الخميس، 3 فبراير 2022

الثريّ المدلّل

تأليف : امل شانوحة 

 

تقويم السلوك 


كسب مذيعٌ أمريكي ثروةً كبيرة بعد نجاح برنامجه الترفيهيّ .. وفي إحدى الحلقات استضاف اولاداً مميزين ، منهم المراهق جيم (14سنة) الذي ينوي التخصّص في الطبّ النفسي .. 

ولكيّ يمتحنه المذيع ، سمح للمتواجيدن في المسرح بطرح مشاكلهم عليه ، ليفاجأهم برجاحة عقله وحلوله الذكيّة رغم بساطتها !

 

فحين سألته أم عن طفلها (4 سنوات) الذي يرفض النوم في غرفةٍ لوحده ، أجابها جيم :

- الصغار يخافون من عدّة أشياء : السقوط من مكانٍ عالي ، الصوت المرتفع ، بُعد الأهل عنهم .. لذا ضعي سريراً إضافيّ لك ، بجانب سريره .. وبعد نومه المبكّر ، تعودين الى غرفتك .. بهذا يطمئن لوجودك ، وينام بسهولة  


فصفّق له الجمهور .. ثم وقف أبّ ليخبره عن مشكلة ابنته المراهقة التي تريد قيادة سيارته الجديدة ، بعد حصولها على الرخصة .. 

فسأله جيم :

- أمازالت ابنتك في الثانويّة ؟ 

الأب : نعم ، وعمرها 16 

- اذاً اشتري لها سيارة مستعملة ، تستخدمها في الوقت الراهن ..فإن حطّمت بعض أجزائها بسبب اخطائها في القيادة ، لن تكلّفك الكثير ..وقبل ذهابها للجامعة إِهدها سيارةً جديدة ، بعد إمضائها سنتين  بالتعلّم على سيارتها القديمة

وعاد الجمهور للتصفيق له ، لإعجابهم برأيه السديد رغم صغر سنّه! 


فسألته أمٌ أخرى : 

- ابني في العاشرة ، ويلحّ عليّنا بإنجاب أخٍ له ! وانا ووالده منشغلين بعملنا ، ولا وقت لنا لرعاية طفلٍ جديد .. فكيف نفهمه ذلك؟

فأجابها جيم : هل تعرفين شخصاً يعمل مدرّس حضانة ؟

- لا ، لكن اختي تعمل ممرّضة في حضّانات المستشفى

- هذا أفضل .. دعيها تستأذن الإدارة ، ليساعدها إسبوعين على الأقل .. او يسمحوا له بمراقبة خالته أثناء عملها .. وحين يتعب من صراخهم المستمر ، واحتياجهم للإهتمام على مدار الساعة ، سيفهم صعوبة الأمر .. ومن بعدها اشتروا له قطة او كلب ، وسلّموه مسؤوليتها بالكامل .. وحين ينشغل بحيوانه الأليف ، سيكفّ عن الإلحاحّ بطلبه ، طالما لا ترغبين أنت وزوجك بذلك 

الأم : حلٌّ منطقي ، شكراً لك


وهنا قال المذيع بذهول : أعجبني تفكيرك يا جيم ! لهذا سأتكفّل بمصاريف دراستك الجامعيّة ، لحين تخرّجك كطبيبٍ نفسيّ نفتخر به جميعاً 


وصفّق الجمهور بحرارة بعد إحتضان جيم له ، شاكراً على منحته الدراسيّة

***


بعد انتهاء البرنامج .. وقبل صعود جيم الى سيارة والديه ، إقترب منه  المصوّر ليخبره بأن المذيع يريد رؤيته في غرفة المكياج .. فسمح أهله بالذهاب معه 


وهناك ، قال المذيع :

- لم اردّ التحدّث امام الناس .. لكني أعاني من إستهتار إبني الشاب ، واريد نصيحتك

- تفضّل سيدي

المذيع : انا عشت حياةً صعبة وفقيرة طوال طفولتي ومراهقتي.. 

جيم مقاطعاً : نعم .. قرأت قصّة حياتك بكتاب سيرتك الذاتيّة ، انت عصاميّ بالفعل !!


المذيع : شكراً لك ، المشكلة ان إبني الوحيد عاش ثلاثين سنة في نعيمٍ ورفاهيّة .. فوالدته المرحومة عوّدته على صرف مالي على أصحابه وحفلاته وطلباته التي لا تنتهي .. وأخاف أن ينتهي امره كما حصل مع الكثير من الأثرياء بالمخدرات او الإنتحار .. واريد إفهامه بأن الحياة ليست سهلة وتحت امره كما يظنّ ، فكيف أفعل ذلك ؟ فقد فشلت جميع عقوباتي لتقويم سلوكه !


ففكّر جيم قليلاً ، قبل أن يقول : 

- لوّ كنت مكانك لأعطيته مصروفه بشروطٍ حازمة 

المذيع باهتمام : ماذا تقصد ؟

- في حال طلب منك شراء سيارة بمئة الف دولار .. تشترط عليه توزيع 10 آلاف دولار على الفقراء ، تُخصم من مصروفه 

- ربما يكذب ويخبرني انه فعل !

- لم أُنهي فكرتي بعد 

المذيع : إكمل رجاءً


جيم : عليه وضع كاميرا صغيرة ومسجّلاً للصوت في ثيابه ، موصولان بحاسوبك كيّ ترى طريقة توزيعه للمال .. فأنت لن تهديه السيارة إلاّ إذا أعطى الصدقات لمن يستحقّها ، وليس للمجرمين او المدمنين على سبيل المثال.. كما تشترط عليه كتابة بحثٍ بنهاية التجربة

- بحث ؟!


جيم : نعم ، بحث عن ما استفاده بعد مخالطته الفقراء .. يعني قبل توزيعه المال ، عليه طرح الأسئلة عليهم مثل : ما اسوء قرار أخذته في حياتك ؟ ..ماذا تتمنّى تغيّره لوّ عدّت للماضي ؟ .. ما اهم شيء في الحياة ؟ .. مالشيء الذي ندمت على قوله او فعله ؟ ..ما ملخّص الحياة بالنسبة لك ؟ .. ما الحدث الذي جعلك تبكي بقهر ، او أشعرك بسعادةٍ غامرة ؟ .. من العزيز الذي أبكاك فراقه ؟ .. لوّ معك المال ، ما اول شيء ستفعله بحياتك ؟ .. لوّ ملكت المال ، من الصديق الذي ستساعده ولماذا ؟..من قدوتك بالحياة ؟ ..واسئلة أخرى من هذا النوع


المذيع بدهشة : جميلٌ جداً !

- أظن سؤاله المحتاجين تلك الأسئلة العميقة ، ستغيّر نظرته للحياة؟ 

- فكرتك جميلة ، سأنفّذها قريباً .. شكراً لك 

جيم : بل الشكر لك لتكفّلك بتعليمي الجامعي

- انت تستحق ذلك ، فالعالم يحتاج لأفكارك النّيرة التي وهبك الله إيّاها

ثم سلّم عليه ، ليعود الصبيّ الى سيارة والديه ..

***


في بادىء الأمر ، إستهزأ ابن المذيع (إريك) بالموضوع.. 

لكن حينما أخبره والده بحرمانه من المصروف إن لم ينفّذ طلبه ، ردّ غاضباً :

- حسناً !! أعطني العشرة آلاف ، وسأنهي المهمّة الليلة


فاعطاه المبلغ نقداً .. وخرج الشاب مُتضايقاً من مكتب والده في القصر ، خاصة بعد إجباره على وضع كاميرا وميكروفون صغير في ملابسه 


ولشدّة قلق والده عليه ! طلب من حارسه مراقبته عن بعد ، والتدخل إن لزم الأمر

***


وارتكب إريك خطؤه الأول باختياره أغلى سياراته للذهاب الى مكان تجمّع المشرّدين ! 

وحين وصل اليهم ، نزل من سيارته الفارهة التي تسمّرت أعين الطامعين  عليها !


ثم اقترب من طابور المشرّدين الذين ينتظرون الطعام المجانيّ المُقدّم من جمعيةٍ خيريّة .. 

ورمى العشرة آلاف دولار في الهواء ، وهو يقول :

- إذهبوا واشتروا ما تريدون !!


فأسرع معظمهم للمّلمة المال من الشارع .. بينما هجم إثنين عليه بالسكين ، لسرقة محفظته وجوّاله وسيارته الغالية .. فأعطاهما كل شيء وهو يترجّاهما أن لا يقتلاه ! 


ثم سمعوا طلقاتٍ ناريّة من بعيد ، فهربوا جميعاً من المكان .. ليجد إريك حارس والده (بيده المسدس) يطلب منه دخول سيارته ، قبل هجومهم من جديد 

وأخذ إريك طوال الطريق يلعن فكرة والده التي كادت تقتله !

***


حين وصلا القصر ، وجد والده غاضباً (بعد رؤيته ما حصل على حاسوبه) وصرخ معاتباً : 

- هل جننت يا إريك لتذهب لمنطقة العصابات والمدمنين ، وتبعثر مالي امامهم ؟!! 

فردّ إريك بعصبيّة : اليست فكرتك أن أعطي اولئك الحثالة مساعدات ماليّة؟!!


الأب بغضب : ومن سمح لك بمعاملتهم باحتقار ؟ انا تربّيت في تلك المناطق العشوائيّة ، أتدري كم أنت محظوظ انهم لم يعتدوا عليك قبل قتلك .. قلت لك أن تعطي المال لمن يستحقه فقط !!

- ومن اسوء من المشرّدين ؟!

- شغّل مخّك يا ولد !! إبحث بالإنترنت .. اسأل الآخرين .. تعلّم ايها الجاهل !!


إريك بقلق : أهذا يعني انك لن تشتري السيارة التي طلبتها ، بدل سيارتي المسروقة ؟!

الأب بحزم : لن أفعل !! بل سأخصم10 آلاف جديدة من مصروفك ..وهذه المرة فكّر جيداً .. لأنك إن فشلت بالمهمّة ، أحلف أن أسجّل جميع املاكي للجمعيات الخيريّة .. والآن أغرب عن وجهي !!


وبعد خروج إريك من المكتب ، سأل الحارس :

- انا لا أفهم ما حصل لأبي ! هذه اول مرة يعاملني ببخل

الحارس : هو يريدك أن تنجح بالمهمّة 

- انا لا اعرف شيئاً عن الفقراء !! لم اراهم في حياتي ، فكيف أصل اليهم ؟!

الحارس : أتريد مساعدة ؟

- نعم !!

- لكن بسرّية ، كيّ لا يغضب السيد

***


وفي غرفة إريك ، طلب الحارس منه فتح الإنترنت على حاسوبه .. ثم بدأ يريه الجمعيات التي تستحق المساعدة مثل : مستشفى الأمراض السرطانيّة للأطفال ، دار المعاقين ، دار الأيتام ، دار العجزة ، جمعيّة لحفر الآبار في الأماكن الشعبيّة ، وجمعيّة أخرى لدفع كفالة الفقراء المسجونين بديونٍ ماديّة وغيرها ..


حينها فهم إريك مقصد والده ! وأخذ عناوين الجمعيات من الإنترنت ، وطلب من حارسه مرافقته إليها في الصباح ..

***


في اليوم التالي .. تبرّع إريك لكل جمعيّة بألف دولار ، بعد تحدّثه مع النزلاء العجائز والأطفال والمرضى .. 


ففي المستشفى الحكومي .. تقابل مع طفلٍ يتيم ، تشوّه بعد موت عائلته بحريقٍ في منزلهم .. ورغم بؤس حاله إلاّ إن الإبتسامة لم تفارق وجهه ، وهو يخبره عن أحلامه المستقبليّة الطموحة ! 

فقرّر تبنّيه ماديّاً لحين إنهاء دراسته ، من مصروفه الشخصيّ 

كما تبرّع هو والحارس بالدم قبل خروجهم من هناك 


وفي دار العجزة .. تحدّث إريك مع العجائز الذين أمتعوه بقصصهم اللطيفة وتجاربهم بالحياة .. وتأثّر اثناء حديثهم عن اولادهم الذين تخلّوا عنهم بعد كبر سنهم ! 

ورغم وحدتهم الكئيبة إلاّ انهم يعيشون كل يومٍ بيومه ، مُتأمّلين أن يسامحهم الله على اخطائهم الماضية !


كما التقى مع عائلات شُردّت بالشوارع بعد إعصارٍ ضرب ولايتهم ..ولفتتّ إنتباهه صبيّة درست الطب قبل ضياع شهادتها اسفل ركام منزلها ..فتكفّل بمساعدتها بإخراج نسخاً عنها من وزارة التعليم ، بالإضافة لمساعدتها بمصاريف تعليمها على حسابه الخاصّ 


اما بقيّة المبلغ ، فتبرّع به عبر الإنترنت لجمعيّة حفر الآبار في المناطق الشعبيّة .. ولجمعيّة تُهدي الكراسي المتحرّكة للمشلولين الفقراء الذين ارسلوا فيديوهات يشكرون إريك على تبرّعه بكلماتٍ مؤثّرة ، أدمعت له عيناه !

***


بنهاية الإسبوع .. سلّم إريك بحثه الكتابيّ لوالده ، عمّا استفاده من تجربته مع الفقراء والمحتاجين .. 


وقد أُعجب الأب بكلامه وتعبيره الإنسانيّ ، وكان واضحاً تغيّر تفكيره وتصرّفاته بعد تجربته الفريدة !

وبنهاية البحث : شكر والده الذي وفّر له متع الحياة ..وختم كلامه بشكر الله على نعمة الثراء والصحّة التي حرم منها الكثير من الناس حول العالم!

***


في اليوم التالي .. أهداه والده السيارة التي يتمنّاها منذ شهور ، لكن إريك  فاجأه قائلاً :

- هل تسمح لي ببيعها والإستفادة من مالها ؟

الأب بدهشة : وماذا ستفعل بالمال ؟! 

- إتفقت في الأيام الماضية مع رفاقي الأثرياء على فتح مصنع حلويات ، وحالياً نجمع المال لبدء العمل .. وسأوظّف الشباب العاطلين عن العمل ، والمشرّدين الأصحّاء ، والمتسرّحين من السجون حسني السلوك ، في مقابل تدبير مسكنهم ومأكلهم 

- يعني دون رواتب ؟!


إريك : فقط في الشهور الأولى لبدء العمل بالمصنع .. وحين يُقبل المتسوقين على حلوياتنا الجديدة ، ندفع نسبة من الأرباح كأجورٍ لهم ، بذلك يشعرون أنهم شركاء بالمشروع وليسوا مجرّد موظفين عندي 

- يبدو انك فكّرت بكل شيء !  

- بلغت الثلاثين يا ابي ، وعليّ الإعتماد على نفسي 

الأب بدهشة وفخر : تغيّرت كثيراً يا إريك !


إريك : تعلّمت من الفقراء ، فحياتهم رغم صعوبتها إلاّ انها واقعيّة للغاية .. فهم تعلّموا منذ الصغر أن يكونوا اقوياء لتحمّل جميع الصعوبات وخيبات الأمل !.. لهذا أحاول أن لا أكرّر أخطاء الماضي ، وأفعل شيئاً مفيداً للمجتمع ..وطالما نيّتي مساعدة الآخرين ، فالله سيوفقني بقراراتي المستقبليّة .. (ثم سكت قليلاً) .. أتدري أفضل شيء تعلّمته بهذه التجربة : بأن فرحة العطاء أجمل بكثير من التسوّق والسفر ، فقد أحسسّت بأهميّة من حولي بعد تنازلي عن غروري وطيشي الذي لم يعدّ يناسب عمري .. 

- أخيراً فهمت ما أحاول تعليمك إيّاه منذ سنوات

وحضنه والده بفخرٍ وحنان

***


بعد ايام .. زار المذيع عائلة المراهق جيم لإخباره بنجاح خطته ..ثم اراه فيديو مصوّر (على جواله) لعيادةٍ نفسيّة وسط البلد ، قائلاً :

- هذه عيادتك يا جيم ، إشتريتها بإسمك ..ستستلمها فور تخرّجك الجامعي  

جيم بدهشة وفرح : هذا كثير ! مال للدراسة ، وعيادةً فاخرة .. شكراً جزيلاً لك

المذيع والدموع في عينيه : بل الشكر لك لتقويم ابني قبل فوات الآوان ، ايها العبقري الصغير 

وحضنه بامتنان !


هناك 4 تعليقات:

  1. هذه رسالة من إبن اليمن : اهلا اخ عاصم لم يضهر الايميل ...ولكن اعملي رساله ع ايملي ...maajdialqaheezah222@gmail.com

    ردحذف
  2. القصه هاي بها تفائل كبير

    ردحذف
  3. سأفعل بإذن الله ...كل الشكر أخي... ولكي أيضا أخت أمل ...بالنسبه للقصه صراحة لايسع أي قاريء أن يقول للكاتب لماذا كذا أو كذا ...ولكني أجد هذه النوعيه شديدة المثاليه ...طبعا وجود الشخصيه الإيجابيه مفيد ولكن يلزمه سلطان القوه والعدل بصوته وسوطه ...كل الشكر ...كل الشكر

    ردحذف
  4. رائعه القصه ..من اروع ماقرأت علا الاطلاق ......مشكوووووووووره كل الشكر والتقدير اخت امل ....مشكووووره مشكووووره

    ردحذف

صديقي الشاحب

تأليف : امل شانوحة    براءة الطفولة وقف حزيناً بعد فشله لمس الكرة الموجودة في غرفة الطفل آدم .. وأخذ يتأمّل منظر الألعاب المُنعكسة في المرآة...