تحمّل حياة المغني الضاغطة وعمله المستمرّ وسفره الدائم للحفلات ، وقلّة تواجده في المنزل في حال رغب الزواج بها .. فوافقت ، بشرط عدم خيانته لها ..فقرّر تمديد سفره لمقابلة عمها وأخويها لخطبتها .. 

***


في الموعد المحدّد .. جهّزت نوال نفسها وهي في قمّة السعادة لتحقّق حلمها ، فهو مغنّيها المفضّل التي تابعته منذ بداية مشواره (دون إخباره بذلك)...لكنه صدمها بعدم حضوره الّلقاء المتفق عليه! 


وحين اتصلت بالفندق ، أخبروها بسفره المفاجىء .. ليتحطّم أملها بعد أن أحرجها امام عائلتها ..

***


بعد ايام .. ارسل رسالةً خطيّة تقول :

((أعتذر منك ، كان عليّ السفر في الحال .. فوالد حبيبتي السابقة أخبرني إن ابنته أخفت حملها عنّي ، وانها على وشك الولادة.. فأردّت التواجد في المستشفى ، لإجراء فحص الأبوّة .. واليوم ظهرت النتيجة .. ولست نذلاً يا نوال للتخلّي عن طفلتي .. سأتزوج امها رغم إنتهاء مشاعري نحوها ، لكن لا اريد لإبنتي أن تكبر دون والديها .. آسف ، لا استطيع الإيفاء بوعدي .. أتمنى أن تجدي عريساً أفضل مني .. سامحيني))

وجاء الخبر صادماً لها ! ولم تستطع يوماً تجاوزه

***


بعد سنوات .. عرفت من الإنترنت إن المغني طلّق زوجته ولديه طفلتين ، وإنها طلبت الإنفصال بسبب خياناته المتعدّدة .. فحمدت ربها انها لم تتزوجه ، وحاولت المضيّ بحياتها بإشغال نفسها بالعمل

***


بعد شهور من طلاق الفنّان ، وقف امام النهر الأوروبي في المكان ذاته الذي التقى فيه نوال .. دون أن يعلم إنها تجلس خلفه على مقاعد الحديقة إلاّ بعد رميها حجرةً صغيرة على رأسه !

وحين التفت ، قالت له بحنق :

- ثماني سنوات وأربعة اشهر ويومين .. أتريدني أن اخبرك ايضاً بالساعات التي مرّت على يوم خذلانك لي ؟ 


فجلس امامها ، وعيونه تدمع من الحنين :

- واخيراً وجدتك يا نوال .. أتدرين انني سافرت الى هنا عدة مرات ، لأقف كل يوم بنفس المكان على أمل ان اراك ..فأنا مازلت اذكر إن منزلك قريب من هنا

نوال : كنت ارسلت لك عنوان منزل عمي سابقاً  

- لم تصلني الرسالة !

- آه صحيح ، ارسلتها للفندق .. كيف حالك ؟

المغني : حزينٌ جداً


نوال : هل بناتك مع امهما ؟

- نعم 

- ما كان عليك خيانتها 

المغني :الرجل لا يخون حبيبته

- الم تكن تحب طليقتك ؟

- كنت في الماضي ، وانفصلت عنها بسبب مشاكلها الكثيرة التي ازدادت بعد الزواج 

نوال : يعني لوّ كنا تزوجنا انا وانت ..

- لما خنتك ابداً .. فانت تشبهينني بكل شيء

- إلاّ علاقاتك المتعدّدة 


فتنهّد المغني بضيق : انا ايضاً كنت مخلصاً مثلك ، لكن كثرة صدماتي العاطفية جعلتني غير مبالي بمشاعر المعجبات .. اما انت ، فمازلت اشعر بالذنب اتجاهك .. رجاءً إخبريني انك لم تتعرّفي على احدٍ غيري

- لا تقلق ، فبسببك كرهت كل الرجال  

المغني بارتياح : ممتاز !! 

نوال باستغراب : أيسعدك هذا ؟!

- نعم ، فأنا أنوي جبر خاطرك .. والآن أعطيني عنوان عمك ثانيةً؟ 

- لا ، هذه المرة سآخذك اليه بنفسي .. فأنا لا أثق بوعودك


المغني : أتقصدين الآن ؟!

- هل انت متردّد بشأن..

مقاطعاً : لا ابداً .. (ثم وقف وهو يقول بحماس) .. دعينا نذهب !! لكن لنمرّ اولاً على محل مجوهرات لشراء الخواتم قبل ذهابنا اليه 

نوال بابتسامة : بدأت تعجبني 

***


فور إعلان الفنان زواجه من سيدة خارج الوسط الفنّي ، حتى أرسلت طليقته إبنتيه بحجّة إكمال دراستها ! بنيّة هدم زواجه من شدّة غيرتها ..

 

لكن نوال تقبّلت الأمر ..وأخبرته انها على استعداد للعيش مع بناته ، فهي معلمة ابتدائي ولديها خبرة بتربية الأطفال والتعامل معهم


وبالفعل تزوجا بحفلةٍ عائليّة .. وعاشا حياةً سعيدة مع ابنتيه ، ومع طفله الذي أنجباه بعد عام .. ولأول مرة تخلّى المغني عن الكثير من عاداته السيئة ، بعد أن أغرقته نوال بحبها وحنانها الّلذان يشبهان كلمات اغانيه المشهورة .. ليتربّع على عرش الموسيقى بعد تلقيبه : بملك الرومنسيّة دون منازع !  


الثلاثاء، 1 مارس 2022

الطفل الداخلي

تأليف : امل شانوحة 

 

الرهاب النفسي


ذاع صيت طبيبٌ نفسيّ في مقتبل العمر ، عقب إيجاده طريقةً سرّية لعلاجٍ فعّال وسريع لأصحاب الفوبيات المستعصية .. 

ورفض إطلاع الأطباء والصحافة على إسلوبه الغير إعتياديّ الذي اكتشفه من خلال إتقانه لعلم الطاقة الذي طبّقه على نفسه اولاً ، مُتمكّناً بواسطته إظهار نفسه بهيئة ولدٍ صغير بعقليّته الطبيّة ، لإجراء حوارٍ طفوليّ وعلاجيّ مع طفل المريض الداخليّ ! 


ولتسهيل المهمّة ، ملأ الغرفة المجاورة لعيادته بألعابٍ تناسب اطفالاً من عمر 3 الى 12 سنة ، وهو السن الذي تتكوّن فيه العقد النفسيّة التي تستمرّ طوال العمر !  

***


وفي ذلك النهار.. إستقبل الطبيب اولى مرضاه التي رفضت الإستلقاء على الكنبة قبل مسحها بالمطّهّر .. 

من بعدها بدأت تفضّفض عن ضيق عائلتها من وسوستها الزائدة بالنظافة 


فسألها الطبيب :

- متى بدأت المشكلة ؟

- لا اذكر بالضبط ! كل ما اعرفه انني أخاف الجراثيم التي اراها في كل مكان

الطبيب : أظنك تعانين من مرض ((جيرموفوبيا)) .. سأقوم بتنويمك مغناطيسيّاً لأعرف منشأ المشكلة ..


وأمرها بالتنفّس المنتظم ، وهو يردّد عليها عباراته المُهدّئة .. الى ان استرخت اعصابها ، لتغفو بهدوء ..


فوضع يده على رأسها ، مُحاولاً سحب طفلها الداخليّ .. 

وبعد تركيزٍ شديد .. خرجت طفلةٌ صغيرة من جسدها ، مُسرعةً نحو غرفة الألعاب ..

 

واثناء انشغالها بالدمى ، ظهر الطبيب بهيئة طفلٍ من جيلها .. واقترب منها لمشاركتها اللعب .. وبعد إطمئنانها بوجوده معها في الغرفة ، سألها :

- لما تمسحين اللعبة بالمطهّر ؟

- لأنها وسخة 

الطبيب (بصورة الطفل) : من قال ذلك ؟! 


فسكتت بحزن ، قبل أن تقول :

- امي أخبرتني إن رائحتي كريهة بعد سقوطي بفتحة الصرف الصحيّ بعد عودتي من المدرسة .. لكنه ليس ذنبي ، فأحدهم ازال غطائها الحديديّ !

الطبيب : هل تأذّيت وقتها ؟

- كانت يدي مجروحة .. لكن امي لم يهمّها سوى تحميمي بعنف ، وهي مُشمئزّة من رائحتي .. ورمت ملابسي في النفايات ، لعدم رغبتها بلمس القاذورات 


فاقترب منها ليشمّ شعرها : لكن رائحتك جميلة بالفعل  

المريضة : هذا لأني أستحمّ مرتين في اليوم ، ومع ذلك لا اشعر بنظافتي 

- كم بقيتي في المجارير ؟

- ساعة لحين قدوم الإسعاف .. ومازلت اذكر الرائحة الكريهة  

- لكنك نظيفة الآن 

المريضة : لا !! لست كذلك 

- بلى !! مرّ وقتٌ طويل على الحادثة .. والجراثيم الموجودة في الصرف الصحّي ، ماتت جميعها 

- بل دخلت جسمي !!


الطبيب : لوّ فعلت لأصبتِ بالعديد من الأمراض ، لكنك بخير ..هات المطهّر من يدك

- لا استطيع الذهاب لأيّ مكانٍ دونه !

الطبيب : إسمعيني جيداً ..ليست كل الجراثيم سيئة ، فبعضها تقويّ المناعة

- لكنها تُمرضني ! لهذا اتناول الكثير من الأدوية

- لا بأس من المرض ، فهو يقتل الكريات المهترئة من الدم البيضاء 

- لم افهم ! 


الطبيب : تخيّلي دمك كموظفين في شركة .. ومن وقتٍ لآخر يُرسل الدماغ مساعده الذي يخبره بعدم إرسال المزيد من الكريات البيضاء لأن عدد الموظفين كاملاً ، دون اهتمامه بأن بعض الكريات أصبحت هرمة وضعيفة .. وعند دخول الجراثيم المُسبّبة للمرض ، تقتل اولاً الكريات العجوز .. حينها يضّطر المساعد لإخبار الدماغ بإرسال البدلاء من الكريات الدم الشابة والقويّة  

- الهذا نخرج من المرض أقوى ممّا كنا ؟

الطبيب : بالضبط !! لهذا لا تخافي من المرض .. وكما أخبرتك سابقاً ، انت نظيفةٌ للغاية.. (ومدّ يده لها) .. هات المطهّر من يدك ، ودعينا نلعب بحرّية..

ولأول مرة لعبت الفتاة بسعادةٍ غامرة ، كأيّةِ طفلة في مثل عمرها ..


بعدها اعادها الطبيب الى جسمها الكبير النائم .. عقب استرجاع هيئته الشابة ، قبل إيقاظها من التنويم المغناطيسي .. 


واول شيءٍ فعلته : أن رمت المطهّر في سلّة النفايات ، وهي تشكره على إحساسها المريح الذي لم تشعر به منذ مدةٍ طويلة (دون معرفتها بما حصل في غرفة الألعاب !)

***


أمّا مشكلة المريض الثاني : فهو رفضه للنوم مساءً !

وحينما أغميّ عليه في الشارع من شدّة تعبه ، شعر بحاجته للعلاج النفسيّ 


فقال له الطبيب وهو يقرأ ملفه الطبّي : 

- اظنك تعاني من ((السمنوفوبيا)) ، فهل تذكر متى بدأت المشكلة ؟

- أخبروني إدارة الميتم أنني أرهقتهم بكثرة سهري 

الطبيب : آسف ! لم اكن اعرف انك يتيم

- لم اكن يتيماً 

- ماذا تقصد ؟!

- كنت اعيش مع امي وزوجها حتى سن السابعة

الطبيب : واين والدك ؟

- سافر مع عشيقته للخارج ، وأمي حاملاً بي

- وهل عاملك زوجها جيداً ؟

- لا اذكره بتاتاً 

الطبيب : ولما ارسلتك امك للميتم ؟

- ليست هي ، فأمي انتحرت قبلها بأيام 

- اتذكر اليوم او السبب ؟ 

المريض : ليس تماماً !

- اذاً عليّ تنويمك مغناطيسيّاً لأعرف قصتك ، هل انت مستعد ؟ حاول التنفّس بانتظام ..واستمع لصوتي جيداً 


وبعد تنويمه .. خرج منه الطفل الداخليّ باتجاه غرفة الألعاب ، وكان متحمّساً للغاية .. 


فلحقه طفل الطبيب الى الغرفة .. واثناء لعبهما معاً ، سأله عدة اشياء :

- الا تكره حين يجبرونك على النوم باكراً ؟

المريض : نعم كثيراً .. لكني انتظر خروجهم من المهجع ، لأسهر وحدي

- ذهاب من ؟

- مراقبوا الميتم

الطبيب : ولما تكره النوم مساءً ؟

- لأني إستيقظت فجأة في دار الأيتام !

- أتقصد إن زوج امك ارسلك للدار وانت نائم ؟!

المريض : بل مُخدّراً

- لم افهم !


المريض : هكذا أخبرتني مديرة الميتم عندما كبرت .. قالت إن زوج امي قدم اليهم مساءً وهو يحملني .. واعترف انه وضع منوّماً في عصيري ، لعدم رغبته بسماع بكائي بعد تركي هناك  

- ولما تخلّى عنك ؟!

المريض : لأن امي أخبرته قبل انتحارها : بأنها شعرت انها سيئة لعدم توفيرها الحنان والإهتمام لي

- وهل لامك زوجها على وفاتها ؟ 

- أظن ذلك !

الطبيب : الهذا تكره فترة المساء ؟

- تخيّل نفسك نائم في غرفة منزلك ، وعندما تستيقظ تجد نفسك في مهجعٍ طويل مليء بأولاد الشوارع واللّقطاء 


الطبيب : انه أمرٌ مخيفٌ بالفعل .. لكنك اصبحت كبيراً الآن ، ولا احد يستطيع ايذائك .. وبرأيّ لا تلمّ زوج امك ، فهو لم يكن قادراً على الإعتناء بصبيٍ صغير بعد رحيل زوجته .. على الأقل لم يرمك في الشارع 

- الشارع أرحم من موظفي الميتم الذين عاقبوني كثيراً على سهري المتواصل

الطبيب : لا يهم ، فالصدمات تقويّ شخصيتنا .. وانت أصبحت بارعاً في عملك ، والكلّ يهابك .. انظر الى انجازاتك ، ودعك من الماضي .. كما إن المساء فترة هادئة ومريحة .. وانت بحاجة للنوم في الظلام لتدمير الخلايا الضارّة في جسمك 

- سأحاول


ثم أعاد الصبي الى جسده الكبير النائم .. ليبدأ الطبيب بالتركيز عليه طاقيّاً من خلال ترديده توكيدات إيجابية في أذنه ..

 

وبعد ساعة .. إستيقظ المريض وهو مرتاح البال ! وكأن حملاً ثقيلاً أُزيل عن كتفيه .. وخرج من العيادة بعد أن وعد الطبيب بتجربة النوم المسائيّ لأول مرة منذ طفولته الصعبة

***


امّا المريض الثالث فكان يخشى الأماكن الضيّقة التي تشعره بصعوبة التنفّس .. وحينما تعطلّ المصعد قبل ايام ، أُصيب بنوبةٍ هيستريّة سمعها موظفوا شركته ! فعلم إنه بحاجة لعلاجٍ نفسيّ 


وبإخراج طفله الداخليّ ، عرف الطبيب انه مصاب برهاب ((كلوستروفوبيا)) بعد سقوطه بحفرةٍ عميقة اثناء رحلةٍ كشّفية بعمر 10 سنوات .. ولم ينتبه المسؤول عن غيابه الا بعد ساعات من بقائه وحده في حفرةٍ ضيّقة .. لهذا لليوم يفضّل صعود الأدراج التي تُتعب ركبتيه بعد بلوغه سن الخمسين ..


فحاول الطبيب إفهام طفله إن ما حصل هو إحدى مغامرات الكشّافة التي قوّت شخصيّته .. واننا بحاجة لاستخدام المصعد إن تأخّرنا في العمل او كانت صحتنا مُتعبة .. ونصحه بإشغال نفسه بالجوّال لحين وصول المصعد الى طابقه في الشركة ..


ليستيقظ المريض وهو يشعر بالراحة والطمأنينة .. حتى انه نزل بمصعد العيادة دون إستيعابه تجاوز المحنة التي استمرّت اربعين سنة ، من خلال جلسة علاجٍ واحدة !

***


في الإسبوع التالي .. قدمت سيدة للعيادة وهي تعاني من وزنها الزائد ، لعدم قدرتها على التوقف عن تناول السكّريات التي تضرّ بجسمها 

وحجزت في عيادته ، بعد أن أخبرها طبيب العائلة بأنها على وشك الإصابة بالسكّري ..


فسألها الطبيب النفسي :

- متى بدأ مرض ((البوليميا)) لديك ، أقصد شراهتك للطعام ؟

- لا اذكر متى ! 

الطبيب : هل لديك افراد من عائلتك مصابين بالسمنة ؟

- لا بالعكس ..والدايّ رياضيّان ، واختي التوأم ايضاً

- أحقاً .. اختك التوأم وزنها طبيعي !

المريضة : بل نحيلة للغاية .. كأني آكل عن كلانا

وضحكت ساخرة من نفسها ..


فشعر الطبيب بأهمّية التحدّث مع اختها التوأم التي تنتظرها خارج العيادة ، فطلب منها الدخول .. ثم بدأ يسألها عن اختها البدينة : 

- متى بدأت تلاحظين شراهتها بالطعام ؟

- منذ المراهقة

- ولما لم تنصحيها بالتوقف ؟

- هذا قرارها

الطبيب : هل كان يضايقك وجود أختٍ توأمٍ لك ؟

فأجابت النحيلة باستغراب : اختي هي المريضة ، فلما تسألني انا ؟!

- اظننني بحاجة لتنويمكما مغناطيسيّاً

النحيلة بدهشة : انا ايضاً !

الطبيب : نعم ، إستلقي على الكنبة الأخرى .. وحاولا تنفيذ اوامري .. الآن ابدءا بالتنفّس العميق


وبعد تنويمهما معاً ، وإخراج طفلهما الداخليّ .. لحق بهما الى غرفة الألعاب .. وأخذ يراقبهما من بعيد ، ليلاحظ ضيق الأخت النحيلة من أختها البريئة : 

- لما تقلّديني دائماً ، وتختارين اللعبة التي اريدها ؟! 

- نحن توأمتان ، وطبيعي أن يكون تفكيرنا مُتشابه 

النحيلة بعصبية : لا اريدك أن تشبهينني بكل شيء !! أحب ان اكون مميزة .. لهذا قرّرت أن أكون الأجمل حينما نكبر  

البريئة : كيف وكلانا يملك المظهر ذاته ؟! 

- سأحرص ان يكون جسمي جميلاً كأمي 

- وانا ايضاً !


النحيلة بعصبية : لا !! لن تفعلي .. (ثم أخرجت شوكولا من جيبها) .. خذي هذه 

- من اعطاك إياها ؟!

النحيلة : المعلمة ، بعد نجاحي في الإمتحان

- الا تريدينها ؟!

- لا !! هي لك .. وأعدك بشراء الحلويات لك كل يوم من مصروفي 


فشكرتها اختها البدينة دون معرفتها بأن اختها اللئيمة تخطّط لتسمينها ، كيّ تتميّز امام الناس بجمال جسمها .. 


وبعد أن فهم الطبيب خطتها الماكرة ، اعاد الطفلتين الى جسميهما المنوّمين ..وأيقظ النحيلة اولاً ، قائلاً لها بحزم :

- الا تدرين إنك على وشك خسارة اختك الوحيدة بشرائك الحلويات والطعام السريع الذي أفسد صحتها ؟

النحيلة : هي تطلب مني إحضار الحلوى بعد عودتي من العمل ؟

- كاذبة !!

- دكتور !

- عرفت نيّتك بجعلها قبيحة ، لتتميّزي بجمالك عليها

- أنت لا تدري كم هو مزعج أن يكون لديك شبيه في كل شيء!! 


الطبيب : انانيتك ستقتلها .. لهذا اريدك الإبتعاد عن حياتها الفترة القادمة .. حيث سأرسلها لعيادة إخصائيّة التغذية ، وهي ستعتني بطعامها الصحيّ .. وذلك بعد تنبيهها واهلك على نواياك الخبيثة 

- لا ارجوك ! لا اريدهم أن يكرهونني

- اذاً اتركي أختك وشأنها .. صدّقيني سيعذّبك ضميرك إن حصل لها مكروه ، فهي توأمك ونصفك الثاني

فوعدته بعدم تكرار افعالها المؤذيّة .. 


ثم قام بإيقاظ الأخت السمينة بعد إقناعها بالتنويم المغناطيسي باتباع حميةٍ غذائية مكثّفة ، قائلاً لها : 

- وأختك ستعينك على الرجيم ، اليس كذلك ؟

النحيلة : نعم دكتور ، سأفعل .. فصحّتها تهمّني

ففتحت الأخت البدينة ذراعيها : اختي الحنونة ، كم احبك !!

وحضنتها بامتنان ..


وخرجتا من العيادة ، والطبيب مازال متفاجئاً من إختلاف التوأمتين بالشخصيّة لهذه الدرجة ! وتمنّى تنفيذ النحيلة وعدها لأختها الطيبة دون أن تضمر المزيد من نواياها السيئة !

***


المريض التالي : كان شاباً يعاني من ((ديسيدوفوبيا)) وهي صعوبة في اتخاذ القرارات ! 

وبعد الحديث معه ، علم أن والده متسلّط ويتحكّم بتفاصيل حياته سواءً باختيار اصدقائه منذ الصغر ، واختصاصه الجامعيّ ، وصولاً لزوجته المستقبليّة ! 


وبعد إخراج طفله الداخليّ ، أخبره المريض اثناء انشغاله باللعب : انه الإبن الأوسط ، وانه مُهمل من كلا والديه ..حيث يدلّل الأب اخاه الأصغر ، بينما امه تدلّل اخاه الأكبر .. اما هو ، فلا احد يهتم لوجوده .. ودائماً يستخفّون بآرائه بالمشاكل العائليّة .. ولا تهتم امه بطبخ اكلته المفضلة او شراء الملابس له ، بل تعطيه ملابس أخيه الكبير القديمة ! حتى غرفته في علّيه المنزل .. وإن بات ضيفٌ عندهم ، يُرمى مع اغراضه في كراج منزلهم البارد .. 

لذلك شعر طوال حياته بعدم انتمائه لعائلته التي افكارها تختلف عن احلامه ومواهبه ، فهو يعشق الرسم .. لكنهم يتحجّجون دائماً بضيق الأحوال الماديّة لعدم شراء مستلزمات الرسم الغالية..


فأشفق الطبيب على حالته ! وحاول إقناع طفله الداخليّ بالإستقلاليّة ، والإنتقال للعيش في سكن الطلاّب الجامعيّ ..وتغيّر اختصاصه لدخول معهد الفنون ، وإخبار اهله بذلك بعد تخرّجه.. ونصحه بإيجاد وظيفة تساعده بتوفير مستلزمات الدراسة .. وأن يزور عائلته في المناسبات الإجتماعية دون اخبارهم بخططه المستقبلية ، كيّ لا يستهزئوا منه ..وأن يدعوهم الى زواجه بعد اختيار شريكة حياته بنفسه .. 


ليستيقظ الشاب وقد عاد رونق وجهه الشاحب وكلّه تفاؤل بالمستقبل ، بعيداً عن تحكّم اهله الذين اعتادوا على التفرقة بينه وبين اخويه !

***


امّا المريض التالي : فكان رجل اعمال مشهور يعاني من ((نيكروفوبيا)) وهي رهاب الموت.. 


ومن خلال طفله الداخليّ ، فهم الطبيب أن عائلته أخذته الى الجنازة بسن الخامسة .. وقد ارعبه وجه عمه داخل التابوت ، بعد مقتله برصاصة شوّهت وجهه ! مما جعله يخاف دخول المقابر او الذهاب للجنازات بصورةٍ عامة .. 


فجرى حديثٌ بين طفله وطفل الطبيب الذي قال له :

- أترى هذا الجسم ..انه الثوب الذي يحمي روحنا الداخليّة التي عليها الإنتقال لمرحلةٍ جديدة بعد الموت

المريض : ماذا تقصد ؟!

- أتدري لما يبكي الطفل بعد ولادته ؟ لأنه لا يريد الخروج من بطن امه الذي اعتاد عليه لتسعة شهور ..لكنه لا يعلم إن الحياة في الخارج أجمل بكثير.. ونحن ايضاً نخاف الموت ، لأننا لا نعلم ما ينتظرنا بعد الدفن .. ربما يكون اجمل بكثير من حياتنا الشاقّة في الدنيا

- أتظن ذلك !

الطبيب : نعم ، فحياة الآخرة خالية من الأمراض والأوجاع والأحزان ، ونلتقي بها مع جميع الراحلين من اهلنا والأصدقاء ..لهذا لا داعي الخوف من الموت ، فهي تجربة سنخوضها جميعاً 


وقد أثّر كلامه بالرجل بعد استيقاظه ، حيث شارك الطبيب احلامه المستقبليّة لتطوير شركته ، دون ذكر مخاوفه من سقوط الطائرة برحلته التجاريّة ، او موته بحادث سيارة (كما أخبره قبل تنويمه المغناطيسيّ)  

***


امّا المريضة الأخيرة : فكانت صبيّة في منتهى الجمال والجاذبيّة ، تعاني من ((الفيلوفوبيا)) وهي الخوف من الوقوع بالحب ! بعد تعرّضها لخيانات من احبائها الثلاثة القدامى : فمنهم من استغلّها ، ومنهم من سخر منها امام اقاربها ، والأخير تزوج صديقتها المفضّلة ! 


وعندما اجتمع طفلها الداخليّ مع الطبيب في غرفة الألعاب ، أمسك دميتين بيده : أحدهما لبنت والآخر ولد .. وبدأ يخبرها بأن على الفتاة أن لا تعطي الكثير من مشاعرها في بداية العلاقة ، وأن عليها امتحانه اولاً إن كان يستحق حبها ام لا .. محاولاً إفهامها بأن الحياة مليئة بالأشرار ذويّ النوايا السيئة الذين يرغبون بعلاقاتٍ عابرة .. وأنه يجب عليها منح حبيبها القادم 50 في المئة فقط من ثقتها ، وهو بإمكانه زيادة النسبة بتصرّفاته الجيدة معها ..  فإن وصلت النسبة ل80 وما فوق ، يمكنها الزواج به لبناء عائلةٍ سليمة ..وإن قلّت ثقتها به عن 20 في المئة ، فالأفضل اختيار زوجٍ غيره.. 


وكان إقناعها سهلاً لطيبة قلبها ، حيث شكرته (فور استيقاظها من التنويم المغناطيسي) لانفتاح قلبها للحياة من جديد ، بعد أن كان مغلقاً لشهورٍ عديدة عقب صدمتها بحبيبها الأخير .. 


ورغم تحسّن نفسيتها إلاّ أن الطبيب ما زال قلقاً عليها ، لرهافة مشاعرها .. فأصرّ على متابعة العلاج بالمكالمات الهاتفيّة..

***


وفي الأيام التالية .. إمتدّت المكالمات بينهما لساعاتٍ طويلة ، بعد شعورها بالراحة لإخباره عن اسرارها وذكرياتها القديمة .. 

وارادت تطبيق علاجه ، عن طريق امتحانه بعدة طرق .. مما أسعده حرصها أثناء تقرّبه منها ، محاولاً إعطائها الأمان التي افتقدته بعلاقاتها السابقة .. 


ورغم ذكائه الا انها استطاعت خداعه ، عن طريق مدحها لصديقها الجديد.. لتشتعل الغيرة في قلب الطبيب الشاب الذي طلب منها التريّث قبل إغرامها به .. 

وكلما زادت غيرته ، زاد يقينها بوقوعه في حبها .. 

***


وفي يوم ، طلبت منه مقابلة صديقها الجديد في المطعم لإبداء رأيه به..

فقدم الى طاولتها بوجهٍ متجهّم (في انتظار قدوم صديقها) محاولاً عدم إظهار ارتباكه الذي كان واضحاً بالنسبة لها .. 


وبعد مرور نصف ساعة ، سألها بعصبية :

- اين حبيبك التافه ؟ لما لم يأتي حتى الآن ؟!!

فأخرجت مرآة صغيرة من حقيبتها ، وهي تقول مُبتسمة : 

- حبيبي التافه يشتعل غيرة .. أنظر اليه بنفسك


فتنفّس الصعداء بعد ارتياح قلبه اخيراً ، عقب اسبوعين من امتحانها الصعب : 

- يا الهي ! كدّتِ توقفين قلبي بألاعيبك الشقيّة 

الصبيّة بسعادة : كنت اريد التأكّد أن طبيبي النفسيّ مغرمٌ بي فعلاً! 

الطبيب : رجاءً لا تخبري احداً إنك إحدى مريضاتي فهذا يخالف قوانين عملي ، لكني لم استطع تمالك نفسي امام جمالك ورقتك

- وانا أعجبتني غيرتك ورجاحة عقلك وتفوّقك بالعمل .. (ثم امسكت يده)..الن تخبرني بطريقتك السرّية التي تتبعها لعلاج أصعب الفوبيات من جلسةٍ واحدة ؟


الطبيب : كل ما استطيع قوله ، انني اعالج الطفل الداخليّ للمريض ..فمرحلة الطفولة هي اهم مرحلة بحياة الإنسان ، ففيها تُبنى شخصيّته .. فمثلاً الطفل الذي لم يشبع من الحلويات واللعب بصغره ، سيتحوّل الى شخصٍ جشع لا يشبع ابداً ، ومعظم السياسين الفاسدين واللصوص من هذا النوع .. اما الطفل الذي تعرّض لحرمانٍ عاطفيّ ، سيكبر مع عقدة التعلّق المرضي ، لحاجته الماسّة للحنان الذي افتقده بصغره 

- أتقصد مثل حالتي ؟

الطبيب : لا ، مشكلتك بدأت بسن المراهقة .. ولوّ عانيت منها في الطفولة لكان حلّها أصعب بكثير


الصبيّة : وكيف تتكلّم مع الطفل الداخلي للمريض ، أبطريقة التنويم المغناطيسي ؟

الطبيب : أعتذر عزيزتي ، لن أجيبك .. فهذه موهبتي السرّية التي تميّزني عن بقيّة الأطباء .. فلا تلحّي بالسؤال ، يا طفلتي المشاكسة 

وابتسم لها بمحبةٍ وحنان .. 


الخميس، 24 فبراير 2022

السجن الكبير

كتابة : امل شانوحة 

الهروب المستحيل


في وقت الظهيرة ، أُصيب مهندسٌ معماريّ (جي سيونغ) بعد وقوعه من الطابق الثاني على اسياخ البناء التي بترت يده وساقه الأيسريّن .. ليصبح معاقاً ، ممّا يُعدّ وصمة عار في كوريا الشماليّة! 


وبعد علاجه في المستشفى .. قام والداه بتهريبه الى المنزل ، بعد إخباره بطرده من العمل مع تعويضٍ ماليّ بسيط !


وكانوا جميعاً قلقين من وصول خبر إعاقته للحكومة التي ستنقله الى جزيرةٍ نائية مُخصّصة للمعاقين الذين رحّلوا هناك منذ عام 1989 (قبل المؤتمر العالمي للشباب) بأمرٍ من الزعيم لتطهير عاصمته بيونغيانغ من المعاقين العقليين والجسديين عن طريق خداعهم بوجود علاجٍ فعّال في مكانٍ هادىء وخالي من الأمراض .. وتمّ حُشر آلاف الرجال والنساء المعاقين في سفينتين منفصلتين .. وليومنا هذا لا يعلم احد إن كانوا وصلوا بسلام للجزيرة النائية ، ام انهم قتلوا ورميّت جثثهم في البحر ؟ فلا احد منهم عاد لمدينته ، او رأى اهله من جديد !


ولخوف سيونغ على مصيره ، أخبر عائلته بقراره الهرب الى كوريا الجنوبية..

فردّ ابوه بقلق : هل جننت ؟! سيقتلونك حرّاس الحدود .. ثم كيف ستصل هناك ب.. (وسكت)

فأكمل سيونغ : بإعاقتي ؟ سأجد طريقةً ما 

الأم بخوف : لا بنيّ ، هذا تهوّر وجنون !! 


سيونغ : وهل تظنان إن الدولة ستحرّك سفينة لأجلي ؟ أكيد سيقتلونني قبل نقلي للجزيرة المزعومة .. او يرسلوني للمستشفى عسكريّ لإجراء اختبارات طبّية وتشريحيّة غير قانونيّة ، او يجرّبوا عليّ اسلحتهم البيولوجيّة والكيماويّة كما فعلوا مع غيري 

الأم : انت تبالغ ..

سيونغ مقاطعاً بعصبية : كيف ابالغ امي !! الم يحرموا خالتي من طفلها المعاق بعد إعطائه حقنةً قاتلة ؟ ..وانت يا ابي ، أنسيت مجاعة التسعينات حين رفضوا إعطاء عمي الأعمى الطعام بحجّة انه عاطل عن العمل ،  ليموت المسكين جوعاً ؟ .. وماذا عن جارنا القزم الذي ارسلوه للجبال الوعرة بعد تعقيمه ؟ بالتأكيد مات وحيداً دون مساعداتٍ خارجيّة .. لهذا عليّ الهرب من دولتنا المجرمة ..


الأم مقاطعة بقلق : ارجوك بنيّ ، إخفض صوتك وإلاّ قتلونا جميعاً

سيونغ : هذا هو السبب امي !! فأنا ميت بجميع الأحوال ، على الأقل دعوني احاول .. وإن نجحت ، سأجد طريقة لإخراجكما من هذا الجحيم .. أعدكما بذلك

***


في المساء .. خرج سيونغ في وقتٍ متأخر من الليل ، خوفاً أن يروه العسكر ويبلّغوا عنه ، خاصة بعد خروجه من المستشفى دون إذنٍ رسميّ .. وانطلق بعكّازه الى منزل العجوز (مينهو) الذي انتشر صيته بين القلّة من المواطنين ، بتسخير ماله (من بيع محصول ارضه) ودفعها للمهرّبين من اصدقائه الأوفياء .. 


وذلك انتقاماً من الحكومة التي قتلت ابنه الكبير بعد تعثّره في العرض العسكري امام الزعيم كيم ..واعتقلوا ابنه الثاني بعد ضربه جندياً تحرّش بحبيبته ، ومات في المعتقل من شدّة التعذيب .. 

وبعد فقده عائلته ، سخّر نفسه لمساعدة الشباب الشجعان للهرب من جحيم كوريا الشماليّة !

***


حين وصل سيونغ الى منزل مينهو ، وجد عنده 6 آخرين يخطّطون للهرب (صبيتان وعجوزان وشابان) كل واحداً منهم لديه سبباً للإقدام على هذه المجازفة الخطرة ! 


فالشابة يونمي : تنوي الهرب بعد قيام العسكر بقتل والدها والإعتداء على امها حتى الموت ، بتهمة تشجيعهما الجيران على مظاهرات ضدّ الزعيم كيم .. ولخوفها من إنتقام الحكومة ، ارادت الهرب لمنغوليا للعيش مع عمها وعائلته ..


اما سوّ جولي : فكان ابن رجلٌ سياسيّ ، أُتهم ظلماً بالتجسّس لصالح دولة اجنبية ! فتمّ اعدامه ، ليتشرّد هو وامه في الشارع .. 

وبعد قضاء مراهقته متسوّلاً ، ماتت امه لسوء التغذية .. وحين سمع بالصدفة عن العجوز (مينهو) قدِمَ من مسافةٍ طويلة ، أملاً في الهروب لكوريا الجنوبية


اما دونغ : فسُجن بالإعتقال في سن 14 ، لرفضه الذهاب للعمل بالحقول بعد المدرسة .. وتمكّن بعد موت رفيق زنزانته بالأسلاك الكهربائية للبوّابة ، من القفز فوق جثته .. وهو هارب منذ ايام ، ويريد الوصول للصين قبل القبض عليه بتهمة الفرار من السجن


اما هيو ليم : فشهدت عملية إعدام جماعيّ في الملعب التي كانت تتدرّب فيه مع فريقها إستعداداً للأولمبياد .. وشهدت مقتل 11 موسيقيّاً بتهمة حيازتهم لصورٍ غير إخلاقيّة .. وأُجبرت مع زميلاتها على مشاهدة الدبّابات وهي تستحق اجسادهم احياءً ! وبسبب الحادثة أصيبت بالأرق الشديد وفقدان الشهيّة ، لهذا ترغب في الهرب لأيّ مكانٍ خارج بلادها

 

امّا كبار السن فأرادا الهرب بسبب إتهام الأول بسماعه إذاعة كوريا الجنوبية ! اما الثاني فحُكم عليه بالإعدام بعد مسحه طاولة مطعمه بالصحيفة التي عليها صورة الزعيم كيم ! 

وكلاهما تمكّنا الهرب من الجنود ، وقدما لمنزل البطل لتهريبهما خارج البلاد ..


وبعد سماع العجوز (مينهو) لقصصهم الحزينة ، قال لهم :

- انتم تدرون إن مصيري لم يعدّ يهمّني بعد مقتل ولدايّ ، وإني سخّرت مالي لتهريب الشجعان أمثالكم .. لكن كل ما استطيع فعله هو الدفع للمهرّبين ، دون ضمان ما سيحدث لكم لاحقاً 

فردّ الشاب : لا يهم سيدي ، فقد أخرجنا من هنا

مينهو : حسناً ، هناك عشرة طرق للهرب

الجميع بصدمة : عشرة !


مينهو : نعم .. وكل واحدة أصعب من الثانية ، وعليكم الإختيار بينها.. الطريقة الأولى : عبر المنطقة معزولة السلاح بين الكوريتين التي تمتدّ 240 كيلو ، والمزروعة بالألغام والأسلاك الشائكة 

- تقصد طريقٌ برّي ؟!

مينهو : نعم ، وهو طريقٌ طويل ومليء بالمصاعب والأفاعي السامة 

- وماهي الطريقة الثانية ؟


مينهو : البحر الأصفر ، وهو الجزء الشمالي من بحر الصين الشرقي ..وسيكون الهرب عن طريق قوارب الصيد 

- يعني باستخدام التجذيف اليدويّ ؟!

مينهو : صحيح .. فالزعيم منع وجود قوارب بمحرّكات على طول الشاطىء ، بعكس سفن دوريّاته المتطوّرة

- اذاً إحتمالية اللّحاق بنا سهلة ؟

مينهو : بالتأكيد !!

- وما الطريقة الثالثة ؟


مينهو : الهرب الجويّ ، باستخدام إير كوريو

- هذه اسوء طائرات في العالم ! 

مينهو : نعم ..ويمكن للآنستين التقدّم للعمل كمضيفات ..وعندما تصل الطائرة الى الصين او روسيا ، تهربان من الفندق ..الأمر متوقف على ذكائكما ولياقتكما البدنيّة 

- وماذا بشأننا نحن الشباب ؟


مينهو : يمكنكم الهرب عبر الحدود الصينيّة .. (ثم قال بتهكّم) .. مع إن زعيمنا المُبجّل إتفق مُسبقاً مع الحكومة الصينية بإعادة الهاربين او قتلهم إن لزم الأمر !.. اما الطريقة الخامسة : فهي عبر تبادل الطلاّب ، هل سمعتم بها من قبل ؟

- هذه خاصّة بالطلاّب المتفوقين ..أذكر إن زميلي في الدراسة هرب الى قريةٍ صينية اثناء تواجده هناك ، فقتلوا عائلته واقاربه بالكامل .. حينها لم يجرأ احد على تكرار فعلته الجريئة 


مينهو : اذاً لننتقل للطريقة السادسة : وهي عبر بحر اليابان .. حيث يمكنكم الإتفاق مع دوريات جنود الكوريين لأخذكم معهم

- اليست هذه خيانة ؟!

مينهو : أحوالهم المزرية تجعلهم يقبلون المال.. او أن ترضوا بالطريقة السابعة : وهي عبر معسكرات العمل الإجباري بالدول الحليفة كالصين وروسيا

- الا يكفينا إننا عبيد في بلادنا ، حتى نعمل بدولٍ أخرى وبراتبٍ زهيد؟!

مينهو : ليس هذا فحسب ، بل ستعملون بوظائف خطرة كالمعامل النوويّة او المناجم وإزالة الألغام ..


فسألته الصبيّة : وماذا عني ؟

مينهو : الم تقولي إنك رياضيّة ؟ 

الصبية : نعم ، وحصلت على الكثير من الجوائز

مينهو : اذاً يمكنك الهرب عن طريق البعثات الرياضيّة الى دولٍ متقدّمة ، وهناك حاولي الحصول على لجوءٍ سياسيّ

الصبية بحزن : لسوء الحظّ ، الأولمبياد هذه السنة في الصين ..وأكيد سيعيدونني الى هنا


فسأله سيونغ : أيوجد طرق أخرى يا عم ؟

مينهو : طرق خاصة بالبعثات الدبلوماسيّة 

فردّ الشاب : كان عمي دبلوماسيّاً .. ومنعوا عائلته من السفر معه ، وعاملوهم كرهائن كوسيلة للضغط عليه للرجوع بعد انتهاء مهمّته الخارجيّة .. فإن حاول الهرب ، قتلوهم جميعاً 


مينهو : اذاً ليس امامكم سوى رشوى حرس الحدود ، فرواتبهم زهيدة وسيتغاضون عنكم اثناء هروبكم 

- اهذا رأيك ؟!

مينهو : برأيّ الأفضل إختياركم لطرقٍ مختلفة للهرب .. فإن فشل احدكم ، ينجح الآخر


فأخذوا يتشاورون فيما بينهم .. الى أن قرّرت الفتاتان الهرب بالطرق السهلة : البعثة الرياضيّة ، والعمل كمضيفة طيران .. 

اما الشابان : فقرّرا الهرب عن طريق البرّ .. والعجوزان فضّلا رشوى الجنود .. 

اما سيونغ : فاختار البحر ، لعدم قدرته على السير مسافةٍ طويلة بسبب إعاقته .. 

وبدوره وعدهم (مينهو) بدفع المبالغ الضرورية للمهرّبين غداً مساءً .. فشكروه ، وعادوا لبيوتهم قبل بزوغ الفجر 

***


في الليلة التالية .. ودّعوا بعضهم وهم ويحملون اغراضهم المهمّة في حقائب ظهورهم .. وانطلقوا مع المهرّبين الى اماكن حدوديّة ..


وكان سيونغ متضايقاً من نظرات المهرّب المُشمئزّة ، بسبب بطئه في الحركة بسبب إعاقته .. 

وبعد ركوبهما قارب الصيد ، سأله بضيق : 

- كيف ستساعدني بالتجذيف بيدٍ واحدة ؟ 

سيونغ : سأحاول جهدي ، ونتناوب على ذلك

المهرّب : اساساً لما تهرب ، طالما لن يوظّفك أحد في الخارج ؟ 

- سأسافر لأوروبا ، فهم يحترمون المعاقين ويوفّرون الوظائف المناسبة لحالتنا الصحيّة 

المهرّب بلؤم : هذا إن وصلت حيّاً

وأخذا يجذّفان بصعوبة ، الى ان ابتعدا عن الشاطىء قبل شروق الشمس  

***


في عرض البحر ، غفى سوينغ من شدّة تعبه .. واستيقظ بعد ساعة على صوت محرّك سفينة تقترب منهما .. 

وكاد من خوفه أن يقفز من القارب ! فأوقفه المهرّب :

- لا داعي للقلق 

سيونغ برعب : هذه دوريّة عسكرية كوريّة ، سيقتلوننا يا رجل !!

المهرّب : هذا صديقي .. فأنا ادفع له ، للسماح لي بعبور بحر كوريا الجنوبية

سيونغ باستغراب : أحقاً ! وماذا عن حوادث القتل التي سمعناها ؟! 

- مجرّد إشاعات لتخويف الشعب ، وقد نجحوا بتحويلهم لجبناء بائسين


سيونغ بصدمة : أتقصد أنهم عادةً يسمحون لنا بالفرار ؟! 

- ليس بكل الطرق ، فهذا البحر هادىء.. وفيه دوريتين فقط ، وكلاهما صديقايّ  

- ليتني عرفت هذا السرّ ، لطلبت من البقيّة القدوم معنا

المهرّب مُهدّداً : لا احد سيعرفه وإلاّ قطعت لسانك !! فهما يسمحان بمرور شخصٍ واحد كل عام .. ومن حسن حظك انه دورك هذه المرة .. والآن أصمت ودعني اتفاهم معه على قيمة الرشوى 


وتحدث المهرّب مع الضابط (بعد قفزه الى سفينة الدوريّة).. قبل عودته الى قاربه ، بعد حصوله على إذن المرور  


وأكملا التجذيف ، الى أن أخبره المهرّب بوصولهما لبحر الأمان .. 

فتنفّس سيونغ الصعداء بعد رؤيته دوريّة تابعة لكوريا الجنوبية وهي تقترب منهما ، لنقله الى حدودها .. بينما ودّعه المهرّب للعودة الى كوريا الشمالية مُجبراً لأجل عائلته

***


تمّ استقبال سيونغ بحفاوة ، وهم يهنّئونه على هربه البطوليّ من دولته المستبدّة .. وقدموا له غداءً لذيذاً لم يتناول مثله في حياته التي اقتصرت على الأرز المسلوق فحسب ! 

وبكى وهو يتناول الطعام ، فسأله ضابط كوريا الجنوبية :

- الم يعجبك الطعام ؟!

سيونغ بحزن : بلى كثيراً .. تمنّيت لوّ هرب والدايّ معي ، لكنهما كبيران في السن ولم يردا المجازفة

- لا تقلق ، طلبنا من المهرّب إخبار أهلك أنك وصلت بأمان

- شكراً سيدي ، فهذا سيُهدئ بالهم 


الضابط : والآن إخبرنا ..هل ستبقى في بلدنا ، أم تنوي السفر لبلدٍ أجنبيّ؟

- أتمنى العيش في اوروبا  

- وماذا ستعمل هناك ؟ 

- أيّ شيء

- وماذا عن اللغة ؟

سيونغ : أعرف بعض الإنجليزية ، تعلّمتها من سائحٍ اجنبي قبل إختفائه ! 

- طالما اختفى ، فهذا يعني انهم اعتقلوه او قتلوه .. المهم لا تقلق ، سنرسلك الى سفارة البلد التي تريدها ، وهم سيتكفّلون بأمرك

*** 


ومرّت الأعوام عاش فيها سيونغ بأمان في السويد بعد تعلّمه لغتهم وحصولهم على ذراع وقدمٍ صناعيّة ، سهّلت عمله كمعلّم رياضيات للمرحلة الإبتدائية .. 


كما استطاع نشر كتابه عن مصاعب الحياة بكوريا الشماليّة .. ذكر فيها تجارب رفاقه الذين اجتمع معهم في منزل العجوز الطيب (دون ذكر اسمه خوفاً على حياته) والذين لم يحالفهم الحظ ، حيث تمّ إعتقالهم قبل تجاوزهم الحدود ..منهم من أُطلق النار عليه ، ومنهم من أعادته الصين الى بلاده ليموت تحت التعذيب ..اما الفتاتان ، فتمّ الإعتداء عليهما من قبل الجنود ..فأقدمت إحداهما على الإنتحار .. بينما الثانية أُعيدت لبلادها بعد عيشها سنة في كوريا الجنوبية ، حيث أجبرتها حكومة كيم على الظهور في التلفاز لإخبار الشعب عن بشاعة التحرّر في كوريا الجنوبية ، وإن بلادهم أجمل بكثير !

وبعد عدّة مقابلات ، إختفت هي وعائلتها ! ويبدو انهم قتلوها بعد إتمام غرضهم منها .. 


فعلم سيونغ إنه الوحيد الذي نجح بينهم رغم إعاقته ، حيث استطاع الهرب من الجحيم الذي كلّفه الكثير ، بعد إعدام والديه رمياً بالرصاص امام اهالي قريتهم .. 


اما العجوز (مينهو) فمازال لليوم يدفع ماله للمهرّبين لإنقاذ الشباب ، دون اكتراثه بمصيره .. حيث وصفه سيونغ بنهاية الكتاب :((بالبطل الكوري الصامد في وجه الطغيان الشيطانيّ))

*****

ملاحظة : 

كل القصص والأحداث المذكورة بالقصة صحيحة ، وحصلت فعلاً !

المصادر :

https://elaph.com/Web/News/2014/12/965117.html

https://www.youtube.com/watch?v=rycTPYEPa5Q

https://www.youtube.com/watch?v=TiHvmHP1jDc


الاثنين، 21 فبراير 2022

الحرب القادمة

تأليف : امل شانوحة 

 

كابوس الماضي


في مدينةٍ جبليّة بأوكرانيا ، سأل المراهق جده :

- الن تأتي معنا ؟ فالجوّ بالخارج لطيف ودافىء ، سيكون من الرائع قضائه على الشاطىء ، بعد انتهاء العاصفة التي حجزتنا إسبوعين في المنزل

الجد بقلق : إذهب مع عائلتك .. اريد متابعة الأخبار ، فأزمتنا مع روسيا لا تبشّر بخير !

- لكن الرئيس الروسي وعدنا بالإنسحاب !

- بوتين إنسانٌ ماكر ، ويتصرّف بمبدأ الحرب خدعة


المراهق : برأيّ اميركا ستوقفه عند حدّه

- لا احد يستطيع إيقاف زعيم مُصاب بجنون العظمة ، والتاريخ يشهد بذلك

- تقصد هتلر ونابليون ؟

الجد : والكثير غيرهما

- على كلٍ سنذهب بعد قليل ، وسأتصل بك فور وصولنا للبحر

- حاولوا العودة قبل المساء ، فلا ملاجئ قريبة من الشاطىء 

المراهق : جدي ! لن يحصل حرب ، إطمئن

ثم ذهب مع والديه واخته الصغرى (10 سنوات) لقضاء عطلتهم ..

***


اثناء نزولهم الجبل ، علقوا في زحمة سيرٍ خانقة ! فأهالي الجبال رغبوا في استغلال الجوّ اللطيف والهدوء السياسيّ لقضاء عطلة نهاية الإسبوع


ففكّر الأب بالسير عند حافّة الجبل ، للإبتعاد عن شاحنة تعترض طريقه..ليتفاجأ بسيارة تنحرف باتجاهه .. 

ولتجنّب الإصطدام ، إبتعد عن الطريق ! وكاد يسقط في واديٍ عميق ، وسط صراخ عائلته المرتعبة .. 


لكنه استطاع باللحظة الأخيرة تعديل مساره ، والعودة للطريق الرئيسي الذي أصبح سالكاً .. 

فقال لعائلته التي مازال الرعب واضحاً على وجوههم :

- ارأيتم !! نجحت بالإبتعاد عن زحمة الشارع

فعاتبته زوجته بعصبيّة : إيّاك فعلها ثانيةً ، كدّت تقتلنا جميعاً !!

الزوج : المهم اننا مرّرنا بسلام ، وسنصل سريعاً للبحر

***


ووصلوا هناك عصراً .. وقبل نزولهم من السيارة ، لاحظوا قوارباً عديدة تسير باتجاه المضيق خلف الجبل !

فقال المراهق باستغراب : أنظر ابي ! جميعهم يلبسون بدلات الغطس ، ترى لماذا ؟!

الأب : لا ادري ، ربما انتشر خبرٌ بينهم عن وجود كنزٍ هناك !


وفجأة ! خرجت من تحت البحر غوّاصةً ضخمة ، صدئة وقديمة كأنها من زمن الحرب العالميّة الأولى 

وسرعان ما طفى الى سطح البحر المزيد من السفن الغارقة المتهالكة المليئة بالطحالب والصدف البحريّة !


وقبل إستيعاب العائلة ما تراه ! إمتلأت السماء بالطائرات الحربيّة ، قديمة الطراز ذات المحرّكين .. ولحقتها طائرات أخرى أحدث منها بقليل


وهنا لفت انتباههم صوت الإبنة الصغرى وهي تعدّ السفن والطائرات

فأسرع اخوها للبحث بجوجل عن عدد الطائرات والسفن التي غرقت بالمضيق (الذي لطالما كان موقع خلاف ومنشأ المعارك بين رؤساء الدول ، لكونه نقطة الوصل بين القارة الآسيويّة والأوروبيّة) لينصدم المراهق بأن عدد ما رأوه يساوي مجموع السفن والطائرات الغارقة في البحر بزمن الحربين العالمية الأولى والثانية معاً !


فسأل المراهق بخوف : ماذا يعني هذا ؟!

الأم : أمعقول إن اشباح الجنود القدامى ظهرت ، ليجتمعوا في مكان موتهم خلف الجبل ؟!


وقبل أن يُبدي الأب رأيه ، سمعوا هدير الدبّابات من خلفهم ! وكان طرازها يعود ايضاً للحربين العالميتين ! 

ومشى بجانبها نوعين من الجنود : احدهم بلباس الحرب العالمية الأولى ، وجنود آخرين بالزيّ العسكري الخاصّ بالحرب العالميّة الثانية ! وكانت وجوههم شاحبة وآثار الرصاص على اجسادهم ، فمنهم من مشى دون قدمه او ذراعه ، او عينه متدليّة بجانب وجهه .. وبعضهم مشوّه تماماً ، كأنهم عادوا للحياة بالهيئة التي ماتوا عليها !


بهذه الأثناء .. قفزت العائلة عن كراسيها بفزعٍ شديد ، بعد أن طرق قائد الجيش على زجاج سيارتهم وهو يشير للسائق بفتح النافذة !

ففتح الأب بيدٍ مرتجفة ، بعد تأكّده بأن الأشباح تراه مع عائلته ! 

ليجد القائد يشير الى صندوق بجانب قدمه ، ويأمرهم بأخذه (بلغة الإشارة دون نطقه بحرف) 

ففهموا أن عليهم لبس الزيّ العسكري الموجود بالصندوق .. ثم ابتعد القائد لإكمال توجيه جنوده ، للوصول بهم للشاطىء خلف الجبل !


وهنا قال الأب لعائلته : 

- الأفضل الإلتزام بأوامر القائد 

فردّت زوجته : هل جننت ؟!! أتريدني أن البس انا وابنتي الصغيرة ثياب الجيش ؟!

الزوج : اكيد لا يوجد بالصندوق سوى زيّ يناسبني انا وابني ..سأفتح وأرى


وخرج من سيارته ، وسط قلق عائلته .. 

وما أن أدخل الصندوق اليهم ، حتى تفاجأوا بوجود زيّ يناسب الجميع حتى الفتاة الصغيرة ! 


وهنا لاحظ الأب القائد يشير له من بعيد : بأن ينظر جيداً الى مرآة سيارته الأماميّة ! 

ليصرخوا جميعاً بصدمة بعد رؤية وجوههم الشاحبة ، التي لا تختلف عن منظر الجنود الأشباح ! 

***


وفي الوقت الذي كان يشاهد فيه الجد الأخبار عن إعلان روسيا بدء الحرب العالمية الثالثة ! كانت عائلة ابنه أدركوا بأن سيارتهم سقطت بالوادي ، وأنهم جميعاً موتى ! وعليهم الإنضمام لأشباح شهداء الحربين الماضيين الذين قررّوا المشاركة في الحرب القادمة التي ستشتعل شرارها في سواحل أوكرانيا الباردة !


السبت، 19 فبراير 2022

السرداب السرّي

تأليف : امل شانوحة 

الحرب العالمية الثالثة


في منطقةٍ روسيّة .. تلقّى خمسة اصدقاء دعوى للغداء في فلّة مُطلّة على غابةٍ موحشة ! 

وعندما وصلوا .. إستقبلهم صديقهم القديم (آرثر) بحفاوة ، والذي أخذهم في جولة داخل منزله الجديد بحماسٍ وغرور ! 


فسأله أحدهم بدهشة : 

- كيف تمكّنت من شراء فلّةٍ فخمة ؟! 

آرثر بفخر : ربحت اعلى جائزة في اليانصيب

- يالك من محظوظ !

آرثر : يبدو الدنيا ابتسمت لي بعد سنواتٍ من الفشل.. واول ما فكّرت به ، هو الإحتفال مع اصدقائي الأعزّاء 


فنظروا لبعضهم باستغراب ! فهم لم يعاملوه جيداً طوال المرحلة الإبتدائيّة ، قبل انتقاله لمدرسةٍ اخرى بعد تدهور صحّته النفسيّة  

وبعد تناولهم الغداء ، أخذهم الى الغابة مشياً على الأقدام ..

 

واثناء توغّلهم في عمق الغابة ، سأله احدهم :

- لما نحن هنا ؟!

آرثر : كنت وجدت قبل ايام سرداباً سرّياً ، واردّت اكتشافه معكم  

- كان عليك سؤالنا ، إن كنّا سنقبل ام لا ! 

آرثر : هيا لا تخافوا ، فالمكان مثير للإهتمام .. وبابه الوحيد مُخبأ تحت الأوراق والأغصان .. فساعدوني لإزالتها لفتح بوّابته السرّية 


فانضمّوا اليه ، لحين ظهور الباب الحديديّ المدفون بالأرض .. فقال أحدهم : 

- ربما هي لتصريف مياه المطر !

آرثر : لا !! فأنا نزلت قبلكم ، ووجدّت أدراجاً وغرفاً متعدّدة في دهليزها الطويل

- الم تقل انك دعوتنا لاكتشافه معاً ؟!

آرثر : كان سرداباً مخيفاً ، فلم اجرأ على اكتشافه بالكامل .. لهذا دعوتكم ، لمعرفتي بحبكم الشديد للمغامرات .. فهيا اضيئوا جوّالاتكم ، والحقوني


فنزلوا خلفه على السلم .. ليجدوا امامهم سرداباً طويلاً ، بالكاد يصل اليه نور الشمس .. وكانت الإشارات المرسومة على جدرانه تدل انه حُفر في زمن الإتحاد السوفيتي ! 


واندمج الأصدقاء باكتشاف الغرف التي تحوي حواسيب قديمة ، وسمّاعات لاسلكي وجهاز المعلومات التلغرافي بشفرة مورس ، كالتي استخدمتها المخابرات والعملاء السرّين السابقين .. 


واثناء انشغالهم بقراءة الملفّات القديمة العفنة داخل الأدراج الصدئة ، سمعوا آرثر يقول(بعد صعوده لخارج بوّابة السرداب دون علمهم) : 

- اراكم في الجحيم ايها الملاعيين !!

وأقفل الباب بسلسلةٍ حديديّة وقفلٍ كبير (كان خبّأهم خلف الشجرة) ليعمّ الظلام المكان !


فأسرعوا بتوجيه جوّالاتهم لمخرج السرداب ، وهم ينادونه بعلوّ صوتهم ليكفّ عن مزاحه الثقيل .. 

فردّ عليهم من الخارج : 

- أتدرون لما دعوتكم لمنزلي ؟ لأنتقم منكم ايها المتنمّرين الأشقياء 

- كنّا اطفالاً يا آرثر ، وطبيعي أن نُضايق الطالب الجديد


آرثر بقهر : أنسيتم كيف حبستموني في غرفة الفئران ؟

- لا يوجد غرفة فئران بالمدرسة ، كانت كذبة من المديرة لتخويف الطلاّب !!

آرثر : وكيف لطفلٍ في السادسة أن يعرف أنها خدعة.. والأسوء انكم عدّتم لمنازلكم ، وتركتموني محبوساً حتى المساء ..قبل تدخل الشرطة لإنقاذي ، بعد أن بحث عني والدايّ في كل مكان.. وبسببكم أصبح لديّ رهاب الظلام والأماكن الضيّقة ..وأصبتُ بالأرق والكوابيس طوال طفولتي .. لهذا اريدكم الشعور بالخوف ، وانتم مسجونين بسردابٍ مهجور 

- نعتذر منك يا آرثر ، رجاءً إفتح الباب !!


آرثر : سأعيد تغطية البوّابة بالأوراق والأغصان ، حتى لا ينقذكم احد

- هل جننت ؟!! هذه جريمة قتل متعمّدة 

آرثر : أعرف هذا ، اريد جعلكم عبرة لكل من يؤذي الضعفاء

ثم عاد الى فلّته ، دون اكتراثه بطرقهم العنيف واستنجاداتهم الخائفة!

***


بعد رحيل آرثر .. سارع الأصدقاء الخمسة بالبحث في الغرف عن شيءٍ حادّ يُمكن به كسر السلسة الحديديّة حول البوّابة ، مُعتمدين على نور جوّالاتهم التي بدأت تخفت مع مرور الوقت .. الى ان انطفأت مع غروب الشمس !

ولم يبقى سوى جوّالٍ واحد مضاء ، بالكاد ينير طريقهم .. 


فقام أحدهم بتمزيق الورق من احدى الملفّات ، ورميها في سلّةٍ حديديّة صدئة ، واشعالها بقدّاحته .. 

وكلما خفتتّ النار ، رمى المزيد من الأوراق فوقها اثناء تنقّلهم لآخر الدهليز ، لعلّهم يجدون باباً آخر يخرجهم من النفق المعتم


وحين وصلوا لنهاية السرداب ..وجدوا سلالم توصلهم للأسفل ، بعكس ما توقعوه ! 

وما ان نزلوا بضعة ادراج ، حتى سمعوا حركةٍ خفيفة ارعبت كيانهم .. وخافوا أن يكون المكان السفليّ مسكون بالشياطين 

لكن كبيرهم أقنعهم بأنها مجرّد فئران ، وعليهم النزول لاكتشاف المكان الأخير الذي قد يحوي طريقاً سرّياً يعيدهم للغابة !

***


في الأسفل .. وجدوا ثلاثة غرف !

الغرفة الأولى : بها سرير بحالةٍ جيدة ، وثياب تبدو ملبوسة منذ وقتٍ قصير ! 

الغرفة الثانية : كانت بعيدة عنهم ، فقرّروا إكتشافها لاحقاً .. 

ودخلوا الغرفة الثالثة : ليجدوا شقّاً في الجدار يخرج منه الماء الذي يُصبّ في بركةٍ مليئة بالأسماك ! 


فحاول أحدهم شرب الماء ، فأوقفه صديقه : 

- ربما المياه ملوّثة

فردّ عليه : اظن الماء قادم من الجدول الصغير الذي عبرناه قبل وصولنا الى هنا .. أما هذا النوع من السمك ، فيعيش بالأنهار العذبة .. لهذا لا تقلقوا بشأن تلوثه


وبعد ارتشافه الماء ، أكّد لأصحابه إنها نظيفة ..فشربوا منها لشدّة عطشهم

فاقترح أحدهم : 

- في حال بقينا هنا لمدةٍ طويلة ، يمكننا شواء السمك و..  

فقاطعه صوت من خلفهم : 

- السمك لي وحدي !!

 

وارتعبوا جميعاً بعد رؤيتهم لرجلٍ ثمانيني بلحيّةٍ وشعرٍ طويلين ، يلبس ثياباً ممزّقة كأنه مشرّد يعيش في السرداب منذ وقتٍ طويل ! والذي قام بإضاءة اللمبة الصفراء المعلّقة بسقف الغرفة ، وهو يسألهم :

- من سمح لكم باقتحام مسكني ؟

- نعتذر سيدي ، فنحن عالقين هنا .. ونريدك أن تدلّنا على المخرج

العجوز الروسي بلؤم : أخرجوا من حيث دخلتم ايها الفضوليين !!

فأخبروه بما حصل...


العجوز : اظنّي أعرف صديقكم آرثر ، فقد اقتحم سردابي قبل اسبوع .. لكني فضّلت الإختباء ، وتركه يذهب بحال سبيله بعد تفتيشه أغراضي .. لكني حقاً لم أعلم انه خطّط للإنتقام من اصدقائه بحبسهم في منزلي ! 

- أهذا منزلك ؟! أقصد هل انت من حفرته ؟

العجوز : بل الحكومة

- كنا قرأنا بعض الأوراق الموجودة بالملفات والتي تبدو ..

العجوز مقاطعاً بحنق : تقصد التي أحرقتموها ؟

- لم نحرق سوى ملفاً واحداً ، وكنّا مجبرين لتوفير الإضاءة 


العجوز بعصبية : الا تدرون إن كل ملفٍ منها ، قضيت عمراً في كتابته ..فقد وُظّفت بهذه المهمّة لعبقريتي ، رغم كوني بالعشرينات من عمري  

- هل انت جاسوس ؟

العجوز : بل عميل استخباراتي قديم ، وكان عملي هو التنّصت على مكالمات الحكومة الأمريكيّة ، في زمن الرئيس الكينيدي بأزمة الصواريخ الكوبيّة

- كان ذلك بستينات القرن الماضي ! ومرّ وقتٌ طويل على الأزمة ، فلما بقيت هنا بعد انتهاء مهمّتك ؟


العجوز : رغم إن تهيددات الحرب النوويّة بين الدولتين بقيت ل 13 يوم فقط ، إلاّ ان رؤسائي أبقوني لسنوات في السرداب لأعمالٍ ثانويّة ..وعندما خرجت ، وجدّت حبيبتي تزوجت ولديها طفل ، ووالدايّ توفيا بحادث سير .. واصدقائي لم يتعرّفوا عليّ ! .. فلما اعيش في الخارج ، بعد خسارتي كل شيء ، لهذا عدّت الى هنا

- وكيف تعيش ؟

العجوز : قمت بحفر هذه الغرفة الإضافية لإدخال جزءاً من النهر الى نفقي ، والذي وفّر الكثير من الأسماك في الأعوام الماضية 

- لكنه فاتك الكثير يا عم ، فالعالم تطوّر كثيراً في الستين سنة الماضية 

العجوز : نعم ، رأيت مصابيحكم المستطيلة 

- ليست مصابيح ، بل جوّالات

العجوز : ماهي الجوّالات ؟

- أترى غرفة الإتصالات اللاّسلكية في مكتبك بالأعلى ؟ أصبحت الآن بحجم الجيب


فأخذ العجوز يتفحّص جوال أحدهم (الوحيد الذي لم يُطفئ بعد) وهو يسأله: 

- أتقصد إن هذا هاتفٌ صغير ؟!

- وتلفاز وراديو وساعة ، واشياء أخرى كثيرة 

العجوز : لا اصدّق ذلك !

- مازال هناك شحن في جوالي ، وطالما شبكة الإنترنت قويّة في منطقة الفلّل ، سأريك وسائل التواصل الإجتماعي 

العجوز : لحظة ! ماذا يعني إنترنت ؟ 

- يعني العالم كلّه بين يدك ..

وأخذ يريه بعض الفيديوهات ، والتطوّر الحاصل في روسيا 


العجوز بدهشة : يا الهي ! العالم تغيّر كثيراً 

وهنا لفت انتباهه خبر في اليوتيوب عن حرب روسيا القادمة مع أوكرانيا ، والتي مُمكن أن تتحوّل لحربٍ عالميةٍ ثالثة .. فطلب من الشاب فتح الفيديو ، وأخذ يستمع بذهول للأحداث الراهنة !


وبعد انتهاء الفيديو ، سألهم عما يجري في البلاد .. فأخبروه عن الوضع المتوتّر بين روسيا ضدّ اوروبا وامريكا ..

فقال العجوز بعصبية : أفنيت عمري بهذه الوظيفة كيّ أمنع الحرب العالمية ، وهاهم يحضّرون لها من جديد !! أضاع عمري هباءً ؟!

- اهدأ يا عم .. هذه هي السياسة ، وطبيعي أن تحدث حروب بين الدول  

العجوز بحزم : إن كانوا يريدون إقامة مجّزرة عالميّة ، سأحقّق أمنيتهم !!

- ماذا تقصد ؟!


فمدّ العجوز يده وهو يقول : 

- أعطني جوالك ، وسأدلّكم على طريقٍ سرّي آخر يوصلكم للشارع العام .. بشرط أن تعلّموني إستخدام الإنترنت 

- نحتاج اولاً للكهرباء ، فشحنه قليل  

العجوز : لديّ مولّد قديم ، مازال يعمل

- اذاً سأعطيك شاحنه ..

فسأل صديقه : وماذا عن بطاقات التشريج ؟

فأجاب الشاب : انا أشحنه عن طريق حسابي البنكيّ 


العجوز : اذاً علّموني إستخدامه ، ثم إذهبوا بحال سبيلكم .. (ثم هدّدهم قائلاً) ..وإيّاكم إخبار احد عن مكاني ، والا سألحقكم الى بيوتكم وأقطع لسانكم

- وماذا عن ارثر ؟!

العجوز : لا أظنه سيعود بعد جريمته ، حتى لا يتورّط مع الشرطة .. بل سيدعّ جثثكم تتحلّل وحدها ، فهكذا يتصرّف الجبناء .. وأنصحكم أن لا تتواصلوا معه ، كيّ لا يخطّط لقتلكم بطريقةٍ أخرى  

- سنفعل سيدي ، مع اننا لا نرغب بتركك هنا  

العجوز : انا قرّرت الموت في سردابي المهجور ، لكن ليس لوحدي 

- ماذا تقصد ؟!


فلم يجيبهم ! بل أوقد شعلة النار ، وطلب منهم الّلحاق به لبابٍ سرّي موجود في الغرفة الوحيدة التي لم يكتشفوها بعد .. 


وفور خروجهم من باب السرداب ، أقفله العجوز بالمفتاح .. فلم يكن امامهم سوى إكمال طريقهم الى محطّة الباصات ، للعودة الى منازلهم بعد حلول المساء

***  


في السرداب .. أمضى العجوز ليلته وهو يتابع الأخبار ويشاهد الفيديوهات عن الحرب القادمة من الجوّال .. 

***


في الصباح ، ذهب الى مكتب اتصالاته القديم.. وأخرج حاسوبه كبير الحجم ، وبدأ بتشغيل خط التجسّس على الإتصالات الروسيّة المهمّة .. 


وفور سماعه مكالمةً سرّية بين الرئيس بوتين وقائد الجيش ، حتى ابتسم بمكر :

- الأغبياء ! كل تلك السنوات ولم يغيّروا نظامهم القديم للإتصالات العسكريّة .. اذاً لأبدأ العمل !! سأنتقم من القادة القدامى الذين أهدروا حياتي وجهودي في السرداب العفن 


ومن خلال تنصّته على الإتصالات الروسيّة ، إستطاع الوصول الى المخابرات الأمريكيّة والأوروبيّة !

ولإتقانه خمس لغات ، لم يكن صعباً فهم خططهم العسكريّة المستقبليّة .. قائلاً في نفسه :

((يبدو رئيسنا بوتين شخصٌ ماكر ! فهو أعلن للجميع إنسحابه من أوكرانيا ، بينما يُرسل المزيد من جنودنا على عدّة جبهات لمحاصرة العاصمة ! عدا عن بنائه الجسور السرّية ، لاقتحامٍ برّي من شمال أوكرانيا لإشغال جنودهم .. بينما ينوي بالحقيقة إقتحام دولتهم من الجنوب ، لأنها اكثر دفئاً من المستنقعات الشماليّة .. اذاً لأنقل هذه المعلومات للجبهة الأمريكيّة ، ونرى ردّة فعلهم))


وصار ينقل المعلومات بين الدولتين ، حتى أشعل غضبهما بعد فضحه جميع خططهما السرّية .. 

فقامت كل دولة بتجهيز قنابلها النوويّة (دون النيّة بإطلاقها ، بل وسيلة لإرعاب الطرف الآخر) دون علمهما بأن العجوز العبقري إستطاع سرقة الأرقام السرّية لمحطّتي إطلاق صواريخهما النوويّة  


ليقوم اولاً بإرسال قنبلة نوويّة من روسيا باتجاه إحدى الولايات الأمريكيّة التي دمّرتها عن بكرة ابيها ! 

مما أغضب العالم الذين اتفقوا على إبادة روسيا المدعومة من حكومتيّ كوريا الشمالية والصين


ولم يتوقف العجوز عن إثارة الفتن بين الدول ، إلى أن اختفت بعضها عن الخريطة ! 

لكن تدخلاته الشيطانيّة انتهت بعد سقوط قنبلة نوويّة امريكيّة قرب الغابة الروسية .. ليموت العجوز تحت انقاض سردابه السرّي ، دون علم احد بأنه السبب الرئيسي في اندلاع الحرب العالميّة الثالثة التي ابادت ثلث العالم ، ملوّثةً الجوّ والزرع .. ومهددةً بمجاعةٍ عالميّة قد تُنهي الجنس البشريّ بالكامل !


الاثنين، 14 فبراير 2022

محبوب الجماهير

تأليف : امل شانوحة 

 

العاشق الحزين


صعد نجم نائل في عالم الغناء بوقتٍ قياسيّ ، لعذوبة صوته وصدق مشاعره بالأغاني الرومنسية الحزينة.. حيث تميّز بعينيه الدامعتين اثناء غنائه مقاطع عن غدر الحبيب وآلام القلب بنبرةٍ مُنكسرة لشخصٍ مقهور رغم كونه رجلاً وسيماً حصد العديد من الجوائز في بداية مشواره الفنّي ، وكسب ثروةً ضخمة ، وتزوج من عارضة ازياءٍ مشهورة ، وأنجب منها طفلةً جميلة .. واعتبره الناس محظوظاً على كافة الأصعدة ، لهذا تفاجأوا بخبر طلاقه ، رغم ظهورهما مغرمين في المجلّات والصحافة الإلكترونيّة! 


وبعد حصول زوجته على حضانة ابنته الوحيدة ، رفض الحديث عن حياته الشخصيّة بكافة المقابلات التلفازيّة .. لهذا تردّد بقبول دعوة مذيعة ماهرة بسحب إعترافات المشاهير ..

وبعد اصرارها على مقابلة النجم الصاعد وحبيب الجماهير ، وافق وهو قلق من اسئلتها التي ستُعرض على الهواء مباشرةً..


ومرّت المقابلة بسلام ، الى أن سألته عن إصراره باختيار الأغاني الحزينة ؟ وهل هي بسبب خلافاته السرّية مع طليقته قبل الإنفصال؟

فأجابها بقهر : إخترت الكلمات المناسبة لقصتي مع حبيبتي الأولى

فسألته بصدمة : أيعقل أن هناك من كسرت قلب معشوق النساء ؟!

فتنهّد بضيق : نعم ، واحدة


(( بهذه اللحظة .. عادت ذاكرته للماضي ، ومرّ شريط ذكرياته امام عينيه:

ففي بداية شهرته ، تمّ دعوته للغناء في حفلة ستار أكاديمي .. وبعد مشاهدته عدة حلقات من البرنامج .. لفتّت نظره مشتركة تدعى سلوى بابتسامتها البريئة وخفّة ظلّها .. فوافق على مقابلة النجوم الصاعدة ، وهو يأمل الفوز بعلاقةٍ سريعة مع الفتاة الجميلة


حين وصل الى هناك .. تجمّع الطلبة حوله وهم متحمّسين لرؤية فنانهم المميز الذي انشغل باله لعدم وجود سلوى في الإجتماع ! 

فأخبروه أنها خرجت قبل ساعة لرؤية والدها القادم من السفر .. 

فشعر نائل بخيبة امل ! دون إظهار مشاعره للطلاّب ، خاصة للفتيات المتحمّسات لرؤيته .. 


وبعد قليل ، وصلت سلوى مُعتذرةً عن التأخير .. فأراد المغني حضنها ، كما فعل مع البقيّة .. لكنها أبعدته بأدب ، مُكتفيةً بالسلام باليد .. ثم جلست بعيداً عنه .. 

فأخذ يراقب حركاتها الهادئة ، بعكس الفتيات المجتمعات حوله وهنّ يغنين بصوتٍ مرتفع ، ويرقصن بشكلٍ مغري للفت انظار الشاب الوسيم .. بينما التزمت سلوى بأدبها وابتسامتها الخجولة .. 

فسألها نائل : 

- أخبروني انك تألّفين الأغاني ؟

سلوى بخجل : بعض المقاطع القصيرة

- إسمعيني إحداها


فتوجهت للبيانو لعزف مقطعٍ قصير ، أعجبه على الفور ! فطلب شرائه منها .. فأخبرته أنه هديتها المتواضعة له


وطوال الزيارة ، حاول التقرّب منها .. لكنها تعمّدت الوقوف خلف الطلبة ، بعد ملاحظتها نظرات الغيرة من زميلاتها ..ولأنها لا تحب المشاكل ، أبقت مسافة بينهما

 

بعد انتهاء المقابلة .. نزل نائل الأدراج برفقة المشتركين ، بينما اكتفت سلوى بتوديعه من أعلى السلّم 

فنادها نائل :

- إلبسي معطفك يا سلوى ، فالجوّ بارد خارج الأكاديميّة 

فسألته إحداهن بغيرة : 

- هل ستخرجان في نزهة ؟!

نائل : اريدها أن تُسمع الإدراة مقطعها ، لربما حوّلناه لأغنية في البرايم 

 

وبعد توديع الفنان المشتركين ، خرج برفقة سلوى .. ليوقفها قبل دخولهما مكتب الإدارة ، بمكانٍ لا يوجد فيه كاميرات : 

- كذبت على رفاقك ، اريد إستئذان الإدارة لأخذك للعشاء في مطعمٍ قريب من هنا .. فهل توافقين ؟

سلوى بقلق : بشرط !! حضور المصوّرين معنا 

نائل : أفضّل البقاء وحدنا ، للحديث عن مستقبلك الفنّي

فردّت بارتباك : بصراحة لا أثق.. 

مقاطعاً : لا تثقين بي !

سلوى بإحراج : وجودنا بمفردنا ، سيُغضب عائلتي

نائل بضيق : حسناً ، سأطلب تصويرنا عن بعد ..

فوافقت بتردّد ..

***


في المطعم .. أخبرها انه قدم الأكاديميّة لرؤيتها بعد إعجابه بتصرّفاتها الّلبقة مع زملائها ومعلّميها .. وأخذ يحدّثها عن مشاريعه القادمة .. ويسألها عن ماضيها وأحلامها المستقبليّة ، وهو يراقب تصرّفاتها وطريقة أكلها واسلوب تفكيرها .. لتنجح بعد ساعتين بجميع إختباراته النفسيّة الذكيّة 


وحين سألها ممازحاً بالذهاب معه الى فلّته ؟ 

وقفت للبس معطفها ، وقد بدى الإنزعاج عليها ! قائلةً بعصبية : 

- تأخّر الوقت ، رجاءً أعدني .. 

مقاطعاً : هل أغضبتك ؟

فقالت بضيق : لست من الفتيات الرخيصات اللآتي تضيّع وقتك معهن 

فتضايق من كلامها : 

- إن كنت تريني من النوع اللعوب ، فدعي المصوّرين يعيدوك للأكاديميّة  

سلوى بتحدّي : كما تشاء !!

***


ومرّت ايام على الخلاف بينهما ، وقبل يوم من حفلة البرايم .. تفاجأت سلوى بعقاب الإدراة : بمنعها من المشاركة بالحفلة ، بحجّة طبخها آخر الليل ! 

فلم تردّ مجادلتهم ، لمعرفتها بأن المغني المغرور ضغط عليهم لعقابها بعد رفضها له !

وقد احزنها توزيع اغانيها على زميلاتها بعد تدرّبها عليها طوال الإسبوع ، رغم تفوّقها بالغناء على جميع المشتركين ! 


وبعد نزولهم الحفل ، بقيت وحدها بالأكاديميّة .. فقرّرت تأليف اغنية على البيانو .. 


وخلال ساعتين ، استطاعت تأليف الكلمات والّلحن .. وأخذت تغني الأغنية بطربٍ شديد (واضعةً عصابة حول عينيها ، مُتخيّلةً نفسها تغني اغنيتها الجديدة امام الجماهير) دون علمها بأن الإدارة تنقل عزفها مباشرةً امام الجمهور الذي يراقب نائل وهو يتوجّه اليها ، حاملاً الورود .. والذي اشار للكاميرا بعد إخبارها بوجوده ، رغبةً بسماع أغنيتها الجديدة 


وجلس على الكرسي لمشاهدة عزفها فوق المسرح .. قبل إزالتها العصابة عن عينيها ، بعد سماعها تصفيقه بنهاية الأغنية ! 


وما أن رأته حتى علمت بأن الإدارة دبّرت لقائهما ، بعد موافقتها على طلب نائل بعدم إذاعة حديثهما السرّي ..


واثناء استمرار عرض الحفل للجماهير ، طلب نائل الزواج من سلوى بعد اشتياقه لها في الأيام الماضية ..

فأجابت بارتباك : إن وافق اهلي ، فلا مانع لديّ يا نانو ..

- نانو ! أهذا لقبي الجديد 

فابتسمت بخجل .. وانتهى اللقاء بحضنٍ دافىء قبل وداعهما ..

***


لكن حلمهما انتهى ، بعد رفض والدها الزواج من مغني معروفاً عنه بأنه (زير نساء) .. ورغم تأكيد نائل بعدم خيانة سلوى طوال حياته ، إلاّ أن والدها أصرّ على تركها البرنامج رغم نجاحها الكبير فيه ! 

فودّعت رفاقها والمعلّمين بالدموع ، بعد أن أجبرها والدها على الزواج من ابن صاحبه والسفر معه للخارج !

 

وجاء الخبر صادماً لنائل الذي شعر بغدرها ، لعدم رفضها العريس والدفاع عن حبهما البريء ! 

ومن يومها تحوّلت اغانيه للحزينة البائسة ، رغم نجاحه السابق بالأغاني الرومنسيّة المرحة))  


وهنا عاد نائل للواقع بعد سؤال المذيعة :

- هل كان ستار أكاديمي نقطة تحوّل بحياتك العاطفيّة ؟ 

نائل بحزم : رجاءً غيّري الموضوع 

المذيعة بإصرار : هل سامحتها ؟ 

نائل بألم : لم يعدّ يهم .. 

المذيعة : سؤال اخير .. هل نسيتها ؟  

نائل بنبرةٍ حزينة : ولا يومٍ واحد .. أيمكننا التوقف قليلاً ؟ 

فأعلنت المذيعة للمشاهدين : وقفة مع الإعلان !! 

ليظهر نائل وهو يرتشف الماء بيدٍ مرتجفة ، محاولاً التماسك قدر المستطاع !

***


وانتشر المقطع على وسائل التواصل الإجتماعي ، وتضامن معجبيه مع تجربته الحزينة.. وتمنّوا لوّ باستطاعتهم جمعه مع حبيبته الأولى ، وهم غير واثقين إن كان يقصد سلوى ام غيرها !

***


بعد مرور عام على المقابلة .. وبعد انتهائه من إحياء حفلة زفاف بالفندق ، صعد الى غرفته لتغير ملابسه قبل العودة لمنزله .. 

فسمع طرقاً على بابه ، وظنّ انه مدير اعماله .. 

ليجد سيدة تقول له :

- كيف حالك يا نانو ؟

نائل بصدمة : سلوى ! اهذا انت ؟

- لا الومك لعدم معرفتي ، فقد كبرت عشرين سنة بزواجي من ذلك الوحش

نائل بقلق : هل اذاك ؟!

- كان رجلاً معقّداً نفسيّاً ، عشت معه اسوء سنوات حياتي ..وتطلّقنا قبل شهرين بعد حصوله على وصاية ابني الرضيع

- آسف ! لم اكن اعرف

سلوى : وانا ايضاً تفاجأت بطلاقك ، فقد بدوت سعيداً معها !

- كنّا نمثّل امام الصحافة ، فهي لا يهمّها سوى المال والشهرة


ثم عمّ الصمت بينهما ، فيما عدا نظراتهما الدامعة .. فقطعت السكون  بسؤاله عن مقابلته المشهورة :

- أكنت تقصدني ؟

نائل بقهر : نعم ، من غيرك كسر قلبي

- الم تسامحني بعد ؟!

- انت لم تدافعي عن حبنا !

سلوى : صدّقني ، قاومت لآخر لحظة .. أتعلم انني وقفت على حافّة الشرفة ، مُهدّدة والدي بالإنتحار إن لم اتزوجك ؟ ..لكنه سحبني بعنف ..ولولا وصول العريس واهله ، لما توقف عن ضربي .. رحمه الله ، كان اباً عنيفاً


نائل بصدمة : هل مات ؟!

- قبل عامين ، وللآن لم اسامحه على تدميره حياتي ...

- أتدري انني زرته في عمله لأترجّاه أن يغيّر قراره ، لكنه طردني امام الموظفين !

سلوى بحزن : حسابه عند ربه .. وإن كنت تراني ظالمة ، فالله انتقم لك بزواجي من رجلٍ ساديّ يهوى الضرب والشتائم

- لم اتمنى أذيّتك ابداً


وعمّ الصمت مجدّداً ، الى أن قالت :

- آسفة ..اعرف انك متعب من حفلة العرس ، اتيت فقط لتوديعك

نائل : لحظة لا تذهبي !!

- ماذا تريد ؟!

- طالما كلانا مطلّقين ، فلما لا نتزوج ؟

سلوى بقهر : لم اعد الفتاة المرحة يا نائل ، بل بقايا انسانة محطّمة بعد خسارة طفلي ، وخوفي الدائم من عيشه مع والدٍ متوحش

- لا تقلقي .. المحامي الذي اتعامل معه بارعاً في عمله ، ويستطيع إعادته لك 


سلوى : لوّ كان بارع ، لما خسرت وصاية ابنتك !

- انا اعطيتها لأمها ، لانشغالي بعملي .. وفي حال تزوجنا ، نُربّي طفلينا معاً  

سلوى بتردّد : لكنك مازلت وسيماً ، بينما اصبحت مشوّهة

- ماذا تقصدين ؟!

- كان اللعين يعاقبني بجلد ظهري وجرحي بال..

نائل مقاطعاً : اعرف طبيب تجميل محترف

سلوى بابتسامة حزينة : يبدو لن تتراجع عن قرارك !

- تراجعت في الماضي ، وندمت كثيراً 

- وانا ايضاً


نائل : رجاءً اعطني رقم جوّالك

- اخاف من كلام الناس والصحافة ، فأنا لم اعدّ سلوى التي عرفوها في الماضي 

نائل بإصرار : هذه المرة لا يهمّني احد .. هات الرقم حالاً!! 

سلوى وهي تكتم فرحها : كما تشاء ، عزيزي نانو

***


في البداية تزوجا بحفلٍ عائلي بسيط ، بناءً على طلبها .. وبعد نجاح المحامي بإعادة الولدين لهما .. اعلن نائل زواجه للملأ ، مُحذّراً متابعيه من نقد زوجته التي مازالت حبه الحقيقي .. 

ليتفاجأ الزوجان بردّة فعل المعجبين ! بعد حصولهما على آلاف التعليقات المباركة لعودتهما بعد طوال فراق .. 


وأدّى دعم الجمهور لتحسّن نفسيّة الحبيبن اللّذين اشتركا معاً بعدة اغاني من كلمات وألحان سلوى ، وغناء نائل.. والتي وصلت لملايين المستمعين لكونها اغاني رومنسية مرحة ، أشعلت الحفلات والأعراس .. حيث لاحظ الجميع عودة الإبتسامة لنائل الذي زادت شهرته ، بعد انجابه طفلاً من زوجته سلوى .. لتصبح عائلته المميزة محطّ انظار الجميع ، ومثالاً لانتصار الحب في وجه العوائق والظروف العصيبة ! 


هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة  سنوات الندم استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !  لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عج...