الأحد، 20 ديسمبر 2020

السرقة الأدبيّة

 تأليف : امل شانوحة

الموهبة المزيّفة !


في خمسينات القرن الماضي ، إنتشرت طباعة الكتب والمجلات .. وذاع صيت الكتّاب الأدبيين الذين ازدادوا ثراءً وسمعة ، مما أثار غيرة المصحّح اللغويّ (جيم اندرسون) دكتور الأدب الإنجليزي الذي لجأ اليه الكتّاب المبتدئين لتنقيح قصصهم قبل نشرها بأعدادٍ هائلة ! ليحصل هو على أجرٍ زهيد ، مقابل ثروة الكتّاب التي تضاعفت مع كل قصة نشروها .. وهو ما أشعره بالغبن ، فقصصهم الركيكة ما كانت لتنجح لولا تنقيحه المحترف الذي رفع كثيراً من قيمتها اللغوية .. 

مما زاده رغبة في تجربة التأليف لإتقانه قوانين اللغة والوصف التعبيري ، ولا ينقصه سوى الفكرة المبتكرة لبدء قصته الأولى ..


وعلى مدى شهور .. حاول جيم كتابة قصة قصيرة تُرضي الناشر اولاً ، والذي رفض له العديد من مسودّات القصص رغم لغتها القوية ، لأنها برأيه تفتقر للإبداع التي يشدّ انتباه القارىء المتلهفّ لأفكارٍ غير مستهلكة 

وقد حاول الدكتور في جميع المجالات : الدرامية والمخيفة والخيالية والبوليسية والرومنسية وحتى قصص الأطفال ، لكنه فشل في إيجاد فكرة تناسب ذوق القرّاء .. 


ونصحه كاتبٌ بريطاني مشهور (إيريك آمبلر) بالإكتفاء بعمله كمدقّقٍ لغوي ، قائلاً بغرور : 

- أيّ شخص يمكنه تعلّم تقنيات الكتابة , لكنه لا ينجح سوى الموهوب بالفطرة .. فموهبة الكتابة تولد مع الإنسان مثل المواهب الأخرى كالغناء والرسم والنحت والرقص وغيرها ، فلا ترهق نفسك بالمحاولة  

الا ان جيم أصرّ إن إجتهاده وإصراره كافيان لمنافسة أهم الكتّاب الأدبيين!

***


وبعد فشله بالطرق العادية لكتابة قصة ناجحة ، فكّر بطرقٍ ملتوية .. فحاول إرشاء كاتبة مبتدئة لنسب قصتها له مقابل مبلغاً مغرياً ، مُوهماً إيّاها بأن القرّاء لن يتقبّلوا قصصاً من تأليف سيدة .. 

لكنها رفضت طلبه وسحبت قصتها التي أعطتها لمدقٍّقٍ لغويّ آخر بعد ان آثار ريبتها !


فبدأ بخطته التالية ..وهي الإتفاق مع خادم الكاتب الإنجليزي (جورج أورويل) لإحضار قصاصاته المرمية في سلّة نفايات مكتبه ، مقابل مبلغاً من المال

وبالفعل أعطاه الخادم مجموعة من الورق المُجعّد التي فيها رؤوس اقلام لأفكار جورج العابرة , وهو ما ينقص جيم لبدء قصته الأولى ..حيث أسهب في طرح الفكرة الى أن تجاوزت 50 صفحة ، قام بكتابتها بلغةٍ قوية ومعبّرة.. كانت كفيلة بقبول الناشر طباعتها أخيراً  

***


إحتفل الدكتور مع اصدقائه بإصدار نسخته الأولى في المكاتب .. الا انه بعد اسابيع ظلّت نسبة مبيعها منخفضة ، لكونه كاتباً غير معروف !

لهذا كان عليه إيجاد افكاراً اخرى لقصصٍ إضافية ، فقام بإرشاء خادمين لكاتبين آخرين حصلا على المال مقابل النفايات الورقية لسيدهما ..والذي استطاع جيم بواسطتهما إصدار مجموعته الأولى المتنوعة


ولحسن حظه ، لاحظ احد النقّاد الأدبيبن قصته الأخيرة التي مدحها في الجريدة المحلية ، مما رفع نسبة مبيعاتها بشكلٍ ملحوظ .. 

وهذا شجّع الناشر على طباعة المزيد من النسخ ، ومطالبة جيم بأفكارٍ جديدة بأسرع وقتٍ ممكن ! 

***


من جهةٍ أخرى .. وصلت مجموعته القصصية لجمعية الكتّاب المحترفين ، الذي لاحظ أحدهم التشابه بين قصص جيم وأفكاره القديمة ! وأخبر زملائه بشكّه بحدوث سرقةٍ أدبيّة 


وحين تطفّل جيم على إحدى ندواتهم الفكرية ، سأله أحدهم عن سرّ ذاك التشابه .. فتظاهر جيم بثقة ، مُخفياً ارتباكه : 

- مجرّد توارد خواطر .. فالأفكار هي سرب من الطيور ، إن أطلقتها من يدك (تخلّيت عنها) فستصل حتماً لمخيّلة كاتبٍ آخر.. ويبدو انها وصلت لي 


فردّ عليه الكاتب العجوز : كلامك وإن كان خياليّ الا انه منطقي ، ولا أنكر إعجابي بكيفية تحويل فكرتي البسيطة الى قصةٍ متكاملة

جيم : عفواً سيدي ، تتكلّم وكأنني سرقت فكرتك بالفعل

- لم أقصد ذلك ، لكني تخلّيت عن تلك الفكرة بعد عجزي عن إيجاد خاتمة تليق بها .. فهنيئا لك بها

***


وبعد تزايد شهرة جيم وثروته ، إزداد ضغط الناشر عليه لتأليف المزيد من القصص ، مما أشعره بالضيق بعد نفاذ جميع افكار الكشاكيل المهملة .. خاصة بعض رفض الخادمين سرقة سيدهما اللذان شكّا بالأمر ، فأصبحا يمزّقان مسودّاتهما وأفكارهما العابرة زيادةً في الحرص ..


اما خادم الكاتب (جورج أورويل) فطمع بالمزيد من المال ، وحين رفض جيم زيادة أجره ..أخبر سيده بأنه رأى الدكتور يأخذ شيئاً من سلّة نفايات مكتبه حين زاره المرة الماضية .. 


وعلى الفور !! إنتشرت الإشاعة بين الناس مُتهمين الدكتور بالسرقة الأدبية .. حيث انتقده الكتّاب والقرّاء على حدٍ سواء .. ومزّق الناس قصصه ورموها في وجهه بالشارع .. 


فصرخ مدافعاً عن نفسه :

- لا تنظروا اليّ كأنني مجرم !! فمعظم كتّابكم المحبوبين لم يكن لينشهروا لولا تنقيحي المحترف لأخطائهم اللغوية على مدار سنوات .. وانا كاتبٌ مثلهم ، بل أفضل منهم !! كل ذنبي انني استعرت مخلّفات أفكارهم 

فردّ أحدهم : طالما أخذتها دون إذنهم ، فأنت لا تختلف عن بقية اللصوص ايها التافه !!

***


وبعد تزايد المضايقات ، إستقال جيم من الجامعة وانزوى في بيته .. لكن الأمر لم يتوقف هنا .. فالخادم الطمّاع إستغلّ الفضيحة لسرقة أغراضٍ ثمينة من القصر ..

وحين اكتشف سيده المفقودات ، أبلغ الشرطة التي حقّقت مع جميع العاملين .. وحين وصلت للخادم الطمّاع ، أخبرهم بأن الدكتور بعد سرقته الأوراق من سلّة النفايات تجوّل في غرف المنزل ..وخرج من القصر وهو يحمل حقيبة يدٍ ثقيلة !


ولأن صيت جيم أصبح سيئاً ، فلم تشكّ الشرطة والناس بمزاعم الخادم ..وتمّ القبض عليه بتهمة السرقة .. 

حيث رمى المارّة الخضراوات الفاسدة عليه اثناء اعتقاله ، ووضعه بعربة الشرطة باتجاه الزنزانة التي ظلّ فيها لشهورٍ عديدة ، إمتنعت فيها عائلته واصدقائه عن زيارته ! وعانى كثيراً من قسوة الحرس والمساجين .. 


الى ان حدثت سرقة ثانية مشابهة في قصر سيدٍ آخر ..القاسم المشترك بينهما هو الخادم الذي انتقل للعمل هناك .. 

فتمّ القبض عليه ، والذي اعترف لاحقاً بكل شيء ..وبذلك ظهرت براءة الدكتور جيم الذي عاد الى منزله منكسراً وحزيناً 

**


ولاحقاً إتفق كبار الكتّاب على زيارته ومواسته في محنته ..

وحين فتح لهم الباب ، قال متفاجئاً وبعصبية :

- انتم ! ماذا تريدون مني ؟ انا لم اسرق افكاركم هذه المرة ؟

وبعد دخولهم الصالة ، قال (صامويل باركلى بيكيت) :

- نريدك ان تعود للكتابة

جيم بحسرة : انا مجرّد استاذ لغة ، ولست كاتباً

إيريك آمبلر :  بلى ، نحن قرأنا قصصك المنشورة .. صحيح انها أفكارنا القديمة ، لكن طريقة سردك للأحداث وحوارات شخصياتك مثيرة للإعجاب  

جيم بدهشة : أحقاً !

أجاثا كريستي : نعم ، عدا عن براعتك في اختيار الصيغ البلاغية ! ولوّ لم أتخلّى عن فكرتي ، لما كتبتها بهذا البراعة


جيم بيأس : لم يعد الأمر يهم ، فلا احد سيشتري قصصي ثانية

جورج أورويل : نحن سندعمك ، ونغيّر رأيهم اتجاهك .. لكن بشرط!!

جيم : ماهو ؟

جورج : ان تكون قصتك التالية من تأليفك وحدك

جيم : لا املك أفكاراً ادبية

صامويل : إسمعني جيداً .. الكتابة مثل أيّ وظيفة اخرى .. 20 بالمئة موهبة ، و80 بالمئة جهد ..وهي عبارة عن تجارب الحياة التي مرّرنا بها جميعاً

- معه حق ..فأنا مثلاً مشهور بالقصص الرومنسية ..والسبب الحقيقي وراء براعتي ، هي كسرة قلبي ايام شبابي بعد ان هجرتني ابنة الجيران التي تزوجت غيري


جيم باستغراب : لم اكن أعرف هذا !

- وانا أصبحت كاتبة قصص بوليسية بعد مقتل قريبي من مجرمٍ إحتال على القضاء للهرب من العقاب 

- وانا أصبحت كاتب قصصٍ خيالية ، بسبب قسوة والدي التي جعلتني أهرب لعالم الخيال كيّ أنسى كلماته الجارحة .. 

- ماذا عنك ؟

جيم : انا حياتي روتينية ، قضيتها بين التدريس في الجامعة وتنقيح الكتب والقصص

- أنسيت تجربتك الأخيرة بعد التشهير بك ، وحياتك في السجن؟


جيم بحزن : كانت تجربة قاسية بحق !

- اذاً أكتب عنها ، ولتكن روايتك الأولى 

- وإن كانت جيدة ، سنمدحك في مؤتمرٍ صحفيّ 

- وسيدعمك اصدقاءنا النقّاد لتنشهر من جديد 

جيم بتردّد : لا ادري ان كنت..

- لا تتردّد يا دكتور ، فنحن ككتّاب لا نتوقف من اول محاولة فاشلة ..فالكتابة مهنة شاقة ، وعليك المتابعة حتى النهاية ..

- حتى لوّ فرضنا انك لم تنشهر بحياتك ، فقصصك ستظلّ موجودة لأجيالٍ من بعدك ، وسيكون هذا إرثك 

- ولا تنسى ان تضفّ الى روايتك آرائك الخاصة لحلّ المشكلة ..ونصائحك للقارىء في حال واجهته ذات المحنة .. فأفكارنا تؤثّر على الرأيّ العام 

- هذا صحيح ..فهناك حروب ومعاهدات سلام وعادات وتقاليد إختلفت بعد اصدار كتابٍ واحد غيّر مفاهيم العالم ، فلا تستهين بموهبتك .. 

- إكتب يا بنيّ !! ونحن معك


وخرجوا من عنده بعد ان أعطوه دافعاً قوياً للكتابة ، جعله يسهر طوال الليل امام آلة الكاتبة لطباعة مسودّة عن قصة حياته .. 

***


بعد شهر ..أنهى تصحيحها اللغوي ، وعرضها على مدير النشر الذي قال بلؤم :

- لولا دعمك من نقابة الأدباء ، لما نشرت لك شيئاً.. لكني بالنهاية تهمّني الأرباح ، وسأراهن عليك هذه المرة

***


وبالفعل لم تنشهر روايته الا بعد حصوله على دعمٍ قويّ من الكتّاب القدامى وأصدقائهم النقّاد ، لتباع آلاف النسخ من قصته التي تُرجمت لاحقاً للعديد من اللغات حول العالم ، تحت عنوان : (السرقة الأدبيّة) 


ومع استمرار جيم بالكتابة ، صار من أشهر الكتّاب الإنجليز المحترفين .. وأصبحت تجربته دافعاً للكتّاب المبتدئين للإستمرار بالمحاولة حتى النجاح

*****


ملاحظة :

خطرت ببالي هذه الفكرة بعد سرقة قصتي (الحافلة المظلمة) التي حُوّلت الى فيديو باليوتيوب بعنوان (رحلة الإنتقام) .. وللأسف لم يعرض صاحب الموقع إسمي كصاحبة القصة

رابط الفيديو :

https://www.youtube.com/watch?v=Bm6ZwKuO3PY

رابط قصتي الأصلية المنشورة في كابوس :

https://www.kabbos.com/index.php?darck=1418

الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

جريمة يوم الإثنين

الفكرة : مستوحاة من مقالة (Ayman Alasd)
كتابة : امل شانوحة

بريندا سبنسر


في سجن ولاية كاليفورنيا ، وفي شهر ابريل 2020 .. وضعت طبّاخة السجن في صينية (بريندا سبنسر) قطعة كيك صغيرة ، وهي تقول :

- كل عام وانت بخير 

بريندا بابتسامة : آه ! نسيت انه عيد ميلادي ال 58 .. شكراً لك


ثم جلست لتناول طعامها بجانب السجينات اللآتي تراقبنها بغيظ لحصولها وحدها على التحليّة .. فأسرعت بالقول :

- انه عيد ميلادي

فقالت إحداهنّ بغيرة : أصبحتِ صديقة الطبّاخة ! 

بريندا : سجُنت بعمر 16 .. ولي 42 سنة هنا ، وهي أطول مدة بين السجناء ، وطبيعي ان يعرفني الجميع .. 


في هذه اللحظات .. إقتربت من طاولتهنّ سجينة عجوز (من البشرة الداكنة) وهي تحمل صينيتها وتقول :

- وانا قضيت 50 سنة في هذا السجن الكئيب ، يعني الأقدم بينكنّ 

بريندا : آسفة ! لم أقصد مضايقتك يا زعيمتنا جاكلين 


وبعد جلوسها قربها ، وانشغال السجينات بتناول طعامهنّ ..همست في أذن بريندا : 

- إن أعطيتني نصف كعكتك ، إخبرك بسرٍّ مهم

فقسمت بريندا كعكتها ، لتقوم جاكلين بالتهام حصّتها بنهمّ .. 

وسألتها بريندا بصوتٍ منخفض :

- ماهو السرّ ؟

جاكلين : إنهي طعامك ، وقابليني امام زنزانتك

- ألن تنزلي للساحة ؟

- ليس اليوم 

*** 


وبالوقت الذي تجمّعت فيه السجينات في ساحة السجن بعد فترة الغداء ، صعدت بريندا الى عنبر السجون الخالي من الحارسات المنشغلات بتناول غدائهنّ او مراقبة الساحة ..

بريندا : هآ انا قدمت ، ماذا تريدين إخباري ؟

جاكلين : اريد أن أريك شيئاً 


وأخرجت سلكاً حديدياً صغيراً من شعرها الكثيف وهي تقول :

- أخفيته في شعري ايام شبابي ، قبل قبض الشرطة عليّ متلبّسة بسرقة القصر .. وبسبب تقزّز الحارسة العنصرية مني ، لم تفتّشني جيداً  

- وما فائدته ؟! 

جاكلين : كنت استخدمه في فتح الخزائن الحديدية لمصلحة عصابتي التي تخلّت عني وتركتني أواجه التهم وحدي ، لأحصل على حكم المؤبد رغم انني لم اقتل احداً ! حيث نجح الأثرياء الذين سرقتهم بالضغط على القضاء والتأثير على الحكم النهائيّ 

بريندا باهتمام : وهل مازلتي تجيدين استخدامه ؟ 

- أحكمي بنفسك .. 


وأدخلت جاكلين طرف السلك المدبّب في قفل الزنزانة .. وبعد تحريكه بطريقةٍ معينة ، إستطاعت فتح الباب بسهولة 

بريندا بحماس : رجاءً علّميني الطريقة !!  

- ليس الآن ، في المساء بعد نوم الجميع

- لكننا في زنزانتين منفصلتين !

- رفيقة سجني تسرّحت يوم امس ، وسيحضرون بعد قليل سجينتين جديدتين .. وبما ان رفيقتك بالسجن ماتت بأزمةٍ قلبية قبل اسبوع .. فسيضمّونا سوياً ، لأننا أقدم السجناء ولا نشكّل تهديداً لهم 


بريندا بسعادة : ممتاز !! سنهرب الليلة معاً  

- فقط انت .. فليس لديّ مكان أذهب اليه بعد موت عائلتي ، ولا اريد أن أصبح مشرّدة في الشوارع .. إعتبري تعليمك طريقة الهروب هديةً مني في عيد ميلادك 

بريندا بتردّد : لا ادري ان كنت سأجرأ على ذلك ، فلديّ جلسة إستماع في العام القادم .. وأخاف إن أمسكوني ان يزيدوا عقوبتي 

- الم يرفضوا إطلاق سراحك ثلاث مرات من قبل ؟ 

- لكن.. 

جاكلين مقاطعة : إسمعيني جيداً يا بريندا .. هم لن يطلقوا سراحك ابداً لأنهم يعدّونك مجنونة خطيرة ، لإصابة الفصّ الصدغي لديك .. لذا لا تفوتي الفرصة مثلي ، مازال بإمكانك الهرب .. فكّري بالأمر .. الآن سأعود للساحة لتنشّق الهواء

وتركتها وهي تفكّر بالأمر

***


في المساء ، تمّ جمعهما في نفس الزنزانة .. 

وخلال الليالي التالية .. درّبتها على فتح القفل بالسلك ، الى أن أتقنت بريندا الطريقة بعد اسابيع ..


وفي تلك الأمسية الباردة .. قالت لها جاكلين بصوتٍ منخفض : 

- بقيّ ساعتين على منتصف الليل ، وإطفاء انوار الزنزانات .. حينها تعتمدين على نور العنبر لفتح القفل ، فقد أصبحت ماهرة مثلي

بريندا بارتباكٍ وقلق : لا ادري ان كنت سأفعلها اليوم !

- الليلة هي فرصتك الأخيرة ، فغداً يقطعون الأعشاب البرّية التي نمت على الجدار الخارجيّ ، التي ستستخدمينها للتسلّق والهرب من هنا .. كما اننا في ليلة الأثنين 


فتنهّدت بريندا بضيق : آه ! كم اكره هذا اليوم 

- أتدرين ! لم أسألك بعد لما اخترت يوم الإثنين بالذات لارتكاب جرمك بقتل المعلمة وحارس المدرسة وإصابة 8 اطفال في عام 1979 ؟

بريندا بنبرةٍ حزينة : لأن في هذا اليوم تدمّرت حياتي بعد انفصال والديّ .. وفي يوم الإثنين ايضاً إنتقلت للعيش مع ابي السكّير .. كما ان رفاقي بالمدرسة إعتادوا التكلّم عن نزهاتهم ايام الآحاد ، الذي أقضيه بالسهر بسبب الموسيقى العالية والضحكات المستفزّة لصديقات والدي اللآتي يحضرهنّ من الملهى يوم عطلته .. لهذا غفوت دائماً صباح الإثنين في المدرسة وحصلت على عقوبات الحجزّ .. عدا عن سخرية اصدقائي وقسوة المعلمين الذين لم يُتعبوا أنفسهم بسؤالي عن سبب إرهاقي المستمرّ!


جاكلين : سببٌ مقنع لكره يوم الأثنين ! لكنك الليلة ستحولينه الى يومٍ سعيد بهروبك من هنا 

بريندا بقلق : أخاف ان يقتلني الحرس

جاكلين : إحتمالٌ وارد

- ماذا تقصدين ؟!

- الم تتساءلي عن تشابه مصيرك بمصير الشاب المضّطرب الذي قتل 5 تلاميذ من مدرسة كليفلاند الإبتدائية وجرح العشرات ؟

جاكلين باستغراب : نفس المدرسة ؟!

- ونفس السلاح 

- لم افهم !

جاكلين : قام شرطي فاسد ببيع سلاح والدك في السوق السوداء ، واشتراه الشاب الذي قام بالجريمة ذاتها 

- يالها من صدفةٍ غريبة !


جاكلين : لا أظنها صدفة .. فكّري بالأمر .. الم تخبريني سابقاً عن الأصوات التي سمعتها في رأسك ايام مراهقتك ، التي حثّتك على ارتكاب الجريمة ؟ 

بريندا بخوف : أتقصدين ان السلاح ملبوس بالجن والعفاريت ؟! 

- والدك الوحيد الذي يستطيع الإجابة ، حين يُعلمك عن المكان الذي اشترى منه السلاح الرخيص كهدية عيد ميلادك 

- والدي توفّى قبل سنوات !

جاكلين : لا يهم ، فالشرطة صادرت السلاح بعد قتلها الشاب الذي تسبّبتِ انتِ وهو في إغلاق المدرسة نهائياً .. (ثم صافحتها قائلةً) على كلٍ سأودّعك الآن ، لأني سأنام قبل هروبك من الزنزانة .. فأنا لا اريد مشاكل مع إدارة السجن .. 


بريندا بقلق : على الأقل ساعديني بفتح قفل الزنزانة !

جاكلين بحزم : عليك الإعتماد على نفسك ، فسيعترض طريقك ابواباً عديدة مُقفلة ، يجب فتحها جميعاً قبل وصولك للساحة .. بالتوفيق لك ، وتصبحين على خير

 

وفي الوقت الذي علا فيه شخير جاكلين العجوز .. كانت بريندا في انتظار لحظة اطفاء الأنوار لبدء مجازفتها الخطيرة ، وهي غارقة بذكريات الماضي : حيث تذكّرت يوم إلقاء القبض عليها في الصيف ما قبل الجريمة ، بسبب إطلاقها النار على الطيور .. كما رفض والدها علاجها النفسيّ ، الذي عاتبها لاحقاً بأنه أهداها البندقية لتطلق منها رصاصة واحدة فقط ! كأنه أراد إفهامها بأن تنتحر لتريحه من همّها ، والتي تعاكس احلامها بأن تُحدث ضجّة إعلامية حول شخصيتها الفريدة !  


وبينما هي غارقة بذكرياتها الكئيبة ، عاد اليها الصوت الذي سمعته ايام مراهقتها ! وهي لرجلٍ مجهول يهمس في أذنها :

((بريندا !! إجعلي الصحافة تتكلّم عنك مجدداً))

بريندا بضيق : لا ! ليس ثانية 


وانضمّت اليه أصواتاً أخرى : كصوت والديها وهما يتشاجران قبل طلاقهما ، والضحكات الماجنة لفتيات الليل اللآتي سهرنّ في منزل ابيها ليلة الأثنين ، وانتقادات معلمّيها لكسلها ونومها المتكرّر في الفصل ، وسخرية زميلاتها .. وصرخات التلاميذ الفزعة اثناء اطلاقها النار عليهم .. كل هذه الأصوات تزاحمت في ذهنها دفعةً واحدة ! 


بريندا بحزن : يا الهي ! كيف نسيت إخبار الحرس بنفاذ دوائي ، فالهلاوس تهاجمني من جديد ، وعقلي يكاد ينفجر !!


وهنا اطفأت انوار الزنزانات..

بريندا : اذاً الآن الساعة 12 ، يعني أصبحنا في ليلة الإثنين

فعادت لتسمع صوت الرجل يقول في ذهنها :

((الإثنين يا بريندا ..اليوم الذي تكرهينه جداً))

- أصمت ايها اللعين !!!

((إستخدمي السلك للهروب من الجحيم ، والحصول على حرّيتك))


وانتظرت بريندا نزول الحارسات الى القسم الإداريّ في الطابق السفليّ للإستراحة ، بعد أنتهاء عملهنّ .. اما الحارستان المسائيتان فانشغلتا بجوالاتهما ، وهما تقفان بعيداً عن زنزانة بريندا التي تحاول للمرة الثالثة فتح القفل (كما علّمتها جاكلين الغارقة في النوم) .. الى أن نجحت أخيراً في فتح الزنزانة .. 


فخرجت بهدوء باتجاه الأدراج التي نزلت عليها حافية القدمين كيّ لا تصدر صوتاً .. ووصلت الى الساحة ، بعد فتحها ثلاثة ابوابٍ أخرى .. وهناك سمعت الصوت الرجوليّ في ذهنها وهو يصرخ بحماس :

((اركضي يا بريندا باتجاه الجدار الخارجيّ .. هيا بسرعة !!!)) 


لكنها تردّدت بعد رؤية الأسلاك الشائكة فوق حائط السجن ..الا ان الصوت طمّأنها :

((لا تخافي ، فدهون بطنك ستحميك من الإصابةٍ خطيرة .. هيا تسلّقي الجدار ، ماذا تنتظرين ؟!))


فحاولت التسلّق ، مُتمسكةً بالأعشاب البريّة النامية على الجدار بسبب الرطوبة .. قبل سماعها صرخة حارس منارة السجن : 

- سجينة تحاول الهرب ، إمسكوها !!


وعلى الفور !! إنطلقت صافرات الإنذار مُتزامنة مع صرخات الحرس الراكضين باتجاهها ، في الوقت الذي كانت تحاول فيه القفز فوق الأسلاك الحادّة التي أصابت يديها وبطنها بجروحٍ عميقة 

بهذه اللحظات ، سمعت صوت والدها يصرخ في ذهنها غاضباً : 

((إنتحري يا غبية !!))


قبل شعورها بحرق الرصاصة تخترق جمسها والتي أسقطتها بقوة على ظهرها ، مُتسببةً بتشوّش رؤيتها بعد تجمّع الحرس حولها !


وسمعت الحارسة تطلب إحضار طبيبة السجن لإسعافها ، قبل صراخها على زميلاتها : 

- إصمتوا جميعاً !! بريندا تقول شيئاً .. (واقتربت منها) ..هيا بريندا انا أسمعك ، ماذا تريدين قوله ؟ 

فقالت بريندا متلعثمة ، والدماء تخرج من فمها : 

- أكره ... يوم .. الإثنين 

ثم لفظت أنفاسها الأخيرة ! 

*****


ملاحظة :

طلب مني الأستاذ (Ayman Alasd) تحويل مقاله (الفتاة التي تكره يوم الإثنين) المنشور في موقع كابوس الى قصة .. أتمنى ان تعجبه وتعجبكم 

رابط المقال : 

https://www.kabbos.com/index.php?darck=9786


السبت، 12 ديسمبر 2020

اسير الجزيرة المهجورة

 *تأليف : امل شانوحة*

مدينة هاشيما اليابانية


في عام 1974 .. وفي جزيرة هاشيما اليابانية المُلقبة بـ(جزيرة السفينة الحربية) المشهورة بمبانيها الخرسانية، تمّ تهجير جميع سكّانها البالغ عددهم (5259) بعد إغلاق المناجم .. فيما عدا العجوز (تاكاشي) الذي رفض ركوب السفينة، رغم محاولة جيرانه وحفيده الصغير إقناعه بالذهاب معهم، رغبةً منه بالبقاء بجانب قبر زوجته وابنه الوحيد .. وبعد يأسهم منه، وعده قريبه بالاهتمام بحفيده الذي ظلّ يبكي أثناء ابتعاد السفينة عن جزيرة هاشيما ..


ولأن الضابط (المُكلّف بإخلاء السكّان) لم يردّ أن تُحاسبه إدارته على تركه العجوز، كتب في تقريره: بأن الجزيرة أُخليت بالكامل !

وبذلك لم تعرف الصحافة والناس أمر تاكاشي المُحتجزّ في الجزيرة المهجورة، والذي لم يكن خائفاً على مصيره، لامتلاكه قطعة أرضٍ زراعية وأدوات صيد السمك .. بالإضافة لخزّان المدينة الكبير المليء بالمياه العذبة التي تكفيه لسنواتٍ عدّة .. لهذا لم يكن قلقاً بشأن الطعام والشراب ..

***


مع غروب الشمس .. شعر لأول مرة بوحدةٍ شديدة، بعد حلول الظلام الدامس فوق الأحياء والمنازل ! فيما عدا منزله الصغير المُضاء بالقناديل، بعد أن أطفأ المسؤول الأمني (للطاقة الكهربائية) أنوار الجزيرة بالكامل !

كما شعر ببرودة الجوّ التي زادت بعد تسرّب الهواء من الأبواب ونوافذ الشقق المفتوحة .. ولأنه لا يؤمن بقصص الجن والأشباح، غفى سريعاً (كعادته) فور استلقائه على السرير..

***


في الصباح الباكر .. ذهب إلى مزرعته لقطف المحاصيل وإعداد الفطور الذي تناوله قرب البحر وهو شارد بذكريات الماضي .. حيث تذكّر صديقه (آيتارو) الذي شاركه هوايته بصيد السمك، والذي كان من أوائل مغادريّ الجزيرة !


بعد ساعة، قرّر القيام بجولةٍ حول الجزيرة .. فذهب أولاً إلى حديقة ألعاب الأطفال، وركب الأرجوحة وبعض الألعاب المتواجدة هناك، وهو يتخيّل نفسه يلعب مع حفيده الصغير !


ثم دخل العمارة الأولى .. وصعد طوابقها الأربعة، لاستكشاف شققها الثمانية الفارغة التي لم يعثر فيها سوى بعض الكتب السياسية والتاريخية والملابس البالية


وقبل عودته إلى منزله، توجّه إلى محطة الكهرباء .. وبعد محاولاتٍ عدة، استطاع إضاءة الشوارع التي خفّفت وحشة الجزيرة مساءً ..

ونام تلك الليلة، بعد إنهائه فصلاً من كتابٍ تاريخيّ (أخذه من شقة جاره)

***


وفي اليوم التالي، قرّر النزول للمنجم المُهمل رغم خطورة الأمر ..

ونزل بعد إنارة قبّعة عامِلٍ وجدها هناك ..

وجلس قرب المكان الذي دُفن فيه ابنه حيّاً، بعد ارتداد جزءٍ من جدار المنجم عليه وعلى اثنين من رفاقه .. وأخذ يدعو لهم بالرحمة ..

ثم عاد بصعوبة إلى فوق، وهو يسحب حبال المصعد اليدويّ بيديه المُتعبتين


وفور وصوله إلى السطح، شعر بوخزٍ مؤلم في قلبه ..

فمشى بإرهاقٍ شديد نحو مشفى الجزيرة .. وبحث مطوّلاً في غرفه الفارغة، إلى أن وجد الصيدلية التي ما زالت تحوي بعض الأدوية ..

وتناول دواءً لضغط الدم وهو لا يعرف إن كان منتهي الصلاحية أم لا، فهو لم يحضر معه نظّارة القراءة

ونام على السرير الطبّي الوحيد المتروك هناك، في محاولة لضبط نبضات قلبه المتسارعة ..

***


استيقظ تاكاشي في منتصف الليل وسط الظلام الحالك، فهو لم يُحضر قنديله .. وأخذ يتلمّس طريق الخروج بصعوبة، وهو يشعر بروحٍ مشاكسة تلاحقه وتغلق الأبواب خلفه بقوة .. ولأول مرة في حياته، أحسّ بخوفٍ شديد !

وتنفّس الصعداء فور خروجه من المشفى المسكون نحو الشارع المضاء بأنوارٍ خافتة، بعد نسيانه إراحة المولّد الكهربائي في الصباح 


ومشى بتعب حتى وصل إلى بيته .. تناول طعاماً خفيفاً وعاد للنوم .. فهو لا يحب السهر في الجزيرة التي تزداد رعباً في المساء

***


وهكذا مرّت الأيام ببطءٍ شديد على العجوز الذي اعتاد صيد السمك والاهتمام بمزروعاته، وزيارة الشقق الفارغة كنوع من التسلية .. إلى أن مرّ أصعب يومٍ عليه .. بعد اهتزاز الجزيرة بعنف، إثر هزّةٍ أرضية مفاجئة!

فهرب من بيته، خوفاً من انهيار سقفه القديم .. ووقف في الشارع في انتظار انتهاء الهزّة التي دامت دقيقتين، أحسّهما دهراً !


بعد هدوء الوضع .. أخذ ينظر للخراب الذي أحدثه الزلزال الذي يبدو أنه فاق 5 درجات، والذي أدّى لانهيار بعض المنازل المتهالكة ..والأسوأ أن مزرعته تضرّرت كثيراً .. كما غرق مكانه المفضّل قرب البحر، بعد موجةٍ عنيفة ضربت المكان .. حينها فقط تمنى لوّ أنه رحل مع بقية سكّان الجزيرة، بدل عناده بالبقاء وحده في مكانٍ كئيبٍ ومهجور ..

***


وفي أحد الأيام .. وأثناء صيده السمك بشرودٍ تام، تفاجأ بصوتٍ يناديه:

- تاكاشي !! شدّ السنّارة قبل إفلات السمكة

فنظر خلفه، ليرى صديقه القديم يتجه نحوه ! فناداه بدهشة:

- آيتارو ! متى عدّت؟ وكيف؟

- استأجرت قارباً أوصلني من الجهة الأخرى للجزيرة، وتوقعت وجودك هنا ..

تاكاشي والدموع في عينيه: اشتقت إليك يا صديقي


واحتضنه بشوقٍ كبير .. ثم جلسا قرب البحر وهما يتذكّران الماضي، ويتحدثان بأمورٍ كثيرة ..

ولاحقاً قاما بشواء السمكة وهما يغنيان أغاني وطنية بحماسٍ وسعادة

***


في المساء .. أصرّ تاكاشي على مبيت صديقه في منزله، وألا يفارقه أبداً .. ومدّ له فراشاً بطرف الغرفة، نام عليه آيتارو على الفور

ورغم شخيره العالي، إلاّ أن تاكاشي كان سعيداً بعودته وبقائه معه في الجزيرة

***


ومرّت الأيام .. تساعد فيها الصديقان في كافة أمور الحياة: من توفير الطعام والاهتمام بالمنزل المشترك بينهما ..


إلى أن أتى يوم، تفاجآ فيه بعودة جارتهم العجوز ..

تاكاشي بدهشة: إيتو !

السيدة: قرّرت العودة إلى هنا، قبل أن ترميني زوجة ابني في دار المسنين

آيتارو: هل سفينتك أوصلتك أيضاً من الجهة الأخرى للجزيرة، كما حصل معي ؟

السيدة: نعم .. وأنا سعيدة برؤيتكما هنا، فقد خفت أن تكون الجزيرة مهجورة بالكامل .. ولولا إجبار الحكومة بإخلاء منازلنا، لما تركت المكان أبداً !!

تاكاشي: أهلاً بعودتك سيدة إيتو .. تفضلي، شاركينا الطعام

السيدة: ألم تكتفيا من أكل السمك المشوي ؟ تعالا وساعداني بحمل الصناديق إلى بيتي، وسأطبخ لكما أكلةً شهيّة


وبالفعل تناولوا العشاء معاً في منزل تاكاشي الذي أصرّ على بقاءها معهما .. فاختارت إحدى غرفه للمبيت فيها

وبعد أن أصبح هناك شخصان في منزله، لم يعد يشعر بوحشة المكان

***


قضى الثلاثة معاً أشهراً سعيدة بين الضحك والعمل، قبل عودة بضعة عجائز من السكّان القدامى إلى الجزيرة الواحد تلوّ الآخر .. حتى سكنت عمارته من جديد، بأكثر من عشرين جاراً ..

***


وفي أحد الأيام .. تطوّع تاكاشي لإصلاح عطلٍ طارئ في المحطّة الكهربائية .. وأثناء انشغاله بالعمل، تفاجأ بصوتٍ أنثويّ مألوف يناديه بقلق:

- إنتبه أن لا تُصاب بصعقةٍ كهربائية !!


وكاد يسقط من فوق! لولا إسراع السيدة بإمساك السلّم الذي نزل منه وهو يرتجف، بعد رؤية زوجته المتوفاة الذي سألها بخوف:

- كيف هذا ؟! جثمانك مدفونٌ بأرضي

فأجابته بابتسامةٍ حنونة: طبيعي أن تلتقي الأرواح فيما بينها

- لم أفهم !


وهنا تجمّع سكّان الجزيرة حولهما (20 شخصاً) بوجوههم الشاحبة !

تاكاشي بقلق: ماذا حصل لكم ؟ تبدون كالأموات !

آيتارو: هذا لأننا جميعاً ميتون، يا صديقي ...(بتردّد) .. وأنت أيضاً

تاكاشي بعصبية: هل جننت ؟!! أنا لم أصبّ يوماً بمرضٍ خطير

زوجته: هل نسيت الأزمة القلبية التي تعرّضت لها في المشفى ؟

تاكاشي: كان مجرّد وخزٍ في قلبي، واستيقظت في منتصف الليل ..

فأكمل صديقه بحزن: لتنتحر

فصرخ تاكاشي: مستحيل أن أفكّر بالإنتحار !!

زوجته وهي تمسك يده بحنان: إذاً تعال معنا

***


وأخذوه إلى المشفى المهجور .. ليشاهد جثته المُتحلّلة، مشنوقة وسط الغرفة ! وعبارةٌ مكتوبة على الجدار المتهدّم، بخطّ يده المميز:

((سامحني يا حفيدي العزيز آكيرا، لم أعد أحتمل العيش وحيداً في هذه الجزيرة الموحشة)) 


وهنا عادت إليه ذاكرته: وتذكّر ليلتها أنه كان مازال يلبس قبعة عامل المنجم، الذي أضاء مصباحها لكتابة جملته الأخيرة بقلمه .. من بعدها ربط الملاءة في حلقة السقف، بعد وقوفه على السرير الذي قفز منه منتحراً !

تاكاشي مصدوماً: يا إلهي ! ماذا فعلت ؟

زوجته: ليتك ذهبت مع حفيدنا، بدل نهايتك المأساوية

فسكت قليلاً، قبل أن يقول:

- لحظة ! طالما أنني روحٌ الآن، فيمكنني الذهاب إليه .. أليس كذلك؟

فأجابه صديقه بحزن: نحن بإمكانها الذهاب أينما شئنا، لأننا متنا بشكلٍ طبيعي .. لكنك انتحرت، لهذا روحك ستبقى عالقة في الجزيرة .. ولحزننا على مصيرك، قرّرنا زيارتك .. لكنه حان الوقت لعودتنا إلى السماء

تاكاشي باكياً: لا أرجوكم !! لا تتركوني وحدي في هذا المكان الكئيب


إلاّ أن الأرواح ودّعته سريعاً، قبل انطلاقها الواحد تلوّ الآخر إلى السماء !

وقبل ذهاب زوجته، أمسك بيدها بقوة وهو يترجّاها بالبقاء معه .. فأشارت إلى البحر وهي تقول:

- لديك زائرٌ قادمٌ إليك ..


فنظر تاكاشي من نافذة المشفى المكسور نحو البحر، ليشاهد مجموعة من الشباب ورجلٍ ينزلون من القارب الذي ربطوه بالجزيرة المهجورة ..

فسأل زوجته باهتمام:

- من هؤلاء ؟!

فأجابته: مغامرون شباب، قدموا لاستكشاف الجزيرة .. أما الرجل فهو حفيدنا

- هل تمزحين ؟ آكيرا عمره سبع سنوات

- أصبح الآن 42 سنة

تاكاشي بصدمة: مرّت 35 سنة ! مستحيل !! أنا لم أتمّ سنتي الأولى لوحدي هنا

- الموتى لا يشعرون بالوقت .. فنحن الآن في عام 2009، وهو العام الذي سمحت فيه الدولة للسّياح بزيارة الجزيرة التي أُغلقت لثلاثة عقود .. وقد حاول آكيرا في مراهقته إبلاغ الصحافة عنك، لكن لم يصدقه أحد .. لهذا حجز في أول رحلة للجزيرة، وهو الآن في طريقه إلى هنا .. سأتركك مع حفيدك، إلى اللقاء يا عزيزي

تاكاشي صارخاً: أرجوك لا تذهبي !!!!

إلاّ أن روحها خرجت من النافذة باتجاه السماء !


ورغم حزنه على خسارة أصدقائه، لكنه متحمّس لرؤية حفيده الذي دخل وحده لاستكشاف المشفى المهجور، وهو يصوّر غرفها الخالية بكاميرته الصغيرة .. إلى أن توقف مذهولاً قرب الهيكل العظمي المشنوق !

ثم انهار باكياً، فور قراءة اسمه على الجدار .. فهو يعلم أن جده هو آخر شخصٍ سكن الجزيرة


ونادى المغامرين الذين صوّروه، وهو يُنزل جثة جده الذي حمله للخارج .. ليقوم بدفنه قرب قبر جدته في الأرض الزراعية التي أصبحت بورا ..

وجلس يدعو لهما بالرحمة، بينما تابع الشباب استكشاف الجزيرة ..


أما آكيرا فاكتفى بزيارة منزل جده القديم .. وقام بأخذ نظّارته وبعض أغراضه الشخصية ودفتر مذكّراته كتذكارٍ منه، قبل عودته إلى السفينة مع بقية المغامرين للرحيل من الجزيرة قبل غروب الشمس 


بينما ظلّ تاكاشي يراقب حفيده، لحين اختفاء السفينة خلف أمواج البحر .. وهو يشعر بالندم والحزن، بعد أن علقت روحه في الجزيرة المهجورة للأبد!


الخميس، 10 ديسمبر 2020

فيديو رسوم متحرّكة لقصتي البوليسية

 


شكر خاصّ للأستاذ (Ahmed Ammh) (أحمد العبدلي) الذي قام بتحويل قصتي (المبنى المحتجزّ) الى فيديو رسوم متحرّكة ، له كل التحيّة والتقدير



رابط الفيديو على اليوتيوب :

https://www.youtube.com/watch?v=8rWNb0Pdz7c&feature=youtu.be&fbclid=IwAR3NCetqWMKbVzksiit9gshpfewnHrE35VfOBSw1XJbRM3vimLeFFgreGnI




الأربعاء، 9 ديسمبر 2020

النسخة المُصغّرة

 تأليف : امل شانوحة

الإستنساخ


بعد وفاة والدها المفاجىء ، إضّطرت سعاد (الأربعينية) للعمل للإهتمام بالمصاريف والديون .. فلم يعد بإمكانها مساعدة امها في اعمال المنزل ، وقلّة راتبها منعها من توظيف خادمة .. لكنها حاولت قدر الإمكان  مساعدتها رغم إحساسها بالتعب والإرهاق الوظيفيّ .. 

اما في اوقات فراغها القليلة ، فقضته سعاد بتصفّح الإنترنت .. وانشأت صفحة على الفيسبوك ، بصورتها القديمة في سن الشباب 


ولم تمضي اسابيع .. حتى تعرّفت على شاب يصغرها بسنوات ، لم تخبره بفارق السن لأن الأمر لم يكن جدّياً في البداية .. 

لكن حينما تعلّق بها كثيراً ! إنسحبت من حياته دون سابق إنذار ، رغم انه حبها الوحيد ..


وأشغلت نفسها بمواقع اخرى على الإنترنت ، الى ان وجدت منتدى للظواهر الغريبة .. تعرّفت منه على دكتورة جامعية متقاعدة بعلم الكيمياء ، أخبرتهم عن تركيبة استحدثتها في منزلها للإستنساخ الفوريّ ! 

لكنها تعرّضت للسخرية والتشكيك من بقية المشاركين ، ولم تصدّقها سوى سعاد التي تحدّثت معها على حسابها الشخصي الجديد .. وبعد إقتناعها  بكلامها ، طلبت منها إرسال التركيبة بالبريد ..

*** 


بعد ايام .. وصلها صندوق صغير فيه محلولين كيميائيين : أحدهما زهريّ والآخر ازرق اللون .. 

فاتصلت سعاد بها لتستفسر عن الأمر ، فأجابتها :

- كما تلاحظين هناك خمس مقاسات كمية على الأنبوب الذي يحوي المحلول الزهريّ .. فإذا شربت الكمية الأولى ستنتجين طفلة تشبهك ، وبالمقدار الثاني تحوّلين النسخة الى فتاة .. والثالث الى مراهقة ..والرابع الى صبية .. وبالقياس الأخير تصبح النسخة في مثل عمرك ..


سعاد بقلق : ماذا تعنين انني سأنتج طفلة ، هل سأنجبها ؟

الدكتورة : لا طبعاً .. فقط إشربي الكمية الأولى قبل نومك ، وستجدين النتيجة في الصباح 

- وماذا عن المحلول الأزرق ؟

- اذا شربتِ نصف المحلول الأزرق ، وشربت شبيهتك الباقي فإن ذاكرتك تُنسخ لها ، يعني تتشابهان في الذكريات وطريقة تفكيركما .. وللتذكير !! ذاكرتك تُنسخ فقط ، ولا تُمحى ابداً من عقلك .. إخبريني غداً بنتائج التجربة 

- حسناً سأفعل ، الوداع


وقبل نومها .. شربت سعاد الكمية الأولى من المحلول الزهريّ ، ونامت وهي قلقة من النتيجة

***  


في صباح اليوم التالي ، إستيقظت على صوت بكاء طفلة بجانبها !

فنهضت من سريرها مرتعبة .. ونادت امها العجوز التي ما ان رأت الطفلة حتى صفعتها ، وهي تسألها بغضب :

- لمن الطفلة ؟!!

- أنظري اليها جيداً ، انها تشبهني تماماً كما في صور طفولتي

الأم بغضب : ومن والدها يا عديمة التربية ؟!!

- امي مابك ؟! هل سأحمل وأنجب في يومٍ واحد ، ودون تغيرات واضحة في جسمي ؟

الأم : اذاً من اين أتيت بالطفلة ؟

- إستنسخت نفسي .. 


وقبل ان تستوعب الأم ما قالته ! وضعت سعاد الطفلة بين ذراعيها وهي تقول لها : 

- أنظري اليها جيداً ، الا تشبهني بعمر الستة أشهر ؟

امها بذهول : نعم ، كأنها انت .. لكني لم أفهم موضوع الإستنساخ !


فأخبرتها عن المحلول الزهريّ .. فصرخت عليها معاتبة : 

- هل جننتِ يا سعاد لتخوضي في أمور الشعوذة ؟!! 

سعاد : ليست شعوذة ، بل تركيبة كيميائية .. وهي اختراع لدكتورةٍ جامعية متقاعدة 

- وهل لديّ الصحة للإعتناء بإبنتك ؟

- ليست ابنتي .. (وفكّرت قليلاً) .. لنعتبرها اختي الصغيرة


الأم بقلق : الم تفكّري بكلام الناس ؟

سعاد : اساساً انا لا انوي إبقاء نسختي بهذا العمر ، بل اريدها ان تكبر لتصبح صبية تساعدك في المنزل اثناء عملي 

- هذا سيتطلّب سنوات !!

- بل ثواني فقط .. 


ثم شربت سعاد الكمية الثانية من المحلول الزهريّ ، رغم محاولة الأم إيقافها :

- لا تشربيه !! ربما كان مخدرات او مشروب هلوسة


ومن بعدها .. أخذت سعاد الطفلة من امها ووضعتها على السرير ، وهي تقول لها :  

- ركّزي عليها 


وإذّ بالرضيعة تتحوّل بلحظات الى فتاة بعمر 5 سنوات ! 

وكادت الأم تفقد توزانها ووعيها ، فأسرعت سعاد بإجلاسها على السرير 

وأخذتا تراقبان الطفلة وهي تركض داخل الغرفة وهي تدنّدن اغاني الأطفال بسعادة !


سعاد : هل كان هذا شكلي بعمر 5 سنوات ؟

امها وهي لا تصدّق ما تراه : 

- نعم ! كأنك هي .. كنت جميلة للغاية ومُفعمة بالحياة 

- حسناً سأشرب الكمية التالية من المحلول كريه الطعم لتحويلها الى صبية 

- لا !! دعيني أتسلّى قليلاً مع حفيدتي  

سعاد : امي .. هذه نسختي المصغّرة وليست ابنتي .. ثم اريدها كبيرة لتساعدك ، لا ان تزيد متاعبك

امها : لا بأس ، دعيها طفلة لبعض الوقت 

- حسناً ، لكن غداً سأحولّها لمراهقة .. إتفقنا 


ثم أسرعت الى عملها ، تاركة امها تلعب مع حفيدتها الصغيرة بسعادة وهي تستذكر الماضي

***


قبيل العصر .. عادت سعاد مرهقة من عملها ، لترى المنزل مبعثراً بألعابها القديمة التي أخرجتها امها من الصناديق والتي كانت تنهج بتعب بعد اهتمامها بالبنت الصغيرة طوال النهار 

سعاد : كنت متأكدة انها ستتعبك

الأم : لا يهمّ ، كان يوماً جميلاً 

- امي .. عليّ تحويلها الى صبية لتساعدنا في المنزل ، فهذا غرضي من الإستنساخ ... سأشرب المحلول الآن 


وأخرجته من الخزانة ، لتشرب الكمية التالية التي حوّلت الطفلة الى مراهقة .. فطلبت سعاد منها ترتيب المنزل ، لكنها رفضت ودخلت غرفتها غاضبة 


فنظرت سعاد الى امها :

- آه نسيت انني كنت متمرّدة في مراهقتي !

الأم : نعم ، أتعبني عنادك كثيراً

- اذاً لا حاجة لنا بهذه النسخة ، سأشرب المزيد من المحلول لتحويلها الى عمري بعد تخرّجي الجامعي ، فهي الفترة التي استقرّيت بها في البيت ، وبدأتِ بتعليمي الطبخ والتدبير المنزلي 


وشربت المحلول الذي ظلّت فيه الكمية النهائية التي رمتها في الحوض ..

الأم : لماذا رميته ؟! 

سعاد : مالفائدة من تحويلها لعمري الحالي ، فأنا لا اريد توأماً .. 


وهنا خرجت الفتاة من الغرفة وقد تحوّلت الى صبية في العشرينات ، تشبه تماماً صورة صفحتها على الفيسبوك (قبل ان تغلقه سعاد) .. 

وكانت في قمّة نشاطها ، حيث بدأت على الفور بإعادة الألعاب الى الصناديق وترتيب المنزل.. 


فقالت سعاد لأمها بارتياح : 

- هكذا استطيع الذهاب الى عملي وانا مطمئنة عليك يا امي 

الأم بقلق : ماذا لوّ رأوها الجيران ، ماذا سنقول لهم ؟


ففكّرت سعاد قليلاً ، قبل ان تقول :

- قولي انك اكتشفت بعد وفاة والدي إنه كان متزوجاً عليك .. وانها ابنته الأخرى ، وهي ستعيش معنا بعد زواج امها من رجلٍ آخر .. وبما انني أشبه والدي كثيراً ، فهي تشبهه ايضاً 

- حسناً ، كذبة لا بأس بها .. سأذهب الى المطبخ لتحضير الغداء مع حفيدتي الجميلة  

سعاد : ليست حفيدتك يا امي


الأم : آه نسيت .. إذاً ماذا سنسمّي اختك من والدك ؟

- رؤى 

- ولماذا هذا الإسم بالذات ؟

سعاد : كنت أتمنى لوّ كان هذا اسمي بدل سعاد 

امها : حسناً كما تشائين .. (ثم نادت) .. رؤى !! تعالي وساعديني يا ابنتي

الشابة رؤى بنشاط : حاضر !!


وذهبتا الى المطبخ .. بينما دخلت سعاد الى غرفتها وهي تستذكر حبيبها القديم الذي تعرّفت عليه بإسم رؤى ، والذي عشقها بشكلها القديم الذي يشبه صورتها المستنسخة الآن 

***


ومرّت الأيام ، ساعدت فيها رؤى الأم بجميع اعمال المنزل .. وعاش الثلاثة باتفاقٍ ووئام .. الى ان جاء اليوم الذي دخلت فيه سعاد الى عمارتها ، قبل ان يوقفها شاب ليسألها :

- عفواً !! هل بيت سلامة في هذه العمارة ؟


وحين التفت اليه ، رأت الشاب الذي أحبته من الإنترنت قبل عام ! فارتبكت كثيراً ، وأجابته بخجل : 

- نعم في الطابق الخامس

- هل انت جارتهم ؟


فعلمت انه لم يعرفها بشكلها المرهق ، ووزنها الذي زاد اضعاف الصورة التي تعرّف عليها من خلالها .. 

فأجابته وهي تكتم حزنها :

- هي عائلتي

- هل انت اخت رؤى ؟

فقالت بارتباك : نعم .. اختها الكبيرة

الشاب : انت تشبهينها كثيراً ! ذات العينين الزرقاوتين 

- عفواً ، ماذا تريد من اختي الصغيرة ؟

- أتيت لخطبتها 

- أحقاً ! 

- نعم .. سآتي مساءً مع اهلي ، إن كان الوقت يناسبكم ؟ 

سعاد بتلعثم : اهلاً وسهلاً 


وخرج من العمارة وهو يطير فرحاً ، بينما انهارت سعاد بالبكاء فور دخولها المصعد

***


حين وصلت الى منزلها ، لاحظت امها الدموع في عينيها .. فأخبرتها سعاد بما حصل

الأم معاتبة : هل جننتِ ؟!! هكذا حبيبك سيخطب نسختك المصغّرة 

- هو اساساً أحبّني بصورتي القديمة ، حتى انه لم يعرفني بشكلي الحالي !.. على كلٍ لم يعد بإمكاني إصلاح الأمر ، فهو قادم مساءً لخطبة رؤى

- لا تفعلي ذلك بنفسك يا ابنتي ، إخبريه الحقيقة

- أيّ حقيقة يا امي : بأني استنسخت نفسي .. من سيصدّق ذلك ؟ .. إن عرف اهله بالأمر سيظنوا إني مشعوذة ويخافون مني

الأم : معك حق ، اساساً الأهل والجيران تعرّفوا على رؤى على انها اختك من والدك ..

سعاد : عليّ مكالمة رؤى في الموضوع .. وانت حضّري نفسك لاستقبال الضيوف مساءً

***


ثم أدخلت سعاد رؤى الى غرفتها لتخبرها بشأن العريس ، والتي انتفضت برعب وعصبية :

- أيّ عريس ! انا لا اعرفه

سعاد : هو يعرفك جيداً ويعشقك بجنون

رؤى بخوف : لا !! سأخبره الحقيقة

- أيّاك يا رؤى !! فنحن تعاهدنا على كتمان السرّ

- لا اريد الزواج بشخصٍ لا احبه

سعاد : هل نسيتي انك تحملين نفس جيناتي ؟ أعدك انك ستحبينه بعد زواج بجنون ، فهو فارس احلامك

- وماذا لوّ حدّثني عن مكالماتكما القديمة التي لا اعرف شيئاً عنها  

- معك حق .. لكن لديّ الحل 


وأخرجت سعاد المحلول الأزرق من خزانتها ، وهي تقول لها :

- سأنسخ ذاكرتي لك


وشربت نصف المحلول ، وأعطت البقية لرؤى التي شربته على مضضّ.. لترتسم على الفور ابتسامة عريضة على وجهها الذي احمرّ خجلاً وهي تقفز بسعادة :

رؤى : حبيبي قادم لخطبتي اليوم ، يالا سعادتي !! سأذهب لتحضير نفسي


وبعد خروجها من الغرفة .. دخلت الأم لتواسي سعاد التي كانت تمسح دموعها بقهر .. وسألتها بحزن :

- لما فعلت ذلك ؟

سعاد : لأنه يستحق التضحية

- ستعيشين متألمة طوال عمرك وانت تشاهدينه برفقة رؤى 

- ليت باستطاعتي محوّ ذاكرتي ، لكن الدكتورة أكّدت لي سابقاً بأن هذا مستحيل .. لهذا لم يكن امامي سوى مشاركة ذكرياتي مع رؤى 

الأم : ليتك لم تنسخيها منذ البداية

- كان قدِمَ الليلة مع اهله وتفاجأ بعمري الكبير ، وتركني محطّمة منكسرة .. على الأقل رؤى ستجعله فرداً من عائلتنا .. 

- كان الله في عونك يا ابنتي

***


في المساء .. رنّ جرس المنزل ..

سعاد : أظنهم قدموا .. إذهبي لاستقبالهم 

الأم : ألن تأتي معنا ؟

سعاد بحزن : لا استطيع ، ارجوك لا تضغطي عليّ 

- كما تشائين


وبقيت سعاد في غرفتها ، خلال زيارة اهل العريس القادمين لرؤية رؤى وامها .. 

حينها شعرت سعاد بالندم لرميها الكمية الأخيرة من المحلول الزهريّ ، قائلةً في نفسها بحزن : 

((لوّ انني شربتها الآن ، لتحوّلت العروس لعانسٍ مثلي .. وفرّ العريس مع عائلته سريعاً .. (ثم تنّهدت بضيق) .. لا يهم ، كلّه مقدّر وكتوب))

 

وحاولت إشغال نفسها بالحاسوب .. لكن صوت الزغاريد الذي صدح في المنزل ، جعلها تنهار ببكاءٍ مرير بعد علمها بخسارة حب حياتها للأبد !


السبت، 5 ديسمبر 2020

قفزة نحو المستقبل

 رؤيا : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

أحداث العالم بعد قرن 


في المساء .. قرأت سمر قصة النبي عُزيّر الذي مرّ على قريةٍ خاوية ، فتساءل ان كان الله سيُحيّها ثانية .. فأماته الله مئة عام ، ثم بعثه ليراها قرية عامرة .. 


فأخذت سمر تفكّر بحاله بعد عودته الى قريته : 

((حتماً إختلطت عليه المشاعر : بين عظمة الخالق بجعله معجرة لقومه ، ومشاعر الفرح بإعمار بلاده .. وقلقه أن لا يتذكّره أحد .. وامتنانه لشهادة خادمته العجوز العمياء بأنه نبي الله))

ونامت تلك الليلة وهي تفكّر بالأمر ..

***


إستيقظت في اليوم التالي على صياح الديك !

لتتفاجأ بسريرها إستُبدل بفراشٍ بسيط على الأرض .. 

فتوجهت للنافذة : لتجد الشارع المُسفلت وقد أصبح شارعاً رمليّاً مليئاً بالقاذورات وحفر الوحل !


فخرجت من منزلها ، لترى فلتها الفخمة باتت كوخاً صغيراً ! 

ليس هذا فحسب ، بل مدينتها الصناعية بأكملها تحوّلت الى منطقةٍ شعبية فقيرة بأكواخهم الخشبية المتهالكة التي تتصاعد منها أدخنة المدافىء برائحة الفحم والحطب ..


حيث استُبدلت السيارات بالأحصنة والحمير لجرّ العربات الخشبية .. وملابس المارّة مصنوعة من الخيش الخشن .. بعضهم انتعل الأحذية المصنوعة من سعف النخيل وجلد الحيوانات ، بينما الأكثريّة حفاة الأقدام 

فتساءلت بخوف :

((ماذا حصل ؟! هل انتقلت الى مدينةٍ فقيرة اثناء نومي ؟ ام عُدّتُ مئات السنين الى الوراء ؟))


وحاولت قطع الشارع دون تلويث ملابسها بالمجاري العفنة .. والناس تلتفّت نحوها باستغراب ! بسبب ثيابها فاقعة اللون التي لم تعد متوفرة في اسواقهم 


وحين وجدت عجوزاً في دكانٍ صغير لبيع أدوات المطبخ النحاسية ، سألته:

- ياعم ، بأيّ سنة نحن ؟

- 2120

فتساءلت بنفسها بخوف : 

((يعني مئة عام الى المستقبل ! هل نمت قرناً من الزمن ؟!))


فعادت لتسأله :

- أمتأكد ياعم اننا في المستقبل وليس في زمن الماضي ؟

العجوز : هل تعرّضت لإصابةٍ في رأسك يا فتاة ؟ نحن لا نعيش الماضي او المستقبل ، بل زمن الحاضر فقط 

- اذاً ماذا حصل ؟ لما عدنا فقراء معدمين هكذا ؟ رجاءً أجبني فأنا لا أذكر شيئاً 

- هذا حالنا بعد الحرب العالمية الثالثة 

سمر بدهشة : الثالثة ! 


وجلست على الكرسي امامه ، وهي تسأله باهتمام :

- ارجوك إخبرني .. ماذا حصل في القرن الماضي ؟ 

- حصل الكثير  

- باختصار لو سمحت

العجوز : ما آخر الأخبار التي تتذكرينها ؟

- الأزمة الإقتصادية بسبب كورونا 

- كورونا ! انه مرضٌ قديم .. فالعالم أصيب بعدها بالعديد من الأوبئة التي فتكت بملايّن البشر ، عدا عن المجاعات التي حصلت بسبب الحروب المتتالية


سمر : إخبرني عن الدول المتحاربة ؟

- الأمر بدأ باعتداءٍ مخادع على الأسطول الأمريكي في الخليج العربي ..فاتهمت اميركا ايران والصين بالتعرّض لمصالحها الإقتصادية مع الدول الخليجية .. فدافعت ايران عن نفسها بإغلاقها مضيق هرمز لمنع السفن العبور من خلاله .. فاستنجد حكّام الخليج بأميركا التي بدأت حملة إغتيالاتٍ لقادة ايرانين مهمّين ، مع قصفها لبعض المعامل والمصانع .. 

- فتدخلت الصين لمساعدتها ؟

العجوز : ليس في بادىء الأمر .. فقد انشغلت بتوفير الوقود لسكّانها ، بعض تعطّل معامل ايران .. لذا احتلّت كازاخستان بعد ضربها المعسكرات الأمريكية هناك .. فأعلنت اميركا الحرب على الصين التي انتصرت على الهند  


سمر : وبالطبع روسيا وكوريا الشمالية لم يسكتا على ذلك ؟

العجوز : نعم وسرعان ما تحالفوا مع الصين وايران ضدّ اميركا واوروبا ودول الخليج في ملحمةٍ كبرى .. اما تركيا فعانت من زلازل عنيفة منعتها المشاركة بالحروب 

سمر : وكم استمرّت الحرب العالمية الثالثة ؟

- بضعة سنوات ، كانت كفيلة بإبادة ملايين البشر 

- هل استخدموا القنابل النووية ؟

- قنابل صغيرة ، أثّرت سلباً على بعض الدول العربية .. لكن سرعان ما عُقدت إتفاقيات دولية لوقف الحرب النووية بعد تلوّث الجو ومنابع المياه العذبة التي أدّت لاحقاً لمجاعات في دولٍ متفرقة بالعالم 


سمر : وماذا عن العرب ؟

- عانوا من إنهياراتٍ اقتصادية ، وتفشّي الفقر والأمراض .. وعادت العصبية القبلية في بعض الدول العربية .. كما تقاتل الناس على جبل الذهب الذي ظهر فجأة بالعراق والذي استمرّ عدة شهور ، الى ان فقد الذهب قيمته .. فالتجأ الناس للمقايضة بعد اختفاء العملات النقدية 

- الا توجد اخبارٌ جيدة ؟

العجوز بسعادة وفخر : بلى ، أعدنا بيت المقدس وعمّرناها من جديد .. كما أصبح لدينا خلافة اسلامية بالشام


سمر : وكيف حصل ذلك ؟!

العجوز : إستغليّنا إنقسام الصهاينة على كون القدس عاصمتهم .. وفزنا على الطائفة المتشدّدة منهم ، وانسحب بقية اليهود خلف الأسوار .. في المقابل خسرنا القسطنطينيّة (اسطنبول) التي ضمّوها لأوروبا ، والتي يحاول مسلموا الأجانب إستعادتها من جديد .. وإن تمكّنوا من ذلك ، فقد اقترب موعد خروج الدجّال وظهور المهدي ونزول النبي عيسى .. وأظننا سنشهد ذلك قريباً ، فالسماء لم تمطر من ثلاث سنوات ، والجفاف قضى على المحصولات الزراعية .. وكما ترين لا خضار او فواكه في الأسواق ، ولم يبقى سوى القليل من الطحين والذرة بأسعارٍ مرتفعة .. وفي حال انتهت ، ستبدأ مجاعة مرعبة سيستغلّها الدّجال لإغواء الناس والله اعلم .. أتمنى الموت قبل حدوثها ، فهي فتنة عظيمة .. (ثم عدّل جلسته) .. والآن إخبريني ، كيف لا تتذكرين الماضي ؟


فتحجّجت سمر بانشغالها لإحضار مؤونة بيتها ، وخرجت من محله بعد السلام عليه .. فلا احد سيصدّق انها نامت قرناً من الزمن ..


وأخذت تمشي في الأسواق والزقاق وهي تشاهد الفقر المدقع للناس .. فيما عدا بعد المنازل الحجرية التي تعود لأثرياء المنطقة الذين يعدّون على الأصابع .. 

فقالت في نفسها بحزن : 

((النبي عُزيّر شاهد تطوّر مدينته بعد قرن ، اما انا فرأيت انحدار بلادي))


وحين وصلت للشاطىء .. أعجبها نقاء البحر الخالي من المخلّفات البلاستيكية بعد توقف المصانع ومداخنه عن تلويث الهواء كما في عصرها 


ثم قطع أفكارها .. صراخ رجلٍ يركب الجمل ، وينفخ البوق منادياً :

- اخبار جديدة من بلاد الحجاز !!! 

فاجتمع الناس حوله .. ليقول بسعادة :

- إبشروا يا قوم !! ظهر المهدي اخيراً

فقالت له امرأة : عشرات الرجال إدّعوا ذلك في الآونة الأخيرة

فأجابها : لا !! هذا هو المهدي المنتظر .. فقد انخسف الجيش الذي قدم لقتاله 

- هل خُسف بالكامل ؟

- نعم ، وهي علامته التي بشّرنا بها الرسول محمد


فكبّر الناس مُستبشرين بعودة الأمن والخير لبلادهم من جديد 

بينما شعرت سمر بالقلق .. فهي تعرف ان ظهوره يعني خروج الدجّال ومن بعده يأجوج ومأجوج وهما فتنتان عظيمتان .. 


فعادت الى كوخها .. واستلقت على فراشها ، مُتمنية ان ينتهي كابوسها الطويل والعودة لعصرها .. ونامت والدموع على وجنتيها

***


إستيقظت في اليوم التالي على منبّه جوالها .. وفور رؤية غرفتها القديمة ، نهضت وهي تحمد الله على انتهاء حلمها الغريب ..

لكنها فجأة ! سمعت تحليق طائرةٍ حربية في الجوّ ، وصرخات أناسٍ خائفة 


فأسرعت بفتح نافذتها ، لترى ضوءاً ساطعاً من بعيد .. قبل سماعها دويّاً مروّعاً دمّر كل شيءٍ حولها ! 

لتشعر على الفور بحرقٍ شديد في كافة انحاء جسمها تسبّب بتشقّق جلدها..  

ولمحت نفسها ببقايا مرآتها المحطّمة ، وقد تحوّلت لمسخٍ في ثواني ..فصرخت بفزع : 

- قنبلةٌ نوويّة !!! 


قبل سقوط لسانها وعيونها على الأرض مع اعضاء جسدها الذي ظلّ ينتفض بألمٍ شديد ، الى أن أسلمت الروح !  

******


ملاحظة :

ما ذُكر في القصة هي العلامات الصغرى والكبرى ليوم القيامة التي ذكرها الرسول محمد ، لكن لا أحد يعلم بترتيبها سوى الله .. 

وبعد مشاهدتي للكثير من الفيديوهات التحليليّة باليوتيوب للأحداث الراهنة في العالم ، تخيّلت سيناريو القصة التي هي بالحقيقة : منام لأختي شاهدت فيه احوال الناس البائسة في المستقبل بعد الحرب العالمية الثالثة ، وطلبت مني تحويلها الى قصة .. أتمنى ان تنال إعجابكم 

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2020

وحش الجبال

تأليف : امل شانوحة 

المسخ 


شعرت جاكلين باكتئابٍ شديد بعد فوز طليقها بحضانة اطفالها الثلاثة ، فنصحتها صديقتها بالحجز في رحلةٍ سياحية للمناطق الريفية .. لكنها لم ترغب الذهاب مع غرباء في حافلةٍ تضجّ بالأغاني الصاخبة .. فقرّرت الذهاب بسيارتها الى مكان التنزه المفضّل لعائلتها ..


وحين وصلت الى الشلال الكبير .. أرادت تحقيق حلم طفولتها بتصويره عن قرب .. فأطلقت طائرة درون ، وهي تراقب ما تصوّره من جوالها..

ولأول مرة تلاحظ وجود كهفٍ مظلم خلف الشلال ! لكنها لم ترد تعطيل طائرتها برذاذ الماء ، فأعادتها اليها ..

 

وبعد تناول شطائرها في اجواء الطبيعة ، رتّبت اغراضها في سيارتها للعودة الى منزلها الذي لايبعد كثيراً عن منطقة الجبل .. 


في هذه الأثناء .. وصلت حافلة صغيرة بها ستة مغامرين شباب معهم أدوات تسلّق الجبال.. فاقتربت جاكلين من قائدهم لتريه الفيديو المصوّر على جوالها وهي تقول : 

- ان أردّتم شيئاً مثيراً ، فادخلوا الكهف خلف الشلال

فتشاور القائد مع زملائه الذين وافقوا بحماس على اكتشاف الكهف السريّ 

..بينما أكملت طريقها للمنزل ، بعد رؤيتهم يتوجهون للجبل 

***


في منزل جاكلين مساءً ، وقبل نومها .. سمعت نداءً من سيارة الشرطة :

((هناك ستة مغامرين شباب لم يعودوا بعد الى بيوتهم !! من يعرف معلومات عنهم ، يُطلعها لمركز الشرطة !!))


فتذكّرت ما حصل صباحاً ، وتساءلت بقلق :

- هل علقوا في الكهف ؟!

لكنها خافت إبلاغ الشرطة عن مكان وجودهم ، فتُتهمّ بتعريضهم للخطر .. 

***


فور شروق الشمس ، توجهت جاكلين الى المنطقة الجبلية .. 

وأطلقت طائرتها درون للبحث عنهم قرب الشلال ..


وهذه المرة قرّرت تصوير الكهف من الداخل ، لتصعق برؤية أشلاء المغامرين مبعثرة هناك ، وهم غارقين بدمائهم ! 

وفجأة ! ظهر في الكاميرا : عينٌ حمراء ، أنيابٌ حادة .. وأظافر طويلة أطاحت بطائرتها وحطّمتها .. وانتهى التصوير 

***


أسرعت جاكلين الى مركز الشرطة لتريهم ما نقلته الكاميرا الى جوالها ..

الشرطي : وكيف عرفتِ انهم هناك ؟

جاكلين بارتباك : 

- إلتقيت بهم البارحة قبل تسلّقهم الجبل .. فأردّت مساعدتكم بتصوير المكان بطائرتي .. لكن النتيجة صدمتني ! فهل هجم عليهم حيوانٌ برّي ؟

الشرطي : يبدو كأنه يقف على قدميه ! وهو ضخم وشرسٌ اًيضاً .. سنرسل فرقة الى هناك مدجّجين بالسلاح 


وخرجت جاكلين من المركز وهي قلقة مما حصل ، فالقاتل لا يبدو حيواناً برّي ، بل أشبه بمسخٍ متوحشّ .. فمن يكون يا ترى ؟!

***


مضت اسبوعان على اكتشاف الشرطة آثار المسخ الذي غادر كهف الشلال .. وتبين بعد تشريح الجثث ان اجسادهم تمزّقت بأظافر وأنيابٍ حادة لحيوانٍ برّي مفترس .. ولاحقاً دفنوا بجنازةٍ شعبية ..

***


في إحدى الليالي .. إستلقت جاكلين على سريرها باكية ، بعد رفض طليقها أعطائها أولادها في عطلتهم المدرسية.. 

وحاولت إشغال نفسها بالطباعة على الحاسوب ، لكن صوتاً مزعجاً خارج منزلها منعها التركيز في عملها .. 

فأزاحت الستار عن نافذتها .. لترى طائرة درون تراقبها من بعيد ، كأنها تصوّرها ! 


فشعرت بالخوف لأنها تشبه طائرتها التي تحطّمت بالكهف (رغم ان الشرطة لم تجد أثرها هناك) 

فهل هي طائرة أخرى ؟ ومن يجرأ على مراقبتها ؟ هل هو طليقها ؟ ام أقارب الموتى الذين عرفوا إنها وجّهت المغامرين لاكتشاف مخبأ الوحش ؟ او ربما احد المتطفّلين الأشرار ؟ 


وكانت على وشك الإتصال بالشرطة ، قبل أن يرنّ جوالها ..

وحين فتحته ، لم تسمع سوى لهاث كلبٍ خلف السمّاعة .. فأغلقت المكالمة 


بعد دقائق .. وصلتها رسالة من مجهول :

- آسف .. لا استطيع النطق ، سأكتب لك ما اريده 

فكتبت جاكلين : من انت ؟ وكيف عرفت رقمي ؟

- رقمك متصل بطائرة درون التي أصلحتها ، والآن اراقبك من خلالها


فأسرعت بإغلاق الستارة بقلق .. ثم كتبت له :

- ماذا تريد مني ؟ 

- عديني ان يبقى الأمر سراً بيننا .. وإن حاولت الإتصال بالشرطة ، سأقتل أحبائك  

فكتبت بغضبٍ وخوف : ماذا تريد ؟!!!!!

- اريدك ان تساعديني للإنتقام من الشخص الذي حوّلني لمسخ

- لم افهم !

- انا جاك ، عالمٌ بيولوجي .. كنت وزميلي مغرمان بقصة المستذئب ، وأردنا تطبيق الفرضية بشكلٍ علمي .. فقمنا بخلط جينات الذئاب مع جيناتٍ بشريّة ، حقنّاها لفئران وكلاب الصيد .. وبعد نجاح التجربة.. 

جاكلين مقاطعة : وهل تحوّلوا بالفعل لذئاب في الليالي المقمرة ؟

- هذه خرافة ، هم فقط ازدادوا وحشيةً وذكاءً ..ومن بعدها أقنعني زميلي بتجربة العقار على نفسي 


جاكلين : أتقصد انك المسخ الذي قتل المغامرين الستة ؟

- نعم للأسف .. ظننتهم حرس المختبر الذين حاولوا قتلي سابقاً بأمرٍ من زميلي الذي نسب الإختراع لنفسه ، بعد رفضه إعادتي الى هيئتي الأولى .. فهربت من المختبر باتجاه الجبل ، لأجد كهف الشلال بالصدفة .. وعشت فيه لأكثر من سنة ، قبل تطفّلك عليّ بطائرتك واكتشاف مكاني السرّي

- وكيف تدبّرت امورك هناك ؟ 

- بما اني أملك جينات الذئاب فقد استطعت بسهولة صيد الأرانب والزواحف والأسماك ، كما ان الفرو الذي نما على جلدي حماني من برد الشتاء 


جاكلين : ولما اخترتني انا ؟

- لأن لدينا قاسمٌ مشترك : فزوجتي ايضاً طردتني من المنزل وحرمتني من طفلي ، واريد رؤيته بعد استعادة شكلي البشريّ 

- وكيف استطيع مساعدتك ؟


وقبل ان ترسل سؤالها .. صرخت بفزع بعد ظهوره خلف نافذتها الأخرى ، بهيئة ذئبٍ متوحش واقف على قدميه ! 

ورغم خوفها منه .. الا ان عينيه الدامعتين وعوائه الحزين ، جعلها تفتح النافذة ، ليقفز منها الى الداخل .. ثم أسرع بإغلاق الستارة قبل رؤيته احد 

وأخرج الجوال من فروه الكثيف لمتابعة الحديث معها (فهو لا يستطيع الكلام) .. 

فسألته باستغراب :

- من اين حصلت على جوال ؟

فكتب لها :

- انه جوال أحد المغامرين .. 


ثم قام بطباعة اسمه على جوجل ، لتظهر صورة العالم البيولوجي الوسيم 

وبعد ان رأته ، سألته بدهشة : 

- أهذا انت ؟!

فاومأ برأسه إيجاباً .. ثم عاد لطباعة أسم آخر وهو يزمجر بغضب  


وحين رأت الرجل ، سألته : 

- أهذا زميلك الذي شاركك التجربة ؟

فأجاب على جواله :

- نعم .. هذا هو الحقير الذي شوّهني وأحرق دراساتي ونظرّياتي ومسح فيديوهات المختبر باتفاقٍ مع الحرس المرتشين لنسب الإختراع لنفسه ، بعد أن أكّد رجاله الكاذبين انني غرقت بالنهر .. والآن عدت للإنتقام منه ، فهل تساعدينني ؟ 


جاكلين : وماذا أستفيد من هذه المخاطرة يا جاك ؟

- سأعيد لك اولادك الثلاثة  

جاكلين بخوف : وكيف عرفت بشأنهم ؟! 

- راقبتك لأيام من خلال طائرتك التي أصلحتها قبل هروبي من الكهف ، ورأيت كيف عاملك طليقك باحتقار في مطعم الساحل.. وسمعته وهو يهدّدك بحرمانك منهم .. وشعرت بحزنك ، لأني مشتاق ايضاً لطفلي الصغير 


وهنا رنّ جرس منزلها .. فأسرع للإختباء اسفل سريرها .. فقالت له:

- لا تخف .. كنت طلبت بيتزا لأولادي ، قبل ان يخبرني اللعين إنه لن يوصلهم اليّ .. سأحضرهم في الحال لنأكلهم سوياً


وبعد عودتها الى الغرفة .. أكلت قطعتين صغيرتين .. بينما قضى المستذئب على علبتيّ بيتزا كبيرتين من شدة جوعه ..


من بعدها قالت : 

- يمكنك المبيت هنا ، وغداً نفكّر بخطة للإيقاع بصديقك

فطبع جاك على جواله :

- لا !! علينا الذهاب الآن

جاكلين : الساعة تجاوزت العاشرة مساءً !

- هو يعمل ليلاً في المختبر .. سيكون وحده هناك ، فهو لا يحب مشاركة إختراعاته الغبية مع بقية العلماء .. 

- وكيف سندخل الى المختبر ؟ 

- مازلت احتفظ ببطاقتي الفضية التي ظلّت عالقة في رقبتي بعد تحوّلي الى مسخ ..


وأخرجها من فروه وأعطاها لها ، وهو يقول :

- انت ستدخلينني الى هناك لأنهاء عملي معه

جاكلين بقلق : هل ستقتله ؟

- لا سنتفاهم فقط ، فهو الوحيد الذي يستطيع إعادتي الى هيئتي القديمة .. هيا بنا

***


وقادت سيارتها الى المختبر ، بعد اختباء المسخ جاك اسفل مقاعدها الخلفية..

وحين أوقفها الحارس .. أرته بطاقتها الفضّية ، وهي تُخفي بأصبعها صورة جاك .. قائلةً له :

- زميلي (جون باستروغ) في الداخل ، واحتاجه في أمرٍ ما 

- حسناً يمكنك الدخول 


وألقى الحارس نظرةً سريعة على سيارتها ، معتقداً إن ظهر جاك هو سجادة فرو اسفل المقاعد ، فهو لن يتخيّل ذئب ممسوخ بهذا الحجم! 

***


من خلال بطاقة جاك ، إستطاعت جاكلين دخول المختبر .. ليسرع المسخ بالإختباء اسفل طاولة العقاقير التي جرّتها جاكلين باتجاه المختبر الرئيسي ، متتبعةً إشاراته من اسفل الطاولة ..


وقد تفاجأ جون بدخولها الى مختبره السرّي ، في الوقت الذي كان فيه منشغلاً باستنساخ الفئران ! فصرخ عليها بغضب :

- من انت ؟!! وكيف دخلتي الى هنا ؟ .. ايها الحرس !!

فأغلقت الباب خلفها وهي تقول :

- لا تقلق ، أحضرت صديقك القديم 

وهنا خرج جاك من اسفل الطاولة .. 

وكاد جون يغمى عليه من شدة الرعب ، فقال متلعثماً :

- جاك صديقي ! ارجوك تعقّل ، أنا لم أقصد إيذاءك


لكن جاك ركض باتجاهه كالمجنون ، وأطبق يديه الضخمتين على رقبته التي أوشك على كسرها .. فأسرعت جاكلين بتذكيره إنه الوحيد الذي يستطيع إعادته بشرياً ، فتركه في اللحظة الأخيرة .. ليقع جون على الأرض محاولاً إلتقاط انفاسه بصعوبة ..

ثم أشار جاك الى الحقنة الحمراء المحفوظة في الخزانة السرّية.. 


فحاول جون التهرّب من الموضوع : 

- حتى في حال عُدّت بشرياً ، لن تعود كالسابق وستبقى محتفظاً بصفاتٍ حيوانية شرسة .. نحن تناقشنا بالأمر من قبل 

فقام جاك بشدّه من ردائه بمخالبه الحادة ، ورفعه عالياً مهدداً بقتله إن لم يفعل .. 

فأسرع جون قائلاً :

- حسناً حسناً ، سأحقنك بالدواء .. لكن لا تقتلني ارجوك

 

فأعاده جاك الى الأرض .. ليتوجه جون متردّداً نحو الخزانة لإخراج العقار السرّي الذي حصل بسببه على العديد من شهادات التقدير والجوائز العلمية والمالية (رغم ان جاك هو مكتشف تركيبته العلمية)


ولأنه مجبر على تنفيذ اوامر المستذئب , قام بحقنها في ذراعه المشعرّة .. ليقوم جاك بالعواء بألمٍ شديد ، قبل تحوّله ببطء الى هيئته القديمة .. ويُسرع جون بتغطيته بردائه الذي لبسه جاك على عجل ، خجلاً من جاكلين التي تقف بعيدة عنهما ..


من بعدها إستعاد جاك النطق من جديد ، قائلاً لجون بغضب : 

- لا ادري ما سأفعله بك ، فأنت دمّرت حياتي لأكثر من سنة 

جون بخوف : سامحني يا صديقي

جاك صارخاً بغضب : لا تقل صديقي !!


وهنا سمعت جاكلين اصوات ركضٍ تقترب من الباب ! فصرخت لجاك : 

- الحرس قادمون الى هنا !!

جاك : هل ضغطت زرّ النجدة يا حقير ؟!!

جون بخوف : انا آسف


فلم يعد باستطاعة جاك تحمّل حقارته ، فأخذ سكيناً حاداً من طاولة المختبر .. طعن بها قلب جون بشكلٍ متتابع ، دون الإكتراث بصرخات جاكلين او محاولة الحرس كسر الباب .. ولم يتوقف حتى تأكّد من موته 


ثم سحب جاكلين من يدها الى ممرٍ سرّي أوصلهما لخارج المختبر ، قبل لحظات من اقتحام الحرس المكان .. 

وأسرعا باتجاه السيارة التي قادها جاك مسرعاً باتجاه الطريق العام 

***


في الطريق .. عاتبته جاكلين باكية :

- لما قتلته ؟ الم تعدني ان لا ترتكب المزيد من الجرائم ؟

جاك : كان عليّ فعل ذلك ، فهو لن يتركني وشأني .. المهم انني سرقت  USB من جيبه ، التي فيها كل ابحاثنا العلمية معاً .. فهو يضعها دائماً مع مفاتيحه .. وبهذا الدليل أحصل على براءة الإختراع 

جاكلين بتهكّم : هذا إن لم يقبضوا عليك بتهمة قتل المغامرين وزميلك 

- سأفكّر بالأمور القانونية لاحقاً ، الآن لدينا موضوعاً أهم

جاكلين بقلق : الى اين تأخذني في منتصف الليل ؟ 

- الى بيت زوجتي اللعينة لرؤية طفلي

***


وبعد وصولهما الى هناك .. طلب منها البقاء خلف النافذة لأخذ طفله ، ووضعه في سيارتها التي فيها مقعداً مخصّصاً لإبنها الصغير .. 

ثم تسلّل لغرفة ابنه ، وخطفه من مهده بهدوء .. 


وبعد وضع جاكلين الطفل النائم في السيارة ، سمعت صراخاً من داخل المنزل ! ويبدو ان زوجته استفاقت عندما أخرج ملابسه من خزانته .. 


فعادت الى هناك .. لتراه من النافذة وهو يخنق زوجته بعنف ، ففرّت هاربة باتجاه الشارع المظلم .. الا انها تفاجأت به يركض خلفها بسرعة تفوق البشر ، ليشدّها بعنف من ذراعها ! 

فترجّته باكية ان لا يقتلها هي ايضاً .. وبأنها فعلت كل ما أمرها به ، وساعدته بالإنتقام من صديقه وإعادته الى هيئته البشرية لاسترداد ابنه .. وطلبت منه إطلاق سراحها .. ووعدته ان لا تبلّغ الشرطة عنه


فأجابها بنبرةٍ حازمة : لا يمكنك تركي بعد اليوم .. فقد تم تصويرك بكاميرات المختبر ، وستعتقلك الشرطة عاجلاً ام آجلاً بتهمة مشاركتي بقتل جون

جاكلين : سأسافر بعيداً

- قلت لن تبعدي عني !! فمصيرنا واحد .. ولا تنسي انني مازلت محتفظاً بقدراتي الحيوانية .. وأستطيع إقتفاء أثرك على بعد اميال ، وتشويه وجهك الجميل بمخالبي الطويلة ..


واراها مخالبه الحادة التي خرجت من بين اصابعه ، مما ارعبها كثيراً ! ..وأكمل قائلاً :

- أحذّرك يا جاكلين من الإبتعاد عني او خداعي ثانية ، مفهوم!!

فأومأت برأسها إيجاباً ، بخوفٍ شديد ..

جاك : الآن لنعد الى سيارة قبل استيقاظ طفلي .. 

فركبت بجانبه وهي ترتجف خوفاً ، بينما تابع هو القيادة دون الإلتفات اليها 

***


في الطريق سألته :

- الى اين تأخذني ؟

جاك : مازالت امامنا مهمّة أخيرة قبل بزوغ الفجر .. 

***


بعد ساعتين ، وصلا الى منزل طليقها .. فترجّته جاكلين ان لا يؤذي والد اطفالها .. فردّ قائلاً : 

- مع انه يستحق القتل لحرمانك منهم ، لكن القرار يعود اليك .. سأحاول خطفهم دون إيقاظ اللعين .. بشرط ان تأتي معي ، كي لا يصرخوا حين يروني أحملهم من سرائرهم ..


وبالفعل وقفت خلف نافذة غرفة نومهم ، وتناولتهم الواحد تلوّ الآخر من يده ، وأدخلتهم السيارة .. ليفرّوا من المنطقة ، قبل استيقاظ طليقها 

***


في الطريق .. سألها ابنها الأكبر (7 سنوات) :

- امي ! من هذا الرجل ؟ ومن الطفل النائم في مقعد اخي ؟


وقبل ان تجيبه جاكلين ، أجابه جاك وهو يتابع القيادة :

- انا زوج امكم ، وهذا طفلي .. وسنعيش معاً في مكانٍ جميل لا يصل اليه احد


فنظرت جاكلين الى اطفالها المذهولين ! وهي تخفي خوفها بعد علمها انه لن يدعهم وشأنهم ، وفضّلت السكوت خوفاً من غضبه الجنونيّ .. 

وأكملوا طريقهم نحو الغابة مع شروق الشمس ، مُتوجهين الى مكانٍ مجهول !  


اساليب التحقيق الجنائي

تأليف : امل شانوحة  المتهم الداهية   في هذه الليلة .. تم القبض على رجلٍ يُشتبه بقتله زوجته وعشيقها بطلقٍ ناريّ وبعد نقله الى مركز الشرطة (ال...