الأربعاء، 7 أغسطس 2024

طبّاخة الملك

تأليف : امل شانوحة 

الرهان الصعب


إعتاد إخوّة سارة (المتزوجون) بنهاية كل اسبوع ، الإجتماع في منزل والديها .. ولأنها تعلم مسبقاً بحديثهم المُكرّر معها .. اختبأت بغرفة نومها ، مُدعيةً نعاسها للهرب من ضغطهم المتواصل عليها لدراسة الطب .. فوالداها طبيبان ، وكذلك اختها وأخويها .. لكنها ترفض هذا الإختصاص ، لكرهها للدماء ولدراسته الطويلة المتعبة .. لكنهم لا يقبلون إختلافها عنهم !

وفي غرفتها ، وعلى ضوء نورٍ خافت (كي لا يلاحظوها استيقاظها) إنشغلت بقراءة قصةٍ تاريخيّة ، الى ان غفت امام حاسوبها.. 

^^^


لتستيقظ في زمن الماضي ، وهي مقيّدة اليديّن والقدميّن بالسلاسل في سوقٍ شعبيّة ! ومن حولها تجّار يعاينون جسمها ووجهها ، كبقيّة الصبايا المقيّدات وسط السوق.. فلم تفهم ما حصل ! وصرخت غاضبة :

- من انتم ؟!! وكيف اختطفتموني من بيتي ؟ اريد العودة لأهلي الآن!!!

لتُفاجأ بصفعة من تاجر الرقيق ، وهو يعاتبها :

- من سمح لك بالكلام ، ايتها العبدة الوقحة ؟!!

سارة بدهشةٍ وخوف : لم يعد هناك عبيد في العالم أجمع ! من أيّ عصرٍ انت ، ايها المتخلّف القذر ؟!

فهمس لها بلؤم : والله لولا جمالك ، لجلدتك بالسوط الى أن تتربي جيداً .. لكني علمت أن الآغا (مسؤول الحرملِك) قادمٌ الى هنا ، لاختيار جواري جدد للملك .. لهذا لا تسمعيني صوتك ، يا امرأة !! 


فالتزمت سارة الصمت مُجبرة ، بعد ان نصحتها الفتاة التي بجانبها :

- إن اثرت المشاكل ، فسيجعلونك خادمةً وضيعة .. بينما جارية الملك هو حلم كل فتاةٍ فاتنة ، لتوفيرهم الملابس الجميلة والطعام الفاخر لنا .. وكل ما علينا فعله : هو الرضوخ للملك الذي سيقضي معنا بعض الوقت ، إن سمحت زوجته بذلك

سارة باشمئزاز : انا لا اريد ان اكون تسلية رخيصة لأحد !!

فسمعها تاجر الرقيق : إصمتي ايتها الوقحة !! ستكونين محظوظة ان اختاروك للحاكم ، وإلاّ ستصبحين عبدة في إحدى منازل متوسطي الدخل من المتسوقين


وبالفعل اختارها الآغا مع صبيّتين فاتنتيّن ، قادهنّ بالسلاسل الى القصر

^^^


وبعد قيام كبيرة الخدم بتنظيفهنّ ، وإلباسهنّ فساتين فاخرة .. أوقفهنّ الآغا في الصالة الضخمة للقصر امام عرش الملك البدين الذي أمرهنّ بالرقص امامه ، لاختيار احداهنّ لهذه الليلة .. 

ليتفاجأ بسارة ترفع يدها ، لإيقاف موسيقى العازفين :

- سيدي !! انا لا اجيد هذه التفاهات

الملك بدهشة : ماذا قلتِ ؟!

سارة : أقصد انني لا اجيد الرقص ، لكني بارعة بالطبخ

فأثار الموضوع اهتمام الملك المعروف بحبه الشديد للأكل : 

- أقلتِ الطبخ ؟! 

سارة : نعم ، يمكنني صنع اطعمة لذيذة لم يتذوّقها أحد من قبل

(فهي عرفت من حديث الخدم والجواري انها انتقلت للعصر العثمانيّ !)


الملك باستنكار : لا يوجد طعام لم يعدّه طباخي الماهر

سارة : أستميحك عذراً ، لكن الوصفات في زمانك تعتبر محدودة

الملك مُستفسراً : زماني ؟!

سارة : أعني ان الأكلات التي اخترعتها نساء مدينتي ، لم تصل اليكم بعد 


ولأن الحاكم يحب الطعام ، إتفق معها على طبخ وصفة وحلوى جديدة كل يوم لمدة شهر .. بشرط تعليمهم لاحقاً لطبّاخه الخاصّ.. وإن نجحت بالإمتحان ، تحصل على حرّيتها 

فاشترطت ان تكون وحدها بالمطبخ.. فاعترض الطبّاخ :

- ماذا لوّ وضعت السم في طعامك ، سيدي ؟ 

فنظرت سارة للطبّاخ العجوز بحنق : 

- اذاً سأتذوّق اللقمة الأولى امامك ، قبل تقديم الطبق للملك

الملك : حسناً وافقت على شرطك ... إذهبي للمطبخ ، واصنعي لي وصفتك الجديدة

^^^


وبصعوبة وافق طبّاخ الملك على ترك المطبخ لها.. 

فتساءلت سارة بقلق :((صحيح ان الأكلات التي أعرفها من المستقبل ستُبهر الحاكم البدين ، لكن معظم مكوّناتها غير متواجدة بهذا العصر المتخلّف .. كيف سأدبّر امري ، فهو هدّدني بالقتل ان لم انجح بالإمتحان!))


وهنا دخل الخادم ومعه حقيبتها الجلديّة ، وهو يقول :

- كانت معك بالسوق

وبعد خروجه من المطبخ ، تفحّصتها بدهشة :

- هذه حقيبة حاسوبي ! هل انتقلت معي لزمن الماضي ؟! 

وفتحتها ..

- نعم حاسوبي ، لكن لا انترنت هنا .. ومع ذلك سأجرّب

لتُصدم بأن حاسوبها يعمل بشكلٍ طبيعيّ !

سارة : لا افهم ما يحصل بالضبط ! أهو مجرّد منامٌ غريب ؟!

ثم نظرت لساعة الحاسوب..

- يا الهي ! بقيّت ساعتين على موعد الغداء.. حسناً لأبحث بجوجل عن طريقة صنع الكاتشاب والخردل والمايونيز لإعداد الهمبرغر للملك 


وأضاعت ساعة في صنع الصوّصات الثلاثة التي اعتادت شرائها من السوبرماركت ! ثم طلبت من خبّاز الملك صنع الخبز الدائريّ (الإفرنجي)

فاعترض قائلاً : كيف لا تريديني ان أمّد العجين ؟!

- فقط ضعها كرويّة في الفرن

- ستصبح سميكة

سارة بعصبية : إفعل ما قلته لك ، لا وقت لديّ للجدال !!


وبعد خروج خبزتيّ الهمبرغر من الفرن ، أطعمت إحداها للخبّاز الذي استغرب نضجها من الداخل ..

- ياله من إختراعٍ جميل !

سارة : الآن بقيّ لديّ شواء اللحم وقليّ البطاطا لإنهاء الشطيرة


وبعد صنعها الهمبرغر ، ذهبت مع الطبّاخ (الذي انتظرها خارج المطبخ) الى مكتب الملك لإعطائه غدائه

^^^


وهناك اعترض الطبّاخ : 

- لحظة سيدي ، انا لم اكن معها بالمطبخ .. ربما كانت مسمومة ، فأعدائك كُثر

سارة بضيق : يمكنني تذوّق بعضها ، ان وافق الملك.. 

الملك مقاطعاً : لا داعي لذلك ، فشكلها مُشهيّ .. لكن ماهذه الألوان الغريبة التي بداخلها ؟!

سارة : الكاتشاب : هو طماطم مهروسة .. والأصفر : هو حب الخردل المطحون .. والأبيض : هو صفار البيض مع مكوّناتٍ اخرى

الطبّاخ بقلق : سيدي رجاءً ، لا تخاطر بأكل طعامٍ لا نعرفه

لكن الحاكم البدين سارع بقضم الشطيرة التي أعجبته طعمها في الحال !

- يا الهي ! انها رائعة بالفعل .. ما اسمها ؟

سارة بفخر : همبرغر

الملك : ياله من اختراعٍ رائع .. أحسنت !!

سارة : وهذا عصيرٌ غازيّ 

- خمر !

- لا والعياذ بالله ، يسمّى الكولا .. يساعد في هضم الشطيرة 

فشرب القليل منه :

- ياه ! انه منعشٌ حقاً ..


وبعد انهائه الشطيرة ، سألها :

- اين الحلوى ؟

سارة بنبرةٍ متوتّرة : آسفة سيدي ، الشطيرة أخذت مني وقتاً طويلاً.. أعدك بإعداد الحلوى غداً بجانب الغداء 

الملك : سأسامحك هذه المرة ، لأني مُعتاد على تناول الحلوى بعد الطعام .. إذهبي لترتاحي الآن 

^^^


ثم ضمّوها لبقية العبيد ، لتنام في سريرٍ داخل مهجعٍ كبير .. والجواري تراقبنها بلؤم لعدم قيامها بنفس مهمامهنّ بالقصر ! 

سارة : لا تنظرن اليّ بحقد ، فإمتحاني صعب .. ففي حال فشلت بإرضاء ذوّق الملك بالطعام ، أُقتل على الفور 

فقالت إحداهن : انت اخطأتي بقبول التحدّي لشهرٍ كامل ، فمن المستحيل اختراع ثلاثين طبق طعامٍ وحلوى ! انه بالفعل رهانٌ خاسر

ثم نظرت لزميلاتها : اتركوها وشأنها ، فهي ميتة بجميع الأحوال

وضحكنّ عليها بسخرية !

***


في اليوم التالي .. إكتشت سارة شيئاً عظيماً ، حيث تمكّنت من تحويل صور جوجل الى حقيقة ! لكن ليس الوجبات الجاهزة ، فقط المكوّنات الأوليّة : أيّ يمكنها جلب الفاكهة والخضار والبهارات التي تريدها ، بمجرّد البحث عنها في الحاسوب ! 

وهذا سهّل مشكلة ندرة تلك المواد بالعصر البدائيّ.. ولأنها وحدها بالمطبخ ، جمعت تلك المكوّنات (التي خرجت من حاسوبها) وحوّلتها الى طعامٍ شهيّ 


وبذلك أعدّت البيتزا واللازانيا وبروستت الدجاج والجوانح المتبلّة بالصويا والعسل ..حيث تنوّعت طبخاتها بين الهندي والصيني والعربي والتركي والفرنسي والإيطالي.. عدا عن الحلويات الحديثة : كالدونات والكيك والآيس كريم بعد ان أخرجت من الحاسوب : آلة تبريد تعمل دون كهرباء ، والتي اختفت بعد صنعها المثلّجات التي اعجبت الملك كثيراً ، خصوصاً في ذلك الطقس الحارّ 

***


ومرّت الثلاثين يوماً ، فرح بها الملك بأصنافها الحديثة التي لم يتذوّقها من قبل ! والذي وافق على فكّ أسر سارة ، بشرط تعليمها الأكلات لطبّاخه الخاص ..

وكانت تلك مُعضلةً صعبة ، فكيف ستبرّر لطبّاخٍ خبير بحصولها على تلك البهارات والخضار التي تُزع في بلاد ما وراء البحار ! لهذا اضطّرت لحذف العديد من المكوّنات التي وضعتها سابقاً للملك الذي تضايق من اختلاف الطعم بين اكلاتها وبين أطباق طبّاخه الذي حلف بتطبيقه جميع تعليمات سارة في وصفاتها الجديدة ! 

وبسبب ذلك ، رفض الملك تحريرها .. مُقرّراً توظيفها كطبّاخته الخاصة ، بينما يكون طبّاخه العجوز مسؤولاً عن إطعام العائلة الملكيّة وضيوف القصر .. مما ضايق الطبّاخ الأشهر بالبلد ، الذي سكت ممتعضاً ! بينما حاولت سارة إقناع الملك بتنفيذ وعده لها .. 


واثناء نقاشه معها ، دخل قائد الجيش الى صالة القصر وهو ينادي مذعوراً:

- سيدي !! الثوّار يحاصرون القلعة ، في محاولة للإطاحة بك

الملك بحزم : أطلب من جميع رجال مدينتي ، التصدّي لهم !!

بينما سارعت سارة والطبّاخ العجوز للإحتماء في قبوّ القصر

***


لم تمضي الليلة حتى وقع الملك بالأسر ، بالإضافة لخدمه ومنهم سارة..

فقال قائد الثوّار للملك : لن اقتل سوى جنودك .. اما انت !! فسأكتفي بقتل عائلك امامك ، وأدعك تعيش مذلولاً مع افراد شعبك 

***


بعد انتهاء المعركة وعودة سارة للسوق ، تساءلت بقلق : 

((ما الطريقة التي تعيدني الى بيتي ؟! الم ينتهي هذا الحلم الطويل بعد ؟!))


وإذّ بها تجد الملك حزيناً بطرف السوق ، وهو يستمع لتعليقات المارّة المستفزّة الذين تركوا صغارهم يبصقون عليه ويرمونه بالحجارة ! فلم ترضى ان يُذلّ بعد عيشه طوال حياته في نعيم ، عقب ورثه الملك عن والده.. فاقتربت منه :

- سيدي.. هل انت بخير ؟

الملك بنبرةٍ منكسرة : أهذا انت يا سارة ؟! ارأيتي ما حصل لي ؟ البارحة كنت ملكاً أُطالبك بطعامٍ مختلف كل يوم ، والآن لا اجد ما يسدّ رمقي ! 

سارة : ما رأيك لوّ نفتح مطعماً ؟ 

- مطعم لمأكولاتك الفريدة ؟! 

- نعم سيدي .. انا أطبخ ، وانت تبيع 

الملك بحماس : موافق !!

ثم أخرج حُليّاً ، كان خبّأها في ثيابه بعد نفيه من القصر : 

- بإمكاني بيعهم ، لاستئجار محلٍ صغير بالسوق

سارة : حسناً لنفعل ، ولتكن شراكة بيننا

^^^


وبالفعل إفتتحا المطعم التي وضعت على جانبه لوحةً كبيرة ، كإعلان عن وجبتها الأولى : وهي الهمبرغر (بعد ان رسم الملك الشطيرة بنفسه ، فهي إحدى مواهبه) لكن لم يقترب احد من المحل ، لعدم تعرّفهم على الوجبة الجديدة ! 


فاقترحت سارة على الملك ان يُقسّما الخبز للقيماتٍ صغيرة ، تُقدّم مجاناً للمتسوّقين الذين سارعوا بطلب المزيد من الوجبات بعد إعجابهم بالطعم ! خاصة ان سعرها مقبول ، دون علمهم بخروج المكوّنات من حاسوب سارة التي خبّأته في مكانٍ مغلق داخل المحل .. ولم تسمح لأحد ان يراه ، حتى شريكها الملك الذي احترم خصوصيتها بالعمل ! 

***


وبعد ايام ، إقترحت سارة خدمة توصيل الطلبات 

الملك : ماذا تقصدين بالدليفري ؟!

سارة : يعني يمكن للرجل ان يطلب الوجبة منا ، ونحن نوصلها الى بيته في الوقت الذي يحدّده لنا .. كل ما نحتاجه هو توظيف اولاد على دراية بعناوين الناس


وبالفعل وظّفا غلاميّن يتيميّن ، إعتادا الشحاذة من منازل المدينة الصغيرة .. وهذه الخدمة (الجديدة من نوعها) اراحت النساء من الطبخ ، بسبب اسعار الوجبات الرخيصة المُشبعة التي اعجبت جميع الأذواق 

^^^


وبعدها بدأت سارة بالتنوّع بأكلات المطعم كل اسبوع ، الى ان اعتاد الناس مذاق المعكرونة والدجاج المقرمش وغيرها ، بالإضافة للحلوى التي يعشقها الملك الذي اصبح خبيراً بالحساب والتعامل مع الزبائن الذين احبوا تواضعه ، بعد ان كانوا يخشونه بسبب وزيره الظالم (الذي قُتل في المعركة) والذي اعتاد حبسهم وتعذيبهم ان تحدثوا عن مليكهم بسوء !

***


بعد شهور من نجاح المطعم ، قدّم بقية تجّار السوق الشكوى بهما .. لأنه بسبب طعامهما الرخيص ، لم تعد النساء تشتري الخضار واللحوم بعد اعتيادهنّ على الوجبات السريعة .. 

فحاولت سارة تهدئة التجّار الغاضبين من خسارتهم المتواصلة : 

- ما رأيكم لوّ نشتري حاجيات المطعم من محلاّتكم ؟ كما نرغب بتوظيف اولادكم لمساعدتنا بالمطعم الذي ننوي فتح فروعاً له بأنحاء البلد 


فوافقوا على اقتراحها .. وبذلك لم يعد هناك حاجة لإخراج المكوّنات من حاسوبها بطريقةٍ سرّية ، بعد ازدياد عدد الطباخين والعاملين بتوصيل الطلبات لكل مكان بالدولة ، بعد أن ذاع صيت المطعم في كل مكان .. كما وظّفت محاسبين آخرين ، بينما يعمل الملك على جمع الأرباح من أفرع مطعمه الجديدة .. 

اما سارة : فأشرفت على الطباخين في المطاعم ، بعد ان علّمتهم طرق صنع وصفاتها الجديدة .. وبذلك أصبحا من الأثرياء بعد شهرة مطاعمهما العديدة تحت مسمّى : مطعم الملك للوجبات السريعة 

***


وذات يوم .. اقترح عليها الزواج ، رغم فارق العشرين سنة بينهما ! فاعتذرت سارة بذوّق :

- انت رجلٌ شهم وطموح .. لكن عملي انتهى في مدينتك ، وعليّ العودة الى زماني 

الملك باستغراب : زمانك ؟!

فردّت بارتباك : أقصد مدينتي

- لم تخبريني بعد ، من اين قدمتِ ؟

- من مدينةٍ صغيرة خلف البحار

الملك بنبرةٍ حزينة : اذاً سترحلين ؟

سارة : نعم ، قريباً .. فأنت لم تعد بحاجة اليّ .. فالجميع يحبك ، بعد ان كانوا سابقاً يستهزأون من خسارة ملكك 

- كنت ورثت المُلك عن ابي ، دون ان يكون يوماً شغفي .. وبفضلك عرفت ان الطبخ والتجارة هما هواياتي الحقيقية .. فشكراً لك على كل شيء


فسلّمت عليه ، وخرجت من السوق وهي تحمل حقيبة الحاسوب التي حرصت ان لا يراها احد.. وظلّت تمشي وهي تتساءل :

- والآن ماذا عليّ فعله للعودة للمستقبل ؟! 

***


بعد إحساسها بالتعب ، غفت تحت ظلّ شجرة .. لتستيقظ في غرفتها (بزمن الحاضر) بعد دخول امها وهي تسألها : 

- أمازلتِ نائمة ؟

فحضنتها سارة بشوّق :

- اشتقت اليك ، امي !!

فوضعت الأم (الطبيبة) يدها على جبين سارة : 

- هل لديك حمّى ؟!

- لا ، مجرّد كابوس طويل

- اذاً تعالي للصالة ، فوالدك وإخوتك مازالوا ينتظرون جوابك عن الإختصاص الذي ستدرسينه في الجامعة .. وإيّاك التهرّب هذه المرة !!

فابتسمت سارة بعد معرفتها اخيراً بما تنوي فعله بالمستقبل  

^^^


لتفاجأهم برغبتها دخول معهد الطبخ !

الأب غاضباً : أتريدين فضحنا ؟ انا وامك واخوتك جميعنا أطبّاء ، وانت تريدين ان تصبحي طبّاخة كالطلّاب الفاشلين ؟! 

الأم : اساساً انت لم تطبخي بحياتك !

سارة بحزم : الآن حتى علمت شغفي بالطبخ .. وهذا قراري النهائيّ!!

اختها ساخرة : لا تتوقعي ان نساعدك ماديّاً بالمستقبل ، بعد ان تصبحي أفقر واحدة فينا

سارة : من يدري ، ربما اصبح أغناكم بعد شهرة مطعمي

اخوها باشمئزاز : انت واحلامك التافهة !

الأب : أهذا سقف طموحاتك ؟ مطعمٌ شعبيّ

سارة : لم أقل شعبي ، بل مطعمٌ فاخر .. رجاءً إتركوني اختار مستقبلي بنفسي 

ورغم اعتراض الجميع ، الا انها أصرّت على تعلّم الفندقية..

***


لم تمضي سنتين حتى برعت بأكلاتها الجديدة التي اخترعتها بنفسها ، والتي تعلّمتها من طبّاخ الملك العجوز (وهي اكلات انقرضت مع الزمن) والتي اعجبت أحد زبائن الأثرياء للفندق الذي تعمل فيه ، مُقترحاً عليها العمل في مطعمه الفاخر ، مع السماح لها بتوظيف مساعدٍ لها .. وبذلك أُعطيت الصلاحيّة لامتحان العديد من الطبّاخين لهذه الوظيفة .. لتفاجأ بأحدهم شبيه الملك (في منامها ، لكنه من نفس جيلها) والذي أخبرها بعشقه الكبير للطبخ .. فوافقت على توظيفه كمساعدها الخاص (وبدوره استغرب قبولها السريع ، دون امتحانها له !)  

***


لم تمضي سنة ، حتى اشتُهر المطعم بجودة وصفات سارة مع مساعدها الجديد الذي تجرّأ يوماً على خطبتها .. فأجابته بخجل : 

- كنت رفضتك في الماضي ، لكني اوافق هذه المرة 

فاستغرب من كلامها ، فهو لم يتقرّب منها سابقاً ! 


وتزوجته رغم اعتراض اهلها الذين كانوا يشجّعونها على التقرّب من صاحب المطعم الثريّ العجوز ! لكنها أصرّت على زميلها البدين الذي برع معها باختراع الوصفات الجديدة التي جعلت المطعم وجهةً للعائلات الثريّة وكبار الشخصيّات بالبلد .. وبذلك زاد معاشها ليصبح اضعاف رواتب إخوتها الأطبّاء الذين تقبّلوا مع الوقت شغفها البعيد عن اختصاص عائلتهم .. بل وأصبحوا من زبائن مطعمها الذي اشتهر بطعامه الفريد من نوعه !

***


بعد سنوات ، وفي جلسةٍ عائلية .. إعترفوا اخيراً بنجاحها ، وبفخرهم لإصرارها على متابعة حلمها رغماً عنهم ، وبنجاحها الباهر الذي أصبح حديث الناس والصحافة !


فاكتفت سارة بحضن زوجها ، وهي تقول : 

- لم أكن لأنجح لولا دعم الملك لي 

ولم يفهم احد ما تقصده ! سوى زوجها الذي أخبرته بمنامها الغريب الذي جعلها تتعرّف عليه ، وعلى شغفها الحقيقي في الحياة 


الأحد، 4 أغسطس 2024

الشطرنج الدموي

كتابة : امل شانوحة 

المعركة المُستمرّة


قبل قرنين من الزمن ، وفي ليلةٍ باردة .. إستيقظ السكّان على صوت مدفع الرشّاش (بندقية غاتلينغ) ورصاص (الدَرَنْجَر) المُدويّن من بعيد !

فخرج الرجال لاكتشاف الأمر بحذرٍ وريبة ! ليجدوا ان المقبرة الجماعية التي دُفن بها الجيش الأمريكي (الشمالي والجنوبي ، بالحرب الأهليّة الأمريكيّة) تخرج من قبورهم ادخنة ورائحة البارود ! ولم يفهم احد ما يحصل اسفل المقابر .. وكأن ارواح الجيشيّن المُعاديّن قرّرا إكمال النزاع بينهما ، رغم انتهاء الحرب قبل سنوات بمعاهدة سلام لضمّ الولايتيّن معاً !


وكان حدثاً فريداً من نوعه لاستمراره لإسبوعٍ كامل : حيث تهدأ المعارك الباطنية صباحاً وتشتعل مساءً ..الى ان انتهت تماماً في ليلةٍ مُقمرة !

فتساءل السكّان عن الفائز بين ارواح الفريقيّن ؟ وهل اختلفت النتيجة عمّا حصل في الواقع ؟ وهل هدأت ارواحهم الغاضبة اخيراً ؟!

***


في مكانٍ آخر ، وسط البلد .. أعاد ابليس احجار الشطرنج السوداء والبيضاء الى علبتهم الخشبيّة ، وهو يقول لحاكم اميركا الجديد :

- هآقد استمتعنا بالمبارة الذهنيّة ، بعد تجسّد الجن لجثث الجنود الموتى الذين تحرّكوا مُتناغمين مع خطوات احجار لعبتنا الممتعة التي من خلالها علّمتك بعض التكتيكات العسكريّة الخبيثة.. وبالنهاية جمعت الملوك والبيادق بنفس العلبة .. وهذا هو واقع الأمر ! فمهما اختلف الحاكم والمحكوم والصديق والعدوّ ، سيجتمعون يوماً في المقابر بانتظار حسابهم يوم القيامة

ثم صافح الحاكم وهو يقول :

- إذهب الآن لفرض سيطرتك على الولايات الشماليّة والجنوبيّة ، فقد انتهت عطلتك الرسميّة

الحاكم : انت وعدتني ان لا تُشعل الحرب في اميركا ثانيةً ؟

إبليس : سأترك هذه الدولة لنهاية الزمان ، فالبلاد العربية هي ما تشغل تفكيري الآن..

- كلامك يُقلقني ! هل تنوي تدمير اميركا لاحقاً ؟

إبليس : ربما بعد قرون .. لكني حتماً سأُنهي سلطتها ذات يوم ، بعد ان تبطش بالأرض بجبروتها وسياستها الفاسدة


وفجأة ! إختفى ابليس دون وداع ، تاركاً ضحكاته المخيفة تُجلّجل صداها بغرفة الحاكم السرّية ..


الأربعاء، 31 يوليو 2024

نقلة العصور

تأليف : امل شانوحة 

المنام الغريب !


بعد وفاة ستيف بشهر ، نامت ابنته بسرير امها التي مازالت تفتقد زوجها 

بعدها بساعات .. إستيقظتا وهما تشعران بالبرد داخل كهفٍ جبليّ ، وهما تلبسان جلد حيوانٍ برّي ، وامامها شعلة النار !

فنظرتا لبعضهما بدهشة ، قبل سماعهما صوتاً مألوفاً .. لتنصدما برؤية ستيف يدخل الكهف ، وهو يحمل غزالة اصطادها بالرمح !


فهمست الأم لإبنتها بقلق : أهذا منام ؟!

فأجابتها بخوف : وكيف ارى نفس منامك ، يا امي ؟!

ستيف مُبتسماً : إهدآ قليلاً

زوجته : الم تمت بالعمليّة الجراحيّة ؟!

فأجابها : بلى ، انتهت حياتي قبل شهر .. وانتقلت روحي للبرزخ ، وهو المكان الذي تجتمع فيه الأموات بانتظار حسابهم

ابنته : اذاً كيف نراك ونسمعك بوضوح ؟!

ستيف : أخبرني ملاكٌ هناك ، أنه يحقّ للميت التواصل مع احبّائه من خلال منامٍ واحد ! فاخترت أن يكون منامي طويلاً ، من خلال رؤيتكما لنهارٍ كامل في كل عصر 


زوجته مُعاتبة : ألم تخترّ سوى العصر الحجريّ ؟!

ستيف : بهذه الطريقة ، اراكما لفترةٍ اطول 

ابنته بضيق : وكم سنعيش بهذا العصر المتخلّف ؟!

ستيف : سنقضي في كل زمانٍ ، منذ شروق الشمس حتى غروبها .. 

ابنته : يعني سنعيش كل العصور ، وصولاً لعصرنا الحديث ؟ 

الأب : بل سيتوقف المنام بعد تحقيق هدفي .. ولا تسألاني عنه ، لأنكما ستدركانه لاحقاً .. والآن دعونا نفطر سريعاً ، لاكتشاف العالم خارج الكهف

زوجته : أنفطر لحم غزال ؟!

ستيف : عزيزتي ، لا يوجد جبن ورقائق ذرة بهذا العصر .. لذا تناولي بعضاً منه ، لربما لن أوفّق بالصيد مساءً


وقامتا بشواء اللحم وهما تخبرانه عن تفاصيل جنازته ، ومن حضرها ..وكيف كان شعورهم على فراقه المفاجئ 

^^^


بعدها خرج الثلاثة من الكهف لاكتشاف العالم البدائيّ..

ابنته بقلق : أمازالت هناك ديناصورات ، يا ابي ؟

ستيف : يبدو اننا بالعصر الذي يلي إنقراضهم ! لكني لاحظت أن الحشرات كبيرة ، مُقارنةً بعصرنا .. يعني مثل التي هناك .. 

..(وأشار على شيءٍ يتحرّك بين الأشجار) 


ابنته بخوف : أهذا حيوانٌ زاحف ؟!

ستيف : بل صرصارٍ طائر .. لذا انتبهي 

زوجته باشمئزاز : يا للهول ! دعنا لا نبتعد كثيراً عن الكهف ، اخاف ان نضيع بالغابة

ستيف : دعونا نكتشف اولاً ذلك الشلاّل الجميل 


وأمضوا نهارهم وهم يتناولون فاكهة لم تعد موجودة بعصرنا ! كما جمعوا ماء النهر بعد اصطيادهم الأسماك ، بعصيّهم المُسنّنة لشويّها بالمساء.


وما ان تنالوا وجبتهم وهم يراقبون غروب الشمس على التلال الخالية من المباني وحضارة البشر ، حتى غفوا جميعاً بجانب النار

^^^


لتستيقظ الأم وابنتها في غرفة النوم..

وعلى الفور تشاركتا الحلم الذي تشابهت احداثه فيما بينهما !

الأم باستغراب : يعني لم يكن حلماً ، نحن التقينا فعلاً بوالدك بالعصر الحجري ! 

ابنتها باهتمام : ترى أيّ عصرٍ يليه ؟!

- ربما الثلجيّ

- أخاف أن نموت برداً !

الأم : لا اظننا سنلتقي بإبيك قبل نومنا مساءً

- ماذا لوّ جهّزنا حقيبةً صغيرة ، وضعناها في السرير .. هل تظني ستنتقل معنا للعصور القديمة ؟ 

- لا ادري يا ابنتي ! لنجرّب


وجهّزتا حقيبتا ظهر ، وضعتا فيها : سكين متعدّد الإستخدامات .. وفأس (من ورشة حديقة ستيف) ..وبعض الإسعافات الأوليّة.. ومياهٌ عذبة .. وشالات صوفيّة.. وبعض الشطائر .. ونامتا تلك الليلة وهما تشعران بحماس ، بانتظار المغامرة الجديدة

***


وبالفعل استيقظتا في جوٍّ بارد ، داخل كوخٍ خشبيّ بدائيّ الصنع ! 

وبعد دقائق ، دخل عليهما ستيف بلباس جلد الدبّ .. قائلاً بسعادة :

- هآقد اجتمعنا من جديد !! ماذا تحملان على ظهركما ؟


وهنا انتبهتا ان الحقيبتيّن انتقلت معهما ! فسارعت الأم بإخراج الشطائر ، وهي تسأل زوجها : 

- هل اشتقت الى طعامي ؟ 

فأجابها بشوّق : بالتأكيد حبيبتي !! هل أحضرتي عصيري المفضّل؟

زوجته : طالما عرفنا انه بإمكاننا نقل الأغراض لأيّ عصرٍ نريده ، فسنحضر المزيد في المرة القادمة

ابنته : المهم يا ابي ، هل نحن بالعصر الجليدي ؟!

- نعم وهو عصرٌ سيء ، لا يوجد فيه الكثير من الطعام .. فالثلوج قضت على معظم الكائنات الحيّة !

الأم بقلق : وكيف سنقضي نهارنا هنا ؟!

ابنتها : بالنسبة لي ، يكفي ان أبقى بجانب ابي

فنظر الأب من النافذة وهو يقول : 

- الأفضل البقاء في الكوخ ، فلا يوجد بالخارج  سوى العواصف المميتة

الأم : اذاً لنزيد شعلة المدفأة ، ونأكل الشطائر التي أحضرتها معي


وأمضتا اليوم وهما تستمعان لستيف الذي أخبرهما عن احوال الموتى في البرزخ 

***


في المرة الثالثة ، جهّزتا حقيبتيّن كبيرتيّن مليئتيّن بالطعام اللذيذ وإحتياجاتٍ أخرى

لتستيقظا في إحدى العصور الوسطى المظلمة ! في منزلٍ ليس فيه دورة مياه ، فقط دلوّ من الحديد في زاوية كل غرفة .. ولم تصدقا أحوال المدينة التي فاحت منها رائحة القاذورات ، عدا عن قذارة الناس .. حيث عُرف ملكهم برائحته النتة ، بينما انتشرت بين افراد الشعب الجذام والأمراض الجلديّة .. 


ولشدّة إشمئزاز الأم وابنتها مما سمعوه من الناس (بأن الكهنة حرّمت عليهم الإستحمام ، لأنه من عمل الشيطان) فضّلتا البقاء داخل منزلهم الخشبيّ.. خاصة ان بشرتهم سمراء ، وسيعدّوهم عبيداً .. لذلك ابتعدوا عن الأنظار قدر الإمكان


وفي ذلك المساء .. تناولت عائلة ستيف ما احضروه من المستقبل ، وهم يتبادلون الأحاديث الشيّقة بينهم .. مُتجاهلين طرق المتسوّلين على بابهم من وقتٍ لآخر ، الذين كثر عددهم من شدّة الفقر في ذلك العصر الكئيب !  

***


بعدها انتقلوا لعصرٍ جديد ، وهو عصر الحروب الصليبيّة.. ومع انهم يُعدّوا من العبيد ، الا ان ستيف وعائلته إجبروا على ركوب السفينة المتوجهة للأندلس !

ورغم إمضائهم النهار كلّه في البحر ، بظروف جويّة سيئة .. الا ان الحلم لم ينتهي مع شروق شمس اليوم التالي !


حيث استيقظتا على صوت ستيف ، يهمس لهما :

- وصلنا للشاطئ .. والقائد يأمرنا بالتسلّح لمحاربة المسلمين 

زوجته بقلق : ماذا ! نحن لا نرغب بالقتال .. كما اننا سيدتان !

ستيف : نحن عبيد بهذا العصر .. وأخبروني أن مهمّتي هي تزويد المقاتلين بالأسلحة ، بينما عليكما مداواة الجرحى .. هيا استعدا للنزول من السفينة ، فنحن لا نريد إغضاب قائدنا الهمجيّ

^^^


في خضمّ المعركة الدمويّة .. استطاع ستيف الوصول لزوجته وابنته المنهمكتا بتضميد الجرحى الأوربيين .. 

- إتركا كل شيء ، وتعالا معي 


وتمكّن بذكاءٍ وهدوء تهريب عائلته خارج ارض المعركة ، متوجهين الى سوقٍ شعبيّة .. ومن هناك اشتروا ملابس عربية ، للإنخراط مع الشعب الأندلسيّ الخائف من المعارك الدائرة على اطراف دولتهم ! 

والغريب انهم اتقنوا اللغة ، كأنها جزء من مغامرتهم الخارقة .. وفور وصولهم لوسط البلد ، إندهشوا من الحضارة المتطوّرة بعكس التخلّف المنتشر عند الأوربيين بتلك الحقبة الزمنيّة ! 

وأكثر ما اعجبهم هي الحمّامات العامة ، التي استمتعوا فيها بحمامٍ دافئ .. وبعدها استقبلتهم عائلة اندلسيّة في منزلها .. وأكرموا ضيافتهم ، كونهم عابري سبيل (دون معرفة قدومهم مع جيش العدوّ) 

^^^


وفي ذلك المساء .. استمعوا باهتمام لأبناء العائلة المسلمة وهم يقرأون القرآن ، بينما يفسّر الوالد الآيات لهم .. وحينما وصلوا لسورة مريم ، سأل ستيف الرجل العربي : 

- في إنجيلنا لم يذكروا ان عيسى تحدّث وهو طفل ! رغم انه دليلٌ قاطع على براءة السيدة مريم .. فلما ألغوه ؟! 

الرجل العربي : مع انه ذكر بالتوراة ! .. وعلى فكرة ، الإسلام هو شرح للدين المسيحي .. فالوصايا العشر التي ذكرها عيسى..

ستيف : تقصد : ((لا تقتلوا لا تسرقوا لا تزنوا ..

العربي مقاطعاً : نعم هذه ، فنحن لم نُحلّل شيئاً من محرّماتكم .. كل ما هنالك ان النبي عيسى لم يكن لديه وقت لشرح الوصايا .. بينما شرحها نبينا محمد خلال 23 عاماً ..


زوجة ستيف باهتمام : أتقصد ان الدينيّن متشابهان ؟!

العربي : الإسلام هو النسخة الأخيرة للدين المسيحيّ ، دون تحريف الكهنة .. (ثم نظر لستيف) .. اريد سؤالك شيئاً .. كم عدد الكارهين للإسلام ؟ طبعاً دون نسياننا الصليبيين الذين يحاربوننا على اطراف مدينتنا 

ستيف : ما أعرفه ، أن هناك العديد من السياسيين ورجال الدين الذين يرغبون بالقضاء على دينكم 

العربي : اذاً لماذا لم يُحرّف القرآن حتى الآن ؟ بل لم يتغيّر من نصوصه علامات الترقيم ، رغم كثرة الكارهين ؟!


فسكتت عائلة ستيف ، لأن ليس لديهم اجابة ! .. فأكمل الرجل كلامه:

- هم حاولوا بالفعل تحريف القرآن .. لكن في كل مرة تنكشف مؤامرتهم ، ويتم حرق النسخ المزوّرة .. أتدرون لماذا ؟ لأن الله عندما ترك امر كتبه للبشر ، حُرّفت كما حصل بالتوراة والإنجيل الذين نشروا العديد من النسخ المشوّهة .. لهذا ذكر بالقرآن :(( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) .. وبذلك يكون الله تكفّل بحماية القرآن بنفسه .. وهذا دليلٌ قاطع على صحّة ديننا ، اليس كذلك ؟

ستيف : وما المطلوب منّا لدخول دينكم ؟

العربي : يكفي نطق الشهادة مرة واحدة بحياتكم ، ولوّ في قلبكم دون الجهر به .. لتعودوا كما ولدتكم امهاتكم .. فهل يوجد دينٌ اسهل من ذلك ؟


وتحدّثوا عن الإسلام لساعات .. بعدها تناولوا العشاء .. ثم فُرشت لهم غرفة الضيوف ليناموا .. لكن عائلة ستيف لم تغفوا تلك الليلة ، وهم يتحدثون عن اخلاق المسلمين ودينهم الحنيف 


ابنة ستيف : ابي ! أتظن اننا انتقلنا لهذا العصر ، لتحسين ديننا ؟!

فاكتفى ستيف بابتسامة : ستعرفين الإجابة قريباً .. فملاك البرزخ اعطاني هذه الفرصة ، لأريكما الحقيقة المطموسة بكتب التاريخ .. فالمسلمون لم يكونوا يوماً وحشيين ، بل العكس .. ظلموا كثيراً على مدى العصور .. 

فسألته زوجته باستغراب : تبدو على إطلاع بدينهم ، حتى قبل انتقالنا لها العصر؟! 

ستيف : ناما الآن ، وستعرفان الحقيقة قريباً 

ورغم غموض كلامه ، الا انهما غفيا سريعاً من شدة تعبهما اثناء المعركة 

***


إستيقظت الأم وابنتها في زمن الحاضر ، وذهنهما مُشوّشاً من احداث العصر الأخير 

- ما رأيك يا امي لوّ نذهب لمسجد المسلمين لسؤالهم عن دينهم ؟ وفي حال استطاع شيخهم إقناعنا ، نُعلن اسلامنا 

الأم بحزن : إن كنّا سنؤمن فعلاً ، فهذا يعني أننا لن نجتمع مع والدك ثانيةً .. فالمنام انتهى دون إعلان اسلامه 


وبعد تردّد ، ذهبتا للجامع .. لتعودا لمنزلهما بنهاية النهار ، وقد أعلنتا اسلامهما .. وتحجّبتا عن إقتناع !


ليجدا محامي ستيف بانتظارهما ، والذي اعطاهما الوصيّة (التي كتبها قبل دخوله العملية الجراحية التي قضت على حياته) ومعها شهادته بحفظ القرآن ! فستيف اسلم قبل عام ، دون إخبارهما بذلك ! 

حينها فهمتا المنام الغريب الذي كان أمنيّة روح ستيف لإنضمامهما اليه ، على امل الإجتماع لاحقاً في الجنة .. كما فهمتا لما تحدّث في كل عصر عن الروحانيّات وعظمة الخالق ، كأنه يُحضّرهما نفسيّاً لتغيّر معتقداتهما الخاطئة التي تربيّا عليها !

***


ولم تنتهي السنة حتى حجّتا لأوّل مرة ، وعيونهما تفيض من الدمع ولسانهما يلهج بالدعاء ، شكراً لله على المنام الغريب الذي هداهما للطريق المستقيم !


الأحد، 28 يوليو 2024

مصعد المحبة

كتابة : امل شانوحة 

 

الفارق الإجتماعي


كان القهوجي (الموظف الستيني) في طريقه للطابق العلويّ بالشركة ، لأخذ طلبات موظفي الإدارة ، عندما صعدت معه المديرة الجديدة (بنهاية الخمسينيات) التي لم  يطقها احد منذ استلامها الشركة قبل عام..

وكانت المرة الأولى التي يلتقي بها ، فهي لديها سكرتيرتها المُختصّة بمشروبات الضيافة.. ولم تمضي دقيقة ، حتى علقا بالمصعد بعد تعطّله المفاجئ !


وفور إنطفاء انوار المصعد ، صرخت بعلوّ صوتها فزعة :

- إفتحوا الباب !! .. إفتحوه الآن !!!

فحاول الرجل تهدأتها : 

- سيدتي ! بضعة ثواني وتضيء انوار الطوارىء


وبالفعل أُضيء نورٌ خافت بسقف المصعد .. لكن هذا لم يُهدّئها ، بعد إنهيارها على الأرض باكية :

- رجاءً إفتحوا الباب !! لديّ رهاب من الأماكن المُغلقة

الرجل : سيدتي ! اهدأي قليلاً

فأمسكت يده ، وهي ترتعش خوفاً :

- حاول إصلاح العطل ، رجاءً !!

وقد فاجأته بتصرّفها ، فهي معروفة بغرورها وغطرستها على بقيّة الموظفين !


فضغط على زرّ بالمصعد ، مُتحدّثاً مع مسؤول المصاعد الذي وعدهما بإرسال فنيّ لإصلاح العطل بالحال


في هذه الأثناء .. حاول الساعي تهدئة المديرة المنهارة ، والتي تمّتمت بأحداثٍ من ماضيها ، كانت السبب بخوفها الحاليّ !

- كلّه من ذلك اللعين !! جعلني اكره الدراسة ، بسبب غرفة الفئران القذرة

الرجل باهتمام : عمّن تتحدثين ؟!

فنظرت اليه ، بعد جلوسه بجانبها :

- مدير مدرستي المُختلطة بالمرحلة الإبتدائية .. كان دائماً يُهدّدنا بغرفة الفئران ..وفي يوم تحدّيته ، فرماني فيها .. والتي بالحقيقة كانت غرفة ادوات التنظيف لخادم المدرسة ، بإنارتها المعطّلة ذلك اليوم .. وتركني هناك طوال النهار.. ولسوء حظي علقت مع فأرةٍ صغيرة ! ولم يسمع احد صراخي لساعات ، بعد ان نساني هناك.. ولم يتذكّرني إلاّ بعد قدوم والدي لأخذي بنهاية الدوام.. وكان هذا سبباً في طرده ..

الرجل : هو استحق ذلك ، فقد سبّب لك رِهاباً مُزمناً

- نعم ، الأماكن الضيّقة تصيبني بالهلع

- غريب ان مديرك يُشبه مديري ! فهو ايضاً طُرد لعقابه إحدى الطالبات.. بأيّ مدرسة تعلّمتي ، سيدتي ؟


وللصدفة الغريبة كانا بنفس المدرسة الإبتدائية بإحدى القرى الشعبيّة : هو بالصف السادس ، وهي بالصف الثالث !

وما ان عرفا انهما من نفس القرية ، حتى تبادلا الأحاديث عن اهم الشخصيات المشهورة بزمانهما : كرئيس بلديّتهما المعروف بسمنته المُفرطة .. والعجوز الفضوليّة التي تدخلت بشؤون معظم الجيران ! والشاب الوسيم : فاتن الصبايا والمراهقات .. والعروس التي توفيّت بطلقٍ ناريّ يوم عرسها ..واحداثٌ كثيرة أُشتهرت بقريتهما في فترة طفولتهما ومراهقتهما .. كما علمت انه صديق اخوها الكبير، وانها التقت به عدة مرّات في منزلهم.. وانه لاعبها بالأرجوحة ، وتحدّاها بتسلّق الأشجار ! بل الأغرب انه كان حبها الأول الطفوليّ ، دون أن تبحّ له بذلك.. 


وتابعت الإستماع له ، وهو يستذكر ماضيه بقهر :

- كنت من الأوائل في مدرستي .. وقبل تخرّجي من المتوسطة ، توفيّ والدي .. وكان عليّ إستلام قهوته ، للصرف على امي واخوتي البنات .. بعدها بسنوات ، توظّفت بهذه الشركة ..وأصبحت ساعي الموظفين

السيدة : اما انا ، فسافرت مع اهلي للخارج ..ودرست الإدارة العامة ، وعدّت لاستلام اهم شركة بالبلد

- سبحان الله ! درسنا في نفس المدرسة الإبتدائية .. وكنتِ انتِ المشاغبة الصغيرة ، وانا من المتفوّقين فيها.. لكن الدنيا غيّرت مصيرنا ، وأصبحت قهوجي بسيط في شركتك !

- لا تحزن ، سأرفع راتبك

الرجل : لا اريد زودة لا استحقها

- بل استحقيّتها ، بعد تهدأتك روعي .. لا أدري ماذا سيحصل لي ، لوّ علقت مع شخصٍ آخر.. اكيد سيستغلّ ضعفي ، للضغط عليّ لاحقاً

- لا تقلقي سيدتي ، لن يعلم احد بما حصل في المصعد ..فأنت ابنة قريّتي ، واخت صديقي القديم


وبعد خروجهما من المصعد .. صافحته شاكرة ، وعاد كلاهما الى عمله

***


لكن مع مرور الأيام .. بدأ يتقرّب الساعي منها ، بإحضاره بعض الهدايا البسيطة : كالأطعمة المميّزة بقريتهما .. ورغم شوقها لتذوّقهم ، إلاّ انها لم ترغب بمعرفة احد نشأتها في قريةٍ شعبيّة ، فالجميع يعرف انها مُغتربة .. لهذا تضايقت من قدومه المتواصل الى مكتبها ، امام موظفيها الذين يحسبون لها الف حساب

***


وبعد شهرين ، إتهمه المحاسب بسرقة المال من خزنة رواتب الموظفين ! 

فأسرع الساعي الى مكتبها وهو يترجّاها بتخليصه من المصيبة ، فهو لم يسرق بحياته.. 

المديرة : حسناً اهدأ ..سأردّ لك جميل المصعد ، وأخلّصك من هذا الإتهام ..لكن بشرط !!

الساعي : ماذا ؟!

- ان تنقل عملك لشركةٍ اخرى

فسألها بصدمة : أتطرديني من شركتك ؟!

- بل أحميك من نظرات الموظفين ، بعد الفضيحة الشنيعة .. والأفضل ان تعمل بشركةٍ بعيدة عن هنا.. وسأعطيك تعويضك مُضاعفاً..

مقاطعاً بعصبية : لا اريد حسنة منك !! فقط أعطني تعويضي كاملاً

- كما تشاء

فقال بحزن : سأنزل الى مكتبي ، لأرتّب اعراضي

^^^


بنهاية الدوام .. راقبته من نافذة مكتبها الفخم ، وهو يخرج مقهوراً من الشركة ..حاملاً صندوق اغراضه ، بعد استقالته الجبريّة .. دون علمه باتفاق المديرة مع المحاسب على اتهامه ظلماً ، لطرده بعد تعلّقه بها ! عقب خطئه بالإفصاح عن مشاعره نحوها ، كونها امرأة عانس وهو ارمل .. فهي لن تتغاضى عن الفارق الإجتماعي بينهما ، رغم نشأتهما في البيئة ذاتها !


وبعد ذهابه بسيارة الأجرة ، أغلقت ستارة مكتبها بحزن :

- انا ايضاً احببتك منذ طفولتي ، لكن لا يمكنني تجاهل كلام الناس.. سامحني رجاءً ..

ومسحت دمعتها ، لتعود لأعمال مكتبها الروتينيّة المُملّة !


الخميس، 25 يوليو 2024

كيك المستقبل

كتابة : امل شانوحة

توأم الروح


إعتاد شاب (في الثلاثين من عمره ، والمُتخرّج من معهد الكمبيوتر) على الإستيقاظ ظهراً بعد انتقاله لشقته الصغيرة ، حيث شعر بالوحدة بعيداً عن اهله.


وفي ذلك الصباح .. إستيقظ متضايقاً من جرس الباب ، فهو لا ينوي النهوض باكراً .. ليتفاجأ برجل التوصيلات (الدليفري) يعطيه كيكاً ، دون ذكر المُرسل الذي فضّل عدم تدوين إسمه على الهديّة ! 

فتساءل الشاب باستغراب :

((ليس اليوم عيد ميلادي ، ولا توجد مناسبة للإحتفال ! فمن ارسل هذا الكيك ؟!))


وعندما فتح العلبة ، وجد صورة صبيّة جميلة مطبوعة عليه ! مع عبارةٍ مكتوبة : ((سنةٌ سعيدة ، يا زوج المستقبل))


- من هذه الفتاة ؟! لا اعرفها ! أمعقول ان الكيك أُرسل ليّ بالخطأ ؟! يبدو ان صاحبة الكيك تحتفل بعيد زواجها ! 


واتصل برقم محل الحلويات الذين أكّدوا بأن عنوانه صحيح .. وأن المُرسل تواصل معهم على الواتسآب ، دافعاً ثمن الكيك مُسبقاً.. 

فطلب منهم إعطائه الرقم ، لأن صورة الفتاة على الكيك أعجبته كثيراً .. ليخبروه بأن الرقم حُذف من سجلّات هاتف المحل !


فتناول الكيك وحده ، المصنوع من الفواكه التي يحبها منذ طفولته ! مُتسائلاً عن هويّة الصبيّة المجهولة التي يبدو انها تعرفه جيداً ؟! وهو يتمنّى ان تكون عزباء ، لأن صورتها علقت في ذهنه للأبد !

***


بعد ايام ، واثناء تنزّهه في الحديقة العامة .. وجد اعلاناً لطفلةٍ مخطوفة (في العاشرة من العمر) مُلصقة على شجرة .. ولفت نظره ان لديها ذات الوحمة الحمراء على جبينها ، ونفس عيون الصبيّة الرماديّة المميزة (لصاحبة الكيك) !

فتساءل بقلق : هل اختها الصغيرة مخطوفة ؟! وهل يُعقل انهما توارثا نفس الوحمة الحمراء ؟! 


وأخذ العنوان من الإعلان ، وذهب لمنزل اهلها .. ليعلم ان الطفلة مخطوفة منذ شهور ، وليس لديهم ابناء غيرها ! 

***


بعدها بشهر ، توظّف الشاب بقسم الكمبيرتر بمركز الشركة .. 


وخلال الإسبوع .. شاهد مناماً لعرسه ، مع تلك الصبيّة الفاتنة ! وقرّر البحث عنها بسجلاّت الشرطة في إرشيفهم الإلكترونيّ .. 

وباستخدامه التقنيّة المتطوّرة ، إستطاع معرفة شكل الطفلة المخطوفة بالمستقبل .. لتظهر ذات الصبيّة (على الكيك) ! فهل هي مجرّد صدفة ؟! 

وقرّر متابعة قضيّة اختطاف الطفلة بنفسه ، دون إطلاع مديره او محقّق القضيّة بالأمر 

***


بعد بحثه الدقيق بملف المخطوفة : عرف ان المحقّق تجاهل شهادة صديقتها الصغيرة التي رأتها تذهب مع رجلٍ عجوز الى الحديقة ، والذي اعتاد إهدائها الحلوى فور خروجها من المدرسة !  


فتوجّه الشاب بعد انتهاء عمله الى الحديقة ، لسؤال المتواجدين هناك عن الطفلة المخطوفة (وهو يريهم صورتها) 


ومن حسن حظه ان هناك امرأة تتردّد دائماً على الحديقة القريبة من منزلها ، والتي أخبرته انها رأت عجوزاً يُجبر طفلةً باكية على ركوب سيارته .. فأسرعت بكتابة رقم سيارته بجوالها ، لشعورها بخوف الطفلة منه ! 


فأخذ الشاب الرقم منها ، بعد ان اراها بطاقة عمله بمركز الشرطة .. وبدأ بمتابعة تحرّكات السيارة من ادارة المرور (دون اطلاع مديره بالأمر) 


الى ان اكتشف بعد اسابيع : ان العجوز يذهب مرة في الشهر الى الميناء ، لتسليم طفلٍ نائم لقبطان سفينة ! 

ويبدو انه يخطف الأولاد من الحديقة ، بعد اعتيادهم على الحلوى التي يوزّعها عليهم .. ولأنه عجوز ، لم يلفت انظار الأهل والشرطة ! والذي ربما استغلّ شكله المُحترم ، لبيعهم لدعارة الأطفال او تجّار الأعضاء ! 

***


وبنهاية الشهر التالي ، إنتظره الشاب عند الميناء .. وعندما وجده برفقة توأميّن نائميّن (بالأصح مُخدّريّن) إتصل بمدير المركز الذي ارسل دوريّة للميناء ، التي قبضت على العجوز وعصابته الذين يرسلون الأطفال الوسماء الى الأثرياء العقماء! 

وبذلك عادت الطفلة الى ذويّها بعد سنة من اختطافها .. والتي تعلّقت كثيراً بالشاب الذي انقذها .. وبدوره زار منزل اهلها عدّة مرات ، قبل انتقاله للعاصمة

***


بعد 10 سنوات .. ورث الشاب (الذي اصبح رجلاً بالأربعين) شركة جده للحواسيب .. وفي يوم ، دخلت صبيّة لتقديم وظيفة في شركته .. فعرفها على الفور من وحمتها المميزة ، وهي ايضاً عرفت مُنقذها الحنون ..


وسرعان ما تصاحبا ، رغم فارق السن .. الى ان اخبرها بالكيك الغريب قبل سنوات ، المطبوع عليه صورتها الحالية ! وعن العبارة المكتوبة عليه 

فأجابته بابتسامة :

- اذاً عليك تنفيذ ما كُتب على الكيك

- لكني أكبر منك بعشرين سنة .. 

مقاطعة : لا يهم فارق السن ، فأنا اشعر بالأمان معك .. وهذا كل ما يهم الإنثى بعلاقتها مع الرجل 

- وانا أحببت صورتك ، حتى قبل بلوغك ! 


وبالفعل تزوجا بنفس اليوم الذي يُصادف حصوله على الكعكة الغريبة ، ليُصبح التاريخ ذكرى زواجهما !

***


في مدينةٍ اخرى .. حصل الشيء ذاته قبل سنوات ، مع امرأة تكره الرجال بسبب عنف زوج امها .. والتي تلقّت كيكاً مطبوعاً عليه صورة شابٍ وسيم ، تعلّقت به دون معرفة اسمه ! 

لتجده بعد سنوات بالصدفة في ناديٍ رياضيّ ، والذي أنكر إرساله الكيك لها !  وانتهت علاقتهما بالزواج ايضاً

***


وهذا ما حصل مع العديد من الأزواج الذين ارتبطوا بسبب الكيك الغامض الذي أُرسل لهم من نفس محل الحلويات ، التابع لمصوّر حفلات زفافٍ قادم من المستقبل والذي قرّر العودة للماضي لجمع العرسان ، عبر طباعة صورة توأم الروح من محل الكيك الذي استأجره لهذا الغرض .. وبذلك جمع المُحبّين بأطرف طريقة ، وأغربها على الإطلاق !


الاثنين، 22 يوليو 2024

مسابقة الوسواس القهري

تأليف : امل شانوحة 

العلاج الإجباريّ


بعد عجزّ الطبيب النفسي (الثريّ والشهير) على علاج خمسة من مرضاه المُصابين بالوسّواس القهري ، قام باستدراجهم لمسابقة غريبة من نوعها .. بعد ان أغراهم بجائزةٍ ماليّة قدرها : مئة الف دولار ، على أن يُبقيهم تحت سيطرته لمدة اسبوع !

فوافق المرضى الخمسة على إجراء الإمتحان ، بشرط عدم الضغط عليهم لإكمال المسابقة في حال قرّروا الإنسحاب

***


وفي ذلك المساء .. أوصلتهم الحافلة (المُؤجّرة من قبل طبيبهم) الى فلّة موجودة على رأس جبل (دون وجود منازل حولها) لحين إرسالهم لمكان الإختبار ..وأخبرهم أنه سيراقبهم من خلال كاميراتٍ مُوزّعة في غرفهم المُحتجزين فيها ، التي تحوي دورة مياه خاصّة لهم.. اما الطعام : فسيوصله الخدم الى غرفهم بأوقاتٍ محدّدة

في الليلة الأولى ، لم يحدث شيء ! ونام المتسابقون الخمسة في سرائرهم المريحة

***


في اليوم التالي .. وبعد تناول فطورهم ، وإعادة قفل الغرف عليهم .. تواصل معهم الطبيب عبر مكبّر الصوت ، ليخبرهم عمّا ينتظرهم.. قائلاً للمتسابق الأول :

- سيتم نقلك بعد قليل الى القبوّ

فردّ بقلق : لوحدي ؟!

الطبيب : نعم ، لتنفيذ مهمّة هناك

^^^


وبالفعل إنزله الخادم للأسفل ، بعد عصب عينيه (كما امره الطبيب).. ليتفاجأ المتسابق بعد حجزّه بالقبو (المُفترض بقائه فيه لأسبوعٍ كامل) بأنه قبوّ قذرٌ للغاية ! والماء في حمامه الوسخ ، مُعطّل .. او بالأصحّ مُغلق اوتامتيكيّاً !  


فأصيب فوراً بالهلع ! فهو لديه وسّواسٌ قهريّ من النظافة .. حيث اعتاد الإستحمام مرتيّن في اليوم ، عدا عن غسل يديه عشرات المرّات !

ليس هذا فحسب ، بل اخبره الطبيب انه سيتناول المُعلّبات الموجودة في صندوقٍ كرتونيّ دون غسلها !

فصرخ غاضباً امام الكاميرا :

- انت تعرف قصة تسمّمي التي كادت تودي بحياتي ، بسبب مُعلبٍ أكلته وانا صغير ، الملوّث بفضلات الفئران ! رجاءً إفتح صنبور الماء ، كيّ لا اموت جوعاً !!

صوت الطبيب : عليك التعوّد على بعض القذارة في حياتك ، فلا يُعقل تضيّع معظم وقتك بالإستحمام المتواصل !

فردّ بعصبية : لا دخل لك بحياتي !! رجاءً أخرجني من هنا

- المسابقة لم تبدأ بعد ، عليك البقاء اسبوعاً في القبوّ.. فكّر بالجائزة ، وما يمكنك فعله بمئة الف دولار .. ربما تتزوّج حبيبتك التي تنتظر علاجك ، لبدء مراسم الزواج 


فسكت الشاب مُمتعضاً ، وهو يفكّر بالموضوع .. فأكمل الطبيب كلامه :

- هل ستحاول لأجلها ؟ فالحياة معك ستكون مستحيلة إن أجبرتها على التنظيف طوال الوقت .. وسيتحوّل لكابوس بعد إنجاب الأطفال المعتادون على توسيخ أنفسهم خلال لعبهم 

الشاب بضيق : حسناً سأحاول ، لكن في حال طلبت منك الإنسحاب بالمسابقة..

فأكمل الطبيب : لن أُجبر احداً على العلاج.. والآن سأتركك لكيّ..

الشاب مقاطعاً : لحظة دكتور .. مالذي ستستفيده من المسابقة ؟ فحسب ما اراه ، انك تُعالجنا بالمجّان ، بالإضافة لخسارتك مال الجائزة !

الطبيب : هذه المسابقة ستُسجّل وتُدرّس لطلّابي الجامعيين ، لهذا لن أخسر شيئاً .. لا تقلق بشأني ، وحاول الإسترخاء قليلاً.. القاك لاحقاً


وأنهى الإتصال .. تاركاً المتسابق بحيرة واشمئزاز من القبوّ القذر ، والسرير النتن الذي يُفترض ان ينام عليه لأسبوعٍ كامل !

***


بينا عاد الطبيب للتحدّث مع المتسابقة الثانية :

- والآن دورك !! سيأتي خادمي لنقلك لمكانٍ خارج الفيلا

السيدة بقلق : الى اين سأذهب ؟!

- ستعلمين بعد قليل


بالفعل اخذها الخادم لحضانة اطفال بدار الأيتام ، والبقاء معهم في غرفة مُراقبة من الطبيب (المُتفق سابقاً مع إدارة الميتم) .. حيث يتوجّب عليها رعايتهم لأسبوعٍ كامل!


فنظرت للكاميرا ، وهي توشك على فقدان اعصابها :

- هل جننت يا دكتور ؟!! انت تعلم خوفي الدائم على اولادي ، وحرصي على سلامتهم ، رغم تجاوزهم سن الطفولة .. كيف تريدني ان ارعى هؤلاء الصغار ، وأنا ..

الطبيب مقاطعاً : خوفك الدائم عليهم ، وسهرك طوال الليل حتى لا يتضرّروا اثناء نومهم سيُصيبك بالجنون يوماً ما .. وأعلم السبب هو : وفاة طفلتك إختناقاً ببطانيّتها.. لذلك سأجبرك على رعاية الأطفال العشرة ، المعروفين بالميتم بمشاغبتهم وحركتهم المُفرطة .. وهذا لمصلحتك .. لأنك ستدركين بنهاية المسابقة بأن المشاغبة والتعرّض للأذيّة هو جزء من الطفولة ، وبذلك يقلّ التوتّر لديك .. كما يجعلك تُعطي المزيد من الحرّية لأولادك لاكتشاف العالم ، والسماح لهم بمصاحبة الآخرين

- بقائي هنا ، سيُصيبني بالجنون .. فأنا لديّ ثلاثة اولاد ، وبالكاد انام .. كيف سأنتبه على عشرة مشاغبين صغار ؟! الأمر شبه مستحيل !!

الطبيب : فكّري بالجائزة .. وما يمكنك شرائه لأولادك من هدايا ، في حال كسبتي المسابقة

فسكتت قليلاً ، قبل ان تقول بضيق : 

- حسناً .. سأحاول

الطبيب : أحسنت !! اراكِ لاحقاً

***


ثم تحدّث مع المتسابق الثالث الذي نقله الخادم الى سوبرماركت قيد الإنشاء ! حيث  تواجد عشرات الصناديق لبضائع متنوّعة ، التي من المُفترض ترتيبها على الأرفّف قبل يوم الإفتتاح..

المتسابق مُعترضاً : هل تريد إفقادي عقلي ، دكتور ؟!! انت تعرف هوسي بالترتيب!

الطبيب : انت بالذات ستكسب فوق الجائزة ، راتباً يومياً من إدارة السوبرماركت التي ستراقب معي عملك المُتقن .. وأخترتك لهذا الإمتحان ، كيّ تستفيد من مرضك بأمرٍ نافع

- انا احب ترتيب اغراضي ، لا اغراض غيري !

- انت عاطل عن العمل لسنوات ، جعلك تخسر زوجتك واولادك بسبب عنادك وهوسك المرضيّ .. لهذا اردّت توجيهك لعملٍ ، يمكنك الإستفادة فيه من خبرتك الواسعة بالترتيب .. هيا فكّر بالجائزة

الرجل : والراتب اليوميّ ؟

الطبيب : مع الراتب ايضاً

فردّ بحماس : حسناً ، سأبدا العمل فوراً

وبدأ بفتح الصناديق وترتيب البضائع على الأرفّف

***


ثم تحدّث الطبيب مع متسابقة اخرى : وهي مراهقة لديها هوس التأكّد مراراً من الأعمال اليوميّة .. لذلك نقلها الى كوخ به ادوات كهربائيّة قديمة ، ودورة مياه بصنابيرٍ مُعطّلة (تُسرّب الماء من قساطلها الصدئة) بالإضافة لبابٍ خارجيّ مخلوع .. وعليها البقاء هناك لأسبوع !


وما أن تجوّلت بالكوخ ، حتى صرخت امام كاميرا السقف : 

- دكتور !! لا يمكنني تحمّل صوت الماء المُنهدر ، ولست سبّاكاً لأصلح العطل.. كما لن اشعر بالأمان مع باب الكوخ المخلوع ، فربما يهجم عليّ ذئب او دب او افعى !! وماذا عن الأدوات الكهربائيّة ؟ فالثلاّجة والغسّالة أسلاكهما قديمة ، وأخاف من ماسٍّ كهربائي يُشعل الكوخ اثناء نومي.. هذا إن لم تنفجر إسطوانة الغاز الصدئة اولاً !!

الطبيب : كما حصل بطفولتك والذي تسبّب بحرق قدميّك ، ووفاة اختك ؟

- انت تعرف عقدتي النفسيّة ، فلما تعذّبني هنا ؟!! سأظلّ اتأكّد كل خمس دقائق من الباب والماء والكهرباء والغاز ، حتى أفقد عقلي!!!

- بل علاجك هو توكيل امرك للقدر

الصبية : لا اريك ان أُحرق من جديد .. انت لا تعرف ما عانيته من تنمّر طوال حياتي !!!

- إهدأي قليلاً وفكّري بالجائزة التي يمكنك بها شراء منزل احلامك

فتنهّدت بضيق :

- حسناً ، سأحاول .. لكن ان خرجت من الكوخ ، فعليك توفير وسيلة نقل لإعادتي لمنزلي بالمدينة

الطبيب : كما تشائين

وتركها وهي تُسرع للحمام ، في محاولة لإيقاف تسرّب ماء الذي يُثير اعصابها 

***


ثم تكلّم مع المتسابق الأخير الذي ما ان سلّم عليه ، حتى انفجر غاضباً

- ساعتان وانا انتظرك ! لما تأخّرت عليّ ؟!!

الطبيب : كنت أنقل المتسابقين الأربعة لغرف الإمتحان

فردّ بعصبية : ولما لم تبدأ بي ؟ انت تعرف كرهي بأن يُهمّشني أحد!!

- معك حق ، نسيت عدوانتيّك وعصبيتك الزائدة تجاه الغرباء

- لا تلومني على ذلك ، فأنت لم تعشّ مع جدي الظالم 

الطبيب : عليك مسامحته على .. 

مقاطعاً بغضب : على ماذا ؟!! على إفساده طفولتي .. هو لم يراعي يُتمي بعد فقدان عائلتي بذلك الحادث ، وانا لم أتمّ العاشرة بعد ! وبدل ان يحِنّ عليّ ، عذّبني جسديّاً ونفسيّاً ..لهذا أكره كبار السن

- ولهذا السبب بالذات ، سينقُلك خادمي الى دار العجزة

- مستحيل !! والله أحرق الدار على اولئك السفلة !!

الطبيب : اهدأ قليلاً ، فكل ما عليك فعله : هو البقاء معهم لأسبوعٍ واحد 

- أحلف إن رأيت شبيه جدي ، قد أفقد اعصابي وأخنقه حتى الموت!! 

- فكّر بالجائزة .. الم يكن حلم حياتك شراء سيارة شبيهة بسيارة والدك قبل موته مع امك وأخيك بالحادث ؟


فسكت قليلاً ، وهو مازال ينهج بغضب : 

- حسناً .. اسبوعٌ واحد !! لكن إن طلبت منك إخراجي من هناك ، فعليك تحريري قبل ارتكابي جريمة تقضي على مستقبلي

- لك ذلك

ثم نقله لدار العجزة ، وهو يتأفّف بضيق من منظر العجائز الذين يذكّروه بجده الظالم

***


وبدأ العدّ التنازلي لإسبوع الإمتحان .. حيث راقب الطبيب تفاعلات مرضاه من خلال خمس شاشاتٍ في مكتبه


وكما توقع ، إنهار المتسابق الأول بعد يومين من بقائه بالقبوّ القذر ! بعد رميه المُعلّبات القذرة في كل مكان ، وهو يصرخ بهستيريا لشعوره بالقذارة من استعمال الحمّام المعطّل


وبصعوبة استطاع الطبيب تهدئته (بمكبّر الصوت) لحين قدوم الخادم وتحريره من هناك .. لكنه لم يرضى العودة مع السائق الى منزله ، قبل صعوده لغرفته السابقة بالفيلا للإستحمام ، ولبس ثياب جديدة من خزانة الطبيب (المتواجدة هناك) قبل عودته لمنزله الذي نظّفه قبل التحاقه بالمسابقة .. وركب السيارة وهو يتنفّس الصعداء لانتهاء الكابوس ، غير مكترثٍ بخسارته الجائزة الماليّة ! 

***


بعدها بيوم .. فقد المتسابق (المُحتجزّ بالسوبرماركت الجديد) اعصابه .. حيث اعطى الطبيب اوامره للموظفيّن ، بتغيّر ترتيبه الدقيق للبضاعة بعد نومه ! 

(وهو لم يقصد بذلك إثارة اعصاب المتسابق ، بل إفهامه درساً بعدم الهوس بالترتيب ، لأن من عادة المتسوّقين تغيّر اماكن البضائع) 

لكن هذه الحيلة ، أفقدت المتسابق اعصابه تماماً .. وصار يرمي البضاعة يميناً ويسارا ، بعد ان وجد الهرم الذي صنعه من المُعلّبات طوال الليل مُهدّماً !

 

فأرسل الطبيب ممرّضاً لإعطائه ابرة مخدّر ، وإعادته نائماً الى منزله بعد خسارته المسابقة .. (بعد تعهّد الطبيب لإدارة السوبرماركت بدفع الأضرار التي سبّبها مريضه المهووس !)

***


بعدها بيوميّن .. إنسحبت الصبية المتواجدة بالكوخ من المسابقة بعد انهيار اعصابها من قلّة النوم ، بسبب صوت ماء الصنبور المُعطّل .. ورفضها استخدام الكهربائيّات القديمة ، بعد إزالة قوابسها المهترئة .. حيث اكتفت بأكل المعلّبات في الأيام السابقة 


وفور حصولها على إذن الطبيب بالرحيل ، ازاحت الكنبة التي وضعتها خلف الباب المخلوع .. وهي تطلب بعصبية من الكاميرا : 

- متى يصل سائقك ؟!! اكاد أجنّ هنا 

صوت الطبيب : اهدأي قليلاً ، هو في طريقه اليك .. كان عليك الإنتظار يوميّن للفوز بالجائزة !

- وما ينفعني مالك إن فقدّت عقلي .. هيا ارسل اللعين الى هنا !!

- كما تشائين

وبذلك خسرت المسابقة كزميليّها !

***


وقبل يومٍ واحد من نهاية الإسبوع .. طلبت السيدة بهدوء من كاميرا الحضانة الإنسحاب من المسابقة ! 

فردّ الطبيب : راقبتك على مدى ايام .. كنت متوتّرة جداً في اليوم الأول ، وبالكاد نمتي ساعتين خوفاً على الأطفال .. لكنك مع الوقت اعتدّتي على سقوطهم المتكرّر ، وأذيّتهم لبعضهم

- هذا صحيح .. فقد فهمت انها طبيعتهم وفطرتهم ، وأن الشقاوة ضروريّة لنضوجهم مستقبلاً

الطبيب : اذاً لماذا تنسحبين ؟! 

- لم اعدّ أطيق البعد عن اولادي 

- مازال هناك يوماً واحداً ! 

السيدة : علمت من جارتي ان ابني مُصاب بالحمّى ، وعليّ العودة للإهتمام به 

الطبيب باستغراب : الم يأخذ خادمي منك الجوّال ، كما فعل مع المتسابقين الآخرين؟!

- بلى ، لكني احتفظت بجوّالٍ صغير في حذائي قبل بدء المسابقة .. وجارتي لن تنتبه على ابني مثلي .. رجاءً أعدني الى منزلي

- حسناً ، كما تشائين

***


اما المتسابق الأخير .. ففاجأ الطبيب بعد انتهاء المسابقة : بتسجيله التطوّعي بدار العجزة ، بزيارتهم في نهاية كل اسبوع ! بعد استمتاعه بالحديث مع بعضهم عن تجاربهم بالحياة التي أعطته دافعاً للنجاح .. حيث فهم ان ليس كل العجائز سيئين كجدّه.. وبذلك فاز بالجائزة الماليّة ، بالإضافة لشفائه من افكاره الشيطانية التي تراوده دائماً بقتل كبار السن !

***


لاحقاً عرض الطبيب تجربة المسابقة على طلاّبه ، وهو يحدّثهم قائلاً:

((قد تكون اسباب الوسّواس القهري : عوامل حيويّة ، كتغيّرات في كيماء الدماغ .. او وراثة جينيّة .. او تقليد لأحد افراد العائلة على مدى سنوات .. او بسبب صدمةٍ عصبيّة .. بجميع الأحوال هو مرضٌ نفسيّ ، يتفاقم مع الأيام .. صحيح اكتشفنا بعض العلاجات للتقليل من اعراضه ، لكنه مازال السبب الأول للجنون والسلوكيّات الخطيرة .. ولهذا لم ينجح جميع مرضايّ بالمسابقة ، كما لاحظتم .. لكن مهما حصل !! سنتابع انا وانتم علاج المصابين بالأمراض النفسيّة ، فهذا هو دوّرنا بالحياة.. كان الله في عوننا جميعاً))


وانتهت المحاضرة بتصفيق طلاّبه ، وهو يستلم درعاً تكريميّاً من مدير الجامعة على تجربته النفسيّة الشيّقة !


الثلاثاء، 16 يوليو 2024

اضحية البحر

*تأليف : امل شانوحة* 

الخطة الجهنميّة


في القرن الماضي .. ومع تلاطم أمواج بحرٍ هائج في ليلةٍ باردة، جذّف الناجون الخمسة مُبتعدين عن سفينة رحلتهم أثناء غرقها بعد حريقٍ مُفاجئ! حيث تواجد على متن قارب النجاة الخشبيّ: شابٌ ورجل وعجوز .. ومراهقةٌ حامل (سافرت وحدها بالسفينة هربًا من غضب أهلها، لعلاقتها الغير شرعيّة) وولد في 12 من عمره، الذي فقد عائلته .. كما حصل مع بقيّة الناجين الذين أدركوا هلاكهم، لحصول الكارثة في منتصف الرحلة .. وهذا يعني أن عثورهم على يابسة أمرٌ شبه مستحيل!

***


وفي اليوم الثالث .. اشتدّ عليهم الجوع والعطش، وتوجّب عليهم التضحية بأحدهم .. ووقع اختيارهم على الولد اليتيم .. فموته لن يُثير الشبهات حولهم، يكفي إدّعائهم وقوعه من القارب أثناء نومهم! وكان هذا قرار الرجل الأربعينيّ (المُجبرين على طاعته، لامتلاكه السكين دونهم).

واتفقوا على انتظار نوم الصبي لذبحه، وتناول لحمه نيئًا .. بينما اقترحت الحامل اصطياد السمك بقطعٍ من لحمه، لكنهم رفضوا الانتظار!


ما أغاظهم أن الصبي ظلّ طوال النهار يُدنّدن ويُصفّر، مُثيرًا غضب الرجال الذين ينتظرون أن يخفّ نشاطه للإمساك به وذبحه .. إلى أن فقد الشاب أعصابه، مُطبقًا ذراعيه حول خاصرة الصغير الذي ما رأى السكين، حتى علم بنيّتهم السيئة اتجاهه! فقاومهم بكل قوّته وهو يصرخ باكياً .. وبسبب حركته الهستيرية، تأرجح القارب الصغير يمينًا ويسارًا .. وسط صراخ الحامل التي تشبّثت بقوّة، خوفًا من وقوعها.


وأثناء هذه الفوضى، صرخ الرجل (صاحب السكين):

- إمسكوه جيدًا!!

الشاب بضيق: إنه ينزلق من أيدينا كالزئبق!

العجوز: لا تنظرا إليّ، فعظامي الهشّة لن تتحمّل شقاوته

الرجل بعصبية: إذًا سنضربه بالمجدّاف على رأسه!!


وقبل إطاحة الخشبة عليه، ابتعد الصبي مُسرعًا .. لتخِرّ الحامل صريعة، بعد إصابة رأسها بالخطأ!

وهنا صرخ الولد بعصبية:

- كلوها بدلًا مني، طالما قتلتموها!!

فنظروا لبعضهم بارتباك! قبل أن يقول له الرجل:

- لقد كُتب لك عمراً جديدًا، أيها المشاغب .. هيّا قرّبوا جثتها، كيّ أقطّعها بالتساوي بيننا

الصبي بحماس: وأنا أعطوني جنينها!!

فنظروا إليه بدهشة، لوحشية تفكيره (رغم صغر سنه) وتبدّد غضبه بهذه السرعة!


ورغم شعورهم بالغثيان من طعم اللحم النيّء، إلا أنهم أنهوا تناول الجثة غضون ثلاثة أيام، حتى أنهم شربوا دمائها بدل الماء! والأغرب أن الولد كان مُستمتعًا معهم بالجريمة الّلا إنسانيّة!

***


بعدها بيومين، جاعوا من جديد .. واقترحوا قتل الصبي الذي فاجأهم بسرقة السكين من خاصرة الرجل، وطعن قلب العجوز الذي كان يحاول مساعدتهم بمسك يديه!

صارخًا الولد بعصبية:

- الآن لديكما طعامٌ جديد!! اتركانِي وشأني، أيها الملعونين!!

الرجل بصدمة: يا إلهي! هذا الولد خطيرٌ بالفعل

وتناولوا العجوز على مدى يومين، لنحافة جسمه.

***


بعدها عاد الشاب والرجل في محاولتهما للإمساك بالولد، الذي استطاع مقاومتهما لإنهاكهما الشديد بسبب الجفاف، بعكسه! إلى أن تمكّن الصغير من دفع الشاب بكل قوّته .. والذي انفدخ رأسه بعد ارتطامه بطرف القارب، مُحاولًا بصعوبة التوازن للإمساك بالصغير الذي استطاع إقناع الرجل (صاحب السكين) بقتل صاحبه:

- انظر إليه!! سينزف حتى الموت، فنحن لا نملك أدويةً طبية لعلاجه .. بينما سأكون رفيقك لآخر الرحلة .. هيّا لا تتردّد، اقْتُل المُصاب!!


ويبدو أن كلام الصغير أقنع الرجل، الذي وجّه سكينه نحو صديقه الذي تلعثم مُرتعبًا:

- لا تتهوّر! إنه جرحٌ بسيط .. سأمزّق قميصي، وأربط رأسي .. وستتوقف الدماء خلال دقائق

لكنه هجم عليه بطعناتٍ متتالية، أردته قتيلاً!

***


بعدها أمضى الرجل مع الصبي طيلة المساء (على ضوء القمر)، وهما يقطّعان جثة الشاب ويتناولانه بعد استياغهما لطعم اللحم البشري النيء!

الرجل: يالك من شقيّ! قتلتهم جميعًا، لفداء نفسك

تمتم الصبي بصوتٍ منخفض: المهم من يبقى حيًّا للنهاية

***


في الصباح .. سرق الصبي منظار الرجل (الذي كان أخذها من كابينة السفينة قبل غرقها) أثناء نومه فوق كومة من عظام صديقه!

وبواسطتها لمح الصبي جزيرةً من بعيد ..

وقبل استيقاظ الرجل .. رمى الصبي المنظار بالبحر، كيّ لا يُدرك قرب الفرج!


ثم اقترب منه وهو يحمل نوعًا من السمك المُنتفخ، الذي علق بالصنّارة التي صنعتها الحامل قبل وفاتها ..

الرجل بقلق: ارمِها فورًا بالبحر!!

الولد: لكني اصطدتها قبل قليل!

- لا فائدة منها، إنها سامة

- أعرف ذلك .. وأقترح تناولها معًا، طالما قُدّر موتنا بالبحر

الرجل بدهشة: أتنوي الانتحار؟!

الولد: ألديك حلٌ آخر؟

- نعم!! أذبحك وآكلك

- ثم ماذا؟ تبقى وحدك تائهاً بالبحر لأيام وربما شهور، إلى أن تُجنّ .. انظر حولك!! نحن وسط بحرٍ لا نهاية له

فسكت الرجل وهو يشعر بالحيرة، فتابع الصبي كلامه:

- هيّا لا تفكّر كثيرًا بالموضوع، ودعنا نتقاسمها بيننا


وظلّ الصبي يحدّثه عن عذاب الموت جوعًا، إلى أن أقنعه بمسك قطعة من السمك السام!

الرجل: وماذا عنك؟

الصبي: وهذه القطعة لي.. سنتناولها معًا بعد الرقم ثلاثة.. ١ ٢ ٣


وبخفّةٍ استطاع الصبيّ رميَ قطعته داخل قميصه، وإيهامَ الرجل بمضغها بألمٍ.. ممّا شجّع الرجل على أكل قطعته.. وسرعان ما أصابته نوبةُ تشنّجٍ حادّة، شلّت أطرافه!

ليبدأ الصغير بدفعه بكلّ ما أوتيَ من قوّة، نحو حافّة القارب.. فتمتم الرجل بكلامٍ شبه مفهوم، وبألمٍ شديد:

- هل أوقعتني بمكيدة، أيّها الملعون الصغير؟!

الولد بمكر: حسنًا دعني أُخبرك الحقيقة، طالما ستموت بجميع الأحوال.. أنا من افتعلتُ حريق السفينة بعد سكبي زيت القنديل في مخزنها، المليء بشوّالات القطن لأحد التجّار.. ثم أشعلته بالكبريت.

الرجل بصدمة: ولماذا فعلتَ ذلك؟!

- لأصبح ثريًّا.

- ماذا تقصد؟!

الولد: كنتُ بالرحلة مع عمّي وزوجته اللعينة وولديْه الحقيريْن، وجميعهم عاملوني بقسوةٍ ولؤمٍ بعد وفاة والديَّ.

- فقرّرتَ القضاء عليهم، بقتل جميع الركّاب؟!

- لا، لم يخطر ببالي ذلك إلّا بعد مروري بجانب غرفة أحد الأثرياء بالسفينة، وهو يُخبر صديقه عن كنزٍ أخفاه في إحدى الجزر، وعن رسمه لخريطةٍ مُفصّلة بمكانه.. فأسرعتُ للمطبخ دون أن يلاحظني أحد، ووضعتُ سمّ الفئران في كوبيْن من العصير.. ثم لبستُ زيّ النُدُل، بعد رفع أكمامه، ودخلتُ عليهما وأنا أُخبرهما أنّها تقدمةٌ من القبطان.. وبعد قليل، عدتُ إليهما لأجدهما متوفييْن، فسرقتُ الخريطة التي هي معي الآن.. ثم أحرقتُ السفينة، وانتظرتُك ريثما تُحرّر قارب النجاة للقفز فيه، قبل إنزاله للبحر.. وبعدها استطعتُ الإطاحة بكم، لأكل بعضكم، والبقاء حيًّا.

الرجل: يا غبي! أخسرتَ من تبقّى من عائلتك، لتموت بالبحر؟!

فردّ الولد بخبث: ما لا تعرفه، أنّ هناك جزيرةً قريبةً منّا.

الرجل بصدمة: ماذا!

- رأيتُها بمنظارك قبل رميه بالبحر.. وسأتوجّه نحوها، بعد تخلّصي منك.. وربّما بعدها تضعني شرطة الجزيرة في الميتم، أو يتكفّل بي أحد الأفاضل.. وعندما أصبح شابًّا، سأسافر وحدي للعثور على تلك الجزيرة لاستخراج كنزي، كتعويضٍ عن الحياة البائسة التي عشتُها سابقًا.

- لا أصدّق أنّ كلّ هذا التفكير الإجرامي لصبيٍّ بمثل عمرك!

الولد: هذا الصبيّ الذي لا يُعجبك سيصبح من أثرياء البلد، أيّها المخمور الفاشل.


وضربه بالمجذاف على رأسه.. ثم حمله بصعوبةٍ ورماه بالبحر، وهو يُراقب غرقه ببطء.. ثم جدّف بما تبقّى من قوّته، متوجّهًا نحو اليابسة التي بدأت تظهر من بعيد، قائلًا بحماس:

- ها أنا قادمٌ نحو الثراء والحرّيّة.. لا أحد سيوقفني بعد اليوم.


وأكمل طريقه نحو الجزيرة، وهو غارقٌ بأفكاره الخبيثة الإجراميّة!


الندبة الرابعة

تأليف : امل شانوحة  ضحيّة الشبه في ذلك العصر .. ألصق جاك المشلول ثلاث قطعٍ حديدية فوق ندوب ظهره ، قبل دخوله الى جهاز السفر عبر الزمن الذي اخ...