السبت، 12 فبراير 2022

الروح المُحتجزة

تأليف : امل شانوحة 

 

إنتقام المظلوم 


في وقت الظهيرة .. تجوّلت امرأة في ارجاء سوبرماركت أُعيد افتتاحها بعد اجراء تعديلاتٍ عليها ، إثر حريقٍ سابق ..

وحين وصلت للخلفيّة ، سمعت بكاء ولدٍ خلف باب المخزن المُغلق بأكياسٍ مُكدّسة على بابه ! 


فحثّها فضولها وحسّها الإنساني على إزاحة الأغراض ..ودفعت الباب بكتفها عدّة مرات ، حتى فتحته .. لتجد مخزناً فارغاً ، وآثار الحريق واضحة على جدرانه السوداء ..

فأنارت جوّالها ، لترى ولداً (10 سنوات) يقف ووجهه للحائط !


فنادته من بعيد : يا ولد !! تعال لأخرجك من هنا 

وفجأة ! شدّ عامل السوبرماركت ذراعها ، لإخراجها بالقوة من المخزن .. وهو يعاتبها :

- من سمح لك بفتح الباب ؟!!

وقبل إقفاله من جديد ، أوقفته بعصبيّة :

- إنتظر !! هناك ولداً بالداخل 

العامل : انت تتوهمين , لا يوجد احد .. 

مقاطعة بحزم : إن لم تخرجه في الحال ، سأصرخ بعلوّ صوتي !!


فارتبك العامل ، وشقّ الباب قليلاً وهو يقول : 

- أنظري بنفسك , لا يوجد احد بالداخل

فأطلّت من جديد ، لتنصدم باختفاء الصبيّ !

المرأة بدهشة : كان هنا قبل قليل ، اين ذهب ؟! 

 

وفور شعور العامل بتيار هواءٍ بارد يتجه نحوه كزوبعةٍ هائجة ، حاول دفع الباب بكل قوته .. قبل إيقافه من جديد :  

السيدة : لحظة !! جوالي وقع بالداخل 


فدفع الجوال بقدمه نحوها ، قبل إغلاقه الباب والعرق يتصبّب من جبينه ! فقالت بامتعاض : 

- ترميه بقدمك , شكراً لذوقك .. سأبلغ الإدارة عمّا حصل

العامل : غرفة المدير في الطابق العلويّ , وإن اقتربت من المخزن ثانيةً سأضّطر لطردك من المتجر

وأعاد تكديس الأغراض خلف الباب !

 

والصادم أن المدير وافق على تصرّف عامله الغير لائق ! 

ولعدم وجود دليلٍ ضدّهما ، لم تذهب للشرطة ..رغم خوفها على الولد المسجون هناك ! 

***


في المساء ، وقبل نومها .. وصلتها رسالة غريبة على جوالها :

((مازلت عالقاً داخل المخزن , ارجوك ساعديني))

فقرّرت التصرّف في اليوم التالي ..

***


في الصباح .. دخلت الى زقاقٍ ضيّق يطلّ على خلفيّة السوبرماركت .. ووقفت قرب النافذة العلويّة للمخزن المغلق ، مُناديةً الولد بحذر :

- يا ولد !! انا السيدة التي حاولت إنقاذك البارحة  


فظهر من النافذة : نصف وجه الولد ويديه ، بعد وقوفه فوق أحجارٍ وأخشاب جمعها من زوايا المخزن..  

- لا استطيع الصعود اكثر من ذلك 

السيدة : أصمد قليلاً  

وصوّرته بالجوال ليكون دليلاً للشرطة على احتجازهم له ..


ثم عادت غاضبة الى السوبرماركت ، مُحاولةً فتح باب المخزن من جديد .. إلاّ أن العمّال طردوها بأمرٍ من المدير ! 


فأسرعت لمركز الشرطة لتريهم صورة الولد المحتجزّ ، بالإضافة لاستغاثته على جوالها .. 


فأرسلوا دوريّة الى هناك ، مما أربك المدير الذي أمر موظّفه بفتح المخزن للشرطيين اللذين لم يجدا سوى آثار مخزنٍ محترق .. 


وبعد حديثهما مع المدير على انفراد ، طلبا من السيدة التسوّق في مكانٍ آخر ! بعد تأكّدهما من الإشاعة : بموت عامل توصيلات صغير حرقاً قبل سنوات ، لتحتلّ روحه الشريرة المخزن  

ورفضت السيدة تصديق كذبتهم , وأصرّت على نقلهم الولد المُعنّف لمكانٍ آخر .. بعكس الشرطة التي سمعت الإشاعة من قبل !

***  


في تلك الليلة .. نامت السيدة وهي مُغتاظة من إهمال الشرطة .. 

واستيقظت آخر الليل بعد إحساسها ببرودةٍ مفاجئة ، لتنصدم برؤية الولد بجانب سريرها ! 

وكادت تصرخ .. لولا وضع أصبعه على فمه ، مُطالباً بالهدوء 


فسألته بفزع : كيف وصلت الى هنا ؟!

- تركت الشرطة باب المخزن مفتوحاً .. فاختبأت في سيارتك ، قبل إحتجازهم لي بعد رحيلكِ .. 

السيدة : ولما يحبسونك هناك ؟! 


فلم يجبها على سؤالها ، بل أخذ يتجوّل في غرفة نومها وهو يقول : 

- منزلك جميل ، أتعيشين وحدك هنا ؟

- نعم .. لم تخبرني بعد عن إسمك ؟ وعنوان أهلك ؟ 

الولد : لا يهم اسمي .. ولا أكترث لأهلي ، فهم أجبروني على العمل في سنٍ صغيرة .. كل تفكيري الآن ، هو إيجاد مسكناً جديداً لي .. لهذا اخترت منزلك الجميل

- عليك أن تسألني اولاً إن كنت موافقة ام لا ! 

فاقترب من سريرها ، وهو ينظر بعينيها بلؤم :

- موافقتك لا تهمّني 

 

وفجأة ! سمع الجيران صوت صراخها من داخل الشقة .. واتصلوا بالشرطة التي وصلت بعد فوات الأوان .. ليجدوها شاحبة الوجه في سريرها ، كأنها رأت شبحاً أفزعها حتى الموت !


وانتشر لغز موتها في المنطقة ، خاصة لإيجاد شقتها مقفلة من الداخل ولا أثر لاقتحام اللصوص .. وعجزت الشرطة عن اكتشاف القاتل ! 

***


ورغم أن الجريمة أفزعت الجميع ، إلاّ أنها أفرحت صاحب السوبرماركت الذي علم برحيل الروح الشريرة التي سكنت مخزنه لأكثر من خمس سنوات .. 

لذا قرّر الإستفادة من مخزنه المغلق ، لتوسيع محله .. وبدأ بدهنه وتنظيفه ، وشراء المزيد من الخزائن الحديديّة لوضع البضائع الجديدة بداخله 


في المقابل .. شعر سكّان عمارة المغدورة بأمورٍ خارجة عن الطبيعية ! وانتشرت الإشاعة بينهم : بأن روح القتيلة احتلّت المبنى .. وانتقلوا منه الواحد تلوّ الآخر ، ليخلو المبنى من السكّان قبل نهاية العام 


بعكس السوبرماركت التي ازدهرت ، وأصبحت وجهة الزبائن في المنطقة 

***


وفي احد الأيام ، وقبل ساعة من الإقفال المسائي .. دخلت سيدة لقسم المنظّفات في المخزن , واحتارت بين منتجين .. وعندما رأت صبياً يعمل هناك ، سألته :

- ما سعر هذا المنتج ؟ فأنا نسيت إحضار نظّارتي

فأجابها الصبيّ : لن تحتاجيها بعد اليوم 


وفجأة ! تلاعبت الأنوار في المخزن ، ليعلو صراخ السيدة الهستيريّ .. ولم يستطع العمّال فتح الباب المقفل من الداخل ! 


فأسرع المدير لمتابعة ما يجري من كاميرات المراقبة للمخزن ، ليشاهد السيدة تطير بالهواء وهي ترتطم بأرفّف الخزائن .. وتتناثر دمائها في كل مكان ، الى أن سقطت بقوة على الأرض دون حراك! 

فعلم المدير بعودة روح الصبي الملعونة لمخزنه من جديد  .. 


وبعد الحادثة ، أجبرت الشرطة المدير على إقفال متجره نهائياً.. 

وآخر ما قاله المدير لعمّاله قبل تسريحهم : 

- لندعّ روحه اللعينة تستمتع بالمكان المهجور .. ولوّ باستطاعتي رؤيته لقتلته من جديد 

ثم سافر للعيش في فلّته بإحدى المناطق الساحليّة ..

***


بعد سنتين .. قرّر مراهقان إقتحام المحل المهجور لتصوير الشبح الصغير.. فتسللاً من نافذة المخزن مساءً ، بعد إنارة جوّالاتهما .. حيث شرح أحدهما قصة الشبح اثناء تجوّلهما بين الخزائن الفارغة: 

- القصة باختصار .. ولدٌ في 12 من عمره ، يعمل في ترتيب البضائع بالمخزن .. وفي ذلك اليوم ، رفض مديره إعطائه سلفة لدفع إيجار بيت اهله .. وعندما عاد ، وجد عائلته مرميّة في الشارع بعد طردهم من الشقة مع اغراضهم .. فقرّر الإنتقام من رئيسه ، بحرق بضائع المخزن ..لكن النار علقت بملابسه الشتويّة ..واحترق حتى الموت تحت انظار مديره الذي لم يحاول اطفائه رغم وجود إنبوبة الإطفاء في مكتبه ! ومن وقتها لازمت روح الصبي المكان ، فقرّر المدير عزل المخزن عن بقيّة المتجر 

فأكمل صديقة : إلى أن أتت السيدة الفضوليّة وأطلقت سراحه

- بالضبط !! والآن دعنا نصوّر المخزن المهجور ، ونشره على اليوتيوب لزيادة عدد متابعينا


وفجأة ! شعرا بزوبعة هواءٍ باردة تقترب منهما .. فأسرع أحدهما بالقفز من النافذة العلويّة ، بينما علق الثاني بالداخل !

وفشلت محاولاته لإنقاذ صديقه الذي ظلّ يصرخ في الظلام ، الى أن أختفى تماماً .. لتجده الشرطة بعد ساعة ، غارقاً في بركة دمائه ! حينها أصدر رئيس البلديّة قراراً بهدم المتجر المسكون ..


واجتمعت الناس لمشاهدة عمليّة الردم .. وبعد تسويته بالأرض ، صفّقوا بارتياح بعد انتهاء الكابوس 

*** 


في اليوم التالي ، وفي شرفة فلّته الساحليّة .. إبتسم مدير السوبرماركت وهو يقرأ خبر الردم بالصحيفة ، قائلاً في نفسه :

((اين ستعيش الآن ايها الحقير الصغير))


ثم ارتشف كوب القهوة .. ليبدأ بالسعال القويّ الذي أيقظ زوجته التي أسرعت للشرفة ، لتجده يحلّق فوق كرسيه ! وقبل إمساكها قدمه ، رمته زوبعة الهواء لخارج الشرفة ، وسط دهشة الزوجة المرتعبة !


ورغم تأكيدها مراراً للشرطة والجيران بما حصل ، إلاّ أنهم أصرّوا على انتحاره .. فلم تكترث لهم ، وأخلت الفيلا بعد تيقنها بإحتلالها من روحٍ غاضبة !


وبعد رحيلها ، قال روح الصبي للسيدة الفضوليّة :

- أخبرتك انني سأعوّضك عن شقتك الصغيرة بمكانٍ فخم ، وهآ نحن نعيش بفيلا قرب البحر .. وإن ملّلنا من هنا ، نحتلّ قصراً او ناطحة سحاب او مدينة بأكملها , فالبشر جبناء ويخيفهم وجودنا

روح السيدة : لطالما تمنّيت العيش في مولٍ تجاريّ 

- اذاً إختاري أحدها ، وسنخطّط معاً للإستيلاء عليها  

وابتسما بخبث


الخميس، 10 فبراير 2022

إعترافات المذنبون

تأليف : امل شانوحة 

 

ذكريات قسّيس


بعد بلوغ القسّيس بطرس 90 عاماً ، إستقال من عمله في الكنيسة ..واستقرّ في منزله لتأليف كتاب عن إعترافات المذنبين  

ذاكراً في مقدّمته : ((بعد خمسين سنة من سماعي إعترافات الرعيّة ، استطيع الجزم بأمرين : لا أحد سعيد ، ولا أحد طاهرٌ بيننا ! فجميعنا مذنبين بطريقةٍ او بأخرى .. 

البعض ذنوبهم بسيطة ، لكن ضمائرهم الحيّة تُشعرهم بعظمة الذنب وحاجتهم لتوبةٍ عاجلة .. بعكس اصحاب الذنوب الكبيرة : كالقتل والإغتصاب والقمار وغيرها ، والذين يكتفوا بقراءتي لبعض الآيات لإراحة نفوسهم التي لم تصنّف ذنبهم بالكارثيّ ! 


كما إن الفقراء هم المتميّزون بالضمير الحيّ ، أكثر من الأغنياء والمشاهير ! فأنا استشعرت رجفة قلوبهم من خلف الستار .. 

بينما اولئك الوقحين يتكلّمون بنبرة فخرٍ واعتزاز بجرمهم ، كأنهم قدموا اليّ للفت أنظار الصحافة او ارضاءً لأهلهم وازواجهم ، وليس اقتناعاً منهم!


وفي كتابي سأطلعكم على اسوء الذنوب التي سمعتها ، التي لولا واجبي بكتمان سرّهم لأبلغت الشرطة .. فهم يستحقون العقاب بدءاً من السجن ، ووصولاً للإعدام !))

*** 


ثم قسّم القسّيس كتابه لثلاثة فصول : الذنوب الصغيرة ، الكبيرة ، والشائعة.. وسرد شرحاً ملخّصاً عنهم :  

((معظم مرتكبيّ الذنوب الصغيرة من المراهقين والشباب في مقتبل العمر التي تفاوتت بين : الكذب على الأهل ، وسرقة المصروف اليومي ، وقيادة السيارة دون إذن ذويهم ، والتنمّر على زملائهم ..وصولاً لعلاقات عاطفية بريئة ..


وأكثر الذنوب الشائعة هي من النساء المهوسين بالعلاقات ، وخيانة الزوج ، وصولاً للدعارة !


اما الذنوب الكبيرة فارتكبتها شخصياتٌ فاشلة ، او مهمّة ومشهورة .. وهي عبارة عن سرقات وإدمان الخمور والمخدرات .. وصولاً للخطف والإغتصاب والشواذّ والسحر الأسود والقتل والتعذيب !))


ثم ذكر القسّيس في كتابه لأكثر حادثة أخافته ، لدرجة إن جسمه يقشعرّ كلما تذكّر كلام الرجل ذوّ الصوت الأجشّ وهو يعترف من خلف الستار الخشبيّ قائلاً :

- ابونا ، أتيت للإعتراف بذنبي لكيّ استريح .. فأنا لم أنمّ أكثر من ساعتين ، طوال العشرين سنةً الماضية  

القسّيس باستغراب : ومالذي فعلته ليعاتبك ضميرك بهذا الشكل ؟! 

الرجل بنبرةٍ ساخرة : ضمير ! أظني ولدّت دونه 

- جميعنا لدينا ضمير ، وهو من يؤنّبنا على ذنوبنا وإلاّ لما اتيت اليّ

الرجل بلؤم : هل سمعك ضعيف ايها العجوز ؟ قلت أتيت لتتلو آيات تجعلني انام ، ولا يهمّني موضوع التوبة بتاتاً 


فكتم القسّيس غيظه لوقاحة الرجل ، وأردف قائلاً :

- حسناً ، إخبرني بذنبك .. انا اسمعك جيداً

فتنهّد الرجل تنهيدةً طويلة ، قبل أن يقول :

- اولاً اريد تنبيهك بأن ما سأقوله يبقى سرّاً بيننا .. فما فعلته في حياتي لا يمكنني البوح به لإنسان ، ولا حتى لطبيبي النفسيّ  

القسّيس : تكلّم بنيّ ، فمهمّتي سماع اوجاعكم بسرّيةٍ تامة 

- اذاً سأبدأ من ذنبيّ الأول .. كنت بعمر 13 حين أحرقت منزلنا 


القسّيس بدهشة : أكان عمداً ؟!

- طبعاً !! وكانت امي بالتبنّي وزوجها وطفلهما الصغير نائمين بالداخل

- يا الهي ! هل ماتوا بالحريق ؟

- بالتأكيد ، فأنا خططّت جيداً لإظهار براءتي امام الشرطة  

القسّيس : ولما قتلتهم ؟

- لأن زوج امي يعيّرني دائماً بأني ابن حرام ، فهم وجدوني على باب الميتم التي تعمل فيه امي ، فقرّرت تبنّي لقيطٍ بائسٍ مثلي .. وكانت حنونة عليّ قبل زواجها وإنجابها لأخي الذي لا يكفّ عن البكاء ليل نهار .. فقرّرت التخلّص من عائلتي الكئيبة


القسّيس : واين عشت بعدها ؟

- عدّتُ لدار الأيتام  

- الم يكن أفضل لوّ بقيت مع عائلتك ؟

الرجل : انا أكره الناس منذ صغري ، ولا تهمّني العائلة .. اساساً هربت من الدار بعمر 15.. وتشرّدت عاماً في الشوارع ، قبل تعرّفي على عصابة لسرقة السيارات التي اكتشفت براعتي الإجراميّة .. وصرت أترقّى بينهم ، حتى أصبحت معاون الرئيس الذي اعطاني مهمّة جديدة

- وماهي ؟

- خطف الأطفال


القسّيس بقلق : وهل خطفتهم بالفعل ؟!

- بعد تجاوز العدد 70 ، لم أعد أعدّهم .. معظمهم من اولاد الشوارع والشحاذين .. لكني ايضاً خطفت اولاداً مميزين

- ماذا تقصد ؟!

الرجل : الزوهريّن ، الم تسمع عنهم ؟

- تقصد اصحاب الدماء الفاتحة الذين يستخدمون كقرابين لإبليس ؟

- ليس هذا فحسب .. بل دمائهم النادرة قادرة على تجديد البشرة ، لدرجة إعادتك شاباً .. والإبرة الواحدة تكلّفك آلاف الدولارات ، بعنا الكثير منها للمشاهير والأثرياء .. الم تلاحظ بعض الممثلين والمغنيّن الذين لا يكبرون بالعمر ؟ اولئك زبائني الدائمين 


القسّيس بخوف : وماذا تفعل بالأطفال ؟ أتسحب دمائهم حتى الموت؟

- الى آخر قطرة .. لكن بعد إخافتهم لعدّة ايام 

- ومن اين عرفت بهذه المعلومة الغريبة ؟

الرجل : ابليس بنفسه أخبر رئيس المحفل بخصائص دمائهم النادرة ، وهم وكّلني بمهمّة توفير الحقن المسماة (بإكسير الشباب) للشخصيات الكبيرة في البلد  

- وكيف تخيفون الأطفال ؟ 


الرجل : بعدّة وسائل : نضربهم بقسوة .. نعتدي عليهم مراراً .. نرميهم بالغابة ليلاً ..او نحبسهم في غرفة الفئران .. او داخل اقفاصٍ حديديّة وحولهم الكلاب المسعورة ، ليصلوا لأعلى مشاعر الخوف .. عدا عن رمينا الأطفال الزوهريين في بئرٍ مظلم ، لنعود ونستخرجهم بعد ايام ، ونسارع بسحب دمائهم قبل موتهم .. 

القسّيس باشمئزاز : أشعر كأني أحدّث شيطاناً ! 

- الشياطين لا تعترف بذنوبها يا ابتي ، بل تفتخر بها

- وانا أشعر باعتزازك بنفسك ! 


الرجل : كنت كذلك في السابق ، لكن بعد مشاهدتي مئات الأطفال يتعذّبون بأبشع الطرق ، لم أعدّ باستطاعتي النوم ! فصراخهم عالقٌ في رأسي 

- وهل تظنّ بأن قراءتي آيات الإنجيل ، سيُريح ضميرك لتنام ؟

الرجل : بل اريد تعويذة قوية تجعلني أغفو لساعاتٍ متواصلة

القسّيس بعصبية : تعويذة ! أتظنني مشعوذاً ؟ إذهب لإبليسك ، ودعه يسلّط عليك المزيد من شياطينه !!


وإذّ بالمجرم يفتح الستار الفاصل بينهما ، ويمسك بخناف القسيس مُهدّداً :

- إسمع ايها العجوز الخرف !! بإمكاني قتلك بسهولة ، خاصة بعد رؤيتك وجهي .. فكنّ مطيعاً واستجب لطلبي ، وإلاّ سأخطف اطفال اقاربك ..وأرسل لك فيديوهات تعذيبهم التي سأشرف عليها بنفسي !!

القسّيس بخوف : ليس لديّ اقارب 

الرجل بامتعاض : رجل دين وتكذب ! 


ثم أخرج جوّاله ، ليُري القسّيس صورة لشابة تحمل طفلاً ، وهو يسأله :  

- اليست هذه حفيدة اخيك وطفلها ؟

القسّيس بخوفٍ وغضب : إيّاك الإقتراب منهما ؟!!

- اذاً ابدأ بترتيل شعوذاتك ، ودعني انام الليلة .. وإلاّ سأجعلك تعيش في جحيمٍ متواصل


فأُجبر القسّيس على الرضوخ لطلبه .. ووضع يده فوق رأس المجرم ، وهو يتلو بعض آيات الإنجيل .. 


وبعد انتهائه ، قال للرجل :

- مهما كانت ذنوبك كبيرة فالربّ يغفر لك ، بشرط توقفك النهائي عنها

الرجل : أتوقف ! أتظنني غبيّ لرفض مليون دولار عن كل طفلٍ يخطفه رجالي .. لا طبعا !! انا فقط اريد النوم بسلام .. وفي حال لم أغفو الليلة ، ستنام قريبتك وطفلها في قبرهما قريباً .. أعدك بذلك  


وخرج من الكنيسة ، تاركاً القسّيس يرتجف بخوفٍ شديد .. والذي سارع بالإتصال بقريبته لتحذيرها ، ومنعها من إرسال طفلها للمدرسة في الأيام القادمة  

***


في اليوم التالي ..وجد القسّيس رسالة على جواله من مجهول ، يقول فيها :

((بوركت يا ابتي ، هذه اول مرة انام براحة منذ سنوات .. يبدو أن الربّ يحبك ! وطالما هديتني ليلةً مريحة ، لن أقترب من عائلتك.. أعدك بذلك!!))


ولم يرى القسّيس المجرم ثانيةً إلاّ في كوابيسه المتكرّرة ، بعد شعوره بالذنب لعدم إبلاغه الشرطة عن هذا المجرم الخطير الذي يهدّد حياة الأطفال الأبرياء ! 

*** 


وبعد ثلاثين سنة من تلك الحادثة ، طبع القسّيس كتابه .. وجلس في المكتبة لتوقيع للقرّاء ، بعد بيعه عدداً من النسخ .. 

وكان سعيداً بالإحتفال المقام له ، إلى أن تغيّرت معالم وجهه فور رؤيته المجرم الذي أصبح عجوزاً ! والذي اقترب من طاولته ، واضعاً الكتاب امامه لتوقيعه ، هامساً بصوته المزعج :

- لا ادري إن كان ذكرك لقصتي أسعدني أم أغضبني ، بعد فضحك سرّي 


القسّيس بخوف : انا لم اكتب اسمك !

- لأنك لا تعرفه

- لا !! كل الإعترافات المذكورة في كتابي لم اكتب اسمائهم ، رغم تميّزي لصوت بعضهم .. 

المجرم : حسناً ، لا بأس .. وقّع الكتاب لوّ سمحت


واثناء توقيع القسّيس للكتاب ، قال للمجرم :

- مرّت سنوات على آخر مرة رأيتك فيها ، أظنّك تخلّيت عن عملك السابق ؟

فهمس بفخر : بل أصبحت رئيس أكبر عصابة في العالم ، ولديّ مخزن يحوي آلاف الحقن السحريّة .. أتفهم ما قلت ؟ ..آلاف !!! 


القسّيس بامتعاض : كان عليّ الإبلاغ عنك منذ مدة طويلة 

- لوّ فعلت ، لأنقذت مليون طفل

القسّيس بصدمة : مليون !

- على أقل تقدير ، فرجالي منتشرون في معظم الدول الفقيرة .. آه على فكرة .. مبروك !! عرفت إن قريبك أنجب فتاةٍ زوهريّة 

القسّيس بخوف : من قال ذلك ؟!

- ممرّضة في حضّانة المستشفى تعمل لصالحي ، إكتشفت ذلك بعد فحصها لكفّها الصغير .. اردّت فقط تحذيرك 

- إن اقتربت منها ..


المجرم مقاطعاً : لا تهددّني ايها الخرف !! فأنا وعدّتك سابقاً بعدم أذيّتهم .. لكني أردّت تحذيرك ، فهناك عصابة منافسة لي .. لذا انصحك بإبعاد الطفلة عن الغرباء قدر المستطاع .. 

ثم حمل الكتاب الموقّع ، وهو يقول :

- شكراً على التوقيع يا ابتي المبجّل


وخرج من المكتبة تاركاً القسّيس يرتجف خوفاً على اقاربه ، وعلى اطفال العالم من عصابة المجرم الذي لن يتوب ابداً !


الثلاثاء، 8 فبراير 2022

التجربة الأخيرة

تأليف : امل شانوحة 

 

لحظة الموت


عاش عدنان مع زوجته 50 عاماً دون إنجابهم الأولاد بسبب عقر زوجته الذي رفض تطليقها بسبب حبه الكبير لها ، رغم اعتراض اهله .. 

وبعد بلوغهما سن 70 ، تدهورت حالته الماديّة بعد تقاعده الوظيفيّ .. وعاشا على تعويض الشيخوخة وعطايا الجمعيّة الخيريّة التي توفّر لهما الطعام والأدويّة التي منها علاج زوجته لمرض العضال ، محاولاً الإعتناء بها لخمس سنوات وهي طريحة الفراش ..


وفي هذا النهار .. زادت أوجاعها مع برودة الجوّ ، وأخذت تأنّ لساعاتٍ متواصلة وهي تطالب زوجها بإحضار الدواء ..لكنه لم يجد فلساً في منزله ، والجمعيّة مُغلقة بسبب الأعياد !  

فحاول إلهائها بقراءة روايتها المفضلّة بجانب سريرها .. وكلما غفت ، إستيقظت بعد دقائق وهي تتألّم من هشاشة عظامها ..


فلم يعد يحتمل عذابها ..وبلحظة يأس ، أطبق وسادته على أنفاسها وهو يضغط بكل قوته ، مُتجاهلاً صراخها المكبوت ! إلى أن توقفت عن الحراك .. فأزال الوسادة ، ليجدها جثةً هامدة .. فأغلق عينيها وهو يبكي بقهرٍ ومرارة .. 


ثم صعد للعلّية لإحضار حبلٍ غليظ .. ربطه في حلقة السقف قُرب الباب الرئيسي للمنزل ، بعد وضع رسالة الإنتحار في جيبه 


ثم اتصل بالشرطة وهو يقول بصوتٍ مرتجف :

- الو 

- هنا مركز الشرطة ، هل هناك حالةً طارئة ؟

عدنان بأنفاسٍ متقطّعة : نعم ... قتلت زوجتي

- قتلتها ! كيف ؟

- بالوسادة

- اين انت الآن ؟

عدنان : في منزلي ، وسأنتحر بعد قليل

- لحظة ! لا تتهوّر..

- أظن العنوان ظاهر على شاشتكم ؟

- نعم ، والشرطة في طريقها اليك

عدنان : اذاً عليّ الإستعجال

وأنهى المكالمة.. 


ثم وقف على الكرسي .. ووضع الحبل حول رقبته ، مُستذكراً شريط حياته الذي انقطع فور سماعه لسيارة شرطة تقترب من شارعه ، فاستجمع قواه وقفز عن الكرسي ..


وكان اول إحساسٍ شعر به : هو الإختناق الشديد ، والندم على قرار الإنتحار .. فرفع ذراعيه بما تبقّى من قوته ، مُحاولاً إزالة الحبل عن رقبته .. ليلاحظ أن رؤيته تتلاشى شيئاً فشيئاً ، وتتحوّل الردهة المضيئة الى عتمةٍ قاتمة ! 

وهنا سمع صوت طرقٍ على الباب .. فعاد اليه الأمل ، وأخذ يكلّم نفسه :

((إكسروا الباب !!.. أنقذوني بسرعة))


والغريب إن بعد كسرهم الباب ، لم يحاولوا قطع الحبل ! بل اكتفى الشرطي بالتحدّث باللاّسلكي مع المركز قائلاً :

- عثرنا عليه ميتاً .. أكرّر !! القاتل انتحر شنقاً

فحاول عدنان الصراخ ، لكن صوته حُبس داخله :

((إنزلني يا غبيّ ، سينتهي الأكسجين))


وهنا سمع الشرطي الثاني (الذي عاد من غرفة النوم) يقول لزميله :

- وجدّت القتيلة ، ماتت خنقاً في سريرها 


وأخذا يتحدثان معاً ، بانتظار قدوم الإسعاف لنقل الجثتين (كما وصفوهما) .. ففهم عدنان ما يدور حوله ، قائلاً في نفسه :

((يبدو انني متّ بالفعل ! يعني ما قرأته صحيحاً .. السمع هو آخر حاسّة يفقدها الميت .. والعقل يعمل لبعض الوقت ، بعد توقف القلب .. إذاً متى تنتقل روحي للسماء ؟ لا اريد البقاء واعياً لحظة دفني ! هل ترى زوجتي تشعر مثلي ؟ هل استوعبت انني قاتلها ؟))


وتسارعت الأحداث فور وصول سيارة الإسعاف .. فقطعا الحبل ، ومدّدا جثمانه على الأرضيّة الباردة .. ثم أدخلاه في كيسٍ بلاستيكيّ .. ثم وضعاه بجانب جثة زوجته في سيارة الإسعاف 


ومع تحرّك السيارة ، شعر عدنان بكل ما حوله : برودة الجوّ ، مطبّات الطريق ، وحديث المُسعف مع مشرحة المستشفى ! 

وتمنّى إنتهاء كابوسه بعد وضعه في الثلاّجة .. لكن عقله ظلّ مستوعباً لكل شيء ، ومنها كلام الطبيب الشرعيّ وهو يشرح حالته:

- ما أخبرتك به الشرطة صحيحاً .. فبعد فحصي للجثة ، أستطيع الجزم أنه توفيّ بعد الشنق مباشرةً .. ولأن رقمك في جوّاله ، إتصلنا بك .. فهل ستُعلم أخاه بما حصل ؟ فهذه رغبته الأخيرة 


 وهنا سمع عدنان صوتاً مألوفاً ، يقول بصدمةٍ وحزن :

- مازلت لا أصدّق إن صديقي قتل زوجته التي يعشقها بجنون ، ثم أقدم على الإنتحار ! ..كان رجلاً صالحاً ، لم يؤذي أحداً .. فكيف أنهى حياته بارتكاب جريمتين بحقّ زوجته ونفسه ؟.. (ثم سكت قليلاً لمسح دموعه) .. اللهم ثبّت علينا العقل والدين

الطبيب الشرعي : حسب رسالته ، كان يعاني من ضائقة ماليّة 

الصديق : لوّ أخبرني لساعدته !! سامحه الله

فقال عدنان بامتعاض: ((كم مرة طلبت منك وتحجّجت بديونك ، الآن تُظهر كرمك بعد موتي !)) 


الطبيب الشرعي : هل ستغسله الآن ، أم نضعه بالثلاّجة لحين قدوم أخيه ؟ فأخت زوجته نقلتها للمغسلة قبل قليل ، وهي تلعن صهرها  

الصديق : سأتصل بأخيه .. وإن لم يستطع القدوم ، أتكفّل بالموضوع 

فأخذ عدنان يتساءل بقلق : ((ترى هل يقبل أخي المتطوّع غسلي والصلاة عليّ بعد معرفته ذنبي ؟))

 

وخرج الطبيب من المشرحة ، ليقوم الصديق برفع صوت الجوّال وهو يسأل الأخ عن القدوم للجنازة ، ليردّ غاضباً :

- لن آتي لمدينتكم بعد قيام العاصي بتشويه سمعة عائلتي ، إدفنه أنت!! 

وأنهى المكالمة ، ليتأفّف الصديق بعد تورّطه بهذه المشكلة


فقال عدنان بحزن : ((أخي الوحيد يرفض دفني ! يظنّ نفسه متديناً أكثر مني .. على الأقل عاملت زوجتي باحترامٍ ومودّة طوال حياتها ، اما هو فمازال يقسو على زوجته واولاده .. (ثم تنهّد بضيق) .. لا يهمّني كلامه ، فمصيري بيد الله وحده))

  

وفجأة ! شعر عدنان كأن روحه على وشك الخروج من جسده ، لكنها عادت فور شعوره بالماء البارد يُصبّ عليه من المُغسّل وصديقه ..

فقال بنفسه بضيق : ((الجوّ بارد ، لما تغسّلاني بماءٍ كالثلج ؟! حتى لوّ كنت ميتاً ، إفتحوا الماء الساخن يا عديمي الرحمة !!))


ثم جفّفاه على عجل ، وبدآ بتكفينه .. 

عدنان : ((لما يغلقون أنفي بالقطن ؟ أكاد أختنق !! .. وماهذا الشيء الخشن الذي يكفّناني به ؟ جلدي يتحسّس من القماش الرديء .. أكيد صاحبي البخيل اشترى ارخص كفنٍ لي .. ليتني صادقت غيره .. (وفكّر قليلاً).. لا أفهم سبب إحساسي بما يحصل معي ؟! أمعقول إن الله يعاقبني ببقاء روحي في جسدي لآخر لحظة ؟ ام إن جميع الموتى يشعرون بالإحباط مثلي لعدم قدرتنا على الحركة والتحدّث مع الأحياء !))


ثم سمع صوت إمام المسجد يرفض الصلاة عليه بعد معرفته بجريمته ، واصفاً عدنان بالضالّ الخرِف ! 

فقال عدنان بقهر: ((جيد إن الله العادل هو من سيحاكمني يوم القيامة .. وحينها سأشكو له ضعفي وقلّة حيلتي امام مرض زوجتي الحبيبة ، لربما يغفر لي بعد تخلّي الجميع عني !)) 


وبعد صلاة القلّة المتواجدين بالمسجد عليه ، حملوه الى المقبرة .. وكان تابوته ثقيلاً ، حيث سمعهم يتأفّفون لعجزهم عن الإسراع للقبر 

فقال عدنان بخوف : ((وزني 80 كيلو فقط ! أمعقول إنهم يشعرون بثقل ذنوبي ؟ .. فأنا شاركت بالكثير من الجنازات ، وكانت توابيتهم بوزن الريشة ! أيعني هذا انني في طريقي لجهنم ؟!)) 


وبعدها فُتح التابوت ، وأنزلوه الى القبر ..

فحاول عدنان الصراخ ، لكنه لم يستطع فتح فمه بعد ربط فكّه بقماشة مشدودة لأعلى رأسه .. 

فصرخ في داخله : (( رجاءً لا تضعوني بالقبر ، أخاف الأماكن الضيّقة والمظلمة .. أتوسّل اليكم !! لا ترموا التراب على وجهي ، سأختنق !!! فأنا لم أمت بعد ، الا تسمعونني !!!!)) 


ثم عمّ الظلام المخيف ! سامعاً خطى أقدامهم تبتعد عن المقبرة ، وهم يردّدون : 

- لا حول ولا وقوّة الا بالله ، عاش صالحاً ومات مُذنباً .. فليرحمه الله على ذنبه الكبير 


بعدها ساد الهدوء الثقيل ، إلاّ من حركةٍ خفيفة داخل التراب .. فتساءل عدنان بخوف : ((أهذا صوت الحشرات تحفر للوصول الى جثماني ؟ لا ياربي ، لا تجعلني واعياً لرؤية الدود تنهش جسدي))


وهنا سمع صوتاً يقول :

- لن يتحلّل جسدك قبل إمتحانك الأخير 

فنظر للأعلى .. ليجد الملك نكير يحمل مطرقةً حديديّة ، بينما منكر يستعدّ لسؤاله :

- عدنان !! من ربك ؟


فتسمّرت عيناه على المطرقة الحديدية ، لدرجة جعلت لسانه ينعقد من شدّة الخوف ! 

منكر : لا إجابة .. السؤال الثاني : ما دينك ؟

فقال عدنان في نفسه : ((أعرف الإجابة ، لما لا استطيع التكلّم ؟))

منكر : حسناً السؤال الثالث والأخير : من نبيك ؟

وهنا صرخ عدنان بخوف : رجاءً لا تضرباني بالمطرقة !! 

نكير : للأسف ، فشلت بامتحانك الأخير 

عدنان برعب : أهذا يعني إن النار هو مصيري ؟


وهنا فُتحت نافذة بجانب قبره ، ليرى منها منزلته في جهنم  

فأشاح عدنان بوجهه للجهة الأخرى ، بعد أن لفحته الحرارة الخارجة منها!


نكير : ذنبا القتل والإنتحار ستعاقب عليهما لاحقاً 

عدنان : وماذا عن زوجتي ؟ 

منكر : هي شهيدة ، وتنعم الآن برؤية مكانها في الجنة 

عدنان بحزن : يعني لن أدخل الجنة مُطلقاً ، فأنا كنت عبداً مطيعاً لله طوال حياتي ؟!

منكر : خلودك في النار متوقف على مسامحة زوجتك ، ومغفرة الله 

نكير : بقيّ شيءٌ أخير قبل ذهابنا .. نتيجة الإمتحان الذي فشلت فيه


وانهال عليه بالمطرقة بقوةٍ جعلت اطراف عدنان تنفصل عن جسده .. ليصرخ متألماً ، لوّ سمعها أهل الأرض لفرّوا هاربين بفزعٍ شديد! 

بعدها فُصلت روحه عن جسده أخيراً ، في انتظار عودتها لجسده يوم القيامة ليُحسم الله في مصيره الأبديّ !


السبت، 5 فبراير 2022

المُخترع المجنون

تأليف : امل شانوحة 

 

صدمة الماضي !


بعد مرور عامٍ على زواج جاك وجاكلين ، إنتقلا الى حيٍّ قُرب الغابة ، يحوي منزلين بالإضافة لمسكنهم .. ففي البيت المجاور ، يسكن رجلٌ مسنّ ..وفي الجهة المقابلة ، تعيش إمرأة خمسينيّة بمفردها ..


ورغم أن شركة زوجها (الموظّف فيها) بعيدة عن المنطقة ، إلاّ انه أصرّ على الإستئجار في الحيّ الهادىء .. 

وبعد استقرارهما في منزلهما الجديد ، طلب منها (قبل ذهابه للعمل) أن لا تتعرّف على جاريها مهما حصل : واصفاً العجوز بالمجنون ، والجارة العانس بالفضوليّة ! فهو عاش طفولته بهذه المنطقة ، قبل وفاة والديه بحادث سيارة ..


وأمضت جاكلين طوال شهور حملها وحدها في المنزل ، بانتظار عودة زوجها كل يوم عصراً من عمله .. 


وفي يوم واثناء ترتيبها علّية المنزل ، وجدت صندوقاً فيه أغراض شخصيّة للعريسين اللّذين سكنا قبلهما في المنزل .. واستغربت تركهما لصورهما وشهاداتهم الجامعيّة هناك .. ولم يكن لدى زوجها تفسيراً لذلك !


ومضت الأيام وهي تشعر بملّلٍ طيلة النهار ، لذا رغبت بالتعرّف على جاريها لإمضاء الوقت 

فبدأت تطبخ كميات كبيرة لتوزيعها على جارتها والعجوز الّلذين شكراها بامتنان ، فبديا لطيفين للغاية وليسا مزعجين كما أخبرها زوجها ! وترجّتهما أن لا يخبراه بشيء ، كيّ لا يغضب منها ..فوعداها بكتمان الموضوع 

***


حين بلغت شهرها الأخير ، بدأت تلاحظ اموراً غريبة ! 

ففي إحدى الليالي ، إستيقظ زوجها للردّ على مكالمةٍ مجهولة بصوتٍ منخفض ، مُحاولاً كبت غضبه ..


وذات يوم .. أصرّ على الخروج وسط العاصفة ، ليعود بعد دقائق دون إخبارها بما حصل !  


وفي يومٍ آخر .. رأته من النافذة يُخرج اكياس التبضّع من صندوق سيارته ، ليدخل المنزل بعد دقائق دونهم .. بل وأنكر ذهابه للسوق !


وفي صباح العطلة رأته يُجادل جارهما العجوز بعنف ، رافضاً إخبارها سبب الخلاف .. ويبدو علاقته بجاريه القديمين سيئة للغاية!

***


وفي هذا اليوم ..أخبرها بعمله حتى المساء ، فترجّته أن لا يتأخر لشعورها بقرب ولادتها .. فطلب منها ملازمة السرير لحين عودته ، دون إتعاب نفسها بإعداد الطعام لأنه سيتعشّى مع زملائه بالعمل


وبعد ذهابه ، شعرت بضيقٍ شديد .. وإذّ ببابها يُطرق بلطف .. لتجد جارها العجوز يعزمها على الطعام المفضّل لزوجته المرحومة ..

فلم تستطع الرفض ، فإعداد العشاء في مثل عمره يعتبر مجهوداً كبيراً .. 


وحين دخلت بيته ، وجدت جارتها هناك ! 

فأخبرها العجوز بأن عليهم التعارف ، طالما لا يوجد غيرهم في الحيّ .. 

فوافقت جاكلين على مشاركتهما الطعام ، بشرط عدم إخبار زوجها بذلك 

وجلسوا يتناولون طعامهم بهدوء ، مُطلعها على حماسه بسماع صوت طفلٍ في حيّهم الهادىء .. بينما اقترحت الجارة عدة اسماء لمولودها الجديد 


جاكلين : انتما لطيفين للغاية ، لا ادري لما زوجي يمنعني التقرّب منكما؟! 

الجارة : نحن نعرفه منذ صغره ..فهو كان ولداً مرحاً قبل وفاة والديه ..بعدها انتقل لمنزل خاله في المنطقة المجاورة .. وهاهو يعود الينا رجلاً متزوجاً .. غريب كيف تمضي الأيام بسرعة !

جاكلين : وهل تعرفان عائلته ؟ فهو يرفض الحديث عنهما !

العجوز : كان والده جرّاحاً محترفاً

جاكلين : نعم أخبرني بذلك ، وامه ربّة منزل .. ماذا ايضاً ؟

العجوز : كان والده محبّاً لزوجته ، واراد تمجيد إسمها في الإكتشافات الطبيّة

جاكلين : لم أفهم ! 


وقبل إكمال حديثه ، إرتعبوا جميعاً بعد رؤية زوجها جاك يطرق نافذة الصالة بهستيريا ، صارخاً بجنون : 

- جاكلين !!! لما تجلسين معهما ؟ أخرجي حالاً .. ايها الخرف !! إفتح الباب قبل أن أكسره 

فقالت الجارة بنبرةٍ هادئة للعجوز : جيد انك أقفلت الباب

فوقفت جاكلين بارتباك : آسفة ! عليّ الذهاب

الجارة : لا حبيبتي سيؤذيك إن ذهبتِ لبيته ، فجاك منذ صغره يعاني من صرعٍ خطير

جاكلين بدهشة : صرع !


فقام العجوز عن كرسيه ، وأغلق ستارة النافذة كيّ لا ترى زوجها وهو يحاول كسر الزجاج السميك بمضرب البيسبول ..

العجوز : لا تخافي لن يكسره ، فأنا اشتريته ضدّ الرصاص .. تعالي ننزل القبو ، فهناك باباً آخر يُخرجنا للشارع الخلفيّ .. سنركب السيارة ونبتعد قليلاً ، الى أن تهدأ حالته المرضيّة  


فنزلت معهما القبو ، وهي تستند على الحائط : 

- المكان مظلم ! رجاءً يا عم أضئ النور كيّ لا أتعثّر ، فأنا بشهري الأخير

الجارة : نعلم ذلك حبيبتي


وما أن اضاء النور ، حتى شهقت جاكلين برعب ! فالقبو عبارة عن مختبرٍ طبّي مليء بالمرطبانات الكبيرة المُعبّئة بالسوائل الكيميائية الحافظة لأطرافٍ بشريّة كالأقدام والأذرع والعيون ! وهناك هيكلين عظميّن مُعلّقين بالسقف ، عدا عن الحيوانات المحنّطة ..


العجوز : لا تخافي ، كلّها مُخصّصة لاختراع عقاري الطبّي

جاكلين بدهشة : وهل انت طبيبٌ ايضاً ؟

الجارة وهي تربت على كتف العجوز بحنانٍ وفخر : 

- آدم جرّاحٌ محترف ، وانا ممرّضته.. قمنا بعشرات العمليات الجراحيّة معاً.. صحيح عزيزي ؟  


العجوز : نعم ، فطوال حياتي عملت جاهداً لاختراع دواءٍ يساعد على نمو الأطراف المبتورة .. وفي إحدى العمليات واثناء بتري لقدم احدهم ، وقع المنشار من يدي وبترت إبهامي .. فطردوني من العمل بعد أن اوشكت على إكتشاف مركّبٍ كيميائيّ يجعل الإنسان كهذه السحليّة القادرة على إنماء ذيلها بعد قطعه

جاكلين : ولما لم تجرّب على اصبعك المبتور بدل الحيوانات المحنّطة ؟


العجوز : وهل تظني بأني توقفت بعد طردي من نقابة الأطبّاء لإجرائي التجارب دون إذنهم ؟ لا عزيزتي ، مازلت اعمل على اختراعي حتى وقتنا الحالي .. وجرّبت المحلول على العديد من المتطوّعين من الكشّافة والسائحين والسوّاح ، وهاذين العريسين الّلذين سكنا بيتكما سابقاً ..(وأشار على الهيكلين العظميين) .. حتى زوجتي !! لكني للأسف لم استطع إيقاف نزيفها ، فماتت على طاولة الجراحة

جاكلين بصدمة : لحظة ! هل قطعت اطرافهم بالإكراه ؟


العجوز وهو يلبس قفّازاته الطبّية : كل شيء مباح في عالم الإختراعات ..(ثم نظر للجارة) .. صحيح حبيبتي ؟

الجارة وهي تلبس قفازاتها الطبّية : صحيح عشيقي الغالي ، وسأساندك حتى النهاية 

جاكلين بخوف : كان زوجي مُحقّاً ، فكلاكما مجانين .. عليّ الخروج من هنا حالاً !!

العجوز : الأبواب والنوافذ ضدّ الكسر ، فأين تذهبين ؟


ثم طلب من الجارة (الممرّضة) تحضير حقنة المخدّر ، قائلاً لجاكلين وهو ينظر الى بطنها :

- أظني اخطأت بتجربة إختراعي على البالغين ، والأفضل البدء بالأطفال.. وطالما لا يوجد اولاد بحيّنا اللعين ، كان عليّ الإنتظار لاكتمال حملك 

جاكلين بخوف : إن اقتربت مني سأقتلك !! وحتماً زوجي لن يدعك تنجو بجريمتك 


العجوز : زوجك الأحمق !! لم يدع الشرطة تعتقلني بعد مقتل امه ، فهو شهد زوراً أنها بترت ذراعيها إثر سقوطها اسفل ماكينة تقطيع العشب ، وظلّت تنزف حتى الموت ! 

جاكلين بصدمة : زوجي هو ابنك ؟!

العجوز : نعم ، وطلبت منه العودة للإهتمام بي قبل وفاتي .. وقد فعل !! أحضر أدويتي وتسوّق لأجلي وأصلح بيتي اثناء العاصفة .. لكنه مازال غبيّاً !! فلولا هروبه عند خاله بعد رؤية جراحة أمه في القبو لكان فأر تجاربي التالي ، ولكنت طرحت عقاري بالصيدليات لعلاج المعاقين منذ سنوات .. لكن لا مشكلة ، سيحلّ حفيدي مكانه


وقبل صعودها الأدراج هاربةً منهما ، غرزت الممرّضة المخدّر في ذراعها ..لتسقط جاكلين مغشياً عليها !

***


إستيقظت في اليوم التالي بالمستشفى ، وبجانبها زوجها : 

فسألته بتعب : ماذا حصل ؟!

جاك بحزن : أبلغت الشرطة بكل شيء ، واعتقلوا والدي ومساعدته 

جاكلين : اذاً لنعود لمنزلنا ، هيا بنا


وازالت الملاءة ، لتلاحظ اختفاء بطنها !

جاكلين بفزع : اين ابني ؟ .. جاك تكلّم !! اين ابني ؟

جاك باكياً : منقوع في محلولٍ كيميائيّ بجانب جثة امي .. سامحيني  

لتطلق جاكلين صرخةً مدويّة ، سمعها كل المتواجدين في المستشفى!


الخميس، 3 فبراير 2022

الثريّ المدلّل

تأليف : امل شانوحة 

 

تقويم السلوك 


كسب مذيعٌ أمريكي ثروةً كبيرة بعد نجاح برنامجه الترفيهيّ .. وفي إحدى الحلقات استضاف اولاداً مميزين ، منهم المراهق جيم (14سنة) الذي ينوي التخصّص في الطبّ النفسي .. 

ولكيّ يمتحنه المذيع ، سمح للمتواجيدن في المسرح بطرح مشاكلهم عليه ، ليفاجأهم برجاحة عقله وحلوله الذكيّة رغم بساطتها !

 

فحين سألته أم عن طفلها (4 سنوات) الذي يرفض النوم في غرفةٍ لوحده ، أجابها جيم :

- الصغار يخافون من عدّة أشياء : السقوط من مكانٍ عالي ، الصوت المرتفع ، بُعد الأهل عنهم .. لذا ضعي سريراً إضافيّ لك ، بجانب سريره .. وبعد نومه المبكّر ، تعودين الى غرفتك .. بهذا يطمئن لوجودك ، وينام بسهولة  


فصفّق له الجمهور .. ثم وقف أبّ ليخبره عن مشكلة ابنته المراهقة التي تريد قيادة سيارته الجديدة ، بعد حصولها على الرخصة .. 

فسأله جيم :

- أمازالت ابنتك في الثانويّة ؟ 

الأب : نعم ، وعمرها 16 

- اذاً اشتري لها سيارة مستعملة ، تستخدمها في الوقت الراهن ..فإن حطّمت بعض أجزائها بسبب اخطائها في القيادة ، لن تكلّفك الكثير ..وقبل ذهابها للجامعة إِهدها سيارةً جديدة ، بعد إمضائها سنتين  بالتعلّم على سيارتها القديمة

وعاد الجمهور للتصفيق له ، لإعجابهم برأيه السديد رغم صغر سنّه! 


فسألته أمٌ أخرى : 

- ابني في العاشرة ، ويلحّ عليّنا بإنجاب أخٍ له ! وانا ووالده منشغلين بعملنا ، ولا وقت لنا لرعاية طفلٍ جديد .. فكيف نفهمه ذلك؟

فأجابها جيم : هل تعرفين شخصاً يعمل مدرّس حضانة ؟

- لا ، لكن اختي تعمل ممرّضة في حضّانات المستشفى

- هذا أفضل .. دعيها تستأذن الإدارة ، ليساعدها إسبوعين على الأقل .. او يسمحوا له بمراقبة خالته أثناء عملها .. وحين يتعب من صراخهم المستمر ، واحتياجهم للإهتمام على مدار الساعة ، سيفهم صعوبة الأمر .. ومن بعدها اشتروا له قطة او كلب ، وسلّموه مسؤوليتها بالكامل .. وحين ينشغل بحيوانه الأليف ، سيكفّ عن الإلحاحّ بطلبه ، طالما لا ترغبين أنت وزوجك بذلك 

الأم : حلٌّ منطقي ، شكراً لك


وهنا قال المذيع بذهول : أعجبني تفكيرك يا جيم ! لهذا سأتكفّل بمصاريف دراستك الجامعيّة ، لحين تخرّجك كطبيبٍ نفسيّ نفتخر به جميعاً 


وصفّق الجمهور بحرارة بعد إحتضان جيم له ، شاكراً على منحته الدراسيّة

***


بعد انتهاء البرنامج .. وقبل صعود جيم الى سيارة والديه ، إقترب منه  المصوّر ليخبره بأن المذيع يريد رؤيته في غرفة المكياج .. فسمح أهله بالذهاب معه 


وهناك ، قال المذيع :

- لم اردّ التحدّث امام الناس .. لكني أعاني من إستهتار إبني الشاب ، واريد نصيحتك

- تفضّل سيدي

المذيع : انا عشت حياةً صعبة وفقيرة طوال طفولتي ومراهقتي.. 

جيم مقاطعاً : نعم .. قرأت قصّة حياتك بكتاب سيرتك الذاتيّة ، انت عصاميّ بالفعل !!


المذيع : شكراً لك ، المشكلة ان إبني الوحيد عاش ثلاثين سنة في نعيمٍ ورفاهيّة .. فوالدته المرحومة عوّدته على صرف مالي على أصحابه وحفلاته وطلباته التي لا تنتهي .. وأخاف أن ينتهي امره كما حصل مع الكثير من الأثرياء بالمخدرات او الإنتحار .. واريد إفهامه بأن الحياة ليست سهلة وتحت امره كما يظنّ ، فكيف أفعل ذلك ؟ فقد فشلت جميع عقوباتي لتقويم سلوكه !


ففكّر جيم قليلاً ، قبل أن يقول : 

- لوّ كنت مكانك لأعطيته مصروفه بشروطٍ حازمة 

المذيع باهتمام : ماذا تقصد ؟

- في حال طلب منك شراء سيارة بمئة الف دولار .. تشترط عليه توزيع 10 آلاف دولار على الفقراء ، تُخصم من مصروفه 

- ربما يكذب ويخبرني انه فعل !

- لم أُنهي فكرتي بعد 

المذيع : إكمل رجاءً


جيم : عليه وضع كاميرا صغيرة ومسجّلاً للصوت في ثيابه ، موصولان بحاسوبك كيّ ترى طريقة توزيعه للمال .. فأنت لن تهديه السيارة إلاّ إذا أعطى الصدقات لمن يستحقّها ، وليس للمجرمين او المدمنين على سبيل المثال.. كما تشترط عليه كتابة بحثٍ بنهاية التجربة

- بحث ؟!


جيم : نعم ، بحث عن ما استفاده بعد مخالطته الفقراء .. يعني قبل توزيعه المال ، عليه طرح الأسئلة عليهم مثل : ما اسوء قرار أخذته في حياتك ؟ ..ماذا تتمنّى تغيّره لوّ عدّت للماضي ؟ .. ما اهم شيء في الحياة ؟ .. مالشيء الذي ندمت على قوله او فعله ؟ ..ما ملخّص الحياة بالنسبة لك ؟ .. ما الحدث الذي جعلك تبكي بقهر ، او أشعرك بسعادةٍ غامرة ؟ .. من العزيز الذي أبكاك فراقه ؟ .. لوّ معك المال ، ما اول شيء ستفعله بحياتك ؟ .. لوّ ملكت المال ، من الصديق الذي ستساعده ولماذا ؟..من قدوتك بالحياة ؟ ..واسئلة أخرى من هذا النوع


المذيع بدهشة : جميلٌ جداً !

- أظن سؤاله المحتاجين تلك الأسئلة العميقة ، ستغيّر نظرته للحياة؟ 

- فكرتك جميلة ، سأنفّذها قريباً .. شكراً لك 

جيم : بل الشكر لك لتكفّلك بتعليمي الجامعي

- انت تستحق ذلك ، فالعالم يحتاج لأفكارك النّيرة التي وهبك الله إيّاها

ثم سلّم عليه ، ليعود الصبيّ الى سيارة والديه ..

***


في بادىء الأمر ، إستهزأ ابن المذيع (إريك) بالموضوع.. 

لكن حينما أخبره والده بحرمانه من المصروف إن لم ينفّذ طلبه ، ردّ غاضباً :

- حسناً !! أعطني العشرة آلاف ، وسأنهي المهمّة الليلة


فاعطاه المبلغ نقداً .. وخرج الشاب مُتضايقاً من مكتب والده في القصر ، خاصة بعد إجباره على وضع كاميرا وميكروفون صغير في ملابسه 


ولشدّة قلق والده عليه ! طلب من حارسه مراقبته عن بعد ، والتدخل إن لزم الأمر

***


وارتكب إريك خطؤه الأول باختياره أغلى سياراته للذهاب الى مكان تجمّع المشرّدين ! 

وحين وصل اليهم ، نزل من سيارته الفارهة التي تسمّرت أعين الطامعين  عليها !


ثم اقترب من طابور المشرّدين الذين ينتظرون الطعام المجانيّ المُقدّم من جمعيةٍ خيريّة .. 

ورمى العشرة آلاف دولار في الهواء ، وهو يقول :

- إذهبوا واشتروا ما تريدون !!


فأسرع معظمهم للمّلمة المال من الشارع .. بينما هجم إثنين عليه بالسكين ، لسرقة محفظته وجوّاله وسيارته الغالية .. فأعطاهما كل شيء وهو يترجّاهما أن لا يقتلاه ! 


ثم سمعوا طلقاتٍ ناريّة من بعيد ، فهربوا جميعاً من المكان .. ليجد إريك حارس والده (بيده المسدس) يطلب منه دخول سيارته ، قبل هجومهم من جديد 

وأخذ إريك طوال الطريق يلعن فكرة والده التي كادت تقتله !

***


حين وصلا القصر ، وجد والده غاضباً (بعد رؤيته ما حصل على حاسوبه) وصرخ معاتباً : 

- هل جننت يا إريك لتذهب لمنطقة العصابات والمدمنين ، وتبعثر مالي امامهم ؟!! 

فردّ إريك بعصبيّة : اليست فكرتك أن أعطي اولئك الحثالة مساعدات ماليّة؟!!


الأب بغضب : ومن سمح لك بمعاملتهم باحتقار ؟ انا تربّيت في تلك المناطق العشوائيّة ، أتدري كم أنت محظوظ انهم لم يعتدوا عليك قبل قتلك .. قلت لك أن تعطي المال لمن يستحقه فقط !!

- ومن اسوء من المشرّدين ؟!

- شغّل مخّك يا ولد !! إبحث بالإنترنت .. اسأل الآخرين .. تعلّم ايها الجاهل !!


إريك بقلق : أهذا يعني انك لن تشتري السيارة التي طلبتها ، بدل سيارتي المسروقة ؟!

الأب بحزم : لن أفعل !! بل سأخصم10 آلاف جديدة من مصروفك ..وهذه المرة فكّر جيداً .. لأنك إن فشلت بالمهمّة ، أحلف أن أسجّل جميع املاكي للجمعيات الخيريّة .. والآن أغرب عن وجهي !!


وبعد خروج إريك من المكتب ، سأل الحارس :

- انا لا أفهم ما حصل لأبي ! هذه اول مرة يعاملني ببخل

الحارس : هو يريدك أن تنجح بالمهمّة 

- انا لا اعرف شيئاً عن الفقراء !! لم اراهم في حياتي ، فكيف أصل اليهم ؟!

الحارس : أتريد مساعدة ؟

- نعم !!

- لكن بسرّية ، كيّ لا يغضب السيد

***


وفي غرفة إريك ، طلب الحارس منه فتح الإنترنت على حاسوبه .. ثم بدأ يريه الجمعيات التي تستحق المساعدة مثل : مستشفى الأمراض السرطانيّة للأطفال ، دار المعاقين ، دار الأيتام ، دار العجزة ، جمعيّة لحفر الآبار في الأماكن الشعبيّة ، وجمعيّة أخرى لدفع كفالة الفقراء المسجونين بديونٍ ماديّة وغيرها ..


حينها فهم إريك مقصد والده ! وأخذ عناوين الجمعيات من الإنترنت ، وطلب من حارسه مرافقته إليها في الصباح ..

***


في اليوم التالي .. تبرّع إريك لكل جمعيّة بألف دولار ، بعد تحدّثه مع النزلاء العجائز والأطفال والمرضى .. 


ففي المستشفى الحكومي .. تقابل مع طفلٍ يتيم ، تشوّه بعد موت عائلته بحريقٍ في منزلهم .. ورغم بؤس حاله إلاّ إن الإبتسامة لم تفارق وجهه ، وهو يخبره عن أحلامه المستقبليّة الطموحة ! 

فقرّر تبنّيه ماديّاً لحين إنهاء دراسته ، من مصروفه الشخصيّ 

كما تبرّع هو والحارس بالدم قبل خروجهم من هناك 


وفي دار العجزة .. تحدّث إريك مع العجائز الذين أمتعوه بقصصهم اللطيفة وتجاربهم بالحياة .. وتأثّر اثناء حديثهم عن اولادهم الذين تخلّوا عنهم بعد كبر سنهم ! 

ورغم وحدتهم الكئيبة إلاّ انهم يعيشون كل يومٍ بيومه ، مُتأمّلين أن يسامحهم الله على اخطائهم الماضية !


كما التقى مع عائلات شُردّت بالشوارع بعد إعصارٍ ضرب ولايتهم ..ولفتتّ إنتباهه صبيّة درست الطب قبل ضياع شهادتها اسفل ركام منزلها ..فتكفّل بمساعدتها بإخراج نسخاً عنها من وزارة التعليم ، بالإضافة لمساعدتها بمصاريف تعليمها على حسابه الخاصّ 


اما بقيّة المبلغ ، فتبرّع به عبر الإنترنت لجمعيّة حفر الآبار في المناطق الشعبيّة .. ولجمعيّة تُهدي الكراسي المتحرّكة للمشلولين الفقراء الذين ارسلوا فيديوهات يشكرون إريك على تبرّعه بكلماتٍ مؤثّرة ، أدمعت له عيناه !

***


بنهاية الإسبوع .. سلّم إريك بحثه الكتابيّ لوالده ، عمّا استفاده من تجربته مع الفقراء والمحتاجين .. 


وقد أُعجب الأب بكلامه وتعبيره الإنسانيّ ، وكان واضحاً تغيّر تفكيره وتصرّفاته بعد تجربته الفريدة !

وبنهاية البحث : شكر والده الذي وفّر له متع الحياة ..وختم كلامه بشكر الله على نعمة الثراء والصحّة التي حرم منها الكثير من الناس حول العالم!

***


في اليوم التالي .. أهداه والده السيارة التي يتمنّاها منذ شهور ، لكن إريك  فاجأه قائلاً :

- هل تسمح لي ببيعها والإستفادة من مالها ؟

الأب بدهشة : وماذا ستفعل بالمال ؟! 

- إتفقت في الأيام الماضية مع رفاقي الأثرياء على فتح مصنع حلويات ، وحالياً نجمع المال لبدء العمل .. وسأوظّف الشباب العاطلين عن العمل ، والمشرّدين الأصحّاء ، والمتسرّحين من السجون حسني السلوك ، في مقابل تدبير مسكنهم ومأكلهم 

- يعني دون رواتب ؟!


إريك : فقط في الشهور الأولى لبدء العمل بالمصنع .. وحين يُقبل المتسوقين على حلوياتنا الجديدة ، ندفع نسبة من الأرباح كأجورٍ لهم ، بذلك يشعرون أنهم شركاء بالمشروع وليسوا مجرّد موظفين عندي 

- يبدو انك فكّرت بكل شيء !  

- بلغت الثلاثين يا ابي ، وعليّ الإعتماد على نفسي 

الأب بدهشة وفخر : تغيّرت كثيراً يا إريك !


إريك : تعلّمت من الفقراء ، فحياتهم رغم صعوبتها إلاّ انها واقعيّة للغاية .. فهم تعلّموا منذ الصغر أن يكونوا اقوياء لتحمّل جميع الصعوبات وخيبات الأمل !.. لهذا أحاول أن لا أكرّر أخطاء الماضي ، وأفعل شيئاً مفيداً للمجتمع ..وطالما نيّتي مساعدة الآخرين ، فالله سيوفقني بقراراتي المستقبليّة .. (ثم سكت قليلاً) .. أتدري أفضل شيء تعلّمته بهذه التجربة : بأن فرحة العطاء أجمل بكثير من التسوّق والسفر ، فقد أحسسّت بأهميّة من حولي بعد تنازلي عن غروري وطيشي الذي لم يعدّ يناسب عمري .. 

- أخيراً فهمت ما أحاول تعليمك إيّاه منذ سنوات

وحضنه والده بفخرٍ وحنان

***


بعد ايام .. زار المذيع عائلة المراهق جيم لإخباره بنجاح خطته ..ثم اراه فيديو مصوّر (على جواله) لعيادةٍ نفسيّة وسط البلد ، قائلاً :

- هذه عيادتك يا جيم ، إشتريتها بإسمك ..ستستلمها فور تخرّجك الجامعي  

جيم بدهشة وفرح : هذا كثير ! مال للدراسة ، وعيادةً فاخرة .. شكراً جزيلاً لك

المذيع والدموع في عينيه : بل الشكر لك لتقويم ابني قبل فوات الآوان ، ايها العبقري الصغير 

وحضنه بامتنان !


الثلاثاء، 1 فبراير 2022

الأصفاد الورديّة

تأليف : امل شانوحة 

 

الضابط الحنون 


اضّطرت ندى اللبنانية وأمها وأخوها الذهاب للمخفر المصري بعد ضياع جوازات سفرهم في حقيبةٍ صغيرة بالمطار قبل عودتهم بلادهم ..

واثناء جلوسهم في المخفر ، سمعوا صراخ الضابط المصري (إيهاب) على مشتبهٍ به في الغرفة المجاورة ، قبل دخوله اليهم وهو ينهجّ بعصبيّة ! فشعروا بالقلق ، وهو يسألهم عن سبب قدومهم الى مكتبه ؟ 

فتكلّمت الأم (التي تجلس على الكرسي المتحرّك بسبب كبر سنها) :

- أضعنا جوازاتنا قبل صعودنا الطائرة ، وطلبوا منّا الإبلاغ عنها في هذا القسم لكونه الأقرب للمطار .. 


فرفع الضابط سمّاعة الهاتف ، مُتصلاً بأمن المطار الذين أخبروه بأنهم وجدوا الجوازات الثلاثة المفقودة ، وانهم سيرسلوها للمخفر لوضع ختمٍ يؤكّد بأنها جوازات أصليّة وغير مزوّرة ، قبل رحلتهم التالية 


وفي انتظار وصول الجوازات ، إلتفت الضابط الى ندى من وقتٍ لآخر بعد إعجابه بنعومتها ورقّتها في الكلام ، وخوفها الواضح على صحّة امها 


وبعد استلام الضابط للجوازات من عامل التوصيلات الخاصّ بالمطار ، ختم الجوازات الثلاثة وهو يقول :

- هكذا لن يوقفكم أمن المطار .. (ثم سكت قليلاً) ..متى قرّرتم الرحيل؟

فأجاب الأخ : كنّا سنسافر اليوم ، لكن فاتتنا الرحلة .. فقرّرنا تأجيل السفر بعد إرهاق امي ممّا حصل .. سنعود لشقتنا المستأجرة ، قبل موعد سفرنا التالي 


وعندما سلّمهم الجوازات ، قالت ندى لأهلها وهي تفتّش جوازها :

- تأكّدوا بأن ختم المخفر واضحاً ، حتى لا نعود الى هنا

ففاجأها الضابط قائلاً :

- الا تريدين رؤيتي من جديد ؟


مما أربكها تماماً ! وقبل أن تجيبه ، دخل الحارس ومعه لصّ قُبض عليه بعد سرقته حقيبة إمرأة .. 

فأسرعت ندى بجرّ كرسي امها المتحرّك لخارج مكتبه ، بينما شكر أخوها الضابط على وقته ..


وهنا شعر إيهاب بغصّة في قلبه ، وهو ينظر لندى لآخر مرة قبل إغلاقها الباب ..

وحاول التركيز في استجواب المتهم ، لكنه ارتبك فور رؤيته الوقت في ساعة الحائط ، التي تُشير بمرور عشر دقائق على ذهاب العائلة اللبنانيّة! 


فخرج من مكتبه .. ونزل الأدراج مُسرعاً ، قبل أن يوقفه صوت النقيب مُعاتباً :

- كيف تمرّ من امامي دون التحيّة العسكريّة ؟!!

فألقى التحيّة مُستعجلاً ، وهو يقول :

- أعتذر سيدي ، عليّ دخول الحمام

النقيب مُستغرباً : يوجد حمام في غرفتك !


لكن الضابط أكمل نزول الأدراج .. وحين خرج من المخفر ، لم يجد العائلة اللبنانيّة !

فسأل الحارس عن المرأة المُقعدة ، فأخبره انهم ذهبوا قبل قليل بسيارة الأجرة .. 

فسأله عن كاميرا المراقبة على بوّابة المخفر ، فأجابه انها مُعطلّة وسيتمّ إصلاحها غداً .. 


فعرف الضابط انه أضاع فرصته ، وعاد لصعود الأدراج حزيناً .. فالتقى مرة أخرى بالنقيب والقائد ينزلان معاً ، فسأله النقيب :

- مابك حزينٌ هكذا ؟

إيهاب بضيق : لقد ذهبت 

النقيب : من هي ؟!

إيهاب بحزن : الفتاة اللبنانيّة 

ومرّ بجانبهما يائساً وهو عائد الى مكتبه .. فضحك النقيب والقائد الذي قال بارتياح :

- وأخيراً خفق قلبه من جديد !

***


عندما عاد إيهاب إلى مكتبه ، وجد حارسه يضرب المتهم ! فسأله :

- لما تضربه ؟!

الحارس : لقد سرق شيئاً من الأرضيّة ، ويرفض إعادته


فصفعه الضابط وهو يأمره بإرجاع ما سرقه .. فأخرج اللصّ من جيبه محفظةً ورديّة ! 

وما أن فتحها إيهاب ، حتى تسارعت دقّات قلبه فور رؤيته صورة ندى !

فقال اللّص : وجدّتها واقعة أسفل الكرسي 


فأخذ الضابط يبحث في المحفظة ، ليجد بطاقة فيها عنوان عمارة للشقّق المستأجرة .. فعرف انه المبنى الذي يعيشون فيه قبل موعد سفرهم 


فخرج مُسرعاً الى مكتب رئيسه ، لطلب إجازة لبقيّة اليوم .. وحين رأى النقيب حماسه ، عرف إن الأمر مُتعلّق بالفتاة التي سلبت عقله .. فلم يجادله ، ووافق فوراً على طلبه ..  

***


وانطلق الضابط إيهاب بسيارته متجّهاً للعمارة ، وهو يتمنى إيجادهم هناك


وحين وصل ، دلّه بوّاب العمارة على شقه العائلة اللبنانيّة .. 

فرنّ الجرس ، ليسمع صوت ندى تقول لعائلتها :

- وصل الطعام !! سأفتح الباب


وعندما رأت الضابط امامها ، شعرت بالخوف ! 

ولم ينطق كلاهما بكلمة إلى أن اقترب اخوها ، وأدخله الصالة ..


في البداية ظنّوا بأن هناك مشكلة بالبلاغ الذي قدّموه للمخفر ، لكن إيهاب أخبرهم دون مقدّمات عن رغبته الإرتباط بندى .. 

فصمت الجميع بارتباك ! وكان واضحاً الخوف على ندى .. 

فطلب إيهاب من عائلتها السماح له بالحديث معها في الشرفة لوحدهما


وهناك أخبرها إنه كان متزوجاً من فتاةٍ أُغرم بها منذ مراهقته .. لكنها ماتت اثناء الولادة ، ولحقها طفلهما الأول بعد إسبوع ..

ومنذ تلك الحادثة ، أقفل قلبه تماماً لعشر سنوات .. وهاهو يفتحه مجدّداً بعد رؤيتها أول مرة ، حتى انه لم يستطّع التركيز بعمله رغم هوسه به !


فردّت بارتباك :

- يحزنني ما مررّت به .. لكن شخصيّتك القويّة تُخيفني ، فأنا سمعت صراخك القاسي على المتهم ، وأخشى أن تؤذيني بعد سفر أهلي

إيهاب : مهما كنت قاسياً في عملي ، لا يعني انني لست رحيماً مع عائلتي .. وأتفهّم قلقك ، لهذا دعي اخاك يسأل عني .. وسأتصل غداً لمعرفة جوابك .. وإن رفضتني ، فلن أضايقك ثانيةً 


وبعد حصوله على رقم أخيها ، عاد الى بيته .. تاركاً ندى وعائلتها قلقين من طلبه المُفاجئ ! 

***


في اليوم التالي .. تكلّمت ندى معه لإخباره بجوابها :

- سألنا عنك سيد إيهاب .. وأخبرونا إن زوجتك ماتت بعد ولادتها المبكّرة ، بسبب خوفها من محاولة إختطافها من تجّار مخدرات الذين عملت على قضيّتهم.. وانا لا أقبل أن أُعرّض اولادي في المستقبل لهذا الرعب .. أعتذر منك ، لا نصيب بيننا


وأغلقت الهاتف ، دون إعطائه فرصة للردّ ! 

ثم طلبت من عائلتها العودة سريعاً الى بلادهم قبل أن يسبّب لهم المشاكل 

***


في اليوم التالي .. واثناء تواجدهم في المطار ، إقترب منهم نقيب المخفر قائلاً لندى : 

- أفهم سبب خوفك للزواج من ضابطٍ حازم كإيهاب ، لكني أعرفه جيداً فهو بمثابة ابني .. وطوال عملنا معاً ، لم أجده ضعيفاً مثل البارحة ! ..حتى عندما ماتت زوجته وطفله لم يبكي عليهما ، كما فعل بعد رفضك له .. رجاءً أعطه فرصة ، فهو رجلٌ شهم وقد أحبّك من النظرة الأولى 


وظلّ يقنعهم ..إلى أن وافق اخوها وأمها على تمديد سفرهم ، لحين الإجتماع مع الضابط ووالديه للكلام بجدّية في موضوع الخطبة ..

***


وبعد عدّة زيارات عائليّة .. إرتاح قلب ندى له أخيراً ، ووافقت على الخطوبة بعد موافقة أهلها على الموضوع..

وكان حفل زفافها مليئاً بالضّباط والشخصيات العسكريّة 

***


بعد العرس ، إنتقلت معه الى منزله .. وفور دخولهما الغرفة ، لاحظت إرتباك إيهاب عند رؤيته صورة زوجته (التي نسيّ إزالتها عن الجدار) 

فقالت ندى : لا بأس ، لا تضايقني الصورة 


ثم أحسّت بأنفاسه الثقيلة ، وهو يُخبئ الصورة بالدرج بيديه المرتجفتين !

فحضنته من ظهره وهي تقول : 

- إبكي يا إيهاب .. لا تحبس دموعك بعد اليوم ، هي تستحق أن تبكي لأجلها


فحضنها بقوة ، ليبكي كطفلٍ صغير .. فهو منذ وفاة زوجته لم تسقط دمعته من شدّة صدمته بما حصل !


وتفهّمت ندى انهياره العاطفيّ .. وتركته يهدأ دون تفوّهها بكلمة ، فهو في تلك اللحظة لم يردّ شيئاً سوى حضنٍ دافئ يبكي عليه .. 

وهذا الموقف جعلها تكبر في نظره ، بعد تأكّده بأنه أحسن الإختيار

***


بعد عودته للعمل ، لاحظ الجميع تغيّر طباعه ! حيث أصبحت الإبتسامة لا تفارق وجهه وهو يلاطف العساكر والحرس الذين حمدوا الله على زواجه المبارك الذي جعل العمل معه سهلاً وممتعاً 

***


بعد شهور .. تكفّل الضابط إيهاب بعمليّةٍ خطيرة لإيقاف شحنة مخدرات ضخمة ضدّ العصابة ذاتها التي تسبّبت بوفاة زوجته ، وكان مصّراً هذه المرة على الإطاحة بزعيمهم ..

لكنه لم يعلم بخيانة حارس مكتبه المتعاون مع المجرمين ، الذي أخبرهم بعنوان المدرسة التي تعمل بها ندى .. 

***


في اليوم المقرّر لهجوم الشرطة على وكر العصابة ، صُعق إيهاب باتصالٍ لندى وهي تصرخ خائفة بعد خطفها من امام المدرسة !

فجنّ جنونه لأنها المرة الثانية التي يتعرّضون بها لعائلته ، لكن هذه المرة لم ينتظر اوامر رئيسه .. وقاد سيارته للعنوان الذي أخبروه بوجودها فيه..


وهناك حصل اشتباكٌ عنيف بينه وبين المجرمين ، بعد إطلاقه عشرات الطلقات الناريّة ، غير مكترث بحياته ! 

وحين وصل الدعم اخيراً .. كان إيهاب قتل إثنين من المختطفين ، وجرح أخريّن ، وهرب الباقين من المستودع المهجور .. واستطاع إنقاذ زوجته رغم إصابته بطلقتين في ذراعه وقدمه ! 


فجلست معه في سيارة الإسعاف وهي تبكي خوفاً عليه .. ورغم ألمه ، سألها بقلق : 

- هل أذوك ؟

ندى : لا ، لم يلمسوني .. هدّدوني بذلك في حال لم تأتي للموعد ، لكنك أتيت وأنقذتني منهم

وغاب عن الوعيّ وهو مازال يشكّ بكذبها عليه ، لكيّ لا تزيد همومه !

***


بعد اسبوع من علاجه بالمستشفى ، عاد الى منزله بإجازةٍ مرضيّة .. لتلاحظ ندى تجنّبه الحديث معها ، وتفضيله النوم في غرفةٍ ثانية ! فتركته على راحته ..


وذات يوم ، دخلت غرفته وهي تقول بحماسٍ وسعادة : 

- مبروك حبيبي !! إتصلت طبيبتي قبل قليل لتخبرني بحملي .. ستصبح أباً يا إيهاب !!!


إلاّ أن ردّة فعله فاجأتها كثيراً ! حين أمسك ذراعها بقوة :

- أبنُ من هذا ؟!!  من اللعين الذي اعتدى عليك ؟

ومن شدّة صدمتها ، صفعته بقوة :

- الهذا ابتعدّت عنّي طوال الأسبوعين الماضيين ؟!!

إيهاب بغضب : طالما ابتعدّت عنك ، فمن اين حملتي ؟!!

- يا غبي !! انا حامل بالشهر الثالث ، والخطف حصل الشهر الماضي .. ما بك ؟!! أخبرتك الف مرة إن المجرمين ربطوني داخل المستودع ، وظلّوا في الخارج دون لمسي .. لما لا تصدّقني؟!! 

- علينا إجراء فحص الإبوّة فور ولادة..

فقاطعته ، قائلةً بغضبٍ شديد : طلّقني حالاً !!

- من حقّي معرفة .. 

فصرخت مُقاطعة : قلت طلّقني يا إيهاب ، ودعني أعود بلادي ..وبعد ولادة ابنك ، أرسل لك الفحص الطبّي لتتأكّد بنفسك ، ايها الشكّاك اللعين!!  


فشعر بتجاوز حدوده ، فحاول تهدأتها : ندى ، اهدئي رجاءً..

ندى باكية : كنت وعدّتني أن لا أحزن معك ، وهآ انت خذلتني بشكّك بشرفي !

إيهاب : لم أقصد ذلك .. 

ندى بحزم : سأتصل الآن بالمطار لحجزّ رحلتي ، ولا تنسى إرسال ورقة طلاقي بأقرب وقتٍ ممكن ..


ودخلت غرفتها وهي منهارة بالبكاء ، تاركةً زوجها مُحتاراً بما يفعله فالشكّ يأكل قلبه رغم ثقته الكبيرة بها ! 

***


ليلة سفرها ، نام كل واحدٍ في غرفته .. ليرى مناماً عن زوجته الراحلة وهي تقول : 

((لقد دعوت ربي ليهبك زوجة تُنسيك حزن فراقي انا وابنك ، لا تخسرها يا إيهاب ستندم طوال حياتك))


ورغم انها المرة الأولى التي يرى فيها زوجته السابقة في المنام ، مع هذا لم يُحرّك ساكناً وهو يرى ندى تخرج من بيته ، مُتجهةً للمطار ! 

بل أكمل تجهيز نفسه للذهاب الى عمله كأنه يومٌ عادي ، مُحاولاً نكران ذنبه الكبير معها !


ورغم مُحاولة النقيب والقائد تليّن عقله للّحاق بزوجته ، إلاّ أن إيهاب تابع عمله مُبرّراً : بأنه قرارها وهي المسؤولة عنه !

***


بعد شهور .. إتصلت حماته لتخبره بأن ندى في المستشفى ، وستلدّ ابنه بعد ساعات ..

ووصله إتصالها اثناء وجوده في مكتب النقيب الذي سمع المحادثة ، والذي استخدم معه أسلوب الأمر وهو يهدّده بالطرد إن لم يلحق بزوجته حالاً ! 

ولكيّ يجبره على ذلك ، قام بالإتصال بشركة الطيران لحجّز رحلته بعد ساعة ! 

فلم يعدّ امام إيهاب سوى الإسراع لمنزله لتجهيز حقيبته ، والذهاب فوراً للمطار ..

***


ومن المطار اتجه مباشرةً لمستشفى التوليد ، ليجد اهل ندى في الممرّ  والذين أخبروه بأن ولادتها مُتعسّرة ، وهم ينتظرون إنتهاء عمليتها القيصريّة !

فأحسّ إيهاب بالخوف بعد تذكّره وفاة زوجته اثناء الولادة ..وأخذ يدعو ربه بخروجها سالمة من العمليّة .. 

وحين بشرّتهم الطبيبة بإنجاب ندى لطفلٍ جميل ، سألها بعصبيّة :

- المهم ندى !! هل هي بخير ؟

- إهدأ ، هي بخير ..تحتاج ساعتين للإستيقاظ من المخدّر


فراقب زوجته بقلق من خلف زجاج الغرفة ، وهو ينتظر استيقاظها ..وفور تحرّكها ، أسرع لدخول الغرفة وهو يسألها : 

- هل انت بخير ندى ؟

وما أن سمعت صوته ، حتى ادارت رأسها وهي تقول بلؤم : 

- ابنك في الحضّانة ، أطلب من الطبيبة إجراء فحص الأبوّة ..ولا تريني وجهك قبل ظهور النتيجة

إيهاب مُعتذراً : آسف ندى ، لم أعيّ ما قلته سابقاً

ندى بعصبيّة : قلت !! لا تريني وجهك قبل ظهور النتيجة ..والآن اخرج من غرفتي


فخرج حزيناً بعد شعوره بالضرّر الذي سبّبه لقلبها ! 

وكان مُجبراً على القيام بالفحص لإرضائها .. فأخبروه إن النتيجة ستظهر بعد يومين ، أمضاهما وحده في الفندق 

***


وظهرت النتيجة المتوقعة ، فالرضيع ابنه بالفعل .. وحين عاد للمستشفى مُعتذراً ، كانت ماتزال غاضبة منه ..فحاول إرضائها بتقبيل رأسها واحتضان الطفل بحنان ..

فقالت ندى بحزم :

- سأعود معك بشرطٍ واحد !!

إيهاب : أقبل جميع شروطك

- أن تجد عملاً آخر 

- ماذا ؟!

ندى : عملك بالشرطة خطرٌ عليّ وعلى اولادنا في المستقبل 

- لكني أعشق عملي

- هذا شرطي الوحيد وإلاّ لن ترى ابنك ثانيةً 


إيهاب بعصبيّة : لا تلويّ ذراعي يا ندى ، انت تعرفين عملي بالشرطة قبل زواجك بي !! 

ندى : لكني لم أعرف خطورته إلاّ بعد اختطافي ، ولن أعرّض ابني لهذا الخطر 

- هذا طفلي ايضاً !! ولا يحقّ لك حرماني منه 

- القانون اللبناني يسمح الإحتفاظ بإبني حتى سن السابعة .. لكن طالما تزوجنا على القانون المصري ، فهذا يعني ان القضاء سيُخيّره بيننا بعد سن 15

إيهاب : لكني لم أطلّقك بعد !

- لا كلام آخر أقوله : إمّا عملك او عائلتك ، القرار يعود لك .. 


فخرج غاضباً من المستشفى ، وعاد للفندق لأخذ حقيبته .. ثم سافر بلاده في نفس الليلة ..

***


في اليوم التالي ، ذهب للمخفر .. ودخل مكتب النقيب لإخباره بشرط زوجته .. ففاجأه قائلاً :

- زوجتك معها الحقّ

إيهاب بصدمة : حتى انت سيدي !

- أتظن إختطافها مرّ بسهولة عليها ؟

- لكني مُحترف بعملي


النقيب : لا أنكر ذلك .. لكنك الآن أباً ، وعليك جعل عائلتك في المركز الأول .. الا تستحق ندى هذه التضحيّة ؟

- بلى .. لكن ماذا اعمل إن استقلت من هنا ؟

- صديقي يعمل بالقنصليّة ويحتاج شخصاً للجوازات ، سأتصل به لتعينك.. فراتبهم جيد ، والعمل عندهم ليس خطيراً كالقبض على العصابات 

إيهاب بقلق : وهل سيقبلون توظيفي ؟

النقيب بابتسامة : أترك الموضوع لي

***


وبالفعل عادت ندى وطفلها لمنزل إيهاب ، فور استلامه وظيفته الجديدة وتغيّر منزله القديم (حتى لا ينتقم المجرمون مجدّداً) ليعيش إيهاب حياةً هادئة مع ولديه ، وابنته الصغرى التي وافقت ندى على تسميتها بإسم زوجته الراحلة ! 


هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة  سنوات الندم استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !  لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عج...