الأربعاء، 26 يناير 2022

قطع غيار

تأليف : امل شانوحة 

 

الهبة الإنسانيّة


لطالما تساءل والد سليم عن سبب إنجابه إبناً مريضاً بالعضال ؟! فهو منذ صغره يلازم كرسيه المتحرك ، بعكس إخوته الكبار الرياضيين الحاصلين على ميداليات ذهبيّة ، والذين يطمحون للإلتحاق بالأولمبياد بتشجيعٍ من والدهم أخصائي التغذية .. 


اما سليم .. فأمضى معظم حياته (18 عاماً) مُتنقلاً بين المستشفى والعلاج الطبّي ، مما أتعب عائلته نفسيّاً ومادياً ! 

ولأن مدينتهم صغيرة ، لم يتواجد فيها سوى مستشفى واحد .. لهذا صار صديقاً للأطباء والممرّضين الذين اعتادوا على رؤيته من وقتٍ لآخر.. 

كما اصبح لديه اصدقاء في القاعة الكبيرة الموجودة بالطابق السفليّ للمستشفى ، المخصّصة لعلاج الأمراض المستعصيّة : كمرضى السكري وغسيل الكلى والسرطان والمعاقين وغيرهم


وكان سليم اكثر المرضى تفاؤلاً رغم سوء حالته الصحيّة .. فأحياناً يواسي الأهالي الذين يحضرون لاستلام الجثة من المشرحة ، او يتلقون خبر فشل عمليات أقاربهم . 

كما اعتاد شراء الحلويات من مصروفه للمرضى الأطفال الذين يفرحون بقصصه الشيّقة التي يرويها لهم قبل نومهم ، لهذا لقّبه الجميع : ((بملاك المستشفى))

***


في أحد الأيام .. سأل سليم الممرّضة عن الحاج عادل (أكبر المرضى سناً) فأخبرته انه يحتضر وحده في غرفة العناية ، بعد رفض ابنائه الحضور لخوفهم من مرض الجذام الذي أصابه قبل شهرين.. 

فأصرّ سليم على رؤيته ، رغم تحذيرها له من العدوى بسبب مناعته الضعيفة .. فأجابها بعصبية :

- انا ميت بجميع الأحوال !! على الأقل لن اموت نذلاً بالتخلّي عن العم عادل الذي كان بمثابة أبٍ لي ، بعد انشغال والدي بمباريات اخوتي الرياضيّة


فوافقت على أخذه لغرفة العجوز .. وتركته واقفاً بجانب سريره وهو يحاول كتم دموعه ، بعد رؤيته يتألّم من سكرات الموت .. 

فقال العجوز :

- لا تبكي يا سليم ، فأنا عشت حياتي : تعلّمت وسافرت ، وعملت بالتجارة وتزوجت وأنجبت الأولاد والبنات ، وأصبحت جدّاً لثلاثين حفيداً .. ورغم عدم توديعيهم لي قبل وفاتي إلاّ انني لست حزيناً ، فقد التزمت بديني طوال عمري ولم أفعل الحرام او اعتدي على حقوق غيري ولم أوذي انساناً بكلمة ، فلما أخاف من لقاء ربي العادل الذي حتماً سيُجزيني خيراً عن افعالي الصالحة ..هل معقول ان أحزن لدخولي بعد دقائق الى الجنة التي لن أشعر فيها بالألم والخوف والجوع والعجزّ ما حييت 


سليم وهو يمسح دموعه : ليتني لا أخاف من الموت ، مثلك يا عمي 

- وهل عصيت يوماً ربك ؟

- وكيف افعل وانا نصف مشلول ، وأمضيت جلّ حياتي في المستشفيات

العجوز : وكل لحظة شعرت فيها بالألم ، سيكافئك الله عنها بالآخرة ، لدرجة تمنّيك زيادة بلاؤك في الدنيا .. فمع صبرك على المصائب ترتفع درجتك في جنّات الخلد .. الم تسمع قول الله تعالى ))ولا يلقّاها إلاّ الصابرون)) ؟

سليم بتعجّب : هذه اول مرة أفكّر بالموت بأنه راحة من عذاب الدنيا !

العجوز : بل هو بوّابة للإنتقال لعالم الخلود .


ولم يكمل جملته ، حتى انتفض جسمه قليلاً ..ليرتفع بعدها رنين جهاز القلب ! 

فأسرع الطبيب لتأكّد من وفاة العجوز ، بعد أن أمر سليم بالخروج من الغرفة ..

فتمّتم سليم قائلاً :

- ألقاك قريباً يا عمي 

وجرّ كرسيه المتحرّك ، والدموع على وجنتيه..

***


بعد هذه الحادثة ..فكّر سليم كثيراً بالموضوع ، قبل حسم أمره ..

ودخل غرفة مدير المستشفى ليخبره بقراره الجريء ، فسأله باستغراب :

- هل انت متأكّد من ذلك ؟

سليم : نعم ، حدّد الموعد بعد انتهائي من المهمّة 

المدير : لكنها عملية خطيرة ، وقد لا تنجو منها

- اعرف هذا ، لهذا طلبت منك إبقاء الأمر سرّاً بيننا .. 

- أمصرّ أن لا تخبر اهلك بقرارك ؟

سليم بحزم : لا داعي لذلك ، فقد تجاوزت سن 18 ومن حقّي تحديد مصيري 

- ومتى تريد إجراء العمليّة ؟

سليم : بعد إيجاد الأشخاص الذين يستحقون أعضائي 


وخرج من مكتبه ، بعد توقيعه ورقة رسميّة بموافقته على التبرّع بأعضائه فور فشل عمليّته الخطيرة

***


خلال الأيام التالية .. تجوّل سليم مع الممرّضة (بأمرٍ من مديرها) على غرف الحالات الصعبة ، وهي تخبره عن حالتهم الصحيّة 


الممرّضة : وهذه غرفة فتاة صغيرة تعاني من فشلٍ كلويّ

سليم : ما اسمها لأقيّده في لائحتي ؟

وقبل أن تخبره ، إقترب والد الفتاة صارخاً :

- الم ينتهي غسيل الكلى ؟!! لي ساعتين وانا انتظرها في الممرّ

الممرّضة : سيدي ، لا يمكننا الإستعجال ف..

الأب مقاطعاً بغضب : زيدي سرعة الجهاز ، فورائي اعمال أهم من هذه الفاشلة !!


فبكت ابنته فور سماعها كلام ابيها الجارح ، فأسرعت الممرّضة بإخراج والدها من الغرفة .. فاقترب سليم بكرسيه المتحرك من سريرها ليسألها :

- هل اعتاد والدك على ضربك ؟

الفتاة بحزن : كان يفعل ذلك قبل إصابتي بفشلٍ كلويّ ، لكنه مازال يضرب امي !

- وهل لديك إخوة ؟

- هو لا يريد اولاد معاقين مثلي

سليم : أتدرين يا صغيرتي ، يبدو من الأفضل أن تعيشي في مكانٍ أجمل من بيتك الحاليّ

الفتاة : أين ؟

سليم : في الجنة ، مع آباء رحماء كالعم عادل

وخرج من الغرفة ، بعد شطب إسمها من اللائحة..

***


بعد قليل لحقته الممرّضة ، لتريه غرفة مريض آخر يحتاج على الدوام لتغير دمه .. فشاهده سليم وهو يصرخ على عاملة النظافة بشتائم بذيئة ! فأخبرته الممرّضة انهم اعتادوا على طباعه السيئة 

فشطب سليم اسمه من اللائحة ، وهو يقول :

- الدنيا لا تحتاج للمزيد من سيئي الخُلق .. رجاءً خذيني لأصدقائي بالطابق الأرضيّ ، فهم اولى بأعضائي

***


وفي القاعة السفليّة ، راقب سليم تصرّفات المرضى دون علمهم .. الى ان لاحظ مريضة جديدة (بسن المراهقة) حسنة الخلق مع الجميع ، ودائماً تشكر الممرّضين بامتنان ، وحنونة مع المرضى الأصغر سناً 

فبدأ يتقرّب منها للتعرّف عليها .. 

وبعد محادثتها لساعتين ، تفاجأ بصفاتهما المشتركة !

***


مع الأيام .. أُغرم بالصبيّة ، خاصة لكونها تُخفي ألمها رغم حاجتها لمتبرّعٍ للقلب بأسرع وقتٍ ممكن !

لهذا كتب إسمها بلائحته ، فهي الوحيدة التي تستحق قلبه 


وكذلك اختار أم لثلاثة اطفال لإعطائها كبده.. اما كليته اليمنى فقرّر إعطائها لرياضيّ يافع يحلم بالبطولة .. وقزحيّة عينيه لولدٍ صغير حتى لا يصاب بالعمى .. أما دمه فوزّعه على ثلاثة اولاد يعانون من فقر الدم.. ورئتيه لرضيع يعاني من صعوبة التنفّس .. 


وهكذا أكمل لائحته بأسماء المستفيدين التي أعطاها لمدير المستشفى بسرّيةٍ تامة ، والذي بدوره حدّد موعد عمليته الخطيرة بنهاية الإسبوع 

***


في الموعد المحدّد .. تفاجأ سليم بتجمّع أهله في غرفته ، وهم يلومونه على اتخاذه قراراً مصيرياً دون استشارتهم (بعد اتصال المدير بهم)

فأخبرهم انه تعب من الإبر والأدوية والعلاج الفيزيائي ، كما ارهقهم كثيراً بمصاريفه الماديّة ، وانه يرغب حقاً بإنهاء عذابه : إما بشفائه التام ، او موته ليريحهم من همّه


وبعد توديعه ، دخل غرفة العمليات .. وقبل تخديره ، أمسك يد الطبيب قائلاً :

- إتفقت مع مدير المستشفى بأن لا تنعشني في حال فشلت العملية ، وأن تبدأ على الفور بإزالة اعضائي للمستفيدين الذين عيّنت اسمائهم

الطبيب : اعلم هذا ، وهم متواجدون في المستشفى بانتظار النتيجة

سليم بحزن : تقصد بانتظار موتي .. اذاً دعنا لا نضيّع الوقت ، وضع لي جهاز التخدير 

***


وكما توقع الطبيب سابقاً ، لم تنجح عمليته ! وحزن اهله بخبر موته ، رغم علمهم بارتياحه من عذابه


وحين طالبوا المستشفى بتسليمهم سليم لدفنه.. تحجّجوا بالأوراق الرسميّة ، ووعدوهم بتسليم الجثة في اليوم التالي


بعد خروج اهل سليم من المستشفى ، بدأت عمليات جراحيّة مُستعجلة لنقل أعضائه للمستفيدين .. والتي نجحت جميعها ، لتهلّل عائلاتهم فرحاً وامتناناً للبطل سليم الذي أهدى مرضاهم فرصة جديدة للحياة

***


وفي اليوم التالي .. إستلم الأهل جثته مُكفّنة ! فعاتبهم الوالد :

- لما لم تسمحوا لنا بذلك ؟!

الطبيب : لدينا فريق عمل مُتخصّص بالغسل والتكفين ، عليكم فقط أخذه للجامع للصلاة عليه ..

وبذلك دُفن سليم ، دون علم اهله بتبرّعه بأعضائه !

***


ولم يعلموا بالأمر ، إلاّ بعد إقامتهم مجلس عزاء آخر بمرور 40 يوم على وفاته (حسب عادات منطقتهم)..

ليتفاجأوا برجلٍ ثريّ يقدّم لهم شيكاً بمبلغٍ كبير (بعد تبرّع سليم بكليته الأخرى لإبنه الوحيد)

وقبل أن يعيّ الأهل ما حصل ! قدم 8 اشخاص وعائلاتهم الى العزاء لشكرهم على تبرّعات سليم لإبنائهم

مما أغضب والده ، لعدم استشارة المستشفى له بهذا الخصوص.. 


ولم تهدأ اعصابه إلاّ بعد قدوم مدير المستشفى ، لتسليمه الورقة الرسميّة الموقّعة من سليم الذي اشترط سرّية تبرّعاته .. كما أعطاه رسالة منه ، طلب تسليمها لأبيه في العزاء ..

وكان فيها :

((ابي العزيز .. سمعتك مرة تكلّم صديقك : بأنك لا تعرف سبب إنجابك لولدٍ معاق مثلي ؟ وقد أحزنني كلامك ! لهذا بحثت عن مريضٍ ثريّ لأتبرّع له بكليتي ، لسداد ديون علاجي الذي كلّفتك بها منذ ولادتي ، وأتمنى أن يكون المبلغ كافياً .. اما بقيّة المستفيدين ، فهم اصدقائي ويحتاجون لفرصةٍ ثانية للحياة ، وقد اخترتهم بعناية ليستحقوا أعضائي ..رجاءً لا تغضب مني ، فالله خلقني لأكون قطع غيار للناس الصالحين .. فهل أنت فخورٌ الآن بإبنك المعاق ؟))


فبكى الأب حزناً على فراق ابنه .. بينما اقتربت الصبيّة من أم سليم وهي تقول :

- ابنك تبرّع لي بقلبه ، فهل تريدين سماع نبضاته ؟

وأعطتها السمّاعة الطبّية التي وضعتها الأم على صدرها ، لتقول باكية :

- نعم !! هذا قلب سليم الطيّب بالفعل

وانهارت عائلته بالبكاء..

***


بعد سنوات .. قدمت الفتاة مع طفلها الى المقبرة ، ووقفت امام قبر سليم :

- هذا ابني ، سمّيته على اسمك .. فزوجي يعلم إنك حبي الأول ..وكيف لا ، وانا احتفظ بقلبك داخلي .. شكراً لأنك أعطيتني فرصة للحياة ، يا صديقي الغالي


ورمت الورود على قبره ، وهي تقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة التي يندُر وجودها بحياتنا الحاليّة !


هناك 3 تعليقات:

  1. اتعلمين اختي قصة اتت في وقت.....صعب وقد قراتها وتفائلت
    المهم شعور لايمكن وصفه
    شكرا اختي فيالله

    ردحذف
  2. يعني لقد أراح وأستراح أين يجرون هذه العمليه
    إن بالواقع من البشاعه مالا يتحمله الشيطان شخصيا ..
    لأصبرن لدهرا لا يلقمني به .. إلا الخبال وثوب الصبر منخرق

    ردحذف

العرس المشؤوم

تأليف : امل شانوحة    أحداثٌ غامضة ! كانت صالة الأفراح (في الطابق السفليّ للفندق) مُجهّزة بالكامل لاستقبال اهالي العرسان الجدّد ، الّلذان تع...