*تأليف : امل شانوحة*
رمز الحرب الأهليّة
بُرج المرّ: البرج الأطول في زمن السبعينات في لبنان، وهو عبارة عن مبنى إسفلتي خالٍ من النوافذ والأبواب، بعد إيقاف بنائه فور اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة، حيث عُدَّ نقطةً إستراتيجيةً للأطراف المتحاربة، فمن يستولي عليه يتحكّم في وسط البلد!
وبسبب انقطاع الكهرباء، لم يتمكّن أحد من الوصول إلى طابقه الأخير (40)، حيث تمركز القنّاصون بين طابقيه 12 و14.
***
بعد انتهاء الحرب، أراد المسؤولون هدم البناء القديم، وكلّما حاولوا ذلك تعطّلت الجرّافة، أو صادفتهم مشكلة قانونيّة، أو اعترض أحد ملاّك المبنى على ذلك! لهذا توقّف مشروع هدمه لسنواتٍ طويلة، وبات انهياره بسبب قدمه يُهدّد العمارات المجاورة.
ولم يعرف أحد سبب تعسّر الهدم، إلى أن أقدم شابٌّ يافع على تحليق طائرتهدرون لاكتشاف سطح المبنى المهجور وطوابقه العليا، لعدم وجود مصاعد داخله!
وحين حلّقت هناك، صوّرت سطحه الذي كان فارغًا تمامًا، فالحرب اندلعت قبل تركيب خزّانات المياه أو توصيل أسلاك الكهرباء.
وتحكّم الشاب بطائرته الصغيرة للنزول من السطح إلى الطوابق التي تليه، عابرًا الدرج الإسفلتي.
وكلّما وصل إلى طابق، بحث في جميع غرفه عن شيءٍ مثير (كما أنبأه حدسه)، لكن كل الطوابق كانت فارغة تمامًا!
إلى أن وصل إلى الطابق العشرين، وما صوّرته طائرته كان غريبًا للغاية! بعد إيجاده هيكلًا عظميًا في زيٍّ عسكري، ميتًا وهو مستندٌ إلى عامود وسط صالةٍ فارغة، وبجانبه بندقيّة من النوع القديم. ويبدو أنّه حفر بسكّينه على الحائط عدد الأيّام التي بقي وحده هناك، جائعًا في النهار وخائفًا من عتمة الليل.
والتقطت الطائرة صورة للجدار، ليعدّ الشاب (المصوّر) الخطوط من كاميرا جوّاله، ويعلم أنّ الجندي بقي أسبوعين دون أثرٍ لطعام، وبجانبه قارورةٌ واحدة من المياه الفارغة!
وتساءل بحيرة:
- لمَ لم ينزل إلى الأسفل، طالما أنّ الرمز المثبّت على بدلته العسكريّة يؤكّد أنّه من الحزب الذي احتلّ المبنى أيّام الحرب الأهليّة؟ فهل تفاجأ باحتلال الجيش المعادي للمبنى، فصعد إلى الأعلى هربًا منهم وعلق هناك حتّى مات وحيدًا؟ أم إنّه تباهى أمام الجنود بقدرته على الوصول إلى السطح، فتوقّف قلبه من الإرهاق عند هذا الطابق، ولم يستطع رفاقه اللّحاق به؟!
^^^
بعد استعادة الشاب لطائرته، نشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، ممّا أحدث ضجّةً بين اللبنانيّين، وصل صداها إلى المسؤولين الذين أمروا فريقًا من عمّال البناء بإحضار رافعة للوصول إلى الجثّة العسكريّة المجهولة!
وبعد إنزالهم الجثّة المتيبّسة، حضر مراسلٌ إعلاميّ برفقة طبيبٍ شرعيّ (الذي قدم لمعاينة الميّت المجهول)، فوجد في بنطاله صورةً ممزّقة لزوجة الجندي وابنه الصغير، كما وجد في جيب قميصه دفترًا صغيرًا كتب فيه بالقلم الحبر آخر كلماته، قائلًا:
((اسمي وليد ياسين، عمري 33 سنة، التحقت بجيش الحزب لمهارتي بالقنص، وقدمت إلى هذا الموقع لمقاتلة الأعداء، لكنّي تفاجأت بقائدنا يأمرنا بالقبض على كلّ من يمرّ بجانب البرج، باعتبارهم جواسيس، والذي قام بتعذيبهم في الطابق السفليّ. وقد رأيت الكثير من الفظائع في الشهور الماضية؛ فبعضهم أُحرق حيًّا، والبعض الآخر صُعقوا كهربائيًا حتّى الموت، ومنهم من رُمي من الطابق الخامس، وأكثر من شخص تمّ رميه من الطابق الأوّل لتحطيم عظامه دون قتله، للضغط عليه بالاعتراف عن أشياء لا يعرفها. ورأيت زملائي الجنود يقتلون الكثير من الأبرياء؛ كطفلٍ في طريقه إلى المدرسة، وامرأةٍ حامل، والكثير من العجائز وسائقي الأجرة والباعة المتجوّلين، حتّى المسعفين لم يسلموا منهم! ولم يعد بإمكاني تحمّل المزيد!!
وحين أمرني قائدي بتعذيب أحدهم بقلع عينه، رفضت طلبه، فأمر مساعديه بتقييدي مكان السجين! فهربت منهم، وأخذوا يلاحقونني إلى الطوابق العليا، لكنّهم توقّفوا عند الطابق 13، وانهارت قواي عند هذا الطابق الذي لا أعرف رقمه بالضبط. لكنّي سمعتهم من مكبّر الصوت يهدّدون بقتلي فور نزولي الأدراج، وها أنا عالق هنا منذ مدّةٍ طويلة، فأنا لم أجرؤ على عدّ الخطوط التي حفرتها على الجدار.
كلّ ما أعرفه أنّ قارورة الماء التي معي فرغت البارحة، ولم آكل شيئًا منذ خمسة أيّام، وأصبحت ضعيفًا جدًّا. أظنّهم أيقنوا بموتي الآن، ولا غرابة في ذلك، فأنا أشعر بروحٍ ثقيلة تلاحقني في المساء، وأظنّ عزرائيل ينتظر استسلامي لقبض روحي.
كلّ ما أتمنّاه ألّا يعاقبني الله على عدم إنقاذي المساجين السابقين، وأن يكون اعتراضي على تعذيب أحدهم سببًا في غفرانه ذنوبي. وما يحزنني هو فراق أمّي وأبي وإخوتي، وزوجتي وابني الصغير الذي لن أراه ثانيةً.
ورجائي لمن يجد هذا الدفتر أن يوصله إلى ابني، ويخبره أنّ والده كان إنسانًا شريفًا، وعليه أن يفتخر بي، كما كنت فخورًا بوجوده في حياتي. سامحوني جميعًا!
وآخر ما أريد قوله: الوداع يا لبنان الجريح، أتمنّى أن يتوقّف الحاقدون عن أذيتك، لتصبح يومًا بلدًا مزدهرًا كما حلمنا بك دومًا))
وعندما لم يعثر الطبيب الشرعيّ على آثار رصاص في الهيكل العظمي، نُقلت الجثّة إلى المشرحة لحين إيصالها إلى أقارب الميّت.
***
لاحقًا، قام وزير الإعلام بحملةٍ مكثّفة لإيجاد عائلة جنديّ البرج.
وآخر ما توصّل إليه: إنّ زوجة وليد وابنه هاجرا إلى أستراليا في أواخر الحرب الأهليّة، أمّا أهله فماتوا جميعًا بعد انهيار مبناهم بالقصف الإسرائيلي.
وعلى الفور، أُرسل فريقٌ للبحث عنهما في أستراليا.
***
وبعد أسابيع من البحث في الدوائر الرسميّة، علموا أنّ زوجته توفّيت بالسرطان، أمّا ابنه الصغير فقد أصبح في الأربعينات من عمره، والذي أحزنه كثيرًا موت والده وحيدًا في ذلك الطابق العالي بسبب الجوع والبرد والخوف!
وحين سأله المذيع اللبناني (الذي سافر إلى أستراليا لمقابلة عائلة الشهيد) عن لحظة اختفاء والده، أجاب ابن الجندي بقهر:
- كنت في السابعة من عمري، عندما انقطعت أخباره عنّا، وقام عمّي رحمه الله بزيارة البرج للسؤال عنه، فأخبره القائد أنّه أرسله في مهمّةٍ ميدانيّة. ولأنّه لم يعد كرفاقه، ظنّ أنّه اعتُقل من حزب البعث الذين أرسلوه إلى سجون الاعتقال في سوريا. ولسنواتٍ طويلة تأمّلنا عودته حيًّا إلى لبنان، أو على الأقل أن يسلّمونا رفاته. وها أنا أكتشف من مذكّرات والدي أنّ قائده اللعين تركه يموت وحيدًا، وكذب علينا رغم علمه بانتظارنا عودته على أحرّ من الجمر! ولو أخبرنا بهربه صعودًا، لأنقذناه قبل فوات الأوان.
المذيع: كان والدك رجلًا شريفًا، وجميعنا نفتخر به.
فتنهّد الابن بضيق، قبل أن يسأله: وأين هو الآن؟
- ما زالت جثّته في ثلّاجة المستشفى الحكوميّ.
الابن: إذًا سأسافر معك لدفنه في قريته بشكلٍ لائق.
***
وتناقل الإعلام مشهد دفن الشهيد وليد، الذي استقبله أهل قريته بالأرزّ والزغاريد، ليدفن في مدافن العائلة كبطلٍ شريف، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من بقائه وحيدًا في الطابق العلويّ للبرج المهجور.
وعقب دفنه بيومين، انهار جزءٌ من البرج لوحده، ممّا استدعى التدخّل الهندسيّ لتفجيره بطريقة لا تضرّ بالعمارات المجاورة.
والغريب أنّه انهار من المحاولة الأولى، بحضور عددٍ كبير من اللبنانيّين، الذين علّق بعضهم على وسائل التواصل الاجتماعي بأنّ روح البطل وليد هي من أعاقت هدم البرج طوال السنوات الماضية، وبعد دفنه وإراحة روحه، لم يعد للمبنى هدفٌ للبقاء، فانهار سريعًا مع كلّ ذكريات الحرب الشنيعة وصراخ المظلومين التي تشرّبت داخل جدرانه الموحشة!
*******
ملاحظة :
برج المرّ المهجور يُعدّ رمزاً من رموز الحرب الأهليّة اللبنانيّة ، وهو لم يُهدم حتى الآن .. فتخيّلت إن سبب عسر هدمه : هو الجثث مجهولة الهويّة التي دُفنت في مركز التعذيب في طابقه السفليّ .. او إن أحدهم تمكّن من الهرب صعوداً ، وظلّ هناك حتى مات وحيداً .. وبسبب ارواحهم المظلومة والغاضبة من عدم المساءلة القانونيّة لمجرمي الحرب ، مازال المبنى موجوداً حتى اليوم !
قصة حزينة ومعبرة بنفس الوقت عن الحرب اللبنانية بس توضيح بعض المعلومات عن برج المر لم يتمركز فيه قناصة خلال الحرب الأهلية كان برج رزق في شرق بيروت مركز القناصة الحقيقين هناك كان قناصي الكتائب والقوات اللبنانية يقنصون المواطنين في غرب بيروت وبرج المر اول الحرب تمركز فيها مقاتلي حزب المرابطون والفلسطينيين كانو يقصفون منه المنطقة الشرقية وبعد ذلك تمركز الجيش السوري فيه حتى سنة 1982 تمركز الجيش اللبناني فيه وعاد وتمركز فيه مقاتلي حركة امل ومرة أخرى مقاتلي حزب التقدمي الاشتراكي الدرزي حتى عاد الجيش السوري وتمركز فيه من أواخر الثمانينات وعاد وسلمه للجيش اللبناني منتصف التسعينات وما زال الجيش اللبناني يعتبره مقر له وما يعيق هدمه وهو مالكه ميشال المر قدمه للجيش اللبناني ليظل فيه يعني يمكن القول مرت جيوش وميلشيات على هذا البرج
ردحذفمعلومات رائعة أخي ربيع ستفيد القرّاء ، شكراً لك .. تخيّل معي الفيلم لوّ صوروا طوابق برج المرّ بطائرة درون عند غروب الشمس ، مع موسيقى وطنية حزينة .. سيكون جميلاً بالفعل
حذفلا ادري لماذا لا يقبل قوقل تعليقي رغم كتابته وارساله اربع مرات
ردحذفالتعليقات لا تنشر الا بعد قراءتي لها ، وحاسوبي كان معطلاً طوال الإسبوع الماضي.. الحمد الله أصلحته اليوم ، وسأقوم قريباً بنشر قصص جديدة .. أعتذر عن التأخير
حذفاردت بتعليقي أن اخرج ما بقلبي عن حرب لبنان الاهليه ومجرميها من زعماء المليشيات الذين ارتكبوا ابشع الجرائم والفضائع ضد مئات الالاف من الابريا اللبنانين ولم يحاسبوا او يحاكموا ولكن تعليقي لم يلقى طريقة
ردحذفعلى العموم مشكورة يا رمز الوطنية مشكورة يا اخت أمل مشكورة يا رمز الوفاء عشتي وعاش زمانك يا ابنة الكرام
قصة رائعة أنا جدا متأثر بما حصل في لبنان
ردحذفلم أكن أعرف كم عشتم من صعاب هذا كلام من شخص
أشد ما حصل له هو أغلاق ألكهرباء لساعة على الأكثر فليفرجها الله لكم
تألمت حقاً و الواقع أكثر ألماً.. حسبي الله
ردحذفالله يحفظك أختي و يحفظ بلداننا العربية من شرور البشر
أسفة لخروجي عن الموضوع لكنني أقوم أحياناً بنشر روابط لبعض قصصك فى حسابي على تويتر مع تعريف بسيط لها و فى آخر مرة أقتبست جملة فى حوار من قصة برج الشيطان مع الإشارة بجملة *من إحدى قصص أمل شانوحة* بدون رابط ؛ أسفة جداً لأني قمت بذلك بدون إذنك لكنني فحسب أردت أن أعرف الناس على كتاباتك أولاً و أسهل الطرق لهم هي الإقتباسات لذا كنت فكرت بالإستمرار بالإقتباس لكن أرى أنها وقاحة أن أفعل ذلك بدون رأيك و إذنك.. و أسفة إن أغضبتك و إن أردتِ أن أمسح تلك التغريدات فـ سأفعل ، إنها فقط ثلاثة
تحياتي الحارة لك :)
وفقك الله
طالما تكتب إنها قصصي ، فلا بأس بتغريداتك .. وشكراً لك مقدماً على شهري في تويتر
حذفشكراً لكِ :) العفو ؛ بل الشكر لكِ
حذفأنا فتاة بالمناسبة