الأربعاء، 26 يناير 2022

قطع غيار

تأليف : امل شانوحة 

 

الهبة الإنسانيّة


لطالما تساءل والد سليم عن سبب إنجابه إبناً مريضاً بالعضال ؟! فهو منذ صغره يلازم كرسيه المتحرك ، بعكس إخوته الكبار الرياضيين الحاصلين على ميداليات ذهبيّة ، والذين يطمحون للإلتحاق بالأولمبياد بتشجيعٍ من والدهم أخصائي التغذية .. 


اما سليم .. فأمضى معظم حياته (18 عاماً) مُتنقلاً بين المستشفى والعلاج الطبّي ، مما أتعب عائلته نفسيّاً ومادياً ! 

ولأن مدينتهم صغيرة ، لم يتواجد فيها سوى مستشفى واحد .. لهذا صار صديقاً للأطباء والممرّضين الذين اعتادوا على رؤيته من وقتٍ لآخر.. 

كما اصبح لديه اصدقاء في القاعة الكبيرة الموجودة بالطابق السفليّ للمستشفى ، المخصّصة لعلاج الأمراض المستعصيّة : كمرضى السكري وغسيل الكلى والسرطان والمعاقين وغيرهم


وكان سليم اكثر المرضى تفاؤلاً رغم سوء حالته الصحيّة .. فأحياناً يواسي الأهالي الذين يحضرون لاستلام الجثة من المشرحة ، او يتلقون خبر فشل عمليات أقاربهم . 

كما اعتاد شراء الحلويات من مصروفه للمرضى الأطفال الذين يفرحون بقصصه الشيّقة التي يرويها لهم قبل نومهم ، لهذا لقّبه الجميع : ((بملاك المستشفى))

***


في أحد الأيام .. سأل سليم الممرّضة عن الحاج عادل (أكبر المرضى سناً) فأخبرته انه يحتضر وحده في غرفة العناية ، بعد رفض ابنائه الحضور لخوفهم من مرض الجذام الذي أصابه قبل شهرين.. 

فأصرّ سليم على رؤيته ، رغم تحذيرها له من العدوى بسبب مناعته الضعيفة .. فأجابها بعصبية :

- انا ميت بجميع الأحوال !! على الأقل لن اموت نذلاً بالتخلّي عن العم عادل الذي كان بمثابة أبٍ لي ، بعد انشغال والدي بمباريات اخوتي الرياضيّة


فوافقت على أخذه لغرفة العجوز .. وتركته واقفاً بجانب سريره وهو يحاول كتم دموعه ، بعد رؤيته يتألّم من سكرات الموت .. 

فقال العجوز :

- لا تبكي يا سليم ، فأنا عشت حياتي : تعلّمت وسافرت ، وعملت بالتجارة وتزوجت وأنجبت الأولاد والبنات ، وأصبحت جدّاً لثلاثين حفيداً .. ورغم عدم توديعيهم لي قبل وفاتي إلاّ انني لست حزيناً ، فقد التزمت بديني طوال عمري ولم أفعل الحرام او اعتدي على حقوق غيري ولم أوذي انساناً بكلمة ، فلما أخاف من لقاء ربي العادل الذي حتماً سيُجزيني خيراً عن افعالي الصالحة ..هل معقول ان أحزن لدخولي بعد دقائق الى الجنة التي لن أشعر فيها بالألم والخوف والجوع والعجزّ ما حييت 


سليم وهو يمسح دموعه : ليتني لا أخاف من الموت ، مثلك يا عمي 

- وهل عصيت يوماً ربك ؟

- وكيف افعل وانا نصف مشلول ، وأمضيت جلّ حياتي في المستشفيات

العجوز : وكل لحظة شعرت فيها بالألم ، سيكافئك الله عنها بالآخرة ، لدرجة تمنّيك زيادة بلاؤك في الدنيا .. فمع صبرك على المصائب ترتفع درجتك في جنّات الخلد .. الم تسمع قول الله تعالى ))ولا يلقّاها إلاّ الصابرون)) ؟

سليم بتعجّب : هذه اول مرة أفكّر بالموت بأنه راحة من عذاب الدنيا !

العجوز : بل هو بوّابة للإنتقال لعالم الخلود .


ولم يكمل جملته ، حتى انتفض جسمه قليلاً ..ليرتفع بعدها رنين جهاز القلب ! 

فأسرع الطبيب لتأكّد من وفاة العجوز ، بعد أن أمر سليم بالخروج من الغرفة ..

فتمّتم سليم قائلاً :

- ألقاك قريباً يا عمي 

وجرّ كرسيه المتحرّك ، والدموع على وجنتيه..

***


بعد هذه الحادثة ..فكّر سليم كثيراً بالموضوع ، قبل حسم أمره ..

ودخل غرفة مدير المستشفى ليخبره بقراره الجريء ، فسأله باستغراب :

- هل انت متأكّد من ذلك ؟

سليم : نعم ، حدّد الموعد بعد انتهائي من المهمّة 

المدير : لكنها عملية خطيرة ، وقد لا تنجو منها

- اعرف هذا ، لهذا طلبت منك إبقاء الأمر سرّاً بيننا .. 

- أمصرّ أن لا تخبر اهلك بقرارك ؟

سليم بحزم : لا داعي لذلك ، فقد تجاوزت سن 18 ومن حقّي تحديد مصيري 

- ومتى تريد إجراء العمليّة ؟

سليم : بعد إيجاد الأشخاص الذين يستحقون أعضائي 


وخرج من مكتبه ، بعد توقيعه ورقة رسميّة بموافقته على التبرّع بأعضائه فور فشل عمليّته الخطيرة

***


خلال الأيام التالية .. تجوّل سليم مع الممرّضة (بأمرٍ من مديرها) على غرف الحالات الصعبة ، وهي تخبره عن حالتهم الصحيّة 


الممرّضة : وهذه غرفة فتاة صغيرة تعاني من فشلٍ كلويّ

سليم : ما اسمها لأقيّده في لائحتي ؟

وقبل أن تخبره ، إقترب والد الفتاة صارخاً :

- الم ينتهي غسيل الكلى ؟!! لي ساعتين وانا انتظرها في الممرّ

الممرّضة : سيدي ، لا يمكننا الإستعجال ف..

الأب مقاطعاً بغضب : زيدي سرعة الجهاز ، فورائي اعمال أهم من هذه الفاشلة !!


فبكت ابنته فور سماعها كلام ابيها الجارح ، فأسرعت الممرّضة بإخراج والدها من الغرفة .. فاقترب سليم بكرسيه المتحرك من سريرها ليسألها :

- هل اعتاد والدك على ضربك ؟

الفتاة بحزن : كان يفعل ذلك قبل إصابتي بفشلٍ كلويّ ، لكنه مازال يضرب امي !

- وهل لديك إخوة ؟

- هو لا يريد اولاد معاقين مثلي

سليم : أتدرين يا صغيرتي ، يبدو من الأفضل أن تعيشي في مكانٍ أجمل من بيتك الحاليّ

الفتاة : أين ؟

سليم : في الجنة ، مع آباء رحماء كالعم عادل

وخرج من الغرفة ، بعد شطب إسمها من اللائحة..

***


بعد قليل لحقته الممرّضة ، لتريه غرفة مريض آخر يحتاج على الدوام لتغير دمه .. فشاهده سليم وهو يصرخ على عاملة النظافة بشتائم بذيئة ! فأخبرته الممرّضة انهم اعتادوا على طباعه السيئة 

فشطب سليم اسمه من اللائحة ، وهو يقول :

- الدنيا لا تحتاج للمزيد من سيئي الخُلق .. رجاءً خذيني لأصدقائي بالطابق الأرضيّ ، فهم اولى بأعضائي

***


وفي القاعة السفليّة ، راقب سليم تصرّفات المرضى دون علمهم .. الى ان لاحظ مريضة جديدة (بسن المراهقة) حسنة الخلق مع الجميع ، ودائماً تشكر الممرّضين بامتنان ، وحنونة مع المرضى الأصغر سناً 

فبدأ يتقرّب منها للتعرّف عليها .. 

وبعد محادثتها لساعتين ، تفاجأ بصفاتهما المشتركة !

***


مع الأيام .. أُغرم بالصبيّة ، خاصة لكونها تُخفي ألمها رغم حاجتها لمتبرّعٍ للقلب بأسرع وقتٍ ممكن !

لهذا كتب إسمها بلائحته ، فهي الوحيدة التي تستحق قلبه 


وكذلك اختار أم لثلاثة اطفال لإعطائها كبده.. اما كليته اليمنى فقرّر إعطائها لرياضيّ يافع يحلم بالبطولة .. وقزحيّة عينيه لولدٍ صغير حتى لا يصاب بالعمى .. أما دمه فوزّعه على ثلاثة اولاد يعانون من فقر الدم.. ورئتيه لرضيع يعاني من صعوبة التنفّس .. 


وهكذا أكمل لائحته بأسماء المستفيدين التي أعطاها لمدير المستشفى بسرّيةٍ تامة ، والذي بدوره حدّد موعد عمليته الخطيرة بنهاية الإسبوع 

***


في الموعد المحدّد .. تفاجأ سليم بتجمّع أهله في غرفته ، وهم يلومونه على اتخاذه قراراً مصيرياً دون استشارتهم (بعد اتصال المدير بهم)

فأخبرهم انه تعب من الإبر والأدوية والعلاج الفيزيائي ، كما ارهقهم كثيراً بمصاريفه الماديّة ، وانه يرغب حقاً بإنهاء عذابه : إما بشفائه التام ، او موته ليريحهم من همّه


وبعد توديعه ، دخل غرفة العمليات .. وقبل تخديره ، أمسك يد الطبيب قائلاً :

- إتفقت مع مدير المستشفى بأن لا تنعشني في حال فشلت العملية ، وأن تبدأ على الفور بإزالة اعضائي للمستفيدين الذين عيّنت اسمائهم

الطبيب : اعلم هذا ، وهم متواجدون في المستشفى بانتظار النتيجة

سليم بحزن : تقصد بانتظار موتي .. اذاً دعنا لا نضيّع الوقت ، وضع لي جهاز التخدير 

***


وكما توقع الطبيب سابقاً ، لم تنجح عمليته ! وحزن اهله بخبر موته ، رغم علمهم بارتياحه من عذابه


وحين طالبوا المستشفى بتسليمهم سليم لدفنه.. تحجّجوا بالأوراق الرسميّة ، ووعدوهم بتسليم الجثة في اليوم التالي


بعد خروج اهل سليم من المستشفى ، بدأت عمليات جراحيّة مُستعجلة لنقل أعضائه للمستفيدين .. والتي نجحت جميعها ، لتهلّل عائلاتهم فرحاً وامتناناً للبطل سليم الذي أهدى مرضاهم فرصة جديدة للحياة

***


وفي اليوم التالي .. إستلم الأهل جثته مُكفّنة ! فعاتبهم الوالد :

- لما لم تسمحوا لنا بذلك ؟!

الطبيب : لدينا فريق عمل مُتخصّص بالغسل والتكفين ، عليكم فقط أخذه للجامع للصلاة عليه ..

وبذلك دُفن سليم ، دون علم اهله بتبرّعه بأعضائه !

***


ولم يعلموا بالأمر ، إلاّ بعد إقامتهم مجلس عزاء آخر بمرور 40 يوم على وفاته (حسب عادات منطقتهم)..

ليتفاجأوا برجلٍ ثريّ يقدّم لهم شيكاً بمبلغٍ كبير (بعد تبرّع سليم بكليته الأخرى لإبنه الوحيد)

وقبل أن يعيّ الأهل ما حصل ! قدم 8 اشخاص وعائلاتهم الى العزاء لشكرهم على تبرّعات سليم لإبنائهم

مما أغضب والده ، لعدم استشارة المستشفى له بهذا الخصوص.. 


ولم تهدأ اعصابه إلاّ بعد قدوم مدير المستشفى ، لتسليمه الورقة الرسميّة الموقّعة من سليم الذي اشترط سرّية تبرّعاته .. كما أعطاه رسالة منه ، طلب تسليمها لأبيه في العزاء ..

وكان فيها :

((ابي العزيز .. سمعتك مرة تكلّم صديقك : بأنك لا تعرف سبب إنجابك لولدٍ معاق مثلي ؟ وقد أحزنني كلامك ! لهذا بحثت عن مريضٍ ثريّ لأتبرّع له بكليتي ، لسداد ديون علاجي الذي كلّفتك بها منذ ولادتي ، وأتمنى أن يكون المبلغ كافياً .. اما بقيّة المستفيدين ، فهم اصدقائي ويحتاجون لفرصةٍ ثانية للحياة ، وقد اخترتهم بعناية ليستحقوا أعضائي ..رجاءً لا تغضب مني ، فالله خلقني لأكون قطع غيار للناس الصالحين .. فهل أنت فخورٌ الآن بإبنك المعاق ؟))


فبكى الأب حزناً على فراق ابنه .. بينما اقتربت الصبيّة من أم سليم وهي تقول :

- ابنك تبرّع لي بقلبه ، فهل تريدين سماع نبضاته ؟

وأعطتها السمّاعة الطبّية التي وضعتها الأم على صدرها ، لتقول باكية :

- نعم !! هذا قلب سليم الطيّب بالفعل

وانهارت عائلته بالبكاء..

***


بعد سنوات .. قدمت الفتاة مع طفلها الى المقبرة ، ووقفت امام قبر سليم :

- هذا ابني ، سمّيته على اسمك .. فزوجي يعلم إنك حبي الأول ..وكيف لا ، وانا احتفظ بقلبك داخلي .. شكراً لأنك أعطيتني فرصة للحياة ، يا صديقي الغالي


ورمت الورود على قبره ، وهي تقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة التي يندُر وجودها بحياتنا الحاليّة !


الثلاثاء، 25 يناير 2022

إمتحان الصبر

تأليف : امل شانوحة 

 

الله يبلي ويُعين


جلس مروان على الشاطىء في عطلة نهاية الإسبوع وهو يتأمّل البحر ، قبل ملاحظته بصّارة تراقبه من بعيد بتمعّن ! 

فابتسم لها ، ليجدها تشير بيديها بإشارة الصمّ والبكم ! 

فحرّك شفتيه لإخبارها إنه لا يفهم لغة الإشارة ، لكنه تفاجأ بنفسه يُحرّك يديه بطريقة مُشابهة للبصّارة ! 

ليس هذا فحسب .. بل سمع ما تقوله بمجرد مراقبته يديها ، وكأنه يتقن لغة الإشارة منذ سنوات !


ليدور بينهما هذا الحديث الصامت :

- آسف يا سيدة ، لا أفهم لغتكم

البصّارة : لكنك تتقنها بالفعل

- لما أحرّك يدايّ هكذا ؟!

- يبدو إن الله وهبك المعرفة ، لتصبر على البلاء القادم

مروان بقلق : عن أيّ مصيبةٍ تتحدثين ؟!


وقطع حديثهما مرور رجلٌ بثيابه السوداء وهو ينظر بحديّة الى مروان الذي شعر بالقشعريرة المرعبة تسري في جسده ! مُكتفياً بقول عبارةٍ واحدة ، قبل إكمال طريقه :

الرجل بصوتٍ رخيم : الله يبلي ويعين


وبعد ذهابه ..التفت مروان للبصّارة ، ليجدها ترتعش بخوف ! بعد رؤيتها الرجل الغامض ، وهي تشير بيديها لمروان :

- لقد نزل القدر ولا يمكنك تجنّبه ، كان الله في عونك يا مروان


فأفزعه معرفتها لإسمه ، قبل إختفائها بين المصطافين المتواجدين على البحر !

وبدوره غادر المكان بعد شعوره بالضيق مما حصل .

***


في طريقه الى منزله ... شاهد ولداً اخرساً يشير بيديه لمجموعة من الأولاد الذين لم يفهموا ما يريد !

والغريب إن مروان استطاع بسهولة فهم لغة الإشارة ، وأخبر الأولاد بأن الصبي يريد اللعب معهم لبراعته بتسديد الكرات .. فوافقوا على مشاركته المبارة .. فالتفت الصبي لمروان ليشكره على الترجمة 

وأكمل مروان طريقه ، وهو لا يفهم كيف أتقن هذه اللغة الخاصّة دون تعلّمها !

***


بعد ايام ... زار مروان قريبه الذي يعمل بدار المعاقين لإخباره بما حصل ، والذي اعتبرها صدفةً غريبة دون تفسيرٍ لها !


وقبل خروج مروان من الدار ، دخل بالخطأ الى غرفة تدريس الصمّ والبكم ، ووجد نفسه يُشارك المعلمة بتدريسهم ..


وبعد الحصة سألته : إن كان احد اقاربه أبكماً ، وتعلّم اللغة لأجله ؟

فأخبرها بما حصل عند الشاطىء..

فقالت بدهشة :

- صحيح لغة الإشارة ليست صعبة ، لكن أن تتعلّمها في لحظة لهو شيءٌ غريب بالفعل !.. (ثم سكتت قليلاً)..ربما أعطاك الله هذه القدرة للإستفادة منها بعملك ؟

مروان : أعمل مذيعاً للنشرة الرياضيّة ، فكيف ستفيدني لغة الصمّ؟!

وتحدثا قليلاً ، قبل عودته للمنزل

***


في اليوم التالي ..وبعد انتهاء نشرة الأخبار ، تعثّر احد العاملين بشريط الإنارة التي وقعت بقوة على رأس مروان ، مما أفقدته الوعيّ


واستيقظ بعد ساعتين في المستشفى .. وحين سأله الطبيب : كيف يشعر بعد خياطة 5 غرز في رأسه ؟

أجاب مروان بلسانٍ ثقيل ، وهو يجد صعوبة بنطق الحروف !

فقال الطبيب :

- يبدو إن الإصابة أضرّت مركز النطق في الدماغ ! سنصوّر رأسك بالأشعة لنتأكّد من الموضوع


وكان توقع الطبيب في محله ، حيث بات كلام مروان صعباً وغير مفهوم

***


بعد خروجه من المستشفى .. أخبره مدير الإذاعة باضّطراره لإحضار موظفاً غيره للنشرة الرياضيّة

فقال مروان (بلسانٍ ثقيل) : انه على استعداد للعمل بترجمة نشرة الأخبار بلغة الصمّ والبكم ..

فسأله المدير :

- وهل تجيد لغة الإشارة ؟!

مروان : تعلّمتها الإسبوع الفائت

- حسناً سأحضر شخصاً من دار المعاقين لامتحانك .. وإن نجحت ، أعيّنك في نشرة الأخبار .. فأنت موظفٌ قديم ويعزّ عليّ طردك


وبالفعل نجح بالإمتحان وعُيّن بوظيفته الجديدة

***


بعد شهر.. اراد مرشحٌ جديد للحكومة بإلقاء خطبته السياسيّة لحملته الإنتخابية في مستشفى افتتحت حديثاً ..

فأرسله مدير الإذاعة في مهمّة لترجمة كلام الرئيس للصمّ والبكم من الحضور والمشاهدين في بثٍ مباشر من القاعة السفليّة للمستشفى


وأثناء انشغال مروان بعمله ، لمح ولداً معاقاً يدخل القاعة وهو يشير بيديه لمروان لترجمة كلامه ، وهو يقول برعب :

((هناك رجلٌ يضع المتفجّرات على بطنه .. شاهدته بالحمام قبل قليل ، وهو قادمٌ الى هنا))


وما أن لمح مروان الشخص المشبوه يقتحم القاعة ، حتى سحب الرئيس من يده ..ثم دفعه لداخل المصعد ، ليلحقه حارساه الشخصيان ..

وما أن أُغلق باب المصعد ، حتى دوّى انفجارٌ هائل !


بعد هدوء الوضع وإنارة اضواء المصعد الخاصة بالطوارىء ، سأله الرئيس عن كيفية معرفته بالقنبلة ؟

فأخبره مروان (بلسانه الثقيل) عن الولد الصغير الذي يبدو انه مات مع المتواجدين في قاعة المستشفى !


من بعدها حاول الحارسان بكل قوتهما كسر باب المصعد العالق ، ليتفاجؤا جميعاً بحجم الدمار والركام الذي يفصلهم عن بوّابة الخروج من المبنى المنهار !


ومشوا خلف بعضهم محاولين تجاوز شظايا الزجاج او التعثّر بالأحجار ، الى أن بات مستحيلاً رؤية طريقهم بعد تعمّقهم في الظلام


وحين توقفوا لانعدام الرؤية ، تفاجأ مروان بقدرته على مشاهدة كل شيء باللون الرمادي ، كأنه يضع جهازاً على عينيه للأشعة تحت الحمراء او إن عينيه تحوّلتا لرادار الوطواط ! وطلب منهم بثقة الّلحاق به


وبالفعل تمكّن من إخراجهم بسلام لخارج المبنى المنفجر ، ليُسرع رجال الرئيس بأخذه في سيارته المظلّلة..


وقبل ابتعاد مروان عن موقع الدمار ، لمح البصّارة ذاتها واقفة بين الحشود (الذين قدموا لرؤية مكان الإنفجار) وهي تقول بلغة الإشارة :

- هآقد منحك الله موهبة ثانية ، قبل إعاقتك التالية

فأشار مروان بيديه مُستفسراً بخوف :

- أيّةِ إعاقة ؟!


وفجأة ! سقطت حجرة على رأسه ، أوقعته ارضاً .. وحين فتح عينيه ، تحوّل العالم لظلامٍ دامس !


ورغم ارتفاع صُراخ الناس المطالبين بإنقاذه ، إلاّ أنه تمكّن من تميّز صوت الرجل الغامض الذي همس في إذنه :

- الله يبلي ويعين


فعلم إن الله وهبه القدرة على الرؤية في الأماكن المُعتمة (فقط) بعد إصابته بالعمى الدائم ، ليمتحن صبره على إعاقتين قي غاية الصعوبة !


الاثنين، 24 يناير 2022

مسابقة دموية

تأليف : امل شانوحة 

رهان الأثرياء


إستيقظت جاكلين على سريرٍ في غرفةٍ ضيّقة ! محاولةً تذكّر اين كانت قبل تواجدها في هذه الغرفة الكئيبة بجدرانها البنفسجيّة

((كنت في سيارة أجرة بطريقي للعمل ! كيف وصلت الى هنا ؟!))


وتذكّرت كلام السائق وهو يسألها :

((الا تتمنّين لوّ تصبحي مليونيرة بغضون دقائق ؟))


وقبل أن تجيبه ، شعرت برذاذٍ يُرشّ عليها من سقف السيارة !  

((هل خدّرني اللعين ليحضرني الى هنا ؟! وهل أذاني اثناء نومي؟))


وقيل إستغراقها بالتفكير ، سمعت صوتاً من الميكرفون المُعلّق بسقف الغرفة :

- اهلاً بك يا جاكلين في مسابقتنا !!

فردّت بعصبيّة : من انتم ؟!! ومن سمح لكم بإحضاري الى هنا دون إذني؟


فلم يهتم لسؤالها ، وأكمل قائلاً :

- عليك الخروج من فندقنا بخلال 5 دقائق .. وإن فعلت ذلك ، تكسبين مليون دولار .. العدّ يبدأ الآن !!


وظهرت الثواني العكسيّة على الساعة الرقميّة المُعلّقة فوق باب الغرفة .. فشعرت جاكلين بالحماس ، لكونها ستصبح ثريّة بعد دقائق..


وخرجت من الغرفة .. لتجد عدّة غرف في ممرٍّ رفيع ، دون وجود مصعدٍ او ادراج على طول الممرّ ! 

بينما تواجدت ساعات رقميّة فوق كل غرفة وهي تتحرّك بشكلٍ عسكيّ ، لتُعلمها بالوقت المتبقي لخسارتها المسابقة .


ففتحت الغرفة الأولى على أمل إيجاد مخرج الفندق ، إلاّ أنها وجدت ثلاثة كلابٍ بوليسيّة شرسة تتناول طعامها ! 

فأغلقت الباب بهدوء قبل هجومهم عليها


ثم فتحت الباب الثاني : لتجد تمساحاً كبيراً وسط الغرفة ! 

فأسرعت بقفل الباب ، وهي تلعن عقليّة مُخترع المسابقة المُتخلّفة .


اما الغرفة الثالثة : فكانت أشبه بالفرن ، بعد اشتعال النيران من فتحات الغاز على جدرانها الجانبية ! 

فأعادت إغلاقها من جديد


والغرفة التي تليها : وجدت مُهرّجاً يحمل فأساً ، وهو يدنّدن اثناء تأرجحه على الكرسي الهزّاز ! 

فأسرعت بقفل الباب ، خوفاً أن يقتلها بفأسه


وكل غرفة فتحتها ، وجدت نوعاً مختلفاً من التعذيب النفسي او الجسدي .. الى أن وصلت لنهاية الممرّ ، دون عثورها على مخرج المتاهة !


ومع انتهاء الدقائق الخمسة ، ظهر صوتٌ من الميكرفون :

- خسرت المسابقة !!!


ليُرشّ عليها الماء من سقف الممرّ ، لكنه لم يكن ماءً عادياً بل أسيدٍ كاوي!

فأخذت تصرخ بألم ، وهي تركض عائدةً لغرفتها الأولى (التي نامت فيها) لكنها اخطأت بفتح غرفة المهرّج الذي هجم عليها ، وقطع رأسها بالفأس !

***


إستيقظ المتسابق الثاني جيم في ذات الغرفة البنفسجيّة ، وهو لا يعيّ كيف وصل اليها !

وأخذ يسترجع افكاره واين تواجد هذا الصباح ! فتذكّر استقلاله لسيارة أجرة للذهاب للمطار .. وحين سأله السائق ذات السؤال ، أجابه بسخرية :

((لا يوجد مكافئات مجانيّة في هذه الدنيا ، عليك العمل ليل نهار لتوفير قوت يومك))

وقبل إكمال نظريته ، سقط مغشياً عليه فوق المقاعد الخلفيّة لسيارة الأجرة!


ثم حصل معه ما حصل مع جاكلين ..

فخرج مُسرعاً من الغرفة لإيجاد المخرج ، أملاً في الكسب السريع


لكنه ايضاً لم يحالفه الحظ .. وقبل انتهاء الثواني الأخيرة ، حاول كسر النافذة الوحيدة المتواجدة بنهاية الممرّ الطويل..

وقبل قفزه منها رغم ارتفاع المكان ، هجمت عليه الكلاب البوليسيّة بعد نسيانه قفل باب غرفتهم جيداً ، ونهشوا جسده حتى الموت

***


اما المتسابق الثالث اريك : فقرّر الدخول لإحدى الغرف الفارغة التي تحوي باباً ثانياً ، ظنّاً بأنه الباب الموصل للسلالم .. لكن فور تجاوزه الباب الآخر ، فتحت الأرضيّة اسفل قدميه ! ليسقط في غرفةٍ مليئة بالمسامير الطويلة الحادّة التي اخترقت كل جزءٍ من جسمه .

وظلّ ينزف لساعتين وهو يطلب النجدة دون سماعه احد ، حتى فارق الحياة !

***


اما المتسابق الرابع جاك : فكان مختلفاً عن الباقين ، حيث فاجأ المتراهنين الأثرياء (الذين يراقبونه من الكاميرات) بتغطية وجهه بالّلحاف ، رافضاً الخروج من الغرفة البنفسجيّة ، دون اكتراثه بسريان وقت المسابقة !


فظهر صوتٌ من الميكرفون :

- مازال امامك دقيقتين ، أخرج الآن من الفندق لكسب المليون دولار!!

فأجاب جاك بنعاس :

- النوم الآن يساوي عندي مليار دولار ، فأنا لم أنمّ منذ مدةٍ طويلة على سريرٍ دافىء ومريح كهذا الفراش الناعم


وبعد انتهاء الوقت ، قال الصوت غاضباً :

- هل تسخر منا ؟!! اذاً سنريك ما خسرته

ودخل عليه حارسٌ ضخم وهو يوجّه مسدسه نحوه ، ويأمره بالّلحاق به


فاضّطر جاك للذهاب معه ، بعد إغماض الحارس عينيه حتى لا يرى الغرفة التي فيها مخرج المتاهة 


ثم ازال عِصابة عينيه بعد وصولهما لقبو الفندق الذي فيه خمسة مشتركين آخرين منوّمين هناك ، بانتظار دورهم لنقلهم الى الغرفة البنفسجيّة !

وهنا قال الحارس :

- أترى ذلك الباب بجانب فراشهم .. هذا هو مخرج الفندق !! ولن أفتحه لك ، قبل قتلك واحداً من المشتركين

جاك : وماذا عن الجائزة ؟


ففتح الحارس الحقيبة (أخرجها من خزانةٍ هناك) التي فيها رزم الدولارات قائلاً :

- إن قتلت احدهم برصاصة في رأسه ، سأعطيك المبلغ كاملاً

جاك : يُحزنني قتلهم بهذه الطريقة ، الا يمكنك إيقاظهم اولاً ؟


فأخرج الحارس دواءً صغيراً من جيبه ، وهو يقول :

- بالعادة نرشّ الدواء على وجه المتسابق بعد تمديده في فراش الغرفة البنفسجيّة ، ليبدأ العدّ العكسي للمسابقة .. لكن طالما تريد إيقاظهم لاختيار ضحيتك ، فلا مانع من ذلك

جاك : نعم أيقظهم جميعاً ، فلست جباناً لقتل شخصٍ نائم


فقام الحارس بوضع الدواء امام انوفهم .. وفور إشتمام المتسابقون الخمسة لرائحة الدواء القويّة حتى نهضوا من فراشهم ، لتظهر علامات الرعب على وجوههم ! بعد رؤية جاك يوجّه مسدسه نحوهم وهو يقول :

- آسف يا اصدقاء .. عليّ قتل احدكم لكسب مليون دولار ، وقد  اخترت ضحيّتي من بينكم


ليتفاجأ الجميع بإطلاقه النار على الحارس الذي سقط ميتاً برصاصةٍ في رأسه !

ثم أسرع جاك بسحب المفتاح من جيب الحارس ، وفتح الباب الرئيسي وهو يأمر المتسابقين بالهرب فوراً من هذا الجحيم !!!


فركضوا مترنّحين من أثر المخدّر باتجاه الطريق العام الذي لا يبعد كثيراً عن الفندق المهجور الذي قام الأثرياء بتجديد طابقٍ واحدٍ منه لأجل مسابقتهم الدمويّة !


ثم نظر جاك للشاشة المتواجدة هناك ، قائلاً :

- ايها الأغبياء !! الم تجدوا سوى مشرّداً مثلي لتلعبوا معه .. في المرّة القادمة اختاروا ضحاياكم جيداً , وعيّنوا حارساً أذكى من هذا الغبي الذي سلّمني سلاحه


ثم خرج من الباب ، ومعه الجائزة التي كسبها دون خضوعه للمسابقة المميتة !


الأحد، 23 يناير 2022

عاقبة الفضولي

تأليف : امل شانوحة 

 

إيقاظ الوحش


اراد كاتبٌ مُبتدىء (يحلم بالشهرة) كتابة قصّة بوليسيّة مستوحاة من احداثٍ حقيقيّة . وبعد حصوله على إذن الشرطة ، بحث في أرشيفها عن قضايا قديمة صدر بها حكمٌ نهائيّ


وبعد البحث والتدقيق لأسابيع ، وجد جريمة حصلت منذ 10 سنوات : حيث قام قاتلٌ متسلّسل بقتل وأكل ضحاياه العشرين الذين أوقفوا شاحنته لأجل نقلهم للمدينة بالمجّان ، وأكثرهم من النساء الهاربات من بيوتها .


وكلما بحث الكاتب بأقوال المجرم تأكّدت شكوكه بكونه مريضاً نفسيّاً ، إثر معاناته من طفولةٍ سيئة لوالدٍ قاسي وأمٌ مستهترة .

فبعد موت والده ، ربّاه زوج امه الذي أجبره على العمل بسن المراهقة في مجال الكهرباء ، بعد إخراجه من مدرسته المتوسطة


وبعد مقتل والدته بحادث سيرٍ مروّع ، هرب من منزله لعدم تحمّله قذارة زوجها الذي حاول التحرّش به اثناء سكره ! ليُصبح مُشرداً بالشوارع حتى سن الثلاثين ، قبل رؤيته إعلاناً عن وظيفة سائق شاحنة لإحدى المصانع 


فعمل بتوصيل المؤن بين المدينتين لعشر سنوات ، قبل ارتكاب جرمه الأول : بعد أن أوقفته فتاة ليل مساءً ، لتوصيلةٍ مجانيّة. 

وقبل الوصول لوجهتهما ..حاول التقرّب منها ، فصفعته بقوة ! فجنّ جنونه وقيّدها بجانب بضاعته . 


وعندما حاول الإعتداء عليها .. عضّت أذنه بقوةّ ، وقصّت جزءاً منها ! 

فلم يجد نفسه إلاّ وهو ينقضّ على رقبتها ويقطع عرق عنقها . ثم يقف مذهولاً وهو يراقب إحتضارها !


وبعد سرده الحادثة للمحقّق ، قال المجرم مُبتسماً :

((كانت ما تزال قطعة من لحمها في فمي وبدلاً من بصقها ، بلعتها فأعجبني مذاقها ! فنقلت الجثة الى منزلي وبدأت بتقطيعها ووضع لحمها بالثلاجة . ثم عزمت رفاقي من سائقي الشاحنات بنهاية الإسبوع على حفلة شواء . وقد وفّر لحمها الرخيص الكثير من تكلفة الحفلة))


وكانت هذه جريمته الأولى ، التي تكرّرت مع كل تعساء الحظ 19 الذين أوقفوه لأجل توصيلةٍ مجانيّة أنهت حياتهم !


ورغم محاولة محامي الدفاع إرساله لمصحّةٍ نفسيّة ، إلاّ أن القاضي أصرّ على الحكم عليه بالسجن المؤبد .. قضى منها حتى الآن عشرين سنة ، ليصبح عمره 60 عاماً


وقد أُعجب الكاتب بقضيته كثيراً ، حيث استطاع بموهبته الفريدة تحويلها لقصةٍ مثيرة ، مُحاولاً التركيز على ماضي القاتل الحزين والمؤلم .

***


ولاحقاً وافق المنتج على تحويلها لفيلمٍ دراميّ ، الذي سرعان ما آثار ضجّة في صالات السينما .. حيث تعاطف المشاهدون مع المجرم ، مُتناسين حجم الألم الذي سبّبه لأهالي الضحايا !


وأدّى ضغط الرأيّ العام على طلب الإستئناف في قضية المجرم ، واستحقاقه للعلاج النفسي بدل السجن المؤبد


وبسبب تقاعد القاضي السابق ، واستلام قاضي جديد قضيته (الذي ظهر تأثّره بسياق الفيلم الدراميّ) حيث وافق على طلب الدفاع بنقل المجرم الى مصحٍّ نفسي ، بشرط وضعه في غرفةٍ مشدّدة الحراسة 


وأدّى تغيّر حكم القضيّة ، لغضب اهالي الضحايا الذي كان موقفهم ضعيفاً هذه المرة بسبب الفيلم السينمائي الذي قلب اراء الناس ضدّهم !

***


وبعد شهر من انتقال المجرم لمستشفى الأمراض النفسيّة ، قابله الكاتب الذي عرّف عن نفسه بفخر : بكونه من غيّر مجريات القضية لصالحه


ففاجأه المجرم بجوابٍ صادم :

- أتعلم إن حراسة المصحّ غير مشدّدة كالسجن الذي كنت فيه ، وهذا يعني إن هربي ليس صعباً .. وأول شيءٍ سأفعله بعد خروجي من هنا ، هو تذوّق لحم جسدك


فارتعب الكاتب من كلامه ! وأسرع بطرق الباب للخروج من الغرفة


وبعد عودته للمنزل .. شعر الكاتب بارتكاب خطأٍ فادح بإطلاقه وحشاً من السجن ، وتمنّى موته بالمصحّ قبل ارتكابه جريمةً أخرى

***


بعد شهرين .. تعرّض الكاتب لكوابيس وأرقٍ شديدين بعد علمه بفرار المجرم من المصحّ ، عقب قتله زميله وحارسيّ أمن وجرحه لممرّض وطبيبه المعالج بعد جلسة علاجٍ جماعيّة ، حيث ثار جنونه بعد سؤال الطبيب عن موقف امه من تعذيب زوجها له ؟


ولم يستطع احد إيقافه بعد قفزه من سور المستشفى ، رغم إصابته برصاصة في قدمه !

***


لاحقاً قام الكاتب بتركيب جهاز إنذار وكاميرات مراقبة في بيته ، وإحضار كلباً بوليسيّاً لحمايته من أيّ دخيل


وفي ليلةٍ باردة .. شعر الكاتب بشيءٍ لزجّ يُصبّ على خدّه ! 

ففتح عينيه بتعب ، ليجد المجرم امام سريره وهو يسكب العسل على وجهه قائلاً :

- اللحم البشري مالحٌ جداً ، والعسل يجعله قابل للبلع


وقبل نهوضه من سريره بفزع ، ثبّته المجرم بيده الضخمة على صدره بعد إطباق يده الثانية على فمه لإسكاته ، وهو يكمل قائلاً :

- كان عليك إطعام كلبك ، قبل قتله بلحمٍ مسموم .. اما أجهزتك الغبيّة فسهلٌ عليّ فكّها ، أنسيت انني عملت كهربائي في مراهقتي ؟ والآن لنتذوّق لحم الكاتب الفضولي الذي أعادني لعالم الجريمة


وقبل صراخ الكاتب ، إنقض المجرم على رقبته لقطع عرق عنقه ، ممّا جعله ينتفض إنتفاضة الموت .. بينما يراقب المجرم خروج روحه ليبدأ بتقطعيه ، وهو يفكّر بحفل شواءٍ لأصدقائه القدامى !


السبت، 22 يناير 2022

إنتقام الشهداء

تأليف : امل شانوحة 

الأحزاب اللبنانيّة


في تلك الأمسية الباردة . وفي مقبرة شهداء الحرب الأهلية مجهولي الهوية ، حدث شيءٌ غريب بعد أن ضربت صاعقة مجموعة من المقابر ! حيث بدأت الأتربة القريبة من الشواهد تهتز وحدها ، قبل خروج يد لميت من القبر والذي أكمل الحفر حوله ، الى أن أخرج جسده بالكامل . وكذلك فعل بقيّة الموتى ! 

وكان هناك نوراً خافتاً قادماً من إنارة الشارع القريبة منهم ، فاستطاعوا فهم ما حصل.


والغريب انهم لم يتحولوا لهايكل عظميّة ، بل خرجوا بالهيئة التي ماتوا عليها ! بقصّة شعرهم وملابسهم التي تعود لسبعينات القرن الماضي. فمعظمهم مات برصاص القنّاصة. حتى من دُفن كأشلاء بعد انفجاره بسيارة مفخّخة ، عاد كما كان قبل وفاته بعد تجمّع اشلائه المدفونة معه الى جسده. والشيء الوحيد الذي يفرّقهم عن الأحياء هو وجوههم الشاحبة فحسب !


وما أن التفت احدهم للآخر ، حتى صرخ غاضباً :

- هل عدّت ايضا ايها الكتائبيّ ؟

- كنت أتمنى أن لا القاك ايها السنّي !!


وهجما على بعضهما .. لكن ضرباتهما اخترقت اجسادهما ، ففهما إنهما تحوّلا لأشباح !

- غريب ! ظننت اننا في الآخرة

- وانا ايضاً ! يبدو مازلنا في الدنيا ، ترى لماذا ؟!

- يبدو إن دورنا لم ينتهي بعد

- هل جننت ؟!! جميعنا متنا منذ...آه صحيح كم مرّ الوقت على وفاتنا ؟!

- سنعرف فور خروجنا من هنا

- هيا يا رفاق لنستغلّ الظلام ونخرج من هذه المقبرة الكئيبة

***


وتساعدوا فيما بينهم ، حتى وصلوا للجهة الأخرى من السور. واتفقوا أن لا يفترّقوا بعد رؤيتهم التغيرات في شوارع ومناطق بيروت.


ومشى الثلاثون شاباً معاً ، الى أن سمعوا صاحب القهوة يناديهم :

- يا شباب !! لدينا خصم على الأراجيل والقهوة. أسعارنا لن تجدوها في قهوة أخرى بعد ارتفاع الدولار

فقال أحدهم باستغراب : إرتفاع الدولار !

فهمس رفيقه : ظننت بأن لا احد يرانا !

- وانا ايضاً ، دعونا ندخل

- ليس معنا المال

- لن نشتري شيئاً ، فقط نشاهد التلفاز


ودخلوا القهوة وطلبوا من صاحبها رفع صوت الأخبار ، بعد أن أطلعهم على تاريخ اليوم


- هل تصدّقون انه مرّ اكثر من ثلاثين سنة على وفاتنا !

فقال الآخر هامساً : إخفض صوتك ولا تجعل الأحياء يشكّون بنا

- إنظروا للأخبار ، مازالت ذات الشخصيات السياسيّة تحكم لبنان !


وبعد سماعم نشرة الأخبار ، هلّل احدهم بفرح :

- القائد عون أصبح رئيس الجمهورية ، وأخيراً !!!!

فنظر المتواجدون في القهوة اليه بغضب ، فسكت على الفور !


فهمس زميله مُنبّهاً :

- إصمت ولا تفضحنا

- انا فقط سعيد لأن موتي لم يذهب سدى

- الم تشاهد اسوء الأحداث الحاصلة في البلاد التي عرضتها النشرة ؟ يبدو إن زعيمك أفسد إقتصاد البلد ! لهذا لا تُبيّن فرحك امامهم ، فيهجمون علينا


ثم قال الشبح الآخر لزميله ساخراً :

- أنظر ايها الكتائبيّ ، انك في صفّنا الآن

فردّ بدهشة : هل هذا ابن رفيق الحريري ؟!

- يبدو ذلك !

- هل اتفق المسيحون والإسلام ؟!

- ونحن من قُتلنا دفاعاً عن الدينين !

- لحظة يا شباب ! هل حزب الله مُتفقٌ الآن مع حركة امل ؟ وأنا من عاديت اخوتي بعد انضمامهم للحزب !

- ماذا يحصل بحقّ الجحيم ، اعداء الأمس أصبحوا زملاء اليوم ؟!

- ما أسمعه يا رفاق يضايقني للغاية

- وانا ايضاً ، أشعر إن حياتنا ضاعت بلا مغزى


وهنا أعلن رئيس الجمهورية (في الأخبار) عن إجتماعٍ عاجل للنّواب في صباح الغد

فقال الشبح لزملائه بقهر :

- هل تفكّرون بما أفكّر به ؟

- نعم !! سنعلّمهم درساً لن ينسوه ابدا

***


في صباح اليوم التالي.. إستطاع الأشباح الثلاثين المرور بسهولة من حرس مجلس النّواب بعد تحوّلهم لظلال . الى أن قرّروا الظهور بمظهرهم الشاحب امام حارس بوّابة المجلس النيابي ، مما جعله يفقد الوعيّ.

ومن بعدها فتحوا الباب ، ودخلوا وهم يحملون العصا والسكاكين الحادّة ...


فصرخ عليهم رئيس المجلس :

- من سمح لكم بالدخول ؟!!

فأجابه الشبح :

- أتدرون من نحن ؟!!

- نحن شهداء الحرب الأهليّة

- وقفنا سابقاً مع احزابكم ونحن نؤمن بمبادئكم ، وإذّ بكم الآن تتفقون مع الأعداء ، غير مباليين بدمائنا التي أُهدرت بسببكم

- ويبدو اللبنانيون مازالوا يعانون منكم حتى وقتنا الحالي

- لهذا قرّرنا أخذ حقّ المظلومين في الماضي والحاضر .. هجوم يا شباب!!


وصرخ النّواب والوزراء بفزع وهم يحاولون الهرب من الأشباح الغاضبين . حتى بعضهم توسّل بأنها السياسية التي تتغير حسب الوقت والوضع الراهن ، لكن هذا لم يشفع لهم

***


بعد ساعتين ...أُذيع الخبر العاجل بالأخبار عن موت من في المجلس ! قائلا المذيع بذهول :

((تفاجأ الحرس قبل قليل بجثث النّواب والوزراء ! ولم تُظهر كاميرات المراقبة مُرتكب الجريمة ، بالرغم من تسجيل صراخ المجني عليهم وتطاير دمائهم واشلائهم . فهل هجم الجن والشياطين عليهم ؟! شاهدوا الفيديو واحكموا بأنفسكم))


ورغم غرابة الحدث ! إلاّ أن اجواء لبنان امتلأت برصاص الفرح والزغاريد ، وساد الإعتقاد : (أن الملائكة قتلت السياسين الفاسدين بعد تدميرهم اقتصاد البلد في السنتين الفائتتين ، مُعرّضين الشعب للهلاك والفقر)


وعمّت الإحتفالات البلاد ، فيماعدا القلّة من رجال السياسيين وأزلامهم الذين سارعوا بالفرار للخارج خوفاً من غضب الشعب

***


في هذه الأثناء ...عادت اﻷشباح للمقبرة بضميرٍ مرتاح ، قائلاً احدهم :

- اخيراً انتقمنا لموتنا

- وانتقمنا للشعب اللبناني بجميع طوائفه

- أشعر أن روحي ارتاحت اخيراً

- وانا ايضاً ، يكفي تعليمنا الظالمين درساً لن ينسوه ابدا

- اظننا سنلتقي ثانية ، لكن في الآخرة هذه المرة

- الوداع يا اصدقاء !!


وفور استلقائهم في قبورهم حتى اختفوا تحت الأرض ، لتعود المقبرة هادئة كما كانت طوال العقود الماضية !


الجمعة، 21 يناير 2022

إعلانين وطنيين (دعاية)

الإعلان الأول :


نضع الكاميرا على مكعب روبيك . كل جهة تحمل شعار لحزبٍ من الأحزاب اللبنانية . اما الجهة السادسة والأخيرة فيكون للعلم اللبناني

تنتقل الكاميرا من يدٍ ليد . وكل واحداً منها يحاول ضبط الوان حزبه . وبعد إكمال شعاره يقول :(هلأ ظبط الوضع) ونصوّر الجهة الأخرى من المكعب ، ليبدو العلم اللبناني مُلخبط الألوان ! 

فتأتي يدٌ أخرى وتسحب المكعب منه بعنف ، وهي تقول:(بس هيك إتخربط وضعي) ويعود لترتيب الوان حزبه . 

وكل شخص بعد ضبط شعار حزبه ، يفسد في المقابل ترتيب العلم اللبناني!


الى أن تأتي يد لرجلٍ يلبس طقماً رسمياً ، ويقوم بضبط ألوان العلم اللبناني وهو يقول: (بس الأهم !! يزبط الوطن)

***


الإعلان الثاني : 



في مدرسة حضانة .. تطلب المعلمة من التلاميذ رسم العلم اللبناني بالألوان المائية .

فيبدأ كل ولد برسم العلم الذي يراه في منزله . 

ونضع الصورة على ولد رسم العلم اللبناني صحيحاً ، والذي تفاجأ بأكواب الماء لأصدقائه التي صُبغت باللون الأزرق والأصفر والأخضر والبرتقالي!

فيذهب ويأخذ اكوابهم ويضعها فوق كوبه ، ليتحوّل للون الأسود. 

ثم يضع شريطاً اسوداً على جانب علمه اللبناني (إشارة الموت)


ونكتب بنهاية الإعلان :(اذا بقينا متفرقين ، رح يموت الوطن)


الأربعاء، 12 يناير 2022

البرج المهجور

*تأليف : امل شانوحة* 

 

رمز الحرب الأهليّة


بُرج المرّ: البرج الأطول في زمن السبعينات في لبنان، وهو عبارة عن مبنى إسفلتي خالٍ من النوافذ والأبواب، بعد إيقاف بنائه فور اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة، حيث عُدَّ نقطةً إستراتيجيةً للأطراف المتحاربة، فمن يستولي عليه يتحكّم في وسط البلد!


وبسبب انقطاع الكهرباء، لم يتمكّن أحد من الوصول إلى طابقه الأخير (40)، حيث تمركز القنّاصون بين طابقيه 12 و14.

***


بعد انتهاء الحرب، أراد المسؤولون هدم البناء القديم، وكلّما حاولوا ذلك تعطّلت الجرّافة، أو صادفتهم مشكلة قانونيّة، أو اعترض أحد ملاّك المبنى على ذلك! لهذا توقّف مشروع هدمه لسنواتٍ طويلة، وبات انهياره بسبب قدمه يُهدّد العمارات المجاورة.


ولم يعرف أحد سبب تعسّر الهدم، إلى أن أقدم شابٌّ يافع على تحليق طائرتهدرون لاكتشاف سطح المبنى المهجور وطوابقه العليا، لعدم وجود مصاعد داخله!


وحين حلّقت هناك، صوّرت سطحه الذي كان فارغًا تمامًا، فالحرب اندلعت قبل تركيب خزّانات المياه أو توصيل أسلاك الكهرباء.


وتحكّم الشاب بطائرته الصغيرة للنزول من السطح إلى الطوابق التي تليه، عابرًا الدرج الإسفلتي.

وكلّما وصل إلى طابق، بحث في جميع غرفه عن شيءٍ مثير (كما أنبأه حدسه)، لكن كل الطوابق كانت فارغة تمامًا!


إلى أن وصل إلى الطابق العشرين، وما صوّرته طائرته كان غريبًا للغاية! بعد إيجاده هيكلًا عظميًا في زيٍّ عسكري، ميتًا وهو مستندٌ إلى عامود وسط صالةٍ فارغة، وبجانبه بندقيّة من النوع القديم. ويبدو أنّه حفر بسكّينه على الحائط عدد الأيّام التي بقي وحده هناك، جائعًا في النهار وخائفًا من عتمة الليل.


والتقطت الطائرة صورة للجدار، ليعدّ الشاب (المصوّر) الخطوط من كاميرا جوّاله، ويعلم أنّ الجندي بقي أسبوعين دون أثرٍ لطعام، وبجانبه قارورةٌ واحدة من المياه الفارغة!


وتساءل بحيرة:

-  لمَ لم ينزل إلى الأسفل، طالما أنّ الرمز المثبّت على بدلته العسكريّة يؤكّد أنّه من الحزب الذي احتلّ المبنى أيّام الحرب الأهليّة؟ فهل تفاجأ باحتلال الجيش المعادي للمبنى، فصعد إلى الأعلى هربًا منهم وعلق هناك حتّى مات وحيدًا؟ أم إنّه تباهى أمام الجنود بقدرته على الوصول إلى السطح، فتوقّف قلبه من الإرهاق عند هذا الطابق، ولم يستطع رفاقه اللّحاق به؟!

^^^


بعد استعادة الشاب لطائرته، نشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، ممّا أحدث ضجّةً بين اللبنانيّين، وصل صداها إلى المسؤولين الذين أمروا فريقًا من عمّال البناء بإحضار رافعة للوصول إلى الجثّة العسكريّة المجهولة!


وبعد إنزالهم الجثّة المتيبّسة، حضر مراسلٌ إعلاميّ برفقة طبيبٍ شرعيّ (الذي قدم لمعاينة الميّت المجهول)، فوجد في بنطاله صورةً ممزّقة لزوجة الجندي وابنه الصغير، كما وجد في جيب قميصه دفترًا صغيرًا كتب فيه بالقلم الحبر آخر كلماته، قائلًا:

((اسمي وليد ياسين، عمري 33 سنة، التحقت بجيش الحزب لمهارتي بالقنص، وقدمت إلى هذا الموقع لمقاتلة الأعداء، لكنّي تفاجأت بقائدنا يأمرنا بالقبض على كلّ من يمرّ بجانب البرج، باعتبارهم جواسيس، والذي قام بتعذيبهم في الطابق السفليّ. وقد رأيت الكثير من الفظائع في الشهور الماضية؛ فبعضهم أُحرق حيًّا، والبعض الآخر صُعقوا كهربائيًا حتّى الموت، ومنهم من رُمي من الطابق الخامس، وأكثر من شخص تمّ رميه من الطابق الأوّل لتحطيم عظامه دون قتله، للضغط عليه بالاعتراف عن أشياء لا يعرفها. ورأيت زملائي الجنود يقتلون الكثير من الأبرياء؛ كطفلٍ في طريقه إلى المدرسة، وامرأةٍ حامل، والكثير من العجائز وسائقي الأجرة والباعة المتجوّلين، حتّى المسعفين لم يسلموا منهم! ولم يعد بإمكاني تحمّل المزيد!!

وحين أمرني قائدي بتعذيب أحدهم بقلع عينه، رفضت طلبه، فأمر مساعديه بتقييدي مكان السجين! فهربت منهم، وأخذوا يلاحقونني إلى الطوابق العليا، لكنّهم توقّفوا عند الطابق 13، وانهارت قواي عند هذا الطابق الذي لا أعرف رقمه بالضبط. لكنّي سمعتهم من مكبّر الصوت يهدّدون بقتلي فور نزولي الأدراج، وها أنا عالق هنا منذ مدّةٍ طويلة، فأنا لم أجرؤ على عدّ الخطوط التي حفرتها على الجدار.

كلّ ما أعرفه أنّ قارورة الماء التي معي فرغت البارحة، ولم آكل شيئًا منذ خمسة أيّام، وأصبحت ضعيفًا جدًّا. أظنّهم أيقنوا بموتي الآن، ولا غرابة في ذلك، فأنا أشعر بروحٍ ثقيلة تلاحقني في المساء، وأظنّ عزرائيل ينتظر استسلامي لقبض روحي.

كلّ ما أتمنّاه ألّا يعاقبني الله على عدم إنقاذي المساجين السابقين، وأن يكون اعتراضي على تعذيب أحدهم سببًا في غفرانه ذنوبي. وما يحزنني هو فراق أمّي وأبي وإخوتي، وزوجتي وابني الصغير الذي لن أراه ثانيةً.

ورجائي لمن يجد هذا الدفتر أن يوصله إلى ابني، ويخبره أنّ والده كان إنسانًا شريفًا، وعليه أن يفتخر بي، كما كنت فخورًا بوجوده في حياتي. سامحوني جميعًا!

وآخر ما أريد قوله: الوداع يا لبنان الجريح، أتمنّى أن يتوقّف الحاقدون عن أذيتك، لتصبح يومًا بلدًا مزدهرًا كما حلمنا بك دومًا))  


وعندما لم يعثر الطبيب الشرعيّ على آثار رصاص في الهيكل العظمي، نُقلت الجثّة إلى المشرحة لحين إيصالها إلى أقارب الميّت.

***


لاحقًا، قام وزير الإعلام بحملةٍ مكثّفة لإيجاد عائلة جنديّ البرج.

وآخر ما توصّل إليه: إنّ زوجة وليد وابنه هاجرا إلى أستراليا في أواخر الحرب الأهليّة، أمّا أهله فماتوا جميعًا بعد انهيار مبناهم بالقصف الإسرائيلي.

وعلى الفور، أُرسل فريقٌ للبحث عنهما في أستراليا.

***


وبعد أسابيع من البحث في الدوائر الرسميّة، علموا أنّ زوجته توفّيت بالسرطان، أمّا ابنه الصغير فقد أصبح في الأربعينات من عمره، والذي أحزنه كثيرًا موت والده وحيدًا في ذلك الطابق العالي بسبب الجوع والبرد والخوف!


وحين سأله المذيع اللبناني (الذي سافر إلى أستراليا لمقابلة عائلة الشهيد) عن لحظة اختفاء والده، أجاب ابن الجندي بقهر:

-  كنت في السابعة من عمري، عندما انقطعت أخباره عنّا، وقام عمّي رحمه الله بزيارة البرج للسؤال عنه، فأخبره القائد أنّه أرسله في مهمّةٍ ميدانيّة. ولأنّه لم يعد كرفاقه، ظنّ أنّه اعتُقل من حزب البعث الذين أرسلوه إلى سجون الاعتقال في سوريا. ولسنواتٍ طويلة تأمّلنا عودته حيًّا إلى لبنان، أو على الأقل أن يسلّمونا رفاته. وها أنا أكتشف من مذكّرات والدي أنّ قائده اللعين تركه يموت وحيدًا، وكذب علينا رغم علمه بانتظارنا عودته على أحرّ من الجمر! ولو أخبرنا بهربه صعودًا، لأنقذناه قبل فوات الأوان.

المذيع: كان والدك رجلًا شريفًا، وجميعنا نفتخر به.

فتنهّد الابن بضيق، قبل أن يسأله: وأين هو الآن؟

-  ما زالت جثّته في ثلّاجة المستشفى الحكوميّ.

  الابن: إذًا سأسافر معك لدفنه في قريته بشكلٍ لائق.

***


وتناقل الإعلام مشهد دفن الشهيد وليد، الذي استقبله أهل قريته بالأرزّ والزغاريد، ليدفن في مدافن العائلة كبطلٍ شريف، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من بقائه وحيدًا في الطابق العلويّ للبرج المهجور.


وعقب دفنه بيومين، انهار جزءٌ من البرج لوحده، ممّا استدعى التدخّل الهندسيّ لتفجيره بطريقة لا تضرّ بالعمارات المجاورة.

والغريب أنّه انهار من المحاولة الأولى، بحضور عددٍ كبير من اللبنانيّين، الذين علّق بعضهم على وسائل التواصل الاجتماعي بأنّ روح البطل وليد هي من أعاقت هدم البرج طوال السنوات الماضية، وبعد دفنه وإراحة روحه، لم يعد للمبنى هدفٌ للبقاء، فانهار سريعًا مع كلّ ذكريات الحرب الشنيعة وصراخ المظلومين التي تشرّبت داخل جدرانه الموحشة!

*******

ملاحظة : 

برج المرّ المهجور يُعدّ رمزاً من رموز الحرب الأهليّة اللبنانيّة ، وهو لم يُهدم حتى الآن .. فتخيّلت إن سبب عسر هدمه : هو الجثث مجهولة الهويّة التي دُفنت في مركز التعذيب في طابقه السفليّ .. او إن أحدهم تمكّن من الهرب صعوداً ، وظلّ هناك حتى مات وحيداً .. وبسبب ارواحهم المظلومة والغاضبة من عدم المساءلة القانونيّة لمجرمي الحرب ، مازال المبنى موجوداً حتى اليوم ! 


هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة  سنوات الندم استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !  لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عج...