الثلاثاء، 8 فبراير 2022

التجربة الأخيرة

تأليف : امل شانوحة 

 

لحظة الموت


عاش عدنان مع زوجته 50 عاماً دون إنجابهم الأولاد بسبب عقر زوجته الذي رفض تطليقها بسبب حبه الكبير لها ، رغم اعتراض اهله .. 

وبعد بلوغهما سن 70 ، تدهورت حالته الماديّة بعد تقاعده الوظيفيّ .. وعاشا على تعويض الشيخوخة وعطايا الجمعيّة الخيريّة التي توفّر لهما الطعام والأدويّة التي منها علاج زوجته لمرض العضال ، محاولاً الإعتناء بها لخمس سنوات وهي طريحة الفراش ..


وفي هذا النهار .. زادت أوجاعها مع برودة الجوّ ، وأخذت تأنّ لساعاتٍ متواصلة وهي تطالب زوجها بإحضار الدواء ..لكنه لم يجد فلساً في منزله ، والجمعيّة مُغلقة بسبب الأعياد !  

فحاول إلهائها بقراءة روايتها المفضلّة بجانب سريرها .. وكلما غفت ، إستيقظت بعد دقائق وهي تتألّم من هشاشة عظامها ..


فلم يعد يحتمل عذابها ..وبلحظة يأس ، أطبق وسادته على أنفاسها وهو يضغط بكل قوته ، مُتجاهلاً صراخها المكبوت ! إلى أن توقفت عن الحراك .. فأزال الوسادة ، ليجدها جثةً هامدة .. فأغلق عينيها وهو يبكي بقهرٍ ومرارة .. 


ثم صعد للعلّية لإحضار حبلٍ غليظ .. ربطه في حلقة السقف قُرب الباب الرئيسي للمنزل ، بعد وضع رسالة الإنتحار في جيبه 


ثم اتصل بالشرطة وهو يقول بصوتٍ مرتجف :

- الو 

- هنا مركز الشرطة ، هل هناك حالةً طارئة ؟

عدنان بأنفاسٍ متقطّعة : نعم ... قتلت زوجتي

- قتلتها ! كيف ؟

- بالوسادة

- اين انت الآن ؟

عدنان : في منزلي ، وسأنتحر بعد قليل

- لحظة ! لا تتهوّر..

- أظن العنوان ظاهر على شاشتكم ؟

- نعم ، والشرطة في طريقها اليك

عدنان : اذاً عليّ الإستعجال

وأنهى المكالمة.. 


ثم وقف على الكرسي .. ووضع الحبل حول رقبته ، مُستذكراً شريط حياته الذي انقطع فور سماعه لسيارة شرطة تقترب من شارعه ، فاستجمع قواه وقفز عن الكرسي ..


وكان اول إحساسٍ شعر به : هو الإختناق الشديد ، والندم على قرار الإنتحار .. فرفع ذراعيه بما تبقّى من قوته ، مُحاولاً إزالة الحبل عن رقبته .. ليلاحظ أن رؤيته تتلاشى شيئاً فشيئاً ، وتتحوّل الردهة المضيئة الى عتمةٍ قاتمة ! 

وهنا سمع صوت طرقٍ على الباب .. فعاد اليه الأمل ، وأخذ يكلّم نفسه :

((إكسروا الباب !!.. أنقذوني بسرعة))


والغريب إن بعد كسرهم الباب ، لم يحاولوا قطع الحبل ! بل اكتفى الشرطي بالتحدّث باللاّسلكي مع المركز قائلاً :

- عثرنا عليه ميتاً .. أكرّر !! القاتل انتحر شنقاً

فحاول عدنان الصراخ ، لكن صوته حُبس داخله :

((إنزلني يا غبيّ ، سينتهي الأكسجين))


وهنا سمع الشرطي الثاني (الذي عاد من غرفة النوم) يقول لزميله :

- وجدّت القتيلة ، ماتت خنقاً في سريرها 


وأخذا يتحدثان معاً ، بانتظار قدوم الإسعاف لنقل الجثتين (كما وصفوهما) .. ففهم عدنان ما يدور حوله ، قائلاً في نفسه :

((يبدو انني متّ بالفعل ! يعني ما قرأته صحيحاً .. السمع هو آخر حاسّة يفقدها الميت .. والعقل يعمل لبعض الوقت ، بعد توقف القلب .. إذاً متى تنتقل روحي للسماء ؟ لا اريد البقاء واعياً لحظة دفني ! هل ترى زوجتي تشعر مثلي ؟ هل استوعبت انني قاتلها ؟))


وتسارعت الأحداث فور وصول سيارة الإسعاف .. فقطعا الحبل ، ومدّدا جثمانه على الأرضيّة الباردة .. ثم أدخلاه في كيسٍ بلاستيكيّ .. ثم وضعاه بجانب جثة زوجته في سيارة الإسعاف 


ومع تحرّك السيارة ، شعر عدنان بكل ما حوله : برودة الجوّ ، مطبّات الطريق ، وحديث المُسعف مع مشرحة المستشفى ! 

وتمنّى إنتهاء كابوسه بعد وضعه في الثلاّجة .. لكن عقله ظلّ مستوعباً لكل شيء ، ومنها كلام الطبيب الشرعيّ وهو يشرح حالته:

- ما أخبرتك به الشرطة صحيحاً .. فبعد فحصي للجثة ، أستطيع الجزم أنه توفيّ بعد الشنق مباشرةً .. ولأن رقمك في جوّاله ، إتصلنا بك .. فهل ستُعلم أخاه بما حصل ؟ فهذه رغبته الأخيرة 


 وهنا سمع عدنان صوتاً مألوفاً ، يقول بصدمةٍ وحزن :

- مازلت لا أصدّق إن صديقي قتل زوجته التي يعشقها بجنون ، ثم أقدم على الإنتحار ! ..كان رجلاً صالحاً ، لم يؤذي أحداً .. فكيف أنهى حياته بارتكاب جريمتين بحقّ زوجته ونفسه ؟.. (ثم سكت قليلاً لمسح دموعه) .. اللهم ثبّت علينا العقل والدين

الطبيب الشرعي : حسب رسالته ، كان يعاني من ضائقة ماليّة 

الصديق : لوّ أخبرني لساعدته !! سامحه الله

فقال عدنان بامتعاض: ((كم مرة طلبت منك وتحجّجت بديونك ، الآن تُظهر كرمك بعد موتي !)) 


الطبيب الشرعي : هل ستغسله الآن ، أم نضعه بالثلاّجة لحين قدوم أخيه ؟ فأخت زوجته نقلتها للمغسلة قبل قليل ، وهي تلعن صهرها  

الصديق : سأتصل بأخيه .. وإن لم يستطع القدوم ، أتكفّل بالموضوع 

فأخذ عدنان يتساءل بقلق : ((ترى هل يقبل أخي المتطوّع غسلي والصلاة عليّ بعد معرفته ذنبي ؟))

 

وخرج الطبيب من المشرحة ، ليقوم الصديق برفع صوت الجوّال وهو يسأل الأخ عن القدوم للجنازة ، ليردّ غاضباً :

- لن آتي لمدينتكم بعد قيام العاصي بتشويه سمعة عائلتي ، إدفنه أنت!! 

وأنهى المكالمة ، ليتأفّف الصديق بعد تورّطه بهذه المشكلة


فقال عدنان بحزن : ((أخي الوحيد يرفض دفني ! يظنّ نفسه متديناً أكثر مني .. على الأقل عاملت زوجتي باحترامٍ ومودّة طوال حياتها ، اما هو فمازال يقسو على زوجته واولاده .. (ثم تنهّد بضيق) .. لا يهمّني كلامه ، فمصيري بيد الله وحده))

  

وفجأة ! شعر عدنان كأن روحه على وشك الخروج من جسده ، لكنها عادت فور شعوره بالماء البارد يُصبّ عليه من المُغسّل وصديقه ..

فقال بنفسه بضيق : ((الجوّ بارد ، لما تغسّلاني بماءٍ كالثلج ؟! حتى لوّ كنت ميتاً ، إفتحوا الماء الساخن يا عديمي الرحمة !!))


ثم جفّفاه على عجل ، وبدآ بتكفينه .. 

عدنان : ((لما يغلقون أنفي بالقطن ؟ أكاد أختنق !! .. وماهذا الشيء الخشن الذي يكفّناني به ؟ جلدي يتحسّس من القماش الرديء .. أكيد صاحبي البخيل اشترى ارخص كفنٍ لي .. ليتني صادقت غيره .. (وفكّر قليلاً).. لا أفهم سبب إحساسي بما يحصل معي ؟! أمعقول إن الله يعاقبني ببقاء روحي في جسدي لآخر لحظة ؟ ام إن جميع الموتى يشعرون بالإحباط مثلي لعدم قدرتنا على الحركة والتحدّث مع الأحياء !))


ثم سمع صوت إمام المسجد يرفض الصلاة عليه بعد معرفته بجريمته ، واصفاً عدنان بالضالّ الخرِف ! 

فقال عدنان بقهر: ((جيد إن الله العادل هو من سيحاكمني يوم القيامة .. وحينها سأشكو له ضعفي وقلّة حيلتي امام مرض زوجتي الحبيبة ، لربما يغفر لي بعد تخلّي الجميع عني !)) 


وبعد صلاة القلّة المتواجدين بالمسجد عليه ، حملوه الى المقبرة .. وكان تابوته ثقيلاً ، حيث سمعهم يتأفّفون لعجزهم عن الإسراع للقبر 

فقال عدنان بخوف : ((وزني 80 كيلو فقط ! أمعقول إنهم يشعرون بثقل ذنوبي ؟ .. فأنا شاركت بالكثير من الجنازات ، وكانت توابيتهم بوزن الريشة ! أيعني هذا انني في طريقي لجهنم ؟!)) 


وبعدها فُتح التابوت ، وأنزلوه الى القبر ..

فحاول عدنان الصراخ ، لكنه لم يستطع فتح فمه بعد ربط فكّه بقماشة مشدودة لأعلى رأسه .. 

فصرخ في داخله : (( رجاءً لا تضعوني بالقبر ، أخاف الأماكن الضيّقة والمظلمة .. أتوسّل اليكم !! لا ترموا التراب على وجهي ، سأختنق !!! فأنا لم أمت بعد ، الا تسمعونني !!!!)) 


ثم عمّ الظلام المخيف ! سامعاً خطى أقدامهم تبتعد عن المقبرة ، وهم يردّدون : 

- لا حول ولا وقوّة الا بالله ، عاش صالحاً ومات مُذنباً .. فليرحمه الله على ذنبه الكبير 


بعدها ساد الهدوء الثقيل ، إلاّ من حركةٍ خفيفة داخل التراب .. فتساءل عدنان بخوف : ((أهذا صوت الحشرات تحفر للوصول الى جثماني ؟ لا ياربي ، لا تجعلني واعياً لرؤية الدود تنهش جسدي))


وهنا سمع صوتاً يقول :

- لن يتحلّل جسدك قبل إمتحانك الأخير 

فنظر للأعلى .. ليجد الملك نكير يحمل مطرقةً حديديّة ، بينما منكر يستعدّ لسؤاله :

- عدنان !! من ربك ؟


فتسمّرت عيناه على المطرقة الحديدية ، لدرجة جعلت لسانه ينعقد من شدّة الخوف ! 

منكر : لا إجابة .. السؤال الثاني : ما دينك ؟

فقال عدنان في نفسه : ((أعرف الإجابة ، لما لا استطيع التكلّم ؟))

منكر : حسناً السؤال الثالث والأخير : من نبيك ؟

وهنا صرخ عدنان بخوف : رجاءً لا تضرباني بالمطرقة !! 

نكير : للأسف ، فشلت بامتحانك الأخير 

عدنان برعب : أهذا يعني إن النار هو مصيري ؟


وهنا فُتحت نافذة بجانب قبره ، ليرى منها منزلته في جهنم  

فأشاح عدنان بوجهه للجهة الأخرى ، بعد أن لفحته الحرارة الخارجة منها!


نكير : ذنبا القتل والإنتحار ستعاقب عليهما لاحقاً 

عدنان : وماذا عن زوجتي ؟ 

منكر : هي شهيدة ، وتنعم الآن برؤية مكانها في الجنة 

عدنان بحزن : يعني لن أدخل الجنة مُطلقاً ، فأنا كنت عبداً مطيعاً لله طوال حياتي ؟!

منكر : خلودك في النار متوقف على مسامحة زوجتك ، ومغفرة الله 

نكير : بقيّ شيءٌ أخير قبل ذهابنا .. نتيجة الإمتحان الذي فشلت فيه


وانهال عليه بالمطرقة بقوةٍ جعلت اطراف عدنان تنفصل عن جسده .. ليصرخ متألماً ، لوّ سمعها أهل الأرض لفرّوا هاربين بفزعٍ شديد! 

بعدها فُصلت روحه عن جسده أخيراً ، في انتظار عودتها لجسده يوم القيامة ليُحسم الله في مصيره الأبديّ !


هناك 3 تعليقات:

  1. هذه القصه 483 أظن ...حبذا لو وضع رقم القصه ...وأراكي للأسف قاسيه مع عدنان ذاك الشجاع الذي إستطاع فعل ما يعجز عنه الكثيرون ...وهنا تنويه بسيط بأن المنتحر ليس بكافر ولا بمخلد في جهنم ...طبعا ليست هذه دعوه للإنتحار فإن الأمر ليس بتلك السهوله أبدا ولا ينبئك مثل خبير ...
    ولكن المأسآه الصرف هي التفرد بالبليه...إذ ليس هناك سلوى بالمثيل والشبه ...والتأسي بهم ...

    ردحذف
    الردود
    1. نعم هذا المنشور رقم (483) 36 منهم بين مقال وفيديو واعلان .. يعني هذه قصة رقم (447) ولله الحمد ..

      حذف
    2. صحيح كلامك عاصم .. ليس كافر ولن يخلّد في نار جهنم لكن عذابه شديد إلا إن عفى ربي عنه لأن روحنا ليست ملكنا وإنما هي أمانة حتى يتوفّانا الله.
      صراحةً كانت قصة مخيفة أستاذة أمل لكنها جميلة.

      حذف

صديقي الشاحب

تأليف : امل شانوحة    براءة الطفولة وقف حزيناً بعد فشله لمس الكرة الموجودة في غرفة الطفل آدم .. وأخذ يتأمّل منظر الألعاب المُنعكسة في المرآة...