تأليف : امل شانوحة
إنتقام المظلوم
في وقت الظهيرة .. تجوّلت امرأة في ارجاء سوبرماركت أُعيد افتتاحها بعد اجراء تعديلاتٍ عليها ، إثر حريقٍ سابق ..
وحين وصلت للخلفيّة ، سمعت بكاء ولدٍ خلف باب المخزن المُغلق بأكياسٍ مُكدّسة على بابه !
فحثّها فضولها وحسّها الإنساني على إزاحة الأغراض ..ودفعت الباب بكتفها عدّة مرات ، حتى فتحته .. لتجد مخزناً فارغاً ، وآثار الحريق واضحة على جدرانه السوداء ..
فأنارت جوّالها ، لترى ولداً (10 سنوات) يقف ووجهه للحائط !
فنادته من بعيد : يا ولد !! تعال لأخرجك من هنا
وفجأة ! شدّ عامل السوبرماركت ذراعها ، لإخراجها بالقوة من المخزن .. وهو يعاتبها :
- من سمح لك بفتح الباب ؟!!
وقبل إقفاله من جديد ، أوقفته بعصبيّة :
- إنتظر !! هناك ولداً بالداخل
العامل : انت تتوهمين , لا يوجد احد ..
مقاطعة بحزم : إن لم تخرجه في الحال ، سأصرخ بعلوّ صوتي !!
فارتبك العامل ، وشقّ الباب قليلاً وهو يقول :
- أنظري بنفسك , لا يوجد احد بالداخل
فأطلّت من جديد ، لتنصدم باختفاء الصبيّ !
المرأة بدهشة : كان هنا قبل قليل ، اين ذهب ؟!
وفور شعور العامل بتيار هواءٍ بارد يتجه نحوه كزوبعةٍ هائجة ، حاول دفع الباب بكل قوته .. قبل إيقافه من جديد :
السيدة : لحظة !! جوالي وقع بالداخل
فدفع الجوال بقدمه نحوها ، قبل إغلاقه الباب والعرق يتصبّب من جبينه ! فقالت بامتعاض :
- ترميه بقدمك , شكراً لذوقك .. سأبلغ الإدارة عمّا حصل
العامل : غرفة المدير في الطابق العلويّ , وإن اقتربت من المخزن ثانيةً سأضّطر لطردك من المتجر
وأعاد تكديس الأغراض خلف الباب !
والصادم أن المدير وافق على تصرّف عامله الغير لائق !
ولعدم وجود دليلٍ ضدّهما ، لم تذهب للشرطة ..رغم خوفها على الولد المسجون هناك !
***
في المساء ، وقبل نومها .. وصلتها رسالة غريبة على جوالها :
((مازلت عالقاً داخل المخزن , ارجوك ساعديني))
فقرّرت التصرّف في اليوم التالي ..
***
في الصباح .. دخلت الى زقاقٍ ضيّق يطلّ على خلفيّة السوبرماركت .. ووقفت قرب النافذة العلويّة للمخزن المغلق ، مُناديةً الولد بحذر :
- يا ولد !! انا السيدة التي حاولت إنقاذك البارحة
فظهر من النافذة : نصف وجه الولد ويديه ، بعد وقوفه فوق أحجارٍ وأخشاب جمعها من زوايا المخزن..
- لا استطيع الصعود اكثر من ذلك
السيدة : أصمد قليلاً
وصوّرته بالجوال ليكون دليلاً للشرطة على احتجازهم له ..
ثم عادت غاضبة الى السوبرماركت ، مُحاولةً فتح باب المخزن من جديد .. إلاّ أن العمّال طردوها بأمرٍ من المدير !
فأسرعت لمركز الشرطة لتريهم صورة الولد المحتجزّ ، بالإضافة لاستغاثته على جوالها ..
فأرسلوا دوريّة الى هناك ، مما أربك المدير الذي أمر موظّفه بفتح المخزن للشرطيين اللذين لم يجدا سوى آثار مخزنٍ محترق ..
وبعد حديثهما مع المدير على انفراد ، طلبا من السيدة التسوّق في مكانٍ آخر ! بعد تأكّدهما من الإشاعة : بموت عامل توصيلات صغير حرقاً قبل سنوات ، لتحتلّ روحه الشريرة المخزن
ورفضت السيدة تصديق كذبتهم , وأصرّت على نقلهم الولد المُعنّف لمكانٍ آخر .. بعكس الشرطة التي سمعت الإشاعة من قبل !
***
في تلك الليلة .. نامت السيدة وهي مُغتاظة من إهمال الشرطة ..
واستيقظت آخر الليل بعد إحساسها ببرودةٍ مفاجئة ، لتنصدم برؤية الولد بجانب سريرها !
وكادت تصرخ .. لولا وضع أصبعه على فمه ، مُطالباً بالهدوء
فسألته بفزع : كيف وصلت الى هنا ؟!
- تركت الشرطة باب المخزن مفتوحاً .. فاختبأت في سيارتك ، قبل إحتجازهم لي بعد رحيلكِ ..
السيدة : ولما يحبسونك هناك ؟!
فلم يجبها على سؤالها ، بل أخذ يتجوّل في غرفة نومها وهو يقول :
- منزلك جميل ، أتعيشين وحدك هنا ؟
- نعم .. لم تخبرني بعد عن إسمك ؟ وعنوان أهلك ؟
الولد : لا يهم اسمي .. ولا أكترث لأهلي ، فهم أجبروني على العمل في سنٍ صغيرة .. كل تفكيري الآن ، هو إيجاد مسكناً جديداً لي .. لهذا اخترت منزلك الجميل
- عليك أن تسألني اولاً إن كنت موافقة ام لا !
فاقترب من سريرها ، وهو ينظر بعينيها بلؤم :
- موافقتك لا تهمّني
وفجأة ! سمع الجيران صوت صراخها من داخل الشقة .. واتصلوا بالشرطة التي وصلت بعد فوات الأوان .. ليجدوها شاحبة الوجه في سريرها ، كأنها رأت شبحاً أفزعها حتى الموت !
وانتشر لغز موتها في المنطقة ، خاصة لإيجاد شقتها مقفلة من الداخل ولا أثر لاقتحام اللصوص .. وعجزت الشرطة عن اكتشاف القاتل !
***
ورغم أن الجريمة أفزعت الجميع ، إلاّ أنها أفرحت صاحب السوبرماركت الذي علم برحيل الروح الشريرة التي سكنت مخزنه لأكثر من خمس سنوات ..
لذا قرّر الإستفادة من مخزنه المغلق ، لتوسيع محله .. وبدأ بدهنه وتنظيفه ، وشراء المزيد من الخزائن الحديديّة لوضع البضائع الجديدة بداخله
في المقابل .. شعر سكّان عمارة المغدورة بأمورٍ خارجة عن الطبيعية ! وانتشرت الإشاعة بينهم : بأن روح القتيلة احتلّت المبنى .. وانتقلوا منه الواحد تلوّ الآخر ، ليخلو المبنى من السكّان قبل نهاية العام
بعكس السوبرماركت التي ازدهرت ، وأصبحت وجهة الزبائن في المنطقة
***
وفي احد الأيام ، وقبل ساعة من الإقفال المسائي .. دخلت سيدة لقسم المنظّفات في المخزن , واحتارت بين منتجين .. وعندما رأت صبياً يعمل هناك ، سألته :
- ما سعر هذا المنتج ؟ فأنا نسيت إحضار نظّارتي
فأجابها الصبيّ : لن تحتاجيها بعد اليوم
وفجأة ! تلاعبت الأنوار في المخزن ، ليعلو صراخ السيدة الهستيريّ .. ولم يستطع العمّال فتح الباب المقفل من الداخل !
فأسرع المدير لمتابعة ما يجري من كاميرات المراقبة للمخزن ، ليشاهد السيدة تطير بالهواء وهي ترتطم بأرفّف الخزائن .. وتتناثر دمائها في كل مكان ، الى أن سقطت بقوة على الأرض دون حراك!
فعلم المدير بعودة روح الصبي الملعونة لمخزنه من جديد ..
وبعد الحادثة ، أجبرت الشرطة المدير على إقفال متجره نهائياً..
وآخر ما قاله المدير لعمّاله قبل تسريحهم :
- لندعّ روحه اللعينة تستمتع بالمكان المهجور .. ولوّ باستطاعتي رؤيته لقتلته من جديد
ثم سافر للعيش في فلّته بإحدى المناطق الساحليّة ..
***
بعد سنتين .. قرّر مراهقان إقتحام المحل المهجور لتصوير الشبح الصغير.. فتسللاً من نافذة المخزن مساءً ، بعد إنارة جوّالاتهما .. حيث شرح أحدهما قصة الشبح اثناء تجوّلهما بين الخزائن الفارغة:
- القصة باختصار .. ولدٌ في 12 من عمره ، يعمل في ترتيب البضائع بالمخزن .. وفي ذلك اليوم ، رفض مديره إعطائه سلفة لدفع إيجار بيت اهله .. وعندما عاد ، وجد عائلته مرميّة في الشارع بعد طردهم من الشقة مع اغراضهم .. فقرّر الإنتقام من رئيسه ، بحرق بضائع المخزن ..لكن النار علقت بملابسه الشتويّة ..واحترق حتى الموت تحت انظار مديره الذي لم يحاول اطفائه رغم وجود إنبوبة الإطفاء في مكتبه ! ومن وقتها لازمت روح الصبي المكان ، فقرّر المدير عزل المخزن عن بقيّة المتجر
فأكمل صديقة : إلى أن أتت السيدة الفضوليّة وأطلقت سراحه
- بالضبط !! والآن دعنا نصوّر المخزن المهجور ، ونشره على اليوتيوب لزيادة عدد متابعينا
وفجأة ! شعرا بزوبعة هواءٍ باردة تقترب منهما .. فأسرع أحدهما بالقفز من النافذة العلويّة ، بينما علق الثاني بالداخل !
وفشلت محاولاته لإنقاذ صديقه الذي ظلّ يصرخ في الظلام ، الى أن أختفى تماماً .. لتجده الشرطة بعد ساعة ، غارقاً في بركة دمائه ! حينها أصدر رئيس البلديّة قراراً بهدم المتجر المسكون ..
واجتمعت الناس لمشاهدة عمليّة الردم .. وبعد تسويته بالأرض ، صفّقوا بارتياح بعد انتهاء الكابوس
***
في اليوم التالي ، وفي شرفة فلّته الساحليّة .. إبتسم مدير السوبرماركت وهو يقرأ خبر الردم بالصحيفة ، قائلاً في نفسه :
((اين ستعيش الآن ايها الحقير الصغير))
ثم ارتشف كوب القهوة .. ليبدأ بالسعال القويّ الذي أيقظ زوجته التي أسرعت للشرفة ، لتجده يحلّق فوق كرسيه ! وقبل إمساكها قدمه ، رمته زوبعة الهواء لخارج الشرفة ، وسط دهشة الزوجة المرتعبة !
ورغم تأكيدها مراراً للشرطة والجيران بما حصل ، إلاّ أنهم أصرّوا على انتحاره .. فلم تكترث لهم ، وأخلت الفيلا بعد تيقنها بإحتلالها من روحٍ غاضبة !
وبعد رحيلها ، قال روح الصبي للسيدة الفضوليّة :
- أخبرتك انني سأعوّضك عن شقتك الصغيرة بمكانٍ فخم ، وهآ نحن نعيش بفيلا قرب البحر .. وإن ملّلنا من هنا ، نحتلّ قصراً او ناطحة سحاب او مدينة بأكملها , فالبشر جبناء ويخيفهم وجودنا
روح السيدة : لطالما تمنّيت العيش في مولٍ تجاريّ
- اذاً إختاري أحدها ، وسنخطّط معاً للإستيلاء عليها
وابتسما بخبث