الأربعاء، 20 يوليو 2022

ستكونين لي

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

إغفريلي


في القرن الماضي ببريطانيا ، وفي إحدى الأمسيات الباردة.. تلصّص رجلٌ من خلف الشجرة على نافذة كوخٍ ، تتراقص فيه صبيّةٌ جميلة مع زوجها على ألحان الموسيقى !

وتركّزت نظراته على الفتاة الفاتنة بفستانها الشفّاف وشعرها الناعم المُنسدل فوق ظهرها ، وضحكاتها العفويّة وهي تحتضن زوجها بشغف !


كل هذا أثار غيرة الرجل الغامض الذي لم يعهد مشاعراً فيّاضة من قبل ! والذي تمّتم بحرقة :

- يا قلبي لما اخترتها من بين النساء ؟!


ثم ترك العرسان يُكملان سهرتهما بهدوء ، وعاد حزيناً الى قصره المجاور لكوخ خادميه !

***


في اليوم التالي ، بوقت الظهيرة .. نزل السيد هنري لتناول غدائه ، ليجد زوجته ترمقه بنظراتٍ حادّة امام طاولة السفرة :

- الآن استيقظت ! ليتني اعرف اين تقضي لياليك ؟!

هنري بلا مبالاة : أمشي قليلاً بالهواء الطلق

- سهرك كل مساء يُتعب صحّتك

فقال في نفسه بحزن : ((كأنه يُهمّك أمري ، فأنت لم تشعري يوماً بوحدتي ومعاناتي !))  

  

(فإليزابيث لم تعلم بغرامه لسالي : عروسة حارسهم جون ، وخادمتها في القصر !) 

***


بعد الغداء ، صعد السيدان الى غرفة النوم .. فأدار هنري الإسطوانة الموسيقيّة وهو يمدّ يده لزوجته ، ليراقصها .. فردّت باشمئزاز :

- ما هذه السخافة ! 

هنري : انها موسيقى رائعة

- ستبلغ الخمسين يا رجل ومازلت تهتم لهذه الأمور ، ثم متى رقصنا دون مناسبةٍ إجتماعيّة ؟!


فإطفأ الموسيقى وهو يتنهّد بضيق :

- آسف ، هذا خطأي

اليزابيث : الى اين تذهب ؟

- سأتمشّى قليلاً بالحديقة


وبعد خروجه من الغرفة ، تمّتمت زوجته بضيق :

- ترى ما الذي يُشغل تفكيره بالأسابيع الماضية ؟!

***


بعد ايام .. دخل السيد هنري الى الإسطبل ، ليجد سالي تُطعم الأحصنة .. ومن دون وعيٍّ منه ، حضنها من الخلف ! 

وقد أرعبها الموقف ، لدرجة صفعه بقوة ..

هنري بإحراج : آسف ! لم اقصد إخافتك 

سالي بخوف : مالذي فعلته .. سيدي ؟!

- لم استطع تمالك نفسي

- انت متزوج ! وأنا مُغرمة بزوجي 

هنري : لكني لا احب زوجتي

- هذه مشكلتك وحدك 


وخرجت مُرتبكة من الإسطبل ، بينما غرق هنري بأحلامه الرومانسيّة التي زادت بعد دفاعها عن شرفها !

***


بنهاية الإسبوع .. دخل الحارس جون الى كوخه ، لإخبار زوجته أن السيد هنري وصديقه جاك دعياه لمرافقتهما برحلة الصيد .. 

فشعرت سالي بنغزة في قلبها ، وحاولت منعه من الذهاب .. لكنه اجابها بحماس :

- لطالما عشقت الصيد ، لكني لا املك ثمن البندقية .. وهما وعداني بإطلاق النار على الأرانب والطيور 

سالي بقلق : رجاءً لا تذهب ، فالموضوع غير مريح ! 

- ما الأمر ؟ إخبريني 


لكنها فضّلت كتمان تحرّش السيد بها ، وحاولت إقناعه بعدم الذهاب .. لكنه أصرّ على ذلك !

*** 


في الصباح التالي ، وبينما تقوم سالي بجليّ الصحون .. إرتبكت فجأة ! ووقع الصحن من يدها ..

***


بعد ساعة ، وصلها خبر وفاة زوجها بطلقةٍ في صدره !

ولم تستطع لوم السيد هنري الذي لم يذهب مع صديقه برحلة الصيد ، بعد تعثّره صباحاً على الدرج والتواء قدمه !

بينما برّر صديقه جاك : بأن زوجها جون أطلق النار على نفسه خطأً ، اثناء تعبئته المسدس !

اما السيدة اليزابيث فاكتفت بإعطائها يومين إجازة لدفن جون بقريته!

***


بعد شهور على الحادثة ، إستغلّ السيد هنري ذهاب طبّاخته العجوز للسوق برفقة زوجته ، لدخول المطبخ بقبو قصره .. ليجد خادمته سالي (الأرملة الحسناء الثلاثينيّة) مُنشغلة بغسل الصحون.. 

وللمرة الثانية لم يتمالك نفسه ، وقبّل عنقها .. 

لتدفعه بقوّة للخلف ! وتهرب باكية الى الحديقة ..

***


بعد ساعة ، طلب قهوة الى مكتبه .. فاقتربت سالي بخطواتٍ مُتثاقلة لوضع الفنجان امامه ، بيدها المرتجفة وعيونها الدامعة ..

فسألها هنري : أتدرين لما طلبتك ؟ 

سالي بحزن : لطردي من القصر

- لا ابداً ، انا فخورٌ لدفاعك الشرس عن شرفك

سالي بدهشة : أحقاً سيدي !

- نعم هذا يقويّ ثقتي بك ، فأنا لا احب الفتاة سهلة المنال .. (ثم ارتشف قليلاً من قهوته).. أعلم بخوفك وقلقك ، لكني لا استطيع السيطرة على مشاعري اتجاهك !  

- رجاءً سيدي .. إن عرفت زوجتك بالأمر ، ستطردني من هنا .. وانا لا اريد العودة لقريتي البعيدة ، فلا تقطع بلقمة عيشي

هنري : سأحاول جهدي أن لا اضايقك ثانيةً 

فانحنت له بأدب ، وخرجت من مكتبه 

*** 


على مدى شهرين ، إكتفى هنري بمراقبة خادمته من بعيد .. ليلاحظ احترامها لجميع العاملين بالقصر.. وتعاملها الراقي مع ضيوفه .. وحنانها على اطفالهم الصغار .. ورعايتها للحيوانات الأليفة.. 

كما اخلاقها العالية بعدم ردّها على التعليقات الساخرة لرفيقات زوجته المغرورات !


كما أُعجب بصوتها العذب اثناء سقيّها المزروعات فجراً .. ولأجلها تخلّى عن عادة السهر ، للإستمتاع بغنائها الرقيق ! 

وسؤالٌ واحد يختلج صدره : 

- لما تزداد نبضاتي كلما سمعت صوتها او لمحتها من بعيد ؟! وكأن قلبي يموت بغيابها !

***


وفي احد الأيام .. أصرّت اليزابيث على الذهاب مع صديقتها لحفلٍ مسائيّ ، رغم مرض هنري وملازمته الفراش ..


وبعد ذهابها ، إستيقظ فور شعوره ببرودة الضمّادات التي وضعتها سالي على رأسه المُلتهب ! والتي اهتمّت به لساعات ، الى حين عودة زوجته .. مما حسّن نفسيّته ، مُتمنيّاً أن يطول مرضه لتبقى حبيبته بجواره 

***


وفي إحدى الأمسيات .. دخلت سالي الى الصالة لتقديم العصير لأصدقاء هنري اثناء تقامرهم بلعبة الشدّة ..

وبينما هي تضع الكؤوس امامهم ، إسترقت النظر الى اوراقهم ..


وحين اراد هنري المراهنة بما لديه ، اشارت بعينيها بأن لا يفعل !

ففهم أن لدى منافسه اوراقاً اقوى منه ، فانسحب من اللعبة ..

ليلاحظ صديقه حركة سالي ، ويشتمها بقسّوة .. مما جعلها تنسحب مقهورة وباكية من الصالة.. 


ليتفاجأوا بهنري يطردهم من القصر ، لعدم احترامهم موظفيه (على حدّ تعبيره) .. وجاءت ردّة فعله العنيفة ، صادمة لأصدقائه الذين اعتادوا حسن تصرّفه وهدوئه الرزين !

*** 


وسرعان ما انتشرت إشاعة عن إنجذابه لخادمته ، والتي جعلت زوجته تشكّ بهما ، خاصة بعد إيقاع هنري بالخطأ صحن الفاكهة .. ليُسارع بمساعدة سالي بلمّلمة حبّات العنب ! 

فعاتبته زوجته بعصبية :

- دعّ الخادمة تقوم بعملها !!


وبعد خروج سالي من غرفة الطعام ، قالت زوجته :

- إنتبه على تصرّفاتك يا هنري ، فأنت لست صغيراً لتقوم بحركاتٍ طائشة


فأكمل طعامه بصمت ، وهو يكتم غضبه من تحكّمات زوجته التي لم يعد يُطيقها !

*** 


في ظهر احد الأيام ، شعر هنري بالملّل .. فعزف على البيانو الكبير في الصالة ، ليلاحظ سالي تتنصّت اليه من طرف الباب .. 

فطلب منها الإقتراب .. فأخبرته بإسم المعزوفة ، ومدى عشقها للموسيقى الكلاسيكيّة .. 


فردّ بحزن :

- وأنا ايضاً أعشق الموسيقى الهادئة .. لكن زوجتي لا يهمّها سوى  التسوّق ، لإغاظة صديقاتها الحمقى ! 

سالي : أتدري سيدي ، لطالما تمنّيت إتقان العزف 

هنري : صوتك جميل وسيتماشى مع انغام البيانو.. هيا إجلسي قربي ، سأعلّمك بعض النوتات الأساسيّة

***


بعد إمضائهما ساعة بتعلّم العزف ، قال لها :

- انت ذكيّة يا سالي ، وتتعلّمين بسرعة

- لأني اعشق الفن بأنواعه

هنري : حتى الرقص ؟

فأجابته بحزن : كان زوجي راقصاً بارعاً ، وهو من حبّبني فيه  

- رجاءً لا تبكي


ثم اضاء إسطوانة موسيقى كلاسيكيّة وهو يمدّ يده نحوها : 

- هل ترقصين معي ؟ 

سالي بارتباك : اعتذر سيدي ، لا استطيع 

وقبل خروجها من الصالة ، إلتفتت اليه بخجل :

- ربما أفعل يوماً ما

 

وذهبت لإكمال عملها ، بينما غرق هنري بأحلامه الرومانسيّة التي قاطعتها زوجته التي كانت تراقبهما من زاوية الصالة الكبيرة ! وسألته باشمئزاز :

- هل عُدّت مراهقاً تافهاً ، تُلاحق الخادمات ؟

هنري بارتباك : منذ متى تراقبيننا ؟!

فردّت بغيظ : منذ تعليمك العزف لخادمتنا الحقيرة

- لوّ سمحتِ ، نادها بإسمها .. سالي

- حبيبتك سالي ستُطرد الليلة من قصري


فهجم نحوها ، مُهدّداً بنظراتٍ حادّة أرعبتها :

- إيّاك ان تفعلي ، وإلاّ سترين وجهي الآخر !!

وصعد غاضباً الى غرفته .. 


فأسرعت اليزابيث لطبّاختها العجوز (المسؤولة عن الخادمات) وطلبت منها إشغال سالي بأعمالٍ خارج القصر ، وإلاّ ستُطرد معها في حال رأتها بجوار زوجها العاشق المتهوّر !

***


إختفت سالي عن انظار هنري لعدة ايام .. فسأل الخدم وزوجته عنها دون حصوله على إجابةٍ وافية .. فبحث عنها بنفسه ، الى ان وجدها مُنهمكة بأعمال الإسطبل !


فخلع معطفه الفخم ، لمساعدتها بإطعام الخيول..

سالي بارتباك : لا سيدي ، ارجوك ! 

هنري وهو يحمل العشب : 

- أتدرين هذه كانت وظيفتي القديمة ؟ فقد كنت عاملاً في إسطبل السيدة اليزابيث ، المرأة العانس التي ورثت القصر من والدها .. والتي افتُتنت بوسامتي .. وهي اقترحت زواجي منها ، رغم انها تكبرني بالعمر ! .. فوافقت ، لرغبتي مساعدة عائلتي الفقيرة .. لكني بالحقيقة لم أشعر يوماً أنني زوجها ، بل مرافقاً لها بالحفلات الراقية المتصنّعة ! فقلبي لم يخفق إلاّ لك ، عزيزتي 


سالي بقلق : سيدي ، أخبرتك سابقاً عن رفضي فكرة العشيقة 

- اذاً تزوجينني ؟ 

- كيف وانت متزوج ؟! 

هنري : سأطلّقها فور قبولك طلبي 

- لكنها ستحرمك من كل شيء

- صدّقيني لم يعد المال يهمّني بقدر إيجادي امرأة توافقني فكريّاً وروحيّاً وعاطفياً ، وأظنني وجدتها أخيراً  

سالي : لكني ما اسمعه بالحقيقة هو قتل الرجال لعشيقاتهم ، بدل تطليقهم لزوجاتهم النكديات ! فأيّ نوعٍ من الرجال انت ؟

- انا اريد راحة البال 

- اذاً عليك إخبار زوجتك بمشاعرك نحوي .. والى ذلك الحين ، سأبقى خادمتك فحسب

وخرجت من الإسطبل ، تاركةً هنري بحيرةٍ وقلق

*** 


بعد اسبوع .. اضّطرت اليزابيث بقبول طلب طبّاختها بإعادة سالي للقصر ، لمساعدتها بالمأدبة الضخمة التي ستُقام لوالدة السيدة القادمة مع اقاربها من السفر

***


وفي ليلة العزيمة ، واثناء تقديم سالي الطعام للضيوف .. ضربت اليزابيث بمروحتها القماشيّة على يدها بقوة ، مُعاتبة :

- قدّمي الطعام لأمي اولاً ، يا غبيّة !!

- آسفة سيدتي

ونظرت سالي لهنري بحزن ، والذي يحاول كتمان غضبه ..


وبعد تقديمها الطعام ، أوقعت الطبق من يدها بعد تعثّرها بطرف السجادة ..فنهضت اليزابيث لصفعها على كسر طبقها الغالي ، لتُفاجأ بهنري يمسك يدها بقوة ! 

مما قهر زوجته التي طردت سالي من قصرها ، والتي خرجت باكية بعد شعورها بالظلم الشديد !  


أما هنري فصعد الى غرفته غاضباً .. لتلحقه زوجته ، وسط دهشة امها والضيوف مما جرى امامهم !

***


في غرفة نومهما .. عاتبته اليزابيث على تصرّفه الأحمق امام الضيوف .. فانفجر بعصبية :

- حاولت تحمّلك لسنواتٍ طويلة ، ولم أعدّ أحتمل اكثر من ذلك

زوجته بصدمة : أكل هذا لأجل خادمة ؟!

- قلت لك الف مرة أن تناديها بإسمها !! 

اليزابيث : هي تحاول التقرّب منك لأجل المال ، فاعطها بعض النقود ولترحل من حياتنا

- انت تظنين إن بإمكانك شراء الناس بأموالك القذرة ، ولم تفهمي يوماً قيمة المشاعر والعواطف ! 


فردّت بتهكّم : وانت !! ألم تقبل زواجك من سيدة تكبرك بالسن ، لكيّ تصبح سيد مجتمع ؟

هنري : كنت شاباً غبياً ، وظننت إن المال والجاه سيشعراني بالسعادة ..لكني كرهت كل لحظةٍ معك

- اذاً فلتعدّ من حيث اتيت !!

- وهذا ما سأفعله الآن


ودخل غرفة الملابس .. ليخرج بعد قليل ، ببذلة عامل الإسطبل 

زوجته بدهشة : الم ترمي زيّك القديم ؟! 

- هذه هي هويّتي الحقيقية ، وسأخرج من قصرك كما دخلته .. وسأنهي إجراءات الطلاق قريباً 


وخرج من الغرفة ، تاركاً اليزابيث مصدومة من تصرّفه الجريء! 

ولم يكن بوسعها فعل شيء سوى مراقبته (من نافذة غرفتها) وهو يصعد الى عربة أحصنة برفقة سالي ، مُبتعدان عن حياة الرفاهية بالقصر !

***


لاحقاً علمت اليزابيث بزواجهما ، وعيشهما في كوخٍ قديم قرب النهر ! والّلذان أمضيا فيه لياليٍ سعيدة بالغناء والرقص وضحكاتهما العفويّة 

***


بعد شهرين .. إلتقى هنري بصديقه جاك في كوخ الغابة المُخصّص للصيد ، والذي عاتبه على قراره المفاجىء :

- لا أصدّق انك تخلّيت عن ثروة زوجتك لأجل خادمة ! 

هنري : ولست نادماً على قراري ، فسالي هي توأم روحي

- وهل ستظلّ تعشقك إن عرفت بأنك أمرتني بقتل زوجها بطلقة صيدٍ غادرة ؟

هنري وهو يكتم غضبه : ألم تعدني أن يبقى الأمر سرّاً بيننا ؟ 

فاكتفى جاك بابتسامةٍ خبيثة ! 


وهنا أخرج هنري زجاجة خمرٍ غالية من خزانة المطبخ ، وهو يقول : 

- جيد انني احتفظت بها قبل طلاقي .. لهذا دعوتك الى هنا ، كيّ نحتفل سوياً بزواجي السعيد  


وصبّ له كأساً ، ليشربها جاك دفعةً واحدة دون علمه بأن هنري دسّ فيها سمّاً ، لعلمه المُسبق بحقارة جاك ..فهو لن يجازف بخسارة حبيبته ، ولوّ أُجبر على القتل ثانيةً ! 


السبت، 16 يوليو 2022

فدائي الوطن

كتابة : امل شانوحة

 

حارس السرايّ


أطلق النار عليهم جميعاً ! الفاسدون الخمسة الذين دمّروا البلد بغضون سنتين فقط .. 

لم يتوقع احد أن يقوم حارس السرايّ (الذي عمل بحراسة غرفة الإجتماعات الخاصّة برئيس الجمهوريّة لأكثر من عشرين سنة) بانقلابٍ عسكريّ لوحده !


كل هذا حصل بعد إصابة ابنه الوحيد بأزمةٍ صدريّة مُفاجئة.. 

ورغم عمله بالقصر طوال شبابه إلاّ انه غير مضمون صحيّاً ، ولا يسمح راتبه البسيط بنقل ابنه لمستشفى خاصّ !


واثناء انتظاره عمليّة ابنه الشاب (دون زيّه العسكريّ) إستمع الى مآسي الناس المتواجدين بقسم الطوارئ : من ازمة غلاء المعيشة وندرة الدواء وغلاء المازوت والوقود والإنقطاع الدائم للكهرباء والماء .. 

فتعاطف معهم لعيشه في منطقةٍ شعبيّة تعاني نفس مشاكلهم .. 

***


بعد ساعة من بدء العمليّة ، إنقطع التيّار الكهربائي عن المستشفى بأكملها ! فحصل هرجٍ ومرج بين الزوّار والموظفين من جهة ، والمرضى من جهةٍ أخرى !


والأسوء إن مروحة التبريد في مولّدهم الكهربائيّ تعطّلت بسبب استخدامها الدائم .. ولقدم المولّد ، لم يجدوا قطعة غيارٍ بعد توقف الإستيراد ، عقب الإنفجار الهائل للميناء ! وهذا يعني إن حياة ابنه في خطر ..


ومن شدّة خوفه ، إقتحم غرفة العمليات وهو يضيء جوّاله.. 

ليصرخ الطبيب وهو يأمره بالخروج .. 

فردّ الوالد بصوتٍ مرتجف :

- لن افعل شيئاً ، سأضيء لكم لإكمال العمليّة

الممرّضة : ملابسك غير مُطهّرة ، وهذا خطر على حياة ابنك

الأب بإصرار : لن اخرج قبل الإطمئنان على ابني الذي تشرّحونه في الظلام ، فنور بطاريتكم ضعيفٌ جداً.. سأبقى بجانبه حتى نهاية العمليّة 


فتركوه يسلّط نور جوّاله على صدر ابنه المفتوح ، وهو يحاول كتمان دموعه وهو يرى نبضات قلبه تتباطىء شيئاً فشيئا ، حتى أعلن الطبيب وفاته !


وبغمرة غضبه ، رفع مسدسه في وجه الطبيب الذي عاتبه :

- بدل أن تلومني ، عاقب الفاسدين الذين اوصلونا لهذه الحالة المزريّة

الممرّضة بيأس :

- ومن يستطيع الإقتراب من اولئك الملاعين ؟!


فخطرت ببال العسكري فكرةً مجنونة ! 

وخرج من الستشفى متوجّهاً للقصر الجمهوريّ ، بعد تذكّره الإجتماع السرّي المُقام بين الفاسدين الخمسة ..

***


ولأنه من حرس السرايّ القدامى ، لم يوقفه أحد اثناء توجّهه لغرفة الإجتماعات .. ليجد زميله يسأله بغرابة : 

- الم تطلب مني الحراسة ، لحين انتهاء عمليّة ابنك ؟! 

فكتم العسكري دموعه بصعوبة ، قائلاً بابتسامةٍ مزيّفة :

- ابني بخير ، نقلوه لغرفة العناية المركّزة .. إذهب لمنزلك ، سأبقى حتى نهاية الإجتماع

زميله : بقيّ نصف ساعة لانتهاء المشاورات بينهم

فتمّتم بصوتٍ منخفض : 

- وقتٌ يكفيني

***


بعد ذهاب زميله .. نظر العسكري لساعته ، وهو يستذكر ابنه الذي ربّاه وحده ، بعد وفاة زوجته اثناء الولادة.. والذي مات بنقص الدواء وانقطاع الكهرباء ، قبل ايام من عرسه !


فوقف بجانب الباب وهو متردّد لتنفيذ خطّته ، الى أن سمع ضحكاتهم المجلّجلة من الداخل التي استفزّته كثيراً ، فما الشيء المضحك بعد تدميرهم الوطن ؟!


فأسرع بتلقيم مسدسه ، مُقتحماً غرفتهم .. ليقتل الرئيس اولاً ، ثم اعضائه الأربعة الفاسدين .. ولم يبقى في مسدسه سوى رصاصة واحدة ! 

فانتظر قدوم العسكر الذين حتماً سمعوا صراخ المسؤولين وتوسّلاتهم ، قبل تلوّث المكان بدمائهم وأشلاء أدمغتهم الماكرة ! 


وما أن رأى زملائه (الذين عمل معهم لفترةٍ طويلة) يركضون في الممرّ باتجاه غرفة الإجتماعات ، حتى صوّب المسدس على رأسه وهو يصرخ باكياً : 

- إخبروا الشعب انني ضحيّت لأجلهم ، ولأجل وطننا المظلوم!!

ثم أطلق النار على نفسه مُنتحراً !

***


كان الأمر مفاجأة سارّة للمواطنين ، إلاّ أن البعض أحزنه الخبر بعد إستفادتهم من الفوضى السائدة بالبلد ! بينما الأكثريّة أطلقوا المفرّقعات مع التصفيق والتصفير ، تحيةً للفدائي البطل..

***


لاحقاً دُفن الفاسدون الخمسة خارج الوطن ، بعد إجماعٍ شعبيّ على نفيّ جثثهم للخارج ! بينما انطلقت مسيرةٌ ضخمة خلف جنازة العسكريّ البطل الذي أنقذهم من حياتهم البائسة ، وأعطاهم أملاً لإحياء بلدهم بقوانين سياسيّةٍ عادلة ، بعيداً عن النظام الطائفيّ المُهترئ !  


الأربعاء، 13 يوليو 2022

الخلود

كتابة : امل شانوحة 

الحياة الأبديّة


إحتفل العالم بنجاح التجربة العلميّة الأضخم بتاريخ الناسا بعد تفجيرها صاروخاً كيماويّاً فوق الكرة الأرضيّة ، يصل مداه لجميع سكّان كوكب الأرض ، بعد ابحاثٍ مُكثّفة لإلغاء فكرة الموت !


فالبشر بطبعهم يخافون الدفن تحت الأرض او تحوّلهم لرماد حسب وصيّتهم ! 

لهذا اكتشفوا طريقة لإبقاء الروح في الجسد أطول مدّةٍ ممكنة ، وربما دوامها للأبد ! 

***


لم تمضي شهور حتى تأكّد العلماء من نجاح تجربتهم بعد نجاة مرضى على شفير الموت ، دون استرداد عافيتهم ! فالصحّة الدائمة تحتاج لمعجزةٍ خارجة عن قدرات البشر ..


وأكثر المستفيدين من إلغاء الموت هم الشباب الأصحّاء الذين بإمكانهم ممارسة اخطر الهوايات : كالقفز بالمظلّة وتسلّق الجبال والذهاب للقطب المُتجمّد دون الخوف على حياتهم .. 

كما أسعدت التجربة من لديه امراضاً معديّة ، لعدم خوفهم من ايذاء أحبّائهم 


أمّا اكثر المتضرّرين : فهم حفاريّ القبور الذين عليهم إيجاد عملٍ آخر !

وكذلك الأشخاص المُكتئبين ، لعلمهم أن الإنتحار لن يُنهي عذابهم ! فلوّ رموا انفسهم من المرتفعات ، ستتكسّر عظامهم فقط .. ولن يموتوا باستخدام وسائل اخرى : كالرصاص والسكين والشنق وبلع الأدوية ! وهذا يعني انهم سيعانون ألماً نفسيّاً وجسديّاً مدةً طويلة جداً 


كما تضرّر من إلغاء الموت : من لديه امراضاً مُزمنة ، فهم سيعانون من اوجاعهم للأبد ! 

لذلك خرجوا في مظاهرات بجانب اهالي العجائز المُعمّرين والمعاقين والمجانين والمصابين بغيبوبة ، الذين عليهم الإعتناء بهم لما لا نهاية !

كما تضامن معهم الفقراء الذين كانوا بانتظار موت اغنى افراد عائلاتهم للحصول على الميراث ! بينما فرح الأثرياء العجائز لاحتفاظهم بأملاكهم واموالهم للأبد ، وحرمان ورثتهم منها ..


وفي الجهة المقابلة .. تمّ إطلاق سراح المجرمين المحكومين بالمؤبد والإعدام ، بعد أن بات التخلّص من الأشرار مستحيلاً إلاّ عن طريق طردهم من المدينة ، ليتابعوا نشر افكارهم السوداء وتصرّفاتهم العدوانية في أيّ مكانٍ ينتقلون اليه ! 


هذا عدا عن الفاسدين من الحكّام والوزراء الذين سيتمسّكون بكراسيهم ومناصبهم ، بالإضافة للمدراء العجائز .. مما يقلّل فرصة العمل للشباب الذين سيعانون ايضاً من زحمة منازلهم بعد عودة كبارهم من دار العجزة والذين سيسيطرون بعاداتهم القديمة على حرّية الصغار ، ويحرمونهم من إبداء رأيهم او الحصول على الخصوصيّة داخل منازلهم ! 


وبسبب ضيق الأماكن بعد تكاثر البشر (دون موتهم بالأمراض والحروب التي ألغيّت لعدم الإستفادة منها : طالما لا يوجد تضحيّة بموت جنود الخصوم) اضّطر الكثيرون لردم القبور القديمة والبناء فوقها ..


وكل هذا تسبّب بأزمة سيرٍ خانقة مع قلّة الوظائف والغذاء والدواء والماء التي لا تكفي الجميع .. رغم تحوّل العالم لنباتيين ، لكونه مستحيلاً قتل الحيوانات التي احتفظت ايضاً بحياتها ، ونزوح قطعانٌ منها للمدينة .. 

مما اجبر الكثيرون عن الإمتناع عن الطعام الذي لن يقتلهم ، لكنه سيجعلهم يعانون الجوع لفتراتٍ طويلة ، مُسبّباً مجاعات حول العالم!

***


وبمرور السنوات والقرون .. تزاحمت الأرض بعصورٍ مختلفة تفاوتتّ بالثقافة والإدراك ، كلاً منها يحاول السيطرة على الثقافات الأخرى بلغته الخاصة وعاداته المنقرضة .. مما تسبّب بصراعات همجيّة بين ملوك الماضي والحاضر على السلطة والحكم !


لهذا انطلقت مظاهرات مليونيّة بعدة دولٍ مختلفة ، تُطالب العلماء بإطلاق صاروخٍ آخر يعيد الموت .. لأن موت القدامى ، حياةٌ وفُرص للجيل الجديد

***


بعد اتفاق الجميع على إعادة الموت ، أعلن مذيع التلفاز بنقلٍ مباشر قبل إطلاق الناسا صاروخاً إنتظره العالم منذ قرون : 

((الخلود هو نعمة لأهل الجنة بسبب شبابهم الدائم والحقد المُزال من صدورهم ..بينما الخلود بجهنم هو عقابٌ مستمرّ للعصاة .. وهذا ما حصل حين أردنا الخلود في الدنيا ، مع إحتفاظنا بصفاتنا وعاداتنا السيئة وعمرنا الذي لا يمكن إيقافه ، وبذلك تحوّل لنقمةٍ عظيمة .. فالموت رغم قساوته إلاّ انه نعمةٌ ربّانيّة))


وبعد إطلاق الصاروخ بالجوّ ، تنفّس الجميع الصعداء ..وقاموا بتوديع مرضاهم وعجائزهم الذين ينتظرون الموت بفارغ الصبر للإنتقال ليوم الآخرة ، بإشراف وقضاء ربٍ رحيمٍ عادل 


الثلاثاء، 12 يوليو 2022

العلاقة المُحرّمة

تأليف : امل شانوحة 

 

قوم لوط


في قرية سدوم قرب البحر الميت ، ظهر ابليس لمجموعة من الحرس على هيئة صبيٍّ وسيم .. مُقترباً منهم بتمايلٍ ودلال ، في محاولة لإغوائهم .. حتى وقعوا بالخطأ المخالف لفطرتهم السليمة ! 

***


بعدها بأيام .. تلبّس ابليس جسد زعيم القرية اثناء سماعه شكوى السكّان عن قلّة ثمارهم ، فاقترح ابليس على لسانه : 

أن يُعاقب عابريّ السبيل ممّن يقطفون ثمار بساتينهم ، بالإعتداء عليهم ! كيّ لا يجرأ احد على الإقتراب من قريتهم ..


وبذلك نجح ابليس بتشويه مفهوم السعادة الجسديّة في عقول رجال سدوم ، بعد نشره خطيئةً لم تعرفها البشريّة من قبل ! والتي تُعدّ اهم إنجازات أبليس لقضائه على نسل عدوّه آدم !

***


بغضون سنوات .. إنتشرت الفاحشة بين رجال القرية ، فاضّطرت نسائهم لفعل الشيء ذاته مع بنات جنسهنّ ، بعد اعتزال ازواجهم لهنّ !

ولم يبقى سوى القلّة من السكّان ممّن نبذوا المُنكر المُستحدث !

ومنهم (صالحة) المرأة المطلّقة التي أخفت حملها عن زوجها ، عقب إستبدالها بعشّاقه الذكور المراهقين !

واعتمدت على امها العجوز لجلب الرزق ، بعد ملازمتها المنزل طوال حملها .. 

***


حين اتاها المخاض ، عضّت بقوة على قماشةٍ سميكة حتى لا يسمع الجيران صراخها ..

وبكت بكاءً عظيماً بعد رؤيتها ابنها الجميل الذي وُلد في بيئةٍ نجسة تقضي على براءة الطفولة !

واتفقت مع امها بوضع مهده في قبو الكوخ ، كيّ لا يسمع احد بكاءه 

***


ببلوغ الصبي (طاهر) عامه الثاني ، ربطا قدمه بسلسلةٍ طويلة لمنعه من صعود ادراج القبو الذي لم يرى فيه سوى امه وجدّته الّلتان تطعمانه من وقتٍ لآخر 

***


وفي سن العاشرة (بعد وفاة جدته) أخبرته امه بما يجري في قريتهم:

- إفهمني يا طاهر ، انا امنعك من الخروج خوفاً عليك .. فهناك وحوش بشريّة خارج منزلنا .. 

- لكنك تخرجين على راحتك ؟

امه : هم لا يهتمون إلاّ بالأولاد بمثل عمرك 

- لا افهم شيئاً !


امه : كل ما عليك معرفته إن الله ارسل نبيّاً اسمه لوط لإصلاح الفاسدين بقريتنا .. وفي حال لم يتوبوا ، سيدعوا ربه بهلاكهم بعد أن باتت حياتنا مُقزّزة للغاية .. فالتجاوزات الإخلاقيّة أصبحت علنيّة في الأسواق والحقول .. وكم يضيق صدري خوفاً عليك ، كلما رأيت رجالاً يتقاسمون اولاداً بينهم !

- هل يقتلونهم ؟! 

امه بحزن : الموت أهون مما يفعلونه بهم .. لذا عدّني أن لا تصدر صوتاً بغيابي او تحاول فكّ سلسلة قدمك ، حتى ينزل قضاء الله فيهم .. فأنا أنجبتك صبيّاً ، وأتمنى رؤيتك رجلاً قويّاً .. لا أن تتمايل بمشيتك وتتحدّث كالنساء.. لهذا يجب إخفاؤك عن الأنظار قدر المستطاع ، عدّني بذلك 

- سمعاً وطاعةً يا امي 

***


ببلوغه سن 15 ، إزداد طوله ووسامته .. بينما تفاقم مرض امه التي اضّطرت لفكّ سلّسلة قدمه ..ليصعد معها للطابق الأرضيّ لكوخهم لأول مرة بحياته ! 


ولأن امه لم تسمح له بالخروج للشارع ، تلصّص من شقّ الباب الخارجيّ بعد سماعه طبولهم ومزاميرهم ! 

ليرى رجالاً يقودون اطفالاً عراة وهم يضحكون مخمورين ، والخوف بادي على وجوه الصغار ! 


ففهم طاهر سبب خوف امه من مخالطة الفسّاق ، خاصة بعد رؤيته وسامته لأول مرة من مرآة غرفة نوم امه التي تحتضر في فراشها

فأمسك يدها وهو يترجّاها أن لا تتركه وحده ، كيّ لا يموت من الجوع

فقالت بتعب : إسمعني جيداً يا طاهر .. إن مُتّ ، إدفني بالقبو 

- امي رجاءً لا تتكلّمي هكذا  

- طاهر !! أطعّ أمري ولا تعارض .. فكل همّي أن لا تخرج من المنزل 


ابنها بقلق : وماذا عن الطعام ؟

- في المطبخ شوالاً من القمح والشعير ، وجرّةً من السمن ..وكنت علّمتك طريقة صنع الخبز والحساء

- نعم ، أذكر وصفتك جيداً

الأم : الكميّة تكفيك شهراً إن أكلت مرة في اليوم

- وماذا أفعل بعد انتهاء الطعام ؟

- رسمت لك هذه الخريطة .. إن تتبّعت السهم ، تصل الى منزل النبيّ لوط ..هو سيحميكم منهم ، برعايةً من الله  .. إذهب اليه ظهراً ، فهو موعد نوم الفسّاق .. والبس عباءة جدتك ، وامشي كإمرأةً عجوز .. وإيّاك ان يرى احد وجهك الفاتن ، وإلاّ سأخسرك في الدنيا والآخرة.. 

ثم اخذت تسعل بقوة..


طاهر بخوف : امي حاولي التنفّس جيداً

- استودعت رجولتك يا بنيّ 

وأسلمت الروح .. فكتم دموعه بصعوبة كيّ لا يسمعه احد ، بناءً على وصيّتها .. ثم حملها نحو القبو الرمليّ ، لدفنها بجانب قبر جدته ..

***


بعد انتهاء مخزون طعامه ، خرج من منزله لأول مرة.. ليجد الشوارع خالية من السكّان ظهراً ، بعد سهرهم الصاخب كل ليلة ! 

 

وأوصلته الخريطة لمنزل النبيّ الذي سارع بإخفائه بالزريبة الملاصقة لمنزله (فالأم صالحة أخبرته بشأنه).. وطلب منه عدم إصدار صوت ، كيّ لا تعلم زوجته وبناته بأمره ..وهو سيرعاه بنفسه ، لحين نزول عقاب الله على الفاسقين .. 

***


وبإحدى الليالي الباردة ، سمع طاهر من الحائط الخلفيّ للزريبة (الملاصق لغرفة النبيّ لوط) رأيّ زوجته بذنوب القرية ، مُعلّلة قولها :

- دعهم وشأنهم ، هم احرار باختيار ميولهم .. لما تهتم للموضوع ؟

فأفهمها النبيّ انهم يغيّرون الهدف من خلق الله للجنسين وهو التكاثر ، وبسبب مفاهيمهم الخاطئة تحوّلوا لجنسٍ ثالث ونسائهم لجنسٍ رابع!

فردّت بلا مبالاة : طالما بناتنا بخير ، لا تهمّني تصرّفاتهم الشاذة

***


قبيل الفجر .. فتح النبي باب الزريبة لطاهر ، لّلحاق به .. بعد نزول امر الله بعقاب القرية الفاسقة !

***


ومن فوق الجبل .. وقف طاهر بجانب النبيّ لوط وبناته ، وهم يشاهدون القرية تُقلب رأساً على عقب ! ويُرمى اهلها بالحجارة من السماء ، ومن بينهم زوجة النبيّ لوط التي لم ترتكب ذنباً سوى عدم استنكارها لذنبهم العظيم !

***


لاحقاً .. ودّع طاهر لوط وبناته ، رغبةً بالتوجّه للبحر الذي لم يره بحياته  


وبعد شهر من تنقّله وحده ، وصل للشاطىء .. فاعتراه الحماس للسباحة دون خبرته بذلك !


وما أن أبعدته الأمواج ، حتى شعر بغوصه للأعماق ! 

فحاول جاهداً العوم والحفاظ على انفاسه ، قبل فقدان وعيّه

***


إستيقظ طاهر وهو مُحاط بالمصطافين على الشاطىء ! وأحدهم يضغط بقوة على صدره ، الى أن بصق الماء الذي بلعه ..

فشعر بالإرتباك من مناظرهم الغريبة ! وابتعد متجهاً للشارع العام المليء بالسيارات المسرعة .. 


وهنا تذكّر من يكون ؟ فهو شاب يعمل محرّراً في الصحافة الصفراء الخاصة بفضائح المشاهير !

فهل كانت حياته مع قوم لوط مجرد حلمٍ شاهده اثناء غرقه ؟ ام انتقل للمستقبل ؟!

فرجّح على كونها هلوسات من أثر الصدمة ، وعاد الى منزله لإكمال يومه 

***


في اليوم التالي .. جلس امام حاسوبه وهو يقرأ فضائح صانع النجوم الشهير الذي انتحر (تجنّباً للمساءلة والفضيحة) بعد نشر محتوى حاسوبه المسروق الذي وصل لإدارة الصحافة الصفراء ! 

فهو الذي أجبر الفنانين في بداية مشوارهم الفنّي على الشذوذ ، وعلى دفع نصف ارباحهم بعد ابتزازهم بصورهم وفيديوهاتهم القذرة .. 


وكانت مهمّة طاهر نشرها لعامة الناس ، والذي تمّتم باشمئزاز : 

- أمازال هذا الذنب موجوداً في حاضرنا ؟! الم يختفي بعد أن أفنى الله مبتدعيها الملاعين ؟ .. (ثم تنهّد بضيق) .. بالطبع ستبقى طالما ابليس حيّاً ليوم القيامة ، فهو حتماً سيُفتن بها اقواماً آخرين .. ياله من مستنقعٍ قذر ، نهايته اما القتل او الإنتحار او فضيحة مجلّجلة .. لا غرابة إن الله جعلها من الكبائر ، وعقوبتها بالإسلام : قتل الفاعل والمفعول به !


ولقذارة الصور ، رفض طاهر نشرها رغم ضغط المدير عليه .. مما اضّطره للإستقالة ، لعدم رغبته بنشر الرذيلة

***


بعد لمّلمة اغراض مكتبه ، نزل للشارع .. ليتفاجأ بمسيرة للمتحوّلين بشعاراتهم الملوّنة بقوس القزح !

طاهر بضيق : اللعنة !! زوجة النبيّ عُوقبت معهم لعدم استنكارها ذنبهم ، وهاهي الناس تحيّ الشواذّ كأنهم يطالبون بحريّتهم الشخصية ! ..لا !! لن أقف ساكناً


واقتحم المسيرة ، وهو يكسّر اعلامهم غاضباً ويضربهم بقسّوة .. صارخاً على الناس من حوله : 

- إن لم نوقف هؤلاء الحثالة ، سيعاقبنا الله معهم !! 

لكن سرعان ما اوقفته الشرطة ، بتهمة تعرّضه للمتظاهرين المسالمين !


واثناء تقيّد يديه بالأصفاد ، شاهد تجمّع الغيوم السوداء بالسماء ! 

وقبل وضعه بسيارة الشرطة ، هبّت رياحٌ عاصفة فرّقت المتظاهرين والمشاهدين الذين حاولوا الإحتماء بالمباني والمحلاّت التجاريّة ! 


بينما ردّد طاهر بخوف :  

- ربنا لا تعاقبنا بما فعل السفهاء منا !!


وأغمض عيناه وهو لا يدري إن كان الله سينقذه ، كما حصل في زمن النبيّ لوط .. ام سيُعاقب معهم ، بعد نزول غضب الله على مدينته بالكامل! 


الخميس، 7 يوليو 2022

الضحيّة التالية

كتابة : امل شانوحة 

 

القاتل المتسلّسل


في قريةٍ صغيرةٍ هادئة ، وفي وقت الظهيرة .. تنزّه شابٌ من سكّانها لوحده في الغابة .. وكلما اقترب من النهر ، لاحظ شيئاً مُمدّداً هناك .. ليتفاجأ بجثة رجلٍ خمسينيّ مشوّه الوجه ! 


فأخرج جواله للإتصال بالشرطة .. لكن سرعان ما أقفل المكالمة ، وفرّ هارباً من المكان !

***


بدأت الجثة تتحلّل قرب النهر ، دون قيام الأشخاص 13 الذين وجدوها خلال الإسبوع الفائت بالإبلاغ عنها !


الى أن عثر عليها الشاب جاك الذي اتصل فوراً بالشرطة ، مُتجاوزاً خوفه من تهديد اللاّفتة المرمية قرب رأس القتيل المجهول ، المكتوب عليها بالدماء المتحوّل للون الأصفر بمرور الزمن :

((ستكون ضحيّتي التالية إن اتصلت بالشرطة ، انت مُراقباً من بعيد))


وبعد إخبار الشرطة بمكان الجثة ، عاد الى منزله 

***


بعد انتهاء جاك من الإستحمام ، سمع جرس منزله .. ليجد صورةً مرمية فوق دعّاسة منزله ! 

وما أن رآها ، حتى أصيب بصدمة :

فهي صورته اثناء تبليغه الشرطة ، بجانب الجثة ! 

كأن احدهم صوّره من الضفّة الأخرى للنهر ! 

ومكتوبٌ خلف الصورة :

((انت التالي !!))


وقد ارعبه الأمر لدرجة جعلته يقود سيارته مُسرعاً باتجاه مركز الشرطة الوحيد بالقرية ، برئاسة المحقّق العجوز (آدم) الذي قال بعد رؤيته الصورة : 

- قمنا بنقل الجثة الى المشرحة ، وننتظر التقرير الشرعيّ عن سبب الوفاة .. ما يقلقني هو كيف صوّرك القاتل لحظة اتصالك بنا ؟! هل منزله قريب من النهر ؟!

جاك برعب : لا ادري سيدي ، الأمر أفزعني حقاً .. فهل عليّ مغادرة منزلي بعد معرفة القاتل عنواني ؟

- إن كان يراقبك ، فهو يعلم بوجودك هنا .. ولا اظن تركك منزلك يجديك نفعا 

- كل ما اردّته هو حصول الميت على دفنٍ لائق ، دون اكتراثي للقاتل او سبب الخلاف بينهما ! ..رجاءً إرسل معي شرطيين لحراسة بيتي

آدم : لا يمكنني فعل ذلك .. فليس لديّ سوى خمسة موظفين ، جميعهم منشغلين بعملهم الإداريّ 

- وماذا تقترح عليّ فعله بعد أن أصبحت حياتي في خطر ؟

آدم : الأفضل ملازمة منزلك لحين حلّنا لغز القاتل الغامض 

***


فعاد جاك خائفاً الى بيته ، وهو يلعن نفسه على فضوله :

((ليتني لم اتصل بالشرطة ، لما أصبحت هدف المجرم التالي))


وحاول النوم تلك الليلة ، بعد إقفاله جميع النوافذ والأبواب بإحكام

***


في اليوم التالي .. توقفت دوريّة شرطة امام منزل جاك ، لتصوير جثته وهو مطعون بسكينٍ في ظهره وسط الصالة ! 

ولافتة مرمية بجانبه ، مكتوباً فيها :

((من لديه الفضول لملاحقتي ، سيكون ضحيّتي التالية))


فأراد المحقّق (آدم) توكيل الشرطيين الشابين بمهمّة ملاحقة القاتل ، لكنهما رفضا خوفاً من تهديد القاتل المجهول ! 

آدم بعصبية : أتعصيان أمري ؟!!

- آسف سيدي ، لا اريد الموت وعرسي بنهاية الإسبوع  

- وانا سيدي ..زوجتي ستنجب ابننا الأول الذي أتوق شوقاً لرؤيته 

آدم : إذاً ليس امامي سوى استلام القضيّة بنفسي ، رغم قرب موعد تقاعدي بعد 50 عاماً من العمل الدؤوب

- فعلاً سيدي ، طوال خدمتك لم تحصل مخالفةٌ واحدة .. والآن ابتلينا بقاتلٍ لا نعرف نواياه ..

الشرطي الثاني : ولا نعرف إن كان من اهل قريتنا او غريب ينوي التلاعب بسلامة قريتنا الهادئة 

آدم : لا تقلقا ، سأكشفه قريباً .. المهم أن تكتما الموضوع ، كيّ لا نثير ذعر الأهالي ..

***


إلاّ أن احد الشرطيان أخبر عروسته بقضيّته الجديدة ، وسرعان ما فضحت السرّ لأهلها واصدقائها.. لينتشر الخبر بالقرية كالنار بالهشيم عن وجود قاتلٍ متسلّسل بينهم ! 

فطالب الأهالي المحقّق آدم بإحضار دعمٍ من المدينة ، لكنه برّر رفضه بقدرته على إيقاع المجرم بنفسه !

***


لم تمضي اسابيع ، حتى اعلن آدم قبضه على مشتبهٍ فيه يُسمى اريك : وهو رجلٌ ضخم اربعينيّ من اهل قريتهم لديه إعاقة عقليّة ، يعيش قريباً من النهر ..


وأخبر المحقّق اهالي قريته : إن اريك اعترف تحت ضغط التحقيق : بأنه تشاجر مع ضحيّته الأولى (السائح الغريب) لجلوسه في مكانه المفضّل لصيد السمك.. وحين رفض الرحيل ! دفعه بقوة ، ليرتطم رأسه بالحجر 

وقد أثبت التقرير الشرعيّ إن القتيل لم يمت على الفور .. بل بعدّة ضرباتٍ عنيفة ، هشّمت وجهه بالكامل .. 

وإن اريك اعترف بضربه حتى الموت ، خوفاً من الإبلاغ عن اعتدائه عليه ! 

ولأن منزل اريك قريباً من النهر ، فقد وجّه كاميرا المراقبة على مكان الجثة ، لملاحقة الفضوليين على حسب تعبيره ! 

فضجّ الناس المطالبين بإعدامه ، بعد إرعابهم على مدى اسابيع 

***


ووصل الخبر لرئيس المدينة الذي ضغط على محكمة القرية لتعيّن محامي دفاع للقاتل المعاق (اريك) ، ليقوم محاميه بسؤال المحقّق العجوز :  

- سيد آدم ، هل تخبرنا كيف اكتشفت أن موكّلي هو القاتل ؟ 

المحقق آدم : لم يكن الأمر صعباً ، فهناك ثلاثة منازل قريبة من النهر .. إحداها لعائلة لا تعود من اوروبا إلاّ في فصل الصيف ، والجريمة حصلت بالربيع .. والمنزل الآخر تسكنه ام وثلاثة اطفال .. اما المنزل الأخير فيعيش فيه اريك وحيداً بعد وفاة امه .. كما أن إيجادي لكاميرا المراقبة في صالة منزله ، مُوجّهة مباشرةً للضفّة المقابلة من النهر ، تُعدّ دليلاً قويّاً على إدانته ..


محامي إريك : لكن موكّلي أنكر معرفته لطريقة إستخدام كاميرا المرحوم والده ، التي وجدتها انت بعد تفتيشك منزله لوحدك !

آدم : في قريتنا الصغيرة يوجد مركز شرطة وحيد برئاستي ، بالإضافة لخمسة موظفين : اثنان بإجازة عرسٍ وولادة طفل .. وواحد مسؤول عن الحجزّ في المركز..وموظفٌ لاستقبال الشكاوي .. وشرطيّة لتلقّي مكالمات الطوارىء .. فلم يكن هناك غيري لتفتيش منزل المشتبه به 

- وعلينا تصديق كلامك بأن معاقاً ذهنيّاً لديه القدرة على مراقبة مكتشفيّ جريمته !

- عملتُ 50 سنة بهذه المهنة ، ولم تحدث مخالفة واحدة بحياتي


المحامي : ولما برأيك لم يدفن اريك جثة السائح الغريب الذي لا يعرفه احد ؟

- هو لم يكن معاقاً منذ الصغر ، بل حصل له اضّطرابٌ عقليّ بعد رؤيته والده يقتل اخاه الأكبر وينتحر امامه وهو بعمر العاشرة .. لهذا توقف عقله عند ذلك العمر ، فهو يظن إرعاب الفضوليين مغامرةً مثيرة لا اكثر

- وهل تظنه قاتل جاك ؟

آدم : بل مقتل جاك هو الذي أثبت شكوكي نحوه

- وضّح كلامك لوّ سمحت

- جاك كان حنوناً عليه ، وكثيراً ما سمح له اللعب بألعاب الفيديو في منزله

- الهذا طعنه من الخلف ؟

آدم : أعتقد إن جاك أدخله منزله .. وحين ادار ظهره ، طعنه اريك بالسكين لأنه الوحيد الذي تجرّأ على الإتصال بالشرطة .. بالنهاية منزل القتيل لم يوجد فيه أثر لاقتحام بابه الرئيسيّ او نوافذ غرفه 

المحامي : سيدي القاضي !! أطالب باستجواب موكّلي

 

وبعد جلوس اريك على كرسي الإعتراف ، سأله محاميه :

- ما رأيك بما سمعته ؟

اريك بارتباكٍ واضح : انا لم اقتل احداً ، ولم اخرج من بيتي طوال المدة الماضية بسبب مرضي

- ولماذا مرضت ؟ 

- اكلت شيئاً منتهي الصلاحية ، فآلمتني معدتي .. وبقيت اياماً في فراشي 

محاميه : بما أن منزلك مواجه للنهر .. الم تشاهد قاتل السائح ، او تشمّ رائحة تحلّل جثته ؟ 

اريك : كانت هناك رائحة سيئة ، جعلتني أقفل جميع النوافذ .. لكني لم اخرج من منزلي لاستكشاف المشكلة ، بسبب حرارتي المرتفعة 


محاميه : الم يزرك احد للإطمئنان عليك ؟

اريك بحزن : ليس لديّ اصدقاء

المحامي : ولا حتى جاك ؟

- لم اره منذ ثلاثة شهور

- نفهم من ذلك انك تنكر تهمة قتلك السائح ؟

اريك باستغراب : ولماذا اقتل شخصاً غريباً ؟!

المحامي : حسب كلام المحقّق آدم ، قتلته بمحاولة لتقليد والدك

- انا اكره والدي ، فلماذا أقلّده ؟

- اذاً لم تأذي احداً ؟

اريك : لم أؤذي انساناً او حيواناً بحياتي ، ولا اعرف سبب وجودي هنا

المحامي : سيدي القاضي !! لا اظن رجل بعقليّة طفل سيخطّط لقتل شخصين 


فرفع المحقّق آدم يده : بل اربعة !!

المحامي بدهشة : ماذا !

آدم : اثناء بحثي في الغابة ، وجدّتُ سيارة واقعة بالجرف لزوجين مسافرين : الزوج مذبوحاً من رقبته ، وزوجته مطعونة خمس مرات في صدرها .. وحسب تقرير الطبيب الشرعيّ : جميع الضحايا قتلوا بذات السكين التي وجدتها في مطبخ المشتبه به اريك ، المعروف عنه تنزّهه في الغابة كل ليلة 

اريك باكياً : قلت لكم !! كنت مريضاً الفترة الماضية

فطرق القاضي بمطرقته بقوة : سأصدر الحكم بعد قليل  


وبعد مشاورة القاضي مع هيئة المحلّفين ، أصدر حكماً بإعدام اريك شنقاً لاجتماع الأدلّة ضدّه ! 

***


وباليوم المحدّد .. تمّ إعدامه شنقاً في ساحة القرية ، بناءً على طلب الأهالي .. وبذلك أُغلقت القضيّة.. 


لاحقاً نال المحقق جائزة من مركز المدينة لحلّه لغز القضيّة بمفرده ، ولتحقيقه العدالة طوال فترة عمله في القرية

***


بعد شهر .. ودّع المحقّق (آدم) قريته للإنتقال للقرية المجاورة ، بغرض الإهتمام بأرضه الزراعيّة التي اشتراها حديثاً ..

فأقاموا له حفلاً وداعيّاً قبل ذهابه

***


في القرية الجديدة .. لم يمضي على وجود آدم شهرين هناك ، حتى تكرّرت الجريمة نفسها ! بعد عثور شرطي المرور على شخصٍ مذبوح في سيارته المتوقفة على جانب الطريق العام ، وفي المقعد المجاور لافتة مكتوباً عليها : 

((إن اتصلت بالشرطة ، ستكون ضحيّتي التالية))


وفي الوقت الذي طوّقت فيه الشرطة الشارع لجمع الأدلّة ، كان المحقق آدم يكتب مذكّراته في منزله قائلاً :

((قرّرت التقاعد بعد سنوات من عملي الروتينيّ المملّ ، مع رغبتي بالحصول على تكريمٍ يناسب جهدي السابق.. ولم أكن لأحصل على مرادي إلاّ بارتكابي جرائم غامضة ، أقوم بحلّها بنفشي ، بعد توريطي شخصاً سهل الإشتباه به .. ولم تكن الفكرة لتخطر ببالي لولا السائح العنيد الذي أصرّ على قتل الغزال الذي يشرب من النهر ، رغم لافتة منع صيد الغزلان.. فتشاجرت معه ، ليتعثّر وحده ويرتطم رأسه بالحجارة .. وصار يهدّدني وهو ينزف بشدّة ، بطردي من العمل بعد اعتدائي عليه ! فلم اتمالك نفسي وهجمت عليه ، لأهشّم وجهه بالحجارة المُسنّنة .. ولم استطع دفنه بعد سماعي صرخة المسافرة التي رأتني مع زوجها لحظة ارتكابي الجريمة ! فلحقت سيارتهما اثناء توغّلهما بالغابة ، وبدأت أصدم جوانبها لإجبارهم على التوقف .. ويبدو انني اربكت السائق الذي وقع في الجرف ، مُرتطماً سيارته بالشجرة .. ولأني لا اريد شهوداً على جريمتي ، قمت بطعنهما حتى الموت.. ثم اسرعت بكتابة اللوحة ورميها امام جثة السائح ، قبل وصول الفضوليّ الأول للمنطقة.. 

بعدها ثبتّ الكاميرا بجوار منزل المعاق ، لأراقب الفضوليين من مكتب منزلي .. 

وكما توقعت لم يجرأ احد على الإتصال بالشرطة ، فيما عدا جاك الذي زرته باليوم التالي .. وبعد أن أدخلني الصالة ، طلبت كوب ماء .. وحين ادار ظهره ، عاجلته بطعنةٍ قوية أودت بحياته .. واخترت اريك المعاق ليكون المشتبه به لسببين : 

الأول : كونه الحلقة الأضعف بالقرية ، فالجميع يشعرون بالريبة من تصرّفاته الحمقاء التي لا تناسب عمره ..

والسبب الثاني : لأنه غير قادر على الدفاع عن نفسه .. لهذا ارتبكت حين عيّنت المحكمة محامياً جيداً له ! 

لكني بدهائي استطعت إقناع هيئة المحلّفين بانحراف عقليّة اريك ، ورغبته بتقليد والده المجرم .. 

اما الآن فأنا متواجد في قريةٍ ساحليّة ، هدوئها أشعرني بالملّل من حياتي الروتينيّة.. يبدو انني بدأت استمتع بعالم الجريمة ! 

وبالطبع لم ارتكب جريمتي الجديدة قبل إيجادي كبش الفداء : وهو عجوز يكرهه الجميع ، يعيش بجانب الشارع العام ، معروفاً بأخلاقه السيئة ولسانه السليط .. لهذا لن يكون صعباً تلفيق التهمة اليه ، لكره الناس له.. 

بينما انا خارج الشبهات لحسن سلوكي وذكائي بحلّ الألغاز القانونيّة التي ستجعل مركز المدينة يكرّمني ثانيةً بدروع وشهادات تقدير تناسب مسيرتي العمليّة المُجهدة.. 

أعرف ما تفكّرون به ، لكن لا تلومونني على خططي الشيطانيّة ، فحياة العجائز مُملّة للغاية)) 


ثم أغلق دفتر مذكّراته ، وهو يخطّط لتعكير سلام قريته الساحليّة!  


الاثنين، 4 يوليو 2022

ابنة الزعيم

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

فتاة الكوخ 


وصل الشباب الأربعة الى كوخ الغابة الذي دلّهم عليه صديقهم الجديد (روبيرتو) الذي اعتذر عن المجيء بسبب عارضٍ صحّي مفاجيء !


وبعد دخولهم ، تفاجأوا بصبيّةٍ نائمة في الغرفة الوحيدة بالكوخ !

فاجتمعوا في الصالة الصغيرة قرب المدفأة المشتعلة ، وهم يتهامسون بينهم:

- أتظنون إن روبيرتو أحضرها كهديةٍ إضافية لليلتنا المميزة ؟

- إن كان كذلك ، نتقاسمها بيننا 


وهنا سمعوها تسألهم :

- هل معكم طعام ؟ انا جائعةٌ جداً

الشاب : منذ متى وانت تنتظرينا هنا ؟

الفتاة : أنتظركم ! لم اكن اعرف بوجود احدٍ في الكوخ ، وتسلّلت من نافذته المفتوحة  

- اذاً روبيرتو لم يدفع ثمنك ؟

الفتاة بعصبية : ثمني !! من تظنني ايها السافل ؟

- لحظة يا شباب ، دعونا نفهم الموضوع .. من انتِ ؟ ولما اقتحمتِ كوخنا ؟


فتهالكت على الكنبة ، وهي تقول بحزن :

- لم أصدّق ما رأيته ! ومن بشاعة المنظر ، هربت من منزلي دون وجهةٍ محدّدة ، الى ان وصلت الى هنا

الشاب بقلق : وماذا رأيتِ ؟!

الفتاة : ابي يطعن رجلاً بالحديقة الخلفيّة لقصرنا ؟ لهذا لم أجد نفسي الا وانا اركض باتجاه البوّابة ، لأنصدم برؤية مساعد والدي يُشرف على إدخال صناديق المخدرات الى مخزننا ! ولوّ لم اسمعه من خلف الأشجار وهو يصرخ على العمّال للإسراع بإخفاء الممنوعات ، لما صدّقت ذلك ؟!

- قتل ومخدرات ! من هو والدك ؟


الفتاة بحزن : عندما كنت في الثانوية ، إنتشرت إشاعة بمدرستي بأن والدي هو رئيس المافيا

- رئيس المافيا ! أتقصدين (جيواكينو غامينو) الذي يهابه الجميع ؟

الفتاة : نعم 

- لحظة ! ما يدرينا انك تقولين الحقيقة ؟

الفتاة : هل يمكنني استعارة جوالك لأريك صورتي مع والدي على الفيسبوك ؟


وبعد أن ارتهم صورته ، قال الشاب مارسيلو :

- نعم هذا هو ! رأيت ابي يتابع اخباره على الإنترنت ، وأخبرني بعض المعلومات المخيفة عنه  

الشاب الآخر : وماذا عن والدكِ ؟ ما ردّة فعله حين اخبرته بإشاعة مدرستك ؟ 

الفتاة : سخر منهم ، وأنكر الموضوع تماماً .. وبعدها بإسبوع ، أرسلني لأميركا لإنهاء تعليمي .. وعدّتُ لإيطاليا منذ شهرين ، بعد تخرّجي من قسم التجارة .. ولوّ لم ارى جريمته الليلة ، لما صدّقت الإشاعة مُطلقاً .. اللعنة ! ماذا افعل الآن ؟ انا خائفة من العودة لقصر والدي المجرم 


مارسيلو بعصبية : الم تجدي غير كوخنا لتورّطينا مع عصابته ؟

صديقه : اهدأ يا مارسيلو ، فالصبية متعبة ومصدومة بما فيه الكفاية ..(ثم قال للفتاة) .. ستبقين الليلة هنا ، وتعودين في الصباح الباكر لمنزلك.. لا اظنه سيلاحظ غيابك ، طالما منشغل بشحنته الجديدة

الشاب الثالث : نعم رجاءً ، لا تورّطينا معه .. فوالدي يهابه جداً

- ووالدي ايضاً 

- لطالما نبّهنا آبائنا منه ، فهو ارعب مجرم في ايطاليا


الفتاة : عرفت هذا متأخراً .. وبسببه لن يتزوجني احد !

- بل اعتقد انك عروس مثالية لمن يريد التقرّب من والدك

الفتاة : مستحيل ان اتزوج مجرماً يعارض القانون 

مارسيلو : بظروفك هذه ، صعب أن يتقرّب منك أيّ شخص ملتزم بالأخلاق والقوانين

صديقه معاتباً : مارسيلو !!

مارسيلو : انا اقول الحقيقة 


فأراد صديقه تغير الموضوع ، فسألها بحنان : 

- لم تخبرينا بإسمكِ بعد ايتها الفاتنة ؟

الفتاة : ستيفانيا

- اذاً يا ستيفانيا يمكنك العودة للغرفة الداخلية ، وسأجهّز لك الشطيرة بعد قليل .. اما انا واصدقائي ، سنفرش أرضيّة الكوخ للنوم عليها  الليلة 

ستيفانيا : وماذا ستفعلون غداً ؟

- المفترض أن نذهب لصيد الطيور والأرانب

ستيفانيا بحماس : اذاً اذهب معكم !!

- الن تعودي للقصر ؟


ستيفانيا : لا !! اريده أن يشعر بغيابي

- اخاف أن يظنّنا خطفناكِ ، ويرسل رجاله لقتلنا

ستيفانيا بلؤم : بل هو سيخاف مني ، لأني اخططّ للإنتقام منه

- ولما تريدين الإنتقام من والدك ؟!

ستيفانيا  بقهر : طالما إشاعة تورّطه مع المجرمين حقيقية ، هذا يعني إن الإشاعة الثانية صحيحة ايضاً : وهو قتل امي بعد ولادتي ، بعد أن رفض والدها التنازل له عن رئاسة المافيا !

- يعني جدك كان رئيس المافيا السابق ؟!

ستيفانيا : يبدو ذلك ، لهذا سأنتقم لأمي مهما كلّفني الأمر  

- وماذا تنوين فعله ؟

ستيفانيا بمكر : ستعرفون قريباً ما أخططّ له

*** 


في عصر اليوم التالي .. عاد الشباب الأربعة مع ستيفانيا الى كوخهم بعد امضائهم ساعات طويلة بالغابة : قاموا فيها بشواء الأرنبين اللذين اصطادوهما ، وأكلوهما اثناء حديثهم عن اهاليهم وطفولتهم الصعبة.. 

***


أمضت ستيفانيا اسبوعاً مع الشباب الأربعة ، حيث أخفى كل واحدٍ منهم تعلّقه بها ، بعد أن فتنته بجمالها ورقتها وذكائها .. دون أن يجرأ احد على التقرّب منها ، خوفاً من غضب والدها 

***


وفي الليلة الثامنة بالكوخ ، أخبرتهم بقرارها النهائي بشأن والدها

مارسيلو : أحقاً ما تقولينه ؟!

ستيفانيا : نعم ، كنت حينها عائدة من الغربة .. وقرّرت تصوير غرف قصرنا لإرسالها لزميلتي الأوروبيّة.. وعندما دخلت مكتب والدي ، طردني لدخولي دون اذنه .. فتركت جوالي على مكتبه ، وخرجت غاضبة .. وبعد ذهابه ، عدّتُ لمكتبه لأخذ جوالي .. لأتفاجا بترك الفيديو مضاءً ، والذي صوّره وهو يفتح الخزنة الموجودة خلف اللوحة..

- وهل ظهر الرقم السرّي بالفيديو ؟


ستيفانيا : ظهر اول رقمين فقط ، وبقيّ ثلاثة .. حفظت نغمتهم ، وبدأت أجرّبهم بغيابه ، حتى عرفت الرقم السرّي كاملاً

- وماذا وجدّتِ بالخزنة ؟

ستيفانيا : رزم مكدّسة من المال

مارسيلو بحماس : أحقا ! كم قيمتها ؟!

ستيفانيا : الملايين .. 

فنظروا لبعضهم بدهشة وحماس ..


ستيفانيا : ما رأيكم أن تسرقوا الخزنة ، لتكون تكاليف رحلتنا حول العالم ؟ أظنه عقاب كافي لأبي ، لحرماني من امي 

- وكيف سندخل القصر ؟

ستيفانيا : غداً ذكرى وفاة جدتي .. وابي بالعادة يعطي الخدم إجازة يومين تكريماً لأمه الراحلة ، ويسافر للقرية للبقاء بجانب قبرها .. حينها أدخلكم القصر من بابه الخلفيّ ، وتسرقون الخزنة .. ثم نجتمع بالكوخ ، بعد إحضاري تذاكر السفر .. ومن بعدها نتوجه للمطار ، ونختفي تماماً عن الأنظار .. مارأيكم بالخطة ؟


ورغم قلق الشباب الأربعة من اقتحام قصر زعيم المافيا ، الا ان الملايين التي تحدثت عنهم ستيفانيا أشعلت حماسهم.. فوافقوها الرأيّ

***


في الموعد المحدّد .. أدخلت ستيفانيا الشباب الأربعة المقنّعين الى غرفة المكتب ، وانتظرتهم في الخارج ..

 

وما أن بدأوا بتكديس رزم المال في حقائبهم ، حتى أصيبوا بوابلٍ من رصاص حارسيّ الزعيم ، أردتهم قتلى !

***


لاحقاً .. إنحنى آباء الشباب الأربعة للزعيم (جيواكينو غامينو) وهم يعتذرون عن تجرّأ اولادهم (المقتولين) بسرقة خزنته .. بعد مشاهدتهم الدليل المصوّر بكاميرا المراقبة الخاصة بمكتبه ..

الزعيم : انتم تعرفون قوانين المافيا جيداً ، ومن يقتحم منزل احد الأعضاء دون اذنه ، له الحقّ بالدفاع عن نفسه 

- نعتذر منك سيدي الرئيس ، لم نعلم إن اولادنا يخطّطون لسرقتك 

الزعيم بغضب : أغربوا عن وجهي !! واحمدوا الله انني لم اقتلكم معهم 


فخرجوا من مكتبه وهم يكتمون دموعهم بصعوبة ، متوجهين الى المقبرة لدفن اولادهم المشوّهين من مئات الرصاص التي اخترقت اجسادهم !

***


بعد ذهابهم ، دخلت ستيفانيا الى مكتب والدها الذي حضنها بفخر

- أحسنتِ !!.. شفيتِ غليلي من شركائي الذين عيّروني دائماً لعدم إنجابي صبياً ، ولمّحوا كثيراً بأن ابنائهم أحقّ بقيادة المافيا من بعدي 

ستيفانيا : لم أصدّق ان اولادهم لم يعرفوا بأن آبائهم هم شركائك بالمافيا !

- كانوا ينوّون إخبارهم بذلك بعد موتي ، لهذا ارسلتكِ لإيقاعهم في الكمين 

ستيفانيا : وبسبب سرقتهم المصوّرة ، لم يجرأ شركائك على الإعتراض على قتلك ابنائهم البكر ، لكونهم لصوص مُقنّعين .. خطةٌ رائعة ابي

- وانت أتقنتي دور الهاربة جيداً ، ومكافئتك جاهزة

ابنته بحماس : رحلة الى باريس !! 

- طائرتك الخاصة تنتظرك بالمطار

- شكراً ابي .. اراك بعد شهرين

- رحلةٌ موفقة

وحضنته مودّعة ، لتسرع الى غرفتها لتحضير حقيبتها ..

***


بعد ذهابها ، دخل شاب الى مكتبه .. فأعطاه الزعيم ظرفاً من المال وهو يقول :

- أشكرك روبيرتو على إتمام المهمة جيداً

روبيرتو : أمضيت خمسة شهور بعزيمة الشباب المدلّلين الى المقاهي والمطاعم الفاخرة ، حتى وافقوا على صحبتي لهم ! ..كل هذا لغرض إرسالهم الى فخّ الكوخ .. مع اني كنت قلقاً أن يعتدوا الفاسدين على ابنتك الوحيدة ؟

- هي تعلّمت فنون القتال بالصين ، وتستطيع الدفاع عن نفسها.. كما تبرع بفنون الإغراء والإقناع ، لهذا استطاعت السيطرة على الشباب بسهولة 


الشاب : وهل حقاً ستسلّمها القيادة من بعدك ؟

- بعد عودتها من رحلتها ، سأبدأ بتعليمها اصول المهنة ، فهي لا تعلم بأن السرطان ينهش جسدي .. واريدك أن تصبح ذراعها الأيمن ، كما كان المرحوم والدك معي 

الشاب : نحن خدّامك المخلصين سيدي 

الزعيم : والدك احسن تربيتك بالفعل 

الشاب : وإكراماً لأبي سأعلّمها كل خططنا الماكرة ، حتى تصبح أخطر قائدة للمافيا يهابها الجميع

فابتسم الزعيم له بفخرٍ وخبث !


الجمعة، 1 يوليو 2022

دوامي الليليّ

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

طلّابي المميّزون


وقفت المعلّمة سمى امام خزانتها بالمدرسة ، وهي تقول :

- عليّ ترتيبها قبل تناول طعامي

إلاّ أن زميلاتها نادينها لتناول الغداء معهنّ ، قبل صعود الطلّاب من الملعب.. 

***


بعد انتهاء فرصة الغداء ، تفاجأت سمى بخزانتها مُرتّبة !

فسألت زميلاتها وخادمة المدرسة ، اللآتي أنكرن ذلك ! 

فأكملت يومها الدراسيّ بعد تناسيها الموضوع

***


بعد ايام .. وقبل ذهاب سمى للفصل الثاني ، تأفّفت بضيق :

- عليّ مواجهة الولد المدلّل ، حفيد المديرة التي تمنعنا عقابه رغم مشاغبته المتواصلة 


لتعلم لاحقاً بأنه غائب .. فسألت صديقه الذي أخبرها إنه كسر قدمه البارحة اثناء ركوبه الدرّاجة ! 

ولم تمضي أيام ، حتى قامت امه بنقله لمدرسةٍ أخرى بجوار منزلهم..


وحصل الشيء ذاته مع مسؤولة الوزارة القاسية ، التي أُصيبت بعارضٍ صحّي قبل يومٍ واحد من مراقبتها حصّة سمى ! 

لتقوم لاحقاً بالإستقالة بعد تدهوّر صحّتها بشكلٍ مُفاجىء !

***


بعد إسبوعين .. طلبت المُشرفة من سمى ترتيب المكتبة المسؤولة عنها ، لتبقى بمفردها بعد نهاية الدوام..


وحين وجدّت القصص والكتب مُبعثرة في الصالة المُخصّصة للطلّاب ، تنهّدت بضيق : 

- عملٌ كثير ، سأرتّبها بعد قليل


وبعد خروجها من الحمام ، تفاجأت بالغرفة مُرتّبة بالكامل ! 

فأسرعت لحارس المدرسة الذي نفى صعوده للفصول ، كما عودة خادمة المدرسة الى منزلها ! 

فشعرت سمى بالإرتباك الشديد ! وعادت لمنزلها ، دون إيجاد تفسيرٍ منطقيّ لما يحصل معها

***


في المساء ، شاهدت مناماً غريباً لإمرأة عجوز بوجهٍ شاحب ، تقول لها :

- تنقصنا معلّمة في مدرستنا .. وبعد مراقبتنا المعلّمات طوال الشهر الماضي .. وجدنا انك الوحيدة المُتفانية بعملك ، ورغم ذلك لم تكرّمي يوماً على مجهودك ، بعكس المعلّمات الأخريات المُتنمّقات للمديرة .. لهذا كافأناكِ بالمساعدة بأعمالك الروتينيّة الصعبة ، وأبعدنا الناس البغيضين عن طريقك.. فهل ترضين العمل لدينا ؟ ..أعرف انه عملٌ إضافيّ بالنسبة لك .. لكن لا تقلقي ، ستكونين بكامل نشاطك لأن قضائكِ ساعة بتعليم اولادنا يساوي دقائق قليلة بزمانكم ، لهذا لن يلاحظ احد اختفائك .. فهل توافقين على تعليم طلّابنا دواماً مسائيّ ؟


لتستيقظ سمى فزعة من منامها الغريب الذي أشغل تفكيرها ، لدرجة جعلتها تخرج من منزلها (وأهلها نيام) مُتوجهةً للمدرسة .. فالحارس اعطاها المفتاح ، كيّ ترتيب حفلة طلّابها قبل وصولهم صباحاً ..

*** 


وصلت الساعة الواحدة ليلاً الى المدرسة ، وصعدت الى فصلها .. لتُصعق برؤية طلّابٍ يجلسون بهدوء امام طاولاتهم ، جميعهم بلباسٍ ابيضٍ موحّد  ووجوهٍ شاحبة وشعرٍ طويل يُغطي معظم وجههم !


وقبل هروبها ، أوقفتها المرأة العجوز ذاتها التي شاهدتها بالمنام ! والتي تكلّمت مع الطلّاب بلغةٍ غريبة ، قبل قولها لسمى :

- أخبرتهم انك وافقتي على تعليمهم 

سمى برعب : لم اوافق على شيء !

- بلى وافقتي وإلاّ لما اتيت على الموعد ..وهاهم طلّابنا تحت امرك.. وكما أخبرتك بالمنام ، لن يلاحظ احد إختفائك .. وستعودين سالمة الى منزلك بعد ساعتين من الآن .. وسنكافئك على جهودك بطريقتنا .. اراك لاحقاً

سمى : لحظة !! لم تخبريني عن المادة التي سأعلّمها لهم ؟

لكن العجوز خرجت من الصف ، بعد غلق الباب خلفها !


فلم يعد امام سلمى سوى التحدّث مع طلّابها الجدّد التي لا تعرف إن كانوا جناً ام أشباحاً ! قائلةً بصوتٍ مرتجف :

- هل تتكلّمون العربية ؟

فأجابوها بلغةٍ لم تفهمها !

سمى : اذاً سأعلّمكم لغتي لأستطيع التحدث معكم في المستقبل 

وأخذت تكتب الأحرف الأبجديّة على السبّورة ، وهي تقول :

- ردّدوا ورائي : حرف الألف .. ألف !!

فردّدوا : أأأأأأ

- لا !! ألف ، إنطقوها كما اقولها 

- ألف !!

سمى : ممتاز !! وهذا حرف الباء 


وراقبتهم المديرة العجوز من شقّ باب الفصل ، وهي سعيدة بنجاح خطتها 

*** 


بعد انتهاء الدرس ، شعرت سمى بدوارٍ مفاجىء .. لتستيقظ في فراشها بالمنزل !

- ما هذا الكابوس المفزع ؟!


ثم جهّزت نفسها للذهاب لمدرستها ، وهي تشعر بنشاطٍ وحيويّة لم تعهدها من قبل !

***


في الليلة التالية .. تكرّر المنام ، حيث سمعت مديرة الجن تعاتبها :

- لما سهرتِ الليلة ، الا تعلمين إن ورائك دوامٌ ليليّ ؟

سهى : كنت أصحّح امتحانات الطلّاب 

- لا تقلقي بشأنها ، وكّلت من يصحّحها عنك .. الآن إسرعي ، فطلّابنا بانتظارك 


وفجأة ! وجدت سمى نفسها بالفصل المسائيّ ، فتساءلت بقلق : 

((أمازلت احلم ؟!))

ليقاطع تفكيرها أحد الطلّاب :

- هل سنُكمل الحروف الأبجديّة يا معلّمتي ؟  

سمى باستغراب : كيف تعلّمتم العربية بهذه السهولة ؟!

- تعلّمنا النطق فقط ، ومازلتي تعلّمينا كتابة الحروف 

سمى : وهل أنهيتم الواجب ؟

- نعم ، كتبنا كل حرف ثلاث مرات 


فمشت بين طاولاتهم ، وهي تنظر لإجاباتهم بدفاترهم الشفّافة.. وهي مُتعجّبة من تعلّمهم السريع ، حيث فاق ذكائهم طلاّبها الإنسيين !

***


في الصباح ..إستيقظت سمى في غرفتها ، وبجانبها اوراق امتحانات طلاّبها (الإنسيين) مُصحّحة بالكامل ، كما وعدتها مديرة الجن ! 

سمى بقلق : اذاً الأمر حقيقي ، انا أدرّس طلاّب الجن .. غريب إن الموضوع لم يعد يُخيفني ! بل العكس ، أشعر بطاقةٍ مضاعفة كأني عُدّت لسن المراهقة ! .. الأفضل كتمان الأمر ، كيّ لا يصفونني بالمجنونة او المسحورة  

***


بعد عودتها من المدرسة ظهراً ، مرّت بجانب متجر الملابس .. وأعجبها فستاناً معروضاً على الواجهة ، لم تستطع شرائه لغلاء سعره .. فأكملت طريقها لبيتها .. لتُصعق برؤية الفستان مُمدّداً فوق سريرها !

 

فسألت امها واخوتها اللآتي أنكرن دخول غرفتها بغيابها !

فعرفت انها هدية من الجن على مساعدتها المجانيّة لهم ..

*** 


مع الأيام .. تعوّدت على انتقالها اليهم عن طريق النوم ، وقيامها بتدريسهم منهج اللغة العربية ، كما تفعل مع طلاّبها الإنسيين .. 


ولم يمضي وقتٌ طويل ، حتى اتقنوا اللغة العربية قراءةً وكتابة ، كأنهم انتقلوا للمرحلة الثالثة بغضون ثلاثة أشهر ، فذكائهم يفوق اطفال الإنس بأشواط !

*** 


وفي عصر ذلك اليوم .. واثناء تحضيرها حفلة نهاية السنة ، تفاجأت بطلاّبها الجن يلعبون في ملعب المدرسة !

سمى معاتبة : ماذا تفعلون هنا ؟! 

- نعلم انه غير مسموح لنا التواجد في مدرستكم صباحاً ، لكن عطلتنا السنويّة بدأت مبكّرة ، وأردنا اللعب بمراجيح حديقتكم


بهذه اللحظة .. سمعت مديرتها الإنسيّة تناديها من بعيد

- سمى !! هل انتهيتِ من تزين الحديقة ؟

سمى للجن : هيا اختفوا حالاً !!


فاختفوا ، قبل ثواني من اقتراب المديرة منها :

- آه تذكّرت ! أخبرني بعض الأهالي عن رؤية اطفالهم أشباحاً في المدرسة 

سمى بارتباك : ماهذا الهراء !.. أقصد إن الأولاد بهذا العمر لديهم اصدقاء وهميين 

المديرة : وهذا رأيّ ايضاً ، لكني توتّرت بسبب إشاعةٍ قديمة

- وماهي ؟!

- رجاءً إبقي السرّ بيننا ، فالمدرسة بُنيت فوق مقابر

- أحقاً !

المديرة : نعم ، مديرنا السابق زوّر اوراق المقبرة لبناء ملعبنا 


سمى : ولما لم يشتكي اهالي الموتى عليه ؟

المديرة : هي مقبرةٌ قديمة لم يتواجد فيها سوى جثة امرأة مُشرّدة ، واطفال الشوارع ماتوا ايام المجاعة قبل مئة عام .. 

سمى بصوتٍ منخفض : اذاً طلاّبي ليسوا جنّاً ، بل أشباحاً !

المديرة باهتمام : عن ماذا تتكلمين ؟! أرأيت جناً بالجوار ؟


وفجأة ظهرت العجوز الجنّية ، ونفخت في وجه المديرة التي تجمّدت بمكانها ! .. ثم اقتربت من سمى التي ترتجف بقوة :

- نحن لسنا مستائين منك ، فلا ذنب لك بهدم قبورنا  

سمى بقلق : وماذا فعلتم بالمدير القديم ؟ 


العجوزة الشبح : توقف قلبه بعد ظهوري انا واطفال المقابر بجوار سريره ، وبذلك انتقمنا منه .. ولأن روحي علقت مع الصغار ، أردّت تعليمهم ، ولم اجد افضل منك لهذه الوظيفة .. فأنت لم تعلّميهم اللغة العربية فحسب ، بل ايضاً الأخلاق والأدب ..فهم اعتادوا على ايذاء من يضايقكِ ، لإعجابهم الشديد بك .. لكنك علّمتهم إحترام الآخرين ، فشكراً لك 

- وماذا عن مديرتي ؟ هي سمعتني أتحدّث عنكم ..

- لا تقلقي ، سأغيّر الفكرة برأسها قبل رحيلي ..  


ثم اقتربت من المديرة (المتجمّدة) ، ونفخت في وجهها قبل اختفائها .. لتستيقظ المديرة وهي تقول :

- ماذا كنت اقول ! آه صحيح ، سأزيد راتبك السنة القادمة

سمى بدهشة : أحقاً ! 

- نعم ، انت الوحيدة التي لم تحصلي على ترقية رغم تفانيك بالعمل

- شكراً جزيلاً لك

المديرة : إكملي عملك ، اراكِ بعد وصول الأهل والأولاد للإحتفال بنهاية عامنا الشيّق


وبعد ذهابها..

سهى : بالفعل ، كانت سنة مميزة بحقّ ! 

***


في السنة التالية ، وبيوم عيد المعلم .. تفاجأت ام سمى بعشرات الهدايا تملأ غرفة ابنتها ، فسألتها بدهشة : 

- انت تدرّسين ستين طالباً ، فمن اين اتت كل هذه الهدايا ؟

سمى : لديّ الكثير من المعجبين يا امي

- وفقك الله يا ابنتي


وخرجت من الغرفة .. لتقول سمى بنفسها :

((كيف لوّ عرفت إن طلاّب دوامي الليليّ يزيدون عن 300 طالب!))

وهنا ظهرت جملة على مرآة غرفتها :

((عيدٌ سعيد يا معلّمتنا العزيزة))

فتمّتمت سمى :

- شكراً لكم يا طلاّبي المميزين

وابتسمت للمرآة بامتنانٍ ومحبّة !


السم بالعسل

تأليف : امل شانوحة  النصائح الملغومة  خارج غرفة مدير الجامعة ، جلس الحارسان على كرسيّن متجاورين .. فعملهما لم يقتصر على حراسة الباب .. بل يش...