الاثنين، 10 يناير 2022

الجريمة المُدبّرة

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

النوايا الخبيثة


أصرّ زوج جاكلين على الإحتفال وحدهما بعيد زواجهما 15 ، في منزلهم الجبلي بعد توصيل ابنائه الثلاثة لبيت جدتهم


وفي منزل الجبل مساءً .. شعرت جاكلين بالإرهاق ، وطلبت من زوجها إنهاء السهرة باكراً ، للعودة صباحاً الى منزلهم في المدينة .. فوافق على طلبها

***


بعد ساعتين ..إستيقظت جاكلين وهي تشعر بالصداع ، لتجد زوجها واقفاً امام السرير وبيده الوسادة ، وكأنه يستجمع قواه لتنفيذ مخطّطه  

وفور إطباقه الوسادة على وجهها بقوة ، عرفت نيّته بقتلها ! وأدركت بدسّه المخدّر في شرابها ، لإضعاف مقاومتها


والغريب في الموضوع إنها لم تردّ الدفاع عن نفسها ! بل أخذت تُحثّ روحها على الهدوء ، قائلةً في نفسها :

((لا تخافي يا جاكلين .. حافظي على أنفاسك ، فلطالما فزتِ بمسابقات حبس النفس ، ولولا زواجك المُبكّر لكنتِ سبّاحة اولمبياد مشهورة .. تخيّلي نفسك تحت الماء الآن .. حافظي على الهواء المتبقّي في رئتيك .. هو سيتوقف عن الضغط إن لم تتحرّكي ، لظنّه إنه نجح بقتلك .. جيد !! تابعي التمثيل .. هاهي الوسادة ترتفع ! لقد نجحت خطّتك يا جاكلين .. حاولي إرخاء جسمك كأنك فارقتِ الحياة))


وهنا شعرت بزوجها يحملها .. ورغم دوّارها الشديد ، إلاّ أنها أحسّت بجلوسها جانبه بالسيارة ، بعد أن أخفى عينيها المغمضتين بالنظاّرة .. ثم قاد سيارته بهدوء ، كأنه لم يرتكب جريمة ! 

 

حاولت جاكلين إستراق النظر الى الشارع من عينها اليمنى (اسفل النظّارة السوداء) فعرفت انه ينحرف عن الطريق الموصل لمدينتهم .. بل بالحقيقة كان متجّهاً نحو الغابة المهملة ! وهذا يعني انه سيدفنها هناك ، او يختلق كذبة عن إختطافها من منزل الجبل الى جهةٍ مجهولة 

لكنها ايضاً تعلم إنهما لن يصلا للغابة ، قبل مرورهما من مركز تفتيش وإشارتين مرور ، فهي سارت بهذا الطريق أكثر من مرة 


وكما توقعت ، أوقفه شرطي المرور وهو يسأله عن وجهته بهذا الوقت المتأخر.. فأجاب الزوج بثبات بأنه يعيدها الى منزله ، بعد إكثارها الشرب في عيد زواجهما !

فضحك الشرطي بعد رؤيتها غائبة عن الوعيّ (اثناء تمثيلها الدور) وسمح لهما بالمرور .. فهي رغم جريمة زوجها ، لم ترغب بتوريطه مع الشرطة لأجل ابنائها !


ولم يعدّ بوسعها الهرب إلاّ عند إحدى اشاراتيّ المرور ..

ولسوء حظها كانت الإشارة الأولى خضراء ، ومرّا منها بسهولة

اما الثانية : فتوقفا خلف شاحنةٍ ضخمة .. وسمعت زوجها يقول بتأفّف :

- اللعنة !! إشارة التقاطع تأخذ وقتاً طويلاً 

فأدركت انه الوقت المناسب للهرب ..


وفاجأته بفتحها الباب ، والركض بأسرع ما يمكنها في طريق المشاة إلى أن وصلت للشارع المقابل .. وجلست داخل سيارة على وشك التحرّك ، وهي تصرخ في وجه السائق برعب :

- إبعدني بسرعة عن القاتل !!


وما أن رأى زوجها يركض باتجاههما ، حتى لفّ سيارته نحو طريقٍ فرعيّ مُبتعداً عن وجهته الأصليّة !

***


بعد ابتعادهما عن سيارة الزوج الذي فشل في ملاحقتهما ، سألها السائق :

- لما يريد قتلك ؟

جاكلين وهي تلتقظ أنفاسها : ذاك زوجي ، حاول قتلي بعيد زواجنا 15 

- إذاً خذي جوّالي واتصلي بالشرطة فوراً .. 

- هو ليس رجلاً سيئاً ، ولم يعاملني يوماً بجفاء ! أظن صديقه الفاسد أعطاه مُخدّراً ، او أكثر من شرب الخمر

الرجل : هل جننتِ ؟! الم تقولي انه حاول قتلك قبل قليل ؟

- حاول خنقي بالوسادة بعد تخدير شرابي

- تخدير ! هذا يعني انه قتل عن إصرارٍ وترصّد .. سيدتي ، انا محامي وأعرف ما اقوله.. دعيني أبلغ الشرطة

جاكلين : لا !! هذا سيدمّر اولادي الثلاثة ، دعني أحلّ الموضوع بطريقتي


فسكت المحامي قليلاً وهو يتابع القيادة ، قبل أن يسألها :

- الى اين تريدني أن أوصلك ؟ 

- الى أيّ فندقٍ صغير 

المحامي : وهل معك المال ؟

- أحفظ رقم حسابي جيداً ، سأستخدم حاسوب الفندق لدفع ثمن الغرفة التي سأبقى فيها يومين لحين هدوء زوجي .. وسأتصل بطبيبه النفسي لمعرفة مشكلته ، فهو خسر المحل الذي ورثه عن والده قبل شهرين .. ومن يومها تزداد حالته سوءاً


المحامي : أمتأكدة إن هذه هي المشكلة ، أمّ يحاول التخلّص منك لأجل امرأة ثانية؟ 

- لا ، هو ليس من هذا النوع 

- حسناً سأوصلك للفندق ، بشرط أن تعطيني رقم جوّال زوجك وعنوان عمله 

جاكلين باستغراب : ولماذا تريدهم ؟!

- لأنه في حال حصل مكروهٌ لك ، أبلّغ الشرطة بتلك المعلومات

- وماذا لوّ رفضّت طلبك ؟

المحامي بحزم : أوصلك الآن للشرطة لأخلي مسؤوليتي اتجاهك 


ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول بتردّد : 

- حسناً ، سأعطيك رقم جوّاله فقط .. ولا تضغط عليّ أكثر ، فنفسيّتي مُتعبة بما فيه الكفاية

***


بعد أن أوصلها الفندق .. إتصل المحامي من سيارته ، بزوجها ليسأله :

- لما حاولت قتل زوجتك ؟

فأجاب الزوج بصوتٍ مرتجف : هل انت شرطي ؟!

- لا ، انا الذي أنقذتها منك 

الزوج غاضباً : أفسدّت خطتي يا رجل !!

- قلّ السبب الحقيقي لارتكابك الجريمة ، لربما ساعدتك ..هل هناك امرأة اخرى في حياتك ؟ ام هي مشاكل قمار ومخدرات ؟

- بل بوليصة التأمين 

المحامي : أتقصد إنك حاولت قتلها للحصول على مبلغ التأمين على حياتها ، لاسترداد محل والدك ؟


الزوج باستغراب : كيف عرفت هذا ! ماذا أخبرتك اللعينة عني ؟!!

- المرأة التي تشتمها مازالت تأمل بإنقاذ زواجها ، وتظنك فعلت ذلك عن غير وعيٍّ منك ، او لأنك ملّلت العيش معها بعد 15 سنة .. وانه عندما ينتهي سِكرك ، ستعتذر منها لتعود الأمور على طبيعتها

- لطالما كانت رومنسيّة تافهة !

المحامي : وهذا رأيّ ايضاً ..

- لما تحاول مساندتي ؟!

- لأني مهتمّ ببوليصة التأمين


الزوج بعصبية : وما دخلك انت ؟!!

- طليقتي حصلت على نصف ثروتي ، وسأكون غبياً إن لم أستفدّ من هذه الفرصة .. إخبرني الآن ، هل مبلغ التأمين كبير ؟

- مليون دولار يا رجل !!

المحامي بدهشة : مليون ! من اين حصلت على هذا المبلغ الكبير ؟!

- والدها قبل وفاته وضعهم في البنك كتأمين على حياة ابنته الوحيدة ، فهو لم يثقّ بي مُطلقاً 

- ومعه الحقّ بذلك


الزوج : تتكلّم وكأنك ملاك ، وانت تريد مشاركتي ارباحي !!

- لن اكون طمّاعاً ، أحتاج فقط لربع مليون للإحتفاظ بفلّتي قبل عجزّي عن تسديد أقساطها 

- ربع مليون ! مقابل ماذا ؟

المحامي بخبث : مقابل إخبارك بمكانها الآن 

- لا سأعطيك المبلغ في حال أنهيت مهمّتي  

- ولما أتورّط بقتل امرأة لا اعرفها !


الزوج : لأنني فشلت في ذلك ، فتعلّق اولادي بأمهم منعني من إتقان الخطّة .. أقتلها انت !! وسأعطيك المبلغ فور حصولي عليه من شركة التأمين .. المهم أن نتفق على كذبةٍ مشتركة .. فأنا سأبلّغ الشرطة بعد قليل : بأن شخصاً إعترض سيارتنا قبل وصولنا للمدينة ، وخطف زوجتي تحت تهديد السلاح .. وعليك أن تُنهي ما بدأته .. وحاول قدر المستطاع أن تبعد الشبهات عنّي ، فتورّطي بالجريمة سيحرم كلانا من مال التأمين 

- من حسن حظّك إن الشارع الذي أقلّيت فيه زوجتك ، ليس فيه كاميرات مراقبة .. 


الزوج : اساساً كان خالياً من السيارات ، ماعدا الشاحنة التي منعتني من تجاوز الإشارة 

- اذا لم يشهد السائق ضدّك ، فأنت بأمان

- لمحته قبل عودتي لسيارتي ، ويبدو من المهاجرين ! ولا أظنه سيتورّط مع الشرطة .. المهم اتصل بي بعد تخلّصك منها

المحامي : بالتأكيد سأتصل !! ..واريد إخبارك : إن حاولت التلاعب بي ، فهذه المكالمة مُسجّلة في جوالي .. 

- انا لا يهمّني سوى استعادة محل والدي ، فاللعينة رفضت دفع ديوني لرغبتها بتغير مهنتي القديمة .. وانا أحب تصليح السيارات كأبي وجدّي 

المحامي : يبدو إنها تتقزّز من يديك الملوّثتين بالشحوم 

- وملابسي ايضاً .. المهم !! أنتظر مكالمة منك 


وأغلق المحامي جوّاله وهو يفكّر بطريقة لحصوله على المال ، دون توريط نفسه بجريمة قتل ! 

***


بعد اسبوع على اختفاء جاكلين .. وصلت مكالمة للشرطة من مجهول يُخبرهم : بأنه سمع اثناء وجوده بمحطّة بنزين ، طرقاً داخل شاحنة بضائع ! ولخوفه من السائق المريب ، تبعه عن بُعد ..ورآه يتجه نحو الغابة ، في وقتٍ متأخّرٍ من الليل 

ثم دلّ الشرطة على آخر مكان شاهد فيه الشاحنة ، لظنّه بوجود مختطفٍ داخلها! 

***


على الفور !! توجّهت دوريّة شرطة الى مدخل الغابة الشرقيّ (كما أخبرهم المتصل) 

وقبل وصولهما لطريقها الترابيّ ، لاحظ احد الشرطيين كتابة بخطّ اليد على لوحة الطريق الجانبيّة ، مكتوباً بالخطّ الأحمر :

((جاكلين معي))


فأكملا سيرهما بحذر الى داخل الغابة بعد إطفائهما نور السيارة ، لتأكّدهما بأنهما يلاحقان الشخص المطلوب


وبعد سيرهما عدّة امتار .. شاهدا علامةً ثانية (عن عدم صيد الغزلان) مكتوباً على طرفها بخطّ اليد :

((جاكلين في الكوخ ، على بُعد 100 متر))


فأخرج أحدهما كشّافاً ، ووجّهه نحو الغابة المظلمة .. وما أن لمح دخان المدفأة من بعيد ! حتى طلب من زميله إيقاف السيارة ، والذهاب مشيّاً الى هناك 

ليجدا منزلاُ صغيراً يُشبه كوخ الصيادين ! وعلى بابه عبارة :

((نصيحة : لا تفتحوا الباب))


فقام أحدهما بكسره بقدمه بعنف ، ليُصعق بعد قتله المُختطفة بطلقٍ ناري من بندقية ، رُبط زنادها بالباب الذي كُسر ! وبسبب تهوّره ، إستقرّت الرصاصة برأس جاكلين المفقودة منذ ايام ..

***


بعد التحقيق بالحادثة ، علموا إن المُختطف اراد استدراج الشرطة لتوريطهم بقتل جاكلين التي كانت حيّة قبل كسر الشرطي للباب ، كما أثبت الطبّ الشرعي ! 

وشكّك المحقّق بأن المختطف هو نفسه صاحب المكالمة المجهولة الذي دلّهم على الغابة ، لكنهم لم يستطيعوا تتبّعه بعد تخلّصه من الجوّال الذي يبدو انه اشتراه لإجراء تلك المكالمة فقط !

***


لاحقاً تعاطف اهل مدينة جاكلين مع زوجها واولادها الثلاثة ، وحضروا جنازتها وجلسة العزاء والتأبين ..


بعد شهرين على وفاتها .. وافقت شركة التأمين أخيراً على إعطاء المبلغ كاملاً للزوج الذي استطاع تمثيل حزنه جيداً امام الجميع ، وبعد حصولهم على شهادة الجيران والأقارب الذين أكّدوا حبه الكبير لزوجته !

***


بعد اسبوع .. دخل الزوج الى مكتب المحامي ، لإعطائه حقيبة صغيرة فيها الربع مليون الذي سحبهم من البنك هذا الصباح .. قائلاً له : 

- هذا المبلغ الذي اتفقنا عليه .. هل مسحت المكالمة السابقة بيننا؟ 

المحامي : بالطبع فعلت ، فتلك المكالمة تورّطني بالجريمة 

- هل تخبرني كيف أتممّت المهمّة بهذه البراعة ؟!


((فأخبره المحامي انه في تلك الليلة عاد للفندق ومعه طعام لجاكلين ، دسّ فيه مخدّراً قويّاً .. ثم اختطفها الى منزله ، وأخفاها في العلّية لإسبوع .. وخلال ذلك الوقت ، أرسل فتاةً لعوب الى زوج طليقته لاستدراجه الى كوخ الصيادين .. وبعد أن طبع بصماته في كل مكان ، خرج من الغابة بعد قضائه اياماً مع تلك الفتاة التي علّمها على استخدام بندقيتها الجديدة (التي اشتراها لها المحامي) والتي أخفتها تحت السرير ، ليستخدمها المحامي كسلاح الجريمة.. 

وبعد ذهابهما ، خدّر المحامي جاكلين ثانيةً .. ووضعها على الكرسي المواجه للباب الكوخ ، بعد تجهيز طريقة موتها .. 

وبعد خروجه من الكوخ ، كتب العبارات على لوحات الطرق .. ثم اتصل بالشرطة لتوريطهم بالجريمة !))


الزوج : اذاً أنت المتصل الذي اختلق موضوع سائق الشاحنة ؟! 

- نعم ، فهمّي كان توريط زوج طليقتي بعملية الإختطاف 

- ولما لم تخبرني الشرطة بوجود مشتبهٍ به ؟! 

- لأنه محامي بارع ، ومازال لليوم يدافع عن نفسه 


الزوج باستغراب : إذاً طليقتك تزوجت محامياً ثانياً ؟!

المحامي بقهر : كان صديقي المقرّب ، وهو من أقنع زوجتي بتطليقي وأخذ نصف املاكي .. ثم دعاني الوقح لعرسهما ! لهذا اردّت معاقبته على خيانته صداقتنا 

- يعني ضربت عصفورين بحجرٍ واحد ! يالك من ماكر .. وهآ انت بمال التأمين ستكمل ثمن فلّتك .. بعد استردادي محل والدي من دائني القديم 


المحامي : أتدري كم نحن محظوظين لكسبنا من شركة التأمين البارعة بالمماطلة ، والتي عادةً ما ينجح محاميها بعدم دفع المستحقّات للعملاء .. لكن بعد تورّط الشرطة بمقتل جاكلين ، لم يعد بإمكانهم الرفض 

الزوج ساخراً : المسكينة جاكلين ، هربت مني للإحتماء بسيارة ابليس !

- هذا من حسن حظّك 

وابتسما بخبث ! 


السبت، 8 يناير 2022

الرحلة المخيفة

تأليف : امل شانوحة 

مترو الجن


يوم افتتاح مترو الأنفاق ، لم يحضر سوى عشرين راكباً ممّن شكّك بالإشاعة : بأن نفق القطار يمرّ في منتصف جبل الجن الفاصل بين الولايتين الأمريكتين .. حيث يتواجد الجبل الضخم وسط صحراءٍ قاحلة .. والذي عرفه الهنود الحمر بمسكن الجن والشياطين ، فكل من حاول تسلّقه : إما اختفى او وُجدت اشلائه متناثرة اسفل الجبل !


ورغم الحوادث العديدة التي حصلت للعمّال اثناء حفرهم النفق مع بداية مشروع سكّة الحديد ، إلاّ أن اعداد الموتى والمفقودين ظلّ مخفيّاً عن الإعلام ، بأوامر من رئيس الحكومة الذي وعد كلا الولايتين بإنشائه القطار السريع لضمان انتخابهم له في ولايته الثانية 


ورغم ضخامة الإعلان عن بدء الرحلات بنصف ثمن التذكرة ، إلاّ أن معظم سكّان الولايتين فضّل إنتظار نجاح الرحلة الأولى قبل المغامرة بركوب المترو المشكوك بأمره !

***


ورغم وجود عشر مركبات للقطار ، لكن الركّاب العشرين حشروا أنفسهم في مقطورةٍ واحدة ، رغبةً في البقاء معاً أثناء مرورهم داخل جبل الجن المخيف ..محاولين الإنشغال بجوّالاتهم ، كلما اقتربوا من النفق المرعب ! 


وكان من بين الركّاب ولدٌ في العاشرة ، وثلاثة نسّوة وعجوزان ..والبقيّة من الشباب .. وثلاثة من الرجال بأوشامهم المخيفة ، وهيئتهم التي تشبه عبّاد الشياطين ! وكانوا الوحيدين المتحمّسين لرؤية الجبل من الداخل .. بعكس بقيّة الركّاب الذين ابتهلوا الى ربهم بصمت ، لمرور الرحلة بسلام .. إلاّ أن هذا لم يحصل ، بعد صراخ الصغير الذي يضع نظّارته الإلكترونيّة (التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء ، هدية عيد ميلاده) والذي صار يلّوح بيديه برعبٍ شديد فور دخولهم النفق وكأنه يحاول إبعاد شيءٌ عنه ، وسط قلق الركّاب الذين لم يفهموا ما رآه !


وعلى الفور !! أزالت امه النظّارة عن وجهه ورمتها أرضاً ، لتحضنه وهو يبكي بخوف :

- امي ! هم في كل مكان ، ويتحضّرون للهجوم علينا !!


وفجأة ! تلاعبت الأنوار داخل المقصورة ، مع ارتفاع صرخات النساء.. وسرعان ما توقف القطار وسط النفق ! لتنطفأ الأنوار ، وتُضاء اضواء الطوارىء الخافتة 


فأسرع شابٌ عربي (أحمد) بالتقاط نظّارة الأشعة الحمراء ، لرؤية ما شاهده الصبي ! وقد ارعبه وجود عشرات الكائنات الغريبة وهي تطفو داخل القطار ، وهي تنتظر عودة قائدها من مقطورة السائق 

 

فعرف أحمد إن الجنّ استولت على القطار ، حيث شعر الركّاب بإرواحهم الثقيلة وهي تحوم حولهم ، فانتابتهم القشعريرة المرعبة !

وحين رأى أحمد قائد الجن يخترق بوّابة مقصورتهم ، رفع صوته بتلاوة القرآن .. ليسمع الركّاب صراخ الجن الذي تضاعف صداه داخل النفق ، حتى ضجّت بها اركان القطار .. وكان صراخهم حادّاً ومزعجاً ، جعلت الركّاب يغلقون أذانهم بقوةٍ وخوف ! 


وهنا اقترب قائد الجن من وجه أحمد (الوحيد الذي رآه بشكله الحقيقي بالنظّارة) وهو يأمره :

- توقف حالاً !! وإلاّ سأقتلكم الواحد تلوّ الآخر

أحمد بتحدّي : انا لا اخاف إلاّ من خالقي ، ولن أتوقف عن القراءة قبل الظهور لنا وإخبارنا عمّا تريدونه 

القائد : إن ظهرنا للركّاب بشكلنا الحقيقي ، سيموتون من الرعب

أحمد : اذاً تشبّهوا بنا 


وهنا عادت الأنوار من جديد .. مع ظهور اشكالٍ بشريّة شاحبة الوجه ، كأنها خرجت من مقبرة ! والتي طفت مباشرةً امام الركّاب الذين فقد بعضهم وعيّه ، بينما ارتجف البقيّة دون قدرتهم على مغادرة كراسيهم من شدّة الخوف .. 

فيما عدا الرجال الثلاثة الذين سجدوا لقائد الجن ، وهم يترجّونه أن يأخذهم لرؤية ابليس


القائد باستغراب : إبليس مرةً واحدة ! 

أحد عبّاد الشياطين : نعم سيدي !! نحن نعبده منذ سنوات ، وركبنا القطار على أمل رؤيته

القائد : ابليس لا يترك مملكته بهذه السهولة ، وحتماً لن يفعل لرؤيتكم ايها الحثالة 

صديقه : اذاً خدنا اليه ، رجاءً 

صديقه الثاني : نعم ، سنفعل أيّ شيء لإرضائه 

القائد : حسناً ، هذا قراركم


وأشار بعصاه نحو الرجال الثلاثة (عبّاد الشياطين) ليتحوّلوا لظلالٍ سوداء ! ثم أمر مساعده بإنزالهم لباطن الأرض لرؤية عالمهم .. 

فلحقت الظلال ، مساعده الى خارج النافذة .. ثم اخترقوا سويّاً جدران النفق ، واختفوا تماماً ! 


فقال قائد الجن للركّاب : الأغبياء ، يظنون إن ابليس سيفرح برؤية الخونة من ذريّة آدم

أحمد : خونة !

- بالطبع !! الم يخونوكم باتباعهم لعدوّ والدكم آدم ؟ 

أحمد : وماذا سيحصل لهم ؟ 

القائد : الأمر يعود لزعيمنا إبليس : إمّا أن يستغلّ غبائهم في مهمّاتٍ ضدّكم ، او يتحولوا لقرابين في حفلات نسائه ، وهو الأرجح .. المهم لنكمل عملنا 


فسأله العجوز بقلق : وماذا تريد منا ؟

القائد بغيظ : جميعكم مخطئون لعدم إعتراضكم على مشروع المترو.. فرغم وجود هذه الصحراء الشاسعة ليمرّ قطاركم فيه ، إلاّ أن رئيسكم الغبي أصرّ على اختراقه مدينتنا !

العجوز : وهل اخترقها القطار بالفعل ؟ 

القائد : أنظروا بأنفسكم !!


فنظر الركّاب من النوافذ ، وهذه المرة لم يروا الظلام في النفق .. بل رأوا انوار منازل الجن المُتهدّم أجزاءً منها ، بعد قطع السكّة الحديديّة مدينتهم لنصفين !

القائد : ارأيتم ماذا فعلتم بمدينتي المبنيّة منذ ملايين السنين !!

إمرأة : كل ما اردناه هو الوصول للولاية الثانية بوقتٍ قصير

فاقترب منها وهو يقول بلؤم : ما رأيك أن أوصلك لعالم الأرواح بوقتٍ أقصر ؟

المرأة بخوف : آسفة ! لم أقصد شيئاً

- لا تسمعيني صوتك يا امرأة .. وانت يا أحمد !! إيّاك قراءة القرآن ثانيةً ، فأنت تؤذي شعبي

أحمد : اذاً دعنا نمرّ في النفق بسلام


القائد غاضباً : على جثتي !!

أحمد : لماذا ؟! 

القائد : لأنه لوّ مرّت رحلتكم على خير ، فلن نرتاح من صوت القطار وهو يهزّ عالمنا كل ساعة .. لهذا قرّرت قتلكم لتكونوا عبرة للجميع !! وحينها يفشل المشروع ، وأستعيد الأمان لمدينتي 

أحمد : وكيف ستقتلنا وانتم اطياف بالنسبة لنا ؟

القائد : سنُسقط الأحجار الثقيلة فوق القطار ، لحين تدميره بالكامل!!

أحمد : وهل تظن الحكومة ستوقف مشروعاً كلّفها ملايين الدولارات بسب حادثة قطارٍ واحدة ؟

القائد بقلق : ماذا تقصد ؟

أحمد : سيتحججّ المسؤولون في الإعلام عن مشاكل طفيفة بالسكّة الحديد او بجدران النفق ، وسيفتتحون رحلات جديدة بعد إنهاء إصلاحاتهم الوهميّة 


القائد بحزم : اذاً سندمّر جميع القطارات !!

أحمد : أظن الأمر مُنهك لشعبك .. هناك حلٌ أسهل بكثير

القائد باهتمام : وماهو ؟

أحمد : أن تدعنا نمرّ بسلام .. ثم يقوم كل واحدٍ منّا بكتابة تجربته بوسائل التواصل الإجتماعي ، لتأكيد الإشاعة المنتشرة سابقاً بين الناس .. فيخاف الجميع من إستخدام المترو المسكون .. وبذلك يفشل المشروع ، وتضّطر الحكومة لتغير طريق القطار

القائد بلؤم : وماذا لوّ أصرّيت على قتلكم ؟

فرفع أحمد جوّاله في وجه القائد مُهدّداً :

- حينها أسمعك سورة البقرة كاملة ، لتراقب موت شعبك امام عينيك


فأشار قائد الجن بعصاه على جوّال أحمد ، ليسقط من يده ويتحطّم لقطعٍ صغيرة !

القائد : أرني كيف ستسمعني القرآن الآن 

أحمد : انا مسلم وأحفظ العديد من السور ، وسأظلّ أردّدها حتى أحرق اولادك ونسائك

القائد بعصبية : لن تجرأ عل ذلك !!


فإذّ بأحمد يرفع صوته بالآذان ، فترجّت نساء الجن قائدها بالوصول لاتفاقٍ معه قبل موت ابنائهنّ..

القائد وهو يغلق أذنيه : إصمت يا ولد !!

أحمد : هل ستدعنا نكمل رحلتنا بأمان ؟


وقبل أن يجيبه ، أشار ابن قائد الجن الصغير الى الولد البشريّ وهو يقول:

- ابي !! هذا الولد لديه برامج جميلة بجوّاله ، واريد اللعب معه .. كما سأريه تنّيني الصغير 

الولد البشري بدهشة : هل لديك تنّين حقيقي ؟!

الولد الجني : نعم !! لدينا العديد من الحيوانات الخاصة بنا ، ونحن نرعاها تحت الجبل .. أتريد رؤيتها ؟ 


وهنا قال قائد الجن :

- فكرةٌ جميلة !.. حسناً قرّرت أخذكم جميعاً الى عالمنا .. وعندما يصل السائق الى المحطة التالية دون ركّاب ، سيضجّ اعلامكم بخبر إختطافكم من الجن ، ويضغط اهاليكم على الحكومة لوقف جميع الرحلات المشؤومة

أحمد : ومن سيخبرهم إن الجن اختطفونا ؟ ماذا لوّ اتهموا السائق برمينا من القطار ، لتعزيز الإشاعة القديمة ؟ خاصة إن مركز مراقبة الرحلات يعلمون بتوقفنا في منتصف النفق  

القائد بعصبية : لما تُفسد متعتي ايها العربيّ ؟!! 

أحمد : انا فقط أفهمك طريقة تفكير البشر


فسكت قائد الجن قليلاً ، قبل أن يقول لأحمد :

- حسناً إذاً .. سأخطف الجميع من دونك ، وستكون مهمّتك إخبار الناس بالإنترنت عمّا حصل .. وإن لم تفعل !! ستنهال عليك الكوابيس ، الى أن تصاب بالجنون او تتعرّض لاكتئابٍ شديد يقودك للإنتحار 

فقال شاب من آخر المقطورة : هذا ظلم !! لما تترك العربيّ وشأنه ، ونقع جميعنا في الأسر ؟

القائد : هل تحفظ القرآن ؟

الشاب : لا ، انا ملحد


القائد : اذاً لا خوف منك على قبيلتي .. أمّا هذا المسلم ، فسيظلّ يهدّدني بالسور التي يحفظها ، وليس من صالحي أخذه الى عالمي .. (ثم نادى) ..ايها الجنود !! إخطفوا جميع الركّاب  

أحمد : ماذا ستفعل بهم ؟

القائد : سيبقون عبيداً عندي ، الى أن اختار طريقة عودتهم .. ولا اظنهم سيعودون بكامل عقلهم .. هذا إن لم يخترهم ابليس كأطباق رئيسيّة لمأدبته ، كما سيحصل قريباً مع عبّاد الشياطين الأغبياء .. هيا يا ابنائي !! خذوهم الى عالمنا 


فهجم الجن على الركّاب الذين ظلّوا يصرخون ، قبل إختفائهم من القطار ! ولم يبقى في المقطورة سوى أحمد وقائد الجن الذي قال له:

- لا تنسى ما اتفقنا عليه ، إخبر العالم بما حصل وإلاّ ستندم على تلاعبك بقراري .. (ثم اقترب منه مهدّداً) .. معك محاولةً واحدة ، وبعدها أدمّر جميع الرحلات !!

أحمد : سأفعل إن تحرّك القطار من جديد

- لا تقلق ، سأوقظ السائق الآن


وانطلق القائد بسرعة باتجاه المقطورة الرئيسيّة ، ووضع عصاه على رأس السائق الذي استعاد وعيه ، ليجد القطار متوقفاً في منتصف النفق ! فأدار المحرّك دون تذكّره ما حصل ، ودون علمه بنقله لراكبٍ واحدٍ فقط  

***


فور وصول القطار الى المحطة الثانية بالولاية المجاورة التي امتلأت بالمسافرين ووسائل الأعلام الذين صُعقوا بنزول أحمد وحده من القطار ! 

فلحقه المذيع وهو يسأله :

- سمعنا إن هناك اكثر من 20 مسافراً ، فأين ذهبوا ؟! 


فأخبرهم أحمد بما حصل .. فسخر المتواجدون بالمحطة من كلامه ، وبدأوا بركوب القطار فور استبدال السائقيّن ، للعودة للمحطة السابقة 

فحاول أحمد إيقافهم ، قائلاً بعلوّ صوته :

- ألم تكونوا متردّدين من ركوب القطار بسبب جبل الجن ؟ وهآ انا أؤكّد إن الإشاعة صحيحة ، وبأنهم اختطفوا 19 راكباً الى عالمهم .. عليكم مقاطعة المترو ، لإجبار الحكومة على إغلاق المحطّة !! 


فقام راكبٌ ضخم ، برميّ أحمد ارضاً (بعد محاولته منعهم من دخول المقصورات) ليتابع مع بقيّة المسافرين الركوب فيه ! 

وآخر ما قاله المذيع قبل إنهاء البثّ المباشر  : 

- يبدو لدى الراكب أحمد مُخيّلة واسعة ! أمّا عن ركّاب الرحلة الأولى ، فسنعرف إن كانوا نزلوا من القطار قبل إكماله رحلته ام لا.. تابعونا بنشرتنا القادمة 


فابتعد أحمد عنهم وهو مغتاظ من تصرّفهم الغير مسؤول ، وقال في نفسه: 

((إن كنت تسمعني يا قائد الجن .. حاولت منعهم من إزعاج مدينتك ، فلا تلمني على حماقتهم))


وقبل خروجه من المحطّة ، سمع صوت ارتطامٍ هائل ! 

فعلم أحمد بانتقام رئيس الجن وقتله جميع الركّاب داخل النفق المرعب ..

***


بعد سنة .. إستيقظ أحمد وهو يتصبّب عرقاً ، بعد رؤيته كابوساً وهو عالقٌ وحده بالنفق المظلم !

وما أن نهض من سريره ليلاً لشرب الماء ، حتى ارتعب برؤية قائد الجن مع زوجته ، ومئة جني آخرين يطوفون في منزله !


فصرخ أحمد مرتجفاً : ماذا تريد مني !! قمت بدوري ونشرت تجربتي مراراً بالإنترنت .. ولم يأخذوا كلامي محمل الجدّ ، إلاّ بعد وقوع الكثير من حوادث تحطّم القطارات في النفق .. وهاهو المشروع توقّف اخيراً بعد تشاؤم الناس منه ، فلما أنتم هنا ؟!

القائد : الم تسمع آخر الأنباء ؟ .. (ثم تنهّد بضيق) .. بعد فشل مشروع القطار ، خسر رئيس البلاد ترشيحه لولايةٍ ثانية ! فصبّ غضبه على جبلنا ، ودفع من ماله الخاص لتفجيره بالديناميت 

أحمد بدهشة : لم أعرف هذا ! 

القائد : لأنه منع الصحافة من نشر الخبر 


أحمد : وهل أصبحتم بلا مأوى ؟ 

القائد : مات الآلاف من شعبي تحت الأنقاض ، وكذلك الأسرى البشريين .. ولم أستطع إنقاذ سوى مئة من ابنائي .. وعليك مساعدتي بإيجاد منازل جديدة لهم 

أحمد : وكيف أفعل ذلك ؟!

القائد : تدلّنا على اماكن مهجورة في مدينتك والمدن المجاورة .. وكل ولدٍ لي يجلس مع زوجته وابنائه في منزلٍ بمفرده.. يعني نحتاج تقريباً لأربعين منزلاً مهجوراً  

- 40 ! هذه مهمّة مستحيلة

- الأمر ليس بهذه الصعوبة مع وجود الإنترنت .. هيا قمّ الى جهازك وابدأ البحث فوراً ، وإلّا سأجبرك على حفر نفقٍ عميق بمفردك 

أحمد : لا ، إيجاد الأماكن المهجورة اسهل بكثير 


القائد : ممتاز !! واريدك أن تجد لي ولزوجتي الجديدة قصراً مهجوراً ، فأنا والدهم ويجب أن يكون منزلي الأفخم بينهم..  

أحمد : وماذا ستفعلون لحين إنهائي المهمّة ؟

- سنبقى في بيتك ، فلا مكان آخر نذهب اليه.. وإيّاك التفكير بتشغيل القرآن ، وإلاّ سأؤذي جميع أحبّائك ، مفهوم !! 


ثم قام القائد بتوزيع 100 جنّي في ارجاء الشقة الصغيرة .. حيث نام بعضهم في زوايا السقف ، وتكدّس الأطفال في الحمام ، والنساء في المطبخ .. 

بينما انشغل أحمد طوال الليل بالبحث في الإنترنت عن أقرب الأماكن المهجورة لإرسالهم اليها..

 

وبعد ارتفاع شخيرهم المرعب بزوايا المنزل ، تنهّد أحمد بضيق :

((يالا هذه الورطة اللعينة !))


الجمعة، 7 يناير 2022

التسجيل الصوتي لقصتي السابقة : المخاطر الطبّية




قام الأخ أحمد محمد سنان بالإخراج الصوتي لقصتي السابقة : المخاطر الطبّية ، بمساعدة : حسام حجاج ، وسارة حجاج ، وإسلام محمد ..

فلهم جزيل الشكر ، خاصة مع إضافة الأناشيد الدينيّة المناسبة للقصص ، وهذا هو رابط القصة الصوتي :

https://drive.google.com/file/d/1wFiKQwaQzz1V2wfgPWEZkNLBjv_-rjF1/view




الأربعاء، 5 يناير 2022

وطنيّة خيّاط

كتابة : امل شانوحة 

الضابط الأعرج


كان حلم الخيّاط الألماني هينريتش (الأربعيني) طوال حياته أن يلتحق بالجيش بعد استشهاد والده بالحرب العالمية الأولى .. 

ومع بداية الحرب العالمية الثانية .. تحمّس هينريتش للفكرة ثانيةً ، بعد انضمام آلاف الإلمان للجيش النازي .. 

وكان مغرماً بتقليد خطابات الفوهرر هتلر في الليالي التي أمضاها وحده في منزل والده الذي ورثه عنه ، فهو لم يتزوج مُطلقاً لعرجته الواضحة التي بسببها رفض القادة العسكرييّن قبوله في الجيش أكثر من مرة .. 


لكنه أمل أن تكون كثرة المعارك وطول مدّة الحرب ، سبباً في قبول المعاقين امثاله لتقديم واجبهم وتضحياتهم اتجاه بلدهم .. 

لكن هذا لم يحصل مع مرور الأعوام ، وتكرّر رفضه بكل الجهات المختصّة بقبول المتطوعّين الجددّ !

فلم يعد امامه سوى متابعة مهنة الخياطة في دكّانه الصغير ، بالقرية الحدوديّة القريبة من بولندا..

***


في احد الأيام .. دخل ظابطٌ إلماني الى دكّانه ، وهو يطالبه بتثبيت رتبته وشارته العسكريّة بالجاكيت ، خوفاً من سقوطها اثناء المعارك .. 

وتكلّم معه بطريقةٍ مُتغطرسة ، وهو يأمره أن ينهي العمل سريعاً .. لأنه سيلبسه غداً قبل ذهابه الى المعسكر 

***


ومرّ اسبوعٌ كامل ، دون عودة الضابط لأخذ جاكيته ! 

وحين مرّ جندي قرب دكّانه ، أوقفه هينريتش لسؤاله عن الضابط ..فأخبره بمقتله بكمين للعدو قبل ايام !

فارتبك الخيّاط بما سيفعله بالجاكيت ! هل يوصله للمعسكر ، ام يحتفظ به كتذكار ؟ وهل إحتفاظه به سيوقعه بمسؤوليةٍ قانونية ؟ 

***


في المساء ، إستمع هينريتش باهتمام الى خطاب هتلر من المذياع .. ومن شدّة حماسه لبس الجاكيت وهو يشير بيديه بعصبية ، كأنه الزعيم يخطب بالجيش النازيّ ..

وأخذ يراقب نفسه من مرآة الصالة ، وقد تملّكه الغرور ببدلته العسكريّة ..حينها خطرت بباله فكرة لبس الجاكيت والإلتحاق بالجيش دون علم أحد 

لكنه تردّد ، خوفاً من العقاب ! فمن ينتحل رتبةً عسكريّة ، يُعدم رميّاً بالرصاص 


فعاد لإخفاء الجاكيت في خزانته .. واثناء وضعه اسفل ملابسه ، شاهد صُرّة والده التي فيها بدلته العسكريّة ، وهو ما ينقصه لإكمال الزيّ الرسمي !

فبنطال والده العسكري وحذائه والحزام والقميص وحتى قبعته جميعها متواجدة ، وتناسب مقاسه ! ومع جاكيت الظابط بشارته المخيّطة بإحكام على كتفيه ، أصبح لديه كل ما يحتاجه للظهور كضابطٍ رسمي .. ما عدا شيءٌ واحد ، وهو الجرأة لفعل ذلك ! خاصة أن عرجته ستفضح تنكّره ..

فعاد لإقفال الخزانة بعد تأجيل حلمه ، كما يفعل دائماً 

***


بعد شهور .. إنتشرت إشاعة قوية عن إقتراب الجيش الروسي من الحدود الإلمانية ، القريبة من قريته ! 

وانتشر الذعر بين الأهالي الذين سارعوا بإخفاء اولادهم في ملاجىءٍ سرّية ، حتى أن بعضهم أقدم على الإنتحار !


وفي ظلّ هذه البلّبة ، ثارت الحميّة القوميّة للخياط الذي رفض رؤية شعبه بهذا الضعف ، وأسرع الى خزانته للبس زيّ الضابط .. 

وانطلق باتجاه التلال وهو يحمل بندقية والده القديمة ، التي علّمه على استخدامها في سنوات مراهقته ..


وبعد مشيّه مسافةً طويلة .. شعر بألمٍ شديد في قدميه ، فوقف ليستريح .. 

ثم أغمض عينيه وهو يراجع خطبة هتلر الأخيرة التي مضمونها : الدفاع عن المانيا حتى آخر رجل .. 

وأخذ يقلّد الخطبة الشهيرة بصوتٍ جهوريّ ، وقد تملّكته عزّة البلاد وكرامتها .. ولم يتوقف ، قبل سماعه صوتاً يناديه من الخلف :

- ساعدنا ايها القائد !!


فالتفت بارتباك ، ليجد كتيبة من الجنود الإلمان : أصغرهم بعمر 13 ، وأكبرهم بعمر 20 ..والذين تجمّعوا حوله بعد رؤيتهم رتبته العسكريّة على جاكيته ! 

هينريتش بقلق : أتتكلّمون معي ؟!

فسارعوا بإلقاء التحيّة العسكريّة له ، فردّ تحيّتهم بذات الطريقة كيّ لا ينفضح امره .. 


ثم تقدّم كبيرهم ليقول : 

- سيدي !! الضابط المسؤول عن كتيبتنا ، مات برصاصة قنّاصٍ روسيّ ..ونحن نمشي تائهين منذ ايام ، دون معرفة وجهتنا !.. ارجوك سيدي !! كنّ قائدنا وأعدنا الى معسكرنا

هينريتش : ولما تريدون العودة للمعسكر والأعداء على اطراف القرية ؟

- وبماذا تأمرنا ؟

هينريتش بثقة : أن نحاربهم حتى آخر جندي فينا ، كما قال الفوهرر هتلر 

فسكتوا بارتباك..


فسألهم هينريتش : هل مازال لديكم رصاص في بنادقكم ؟

- نعم سيدي !! عدّتنا العسكريّة كما هي

- لكن ينقصنا الطعام

- لم نأكل شيئاً منذ يومين ، ولا نستطيع محاربتهم ونحن ضعفاء البنيّة 

هينريتش : أعرف منزلاً قريباً من هنا ، فيه مخزن للطعام .. إلحقوا بي !! سنأكل اولاً ، ثم نخطّط للمعركة القادمة .. هيا بنا !! 


وما أن مشى امامهم ، حتى لاحظوا عرجته القويّة ! 

وحين التفت اليهم ، وجدهم في أماكنهم .. فقال لهم :

- لما لا تلحقونني ؟!

- سيدي ! هل أصيبت قدمك في الحرب ؟

فاراد إخفاء إعاقته ، قائلاً بفخر :

- قدمي وروحي فداءً للنازيّة !! 


ففهموا انه بطل حرب ، وهذا يعني انه خبير بالأمور العسكريّة .. فتطمأنوا لقيادته ، ولحقوا به .. حتى أدخلهم بيته الصغير الذي اكتظّ بثلاثين شاباً ، مُستغلاً بُعد منزله عن بيوت القرية

 

ثم طلب من جنديين إخراج المؤونة المخبأة في مخزنه ، بينما انشغل شابين بإشعال المدفأة بعد حلول المساء ..

ثم تعاون خمسة منهم على إعداد العشاء .. 


وبعد تناولهم الطعام .. أمر شابين بفرش السجّاد في الصالة ، بعد إبعاد المفروشات الى زوايا الغرفة.. ليناموا جميعاً قرب المدفأة ، بينما ينام هو في غرفته (دون علمهم بأنه منزله) ..وذلك بعد أن أخبرهم انه سيوقظهم باكراً للتخطيط للمعركة القادمة

*** 


في الصباح وبعد إفطارٍ سريع ، وضع خريطة قديمة لمدن وقرى المانيا امامهم  

فسأله احدهم : هذا مُخطّط دقيق لكل مخارج ومداخل المنطقة ! فمن اين حصلت على هذه الخريطة ، سيدي ؟!

هينريتش : ابي شارك بالحرب العالمية الأولى ، وهذه الخريطة سرّية للغاية 

- هل كان والدك ضابطٌاً ايضاً ؟

هينريتش : لا ، لكن قائده وصّاه بحماية الخريطة قبل وفاته متأثراً بجراحه .. المهم دعونا نخطّط جيداً للخطوة القادمة 

- اليس علينا اولاً الإتصال بالمعسكر لمعرفة آخر انباء تقدّم العدو ؟


فخشيّ الخيّاط أن يسألوهم عن إسم الضابط الذي يتبعونه حالياً ، فينفضح امره ! فسألهم بقلق :

- الا يمكننا معرفة تحرّكات العدو دون اللجوء لقائدي المعسكر؟

فأخرج احدهم لاسلكي من حقيبته وهو يقول :

- وجدتها قرب جثة جندي روسي ، يبدو المسؤول عن إتصالاتهم الميدانيّة

هينريتش باهتمام : أتقصد إن اللّاسلكي تابع للجيش الروسي ؟ 

- نعم سيدي


هينريتش : ومن منكم يعرف اللغة الروسيّة ؟

فرفع احدهم ذراعه : انا أعرف فقط المصطلحات الخاصة بالحروب 

هينريتش : وهذا يكفينا .. (ثم سأل جندي الإتصالات).. وانت !! هل يمكنك تشغيل اللاّسلكي الروسي ؟

- هو يختلف عن اللاّسلكي الخاص بنا ، لكني سأحاول  


وبعد عدّة محاولات ، ظهرت مكالمة بين ضابطين روسيين .. فتنصّت الجميع باهتمام .. 

وبعد انتهاء الرسالة الصوتية ، سألوا المترجم عمّا قالاه .. فأخبرهم:

- يبدو إحدى كتائبهم استولت على الخندق الحدودي ، بعد قتلهم الحرس الإلمان بما فيهم الأسرى


هينريتش بقلق : تقصد انهم على اطراف قريتي ؟

- نعم سيدي ، أظنهم سيقتحمونها غداً صباحاً

هينريتش بغضب : على جثتي !! لن اسمح بضياع استشهاد ابي وملايين الشباب الإلماني هباءً 

- وعلى جثتي ايضاً !!

- وعلى جثتنا جميعاً !!


هينريتش بفخر : أحسنتم !! فهذه القرية الصغيرة هي بوّابتهم لاقتحام دولتنا .. فإذا سقطنا ، سيتابعون تقدّمهم نحو العاصمة .. علينا المقاومة حتى آخر نفس 

- حاضر سيدي !! 

هينريتش : والآن لنعود للخريطة


واستطاعوا تحديد موقع الكتيبة الروسية بمتابعة إتصالاتهم اللاّسلكية .. وعرفوا اين الخندق الذي سيباتون به الليلة ، والذي كان قريباً من النهر المتجمّد 

فاقترح هينريتش الهجوم آخر الليل ، لقتلهم اثناء نومهم .. 


وبدأ يخطّط بدقّة لتنفيذ العملية ، بعد تقسيمه الجنود لمجموعتين يقتحمون الخندق من طرفيه الشرقي والغربي .. بعد رميهم الغاز المنوّم عليهم ، ثم ذبحهم بالسكين ..كيّ لا تنضمّ الكتيبة الثانية الروسية المتواجدة خلف النهر لمساعدة رفاقهم ، فور سماعهم إطلاق الرصاص !

وطلب منهم النوم عصراً ، للقيام بالهجوم مساءً 

*** 


وبالفعل نجحت خطة هينريتش بمفاجأة العدو آخر الليل ..

وبعد ذبحهم للجنود الروس العشرين ، سرقوا عدّتهم واسلحتهم وطعامهم 

ليس هذا فحسب ، بل قام المترجم الإلماني بالإتصال بالكتيبة الثانية الروسية ليخبرهم بأن المنطقة هادئة وأنهم بانتظارهم صباحاً لاقتحام القرية الإلمانية معاً

 

ثم ناموا على دفعتين ، بعد قيامهم بدفن الجثث ولبس زيّهم العسكري .. 

إلى أن أيقظهم هينريتش فجراً بعد رؤيته بمنظار والده ، عبور الكتيبة الروسية الثانية النهر المتجمّد متقدّمين نحو الكمين  


وما أن نزلت الكتيبة الثانية اليهم ، حتى لاحظوا الدماء على ملابسهم ! 

وقبل إستيعابهم الملامح الأوروبيّة للجنود ، قام الإلمان بمحاصرتهم في الخندق من كلا الطرفين .. وأطلقوا الرصاص بكثافة ، لحين قضائهم على الكتيبة الروسية بالكامل .. 


بهذا الوقت .. نقل المترجم الأحداث مباشرةً عبر اللاّسلكي للقادة الروس ، وهو يخبرهم بلغتهم ، ويمثّل بأنه مرعوب للغاية :

((كمين !! آلاف الجنود الألمان يدافعون عن قريتهم الريفيّة من كل جانب ! لا ترسلوا المزيد من الجنود الى هنا .. القرية مُحصّنة بالكامل .. خسرنا المعركة ..أكرّر !! خسرنا المعركة))

***


بعد انتهاء المعركة .. إستمع الجنود الإلمان بقيادة هينريتش لردّ الروس باللاّسلكي : وهم يأمرون جنودهم بالإبتعاد عن القرية ، بعد فشلهم باقتحامها !


فهللّوا سعداء بنجاح خطتهم .. وتنفّس هينريتش الصعداء بعد إنقاذه قريته ، رغم علمه بأن الروس لن يستسلموا بهذه السهولة ، وسيحاولون إقتحام المانيا من جديد بعد شهورٍ قليلة .. لكن في الوقت الحالي ، إستطاعوا إبعادهم عن هذه الجهةٍ الحدوديّة من الدولة 

***


عاد الجنود وهم فخورين بذكاء قائدهم ، ليتفاجأوا بعقيدٍ إلماني ينتظرهم بساحة القرية ، بعد سماعه ما حصل (عقب تنّصت خبيره على الإتصالات الروسيّة الميدانيّة .. ليعلم العقيد بوجود خطبٍ ما ! لعدم إرساله الإمدادات للحرس الإلمان المتواجدين سابقاً في خندق النهر المتجمّد)


وبعد إلقائهم التحيّة العسكرية ، سألهم : 

- من أمركم بمحاربة الروس عند النهر ؟ 

فالتفتوا لقائدهم ، ليتفاجأوا باختفائه !


((فهينريتش لمح الدبابة العسكريّة المتوقفة في ساحة قريته من خلال منظار والده ، ولم يخبر جنوده بشيء .. بل طلب منهم أن يسبقوه الى هناك ، ليختفي خلف الأشجار (لعلمه بعقوبة إنتحال الرتبة العسكريّة) 

ثم خلع زيّ الضابط ، ودفنه تحت الشجرة ..وأسرع الى أقرب منزل ، لسرقة ملابسٍ منشورة في الخارج ، قبل تجمّده من البرد .. 

ثم عاد الى دكّانه الصغير للإختباء فيه ، فهو لا يستطيع العودة لمنزله الذي صار معروفاً للجنود !)) 

***


بعد التحقيق معهم ، عرف العقيد اسم قائدهم دون معرفة اسم عائلته .. ومع ذلك لم يجد ملفّ الضابط هينريتش في سجّلات المعسكر ! فطلب من احد الجنود دلّه على المنزل الذي باتوا فيه ليلتهم .. 


وهناك قام معاونيه بتفتيش كل شبرٍ في البيت ، إلى أن وجدوا صورة والده الشهيد ومعلومات عنه .. 


وبعد التدقيق بملفّات الإرشيف العسكري ، عثر العقيد على طلبات هينريتش العديدة لتطّوعه بالجيش ، والتي رُفضت جميعها بسبب إعاقته ..كما وجد عنوان دكّانه الصغير !


وعلى الفور !! قبض رجاله على هينريتش اثناء انشغاله بالخياطة ، واقتادوه للمعسكر 

***


وهناك حقّق العقيد معه .. فأخبره بكل شيء ، وانه فعل ذلك لحماية قريته من الأعداء...

ورغم انبهار العقيد بخطّته العكسرية المُحكمة إلاّ إن من واجبه تطبيق العدالة ، وهي إعدامه لانتحاله شخصيّة الضابط !


فاعترض جنوده الذين شهدوا ببراعته في المعركة وخططه السديدة ، وطالبوا القيادة بالإستفادة من مكره وذكائه ! خاصة إن الروس عازمين على اقتحام القرية من جديد بعد شهور (بناءً على رسالتهم الأخيرة) والخيّاط من اهالي القرية القدامى ، وخبير بمداخلها ومخارجها


فاكتفى العقيد المغرور بالقول : 

- خريطة والده النادرة أصبحت بحوذتي ، ولا حاجة لنا بهذا الأعرج .. سأنفّذ حكم الإعدام غداً بساحة قريته ، ليكون عبرة للجميع بعدم إحتقار التسلّسل القيادي العسكريّ 

***


وفي الصباح الباكر .. أغمضوا عينايّ هينريتش بعد ربطه بالشجرة ، باجتماع اهالي القرية الحزينون على مصير خيّاطهم الطيب ، الذي لطالما عرفوه بإخلاصه للوطن والجيش النازي ! 

لكن لم يكن بوسعهم فعل شيء سوى مشاهدته وهو يُقتل بعشرات الطلقات الناريّة ، بدل تكريمه على حمايته الحدود الإلمانية ! 


وبعد موته .. إنطلق العقيد مع جنوده ، مُبتعدين عن القرية الذين قاموا بحمل الشهيد ودفنه بجانب قبر والده البطل

***


وكما توقّع هينريتش قبل وفاته ، هجم الروس على القرية من عدّة جهات ! والتي كانت خالية هذه المرة من الجنود الإلمان ، فقتلوا الأهالي دون رحمة ..


ومن هرب منهم ، أسرع للمدن المجاورة لإخبارهم باقتحام العدو للحدود ..لكن المعسكر النازي لم يصدّق كلامهم ! إلى أن قام جيش العدو بمحاصرة معسكرهم لشهورٍ طويلة ، أكل فيه الجنود الإلمان الفئران والكلاب واوراق الشجر ، حتى مات كل من في المعسكر 

 

وآخرهم العقيد الذي قال قبل لفظ انفاسه :

- أنا أستحق الموت لعدم تكريمي البطل هينريتش ، الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه إنقاذ البلد .. صحيح ايها الخيّاط كنت مُعاق القدم ، لكني معاق الذهن ..سامحني يا بطل !!

وظلّ يردّد ذلك ، حتى مات من شدّة الجوع والعطش !


وبسقوط هذه القرية الحدوديّة ، توالت خسارة المانيا لمدنها الواحد تلوّ الآخر ..حتى سقطت العاصمة برلين بيد الروس ، لتنتهي معها الحرب العالمية الثانية !

*****


ملاحظة :

هذه القصة مستوحاة من احداثٍ حقيقية :

ففي عام 1906 إسكافي ألماني (مصلّح أحذية) إسمه Wilhelm Voigt ويعاني من فقرٍ شديد ، قام بشراء بدلة قائد جيش من محل ملابس رخيصة ..ووقف في الشارع ، ليعترض كتيبة جيش ألمانيا على اساس إنه قائد ، وأمرهم ان يتبعوه ! 

وبعد ذلك أمرهم بحبس حاكم مقاطعة غنية أسمها Köpenick وقائد خزينتها بتهمة الإختلاس وسرق مبلغ يعادل عشرات الملايين من الدولارات ، ثم اختفى ! 


بعدها ب9 أيام عثرت الشرطة عليه ، وحاكموه بالسجن 4 سنوات.. 

فبدأ الرأيّ العام الألماني يضغط على الشرطة والحكومة والجيش للإفراج عنه ، بعد أن أصبح بطلاً قوميّاً للشعب ! 

وهذه صورته :

لكني اردّت تغير أحداث القصة لتصبح أكثر حماساً ، أتمنى أن تعجبكم


الاثنين، 3 يناير 2022

العائلة الجديدة

تأليف : امل شانوحة

المراهق المشاغب


وافقت ندى أخيراً على الزواج من سمير (زميلها في العمل) بعد سنة من وفاة زوجها .. واتفقا على السفر لإسبوعين في شهر العسل ، قبل ضمّ اولادهما في منزل العريس .. 

وجاء خبر زواجهما في المحكمة صادماً على ربيع (إبن ندى الوحيد) الذي بلغ للتوّ سن 16 ! والذي لم يعجبه فكرة زواجها من رجلٍ مُطلّق ، ولديه إبنتين توأم بعمر التاسعة .. 


وأصرّ على البقاء وحده في منزل والده المتوفي ، فحاولت إفهامه الوضع بهدوء:

- سمير هو من سيصرف علينا .. 

مقاطعاً بعصبيّة : ما كان عليك الإستقالة من وظيفتك !! على الأقل إنتظري لحين تخرّجي من الثانويّة 

- تعبت من العمل ، وأحتاج للراحة .. ولأني لا استطيع دفع أجار شقة والدك ، فعلينا الإنتقال لمنزل سمير .. وهناك سنحاول قدر المستطاع تدبير أمورنا من خلال راتبه الشهريّ ، لذا علينا الإستغناء عن بعض المصاريف الزائدة  

ربيع بقلق : مثل ماذا ؟!


ندى : بصراحة يا ربيع ، لا استطيع إجبار زوجي على الدفع لناديك الرياضيّ 

ربيع بصدمة : امي ! انا بارعٌ جداً بالجمباز ، وعلى وشك أن يختارني المدرّب للذهاب مع فريقه للأولمبياد

- آسفة بنيّ .. كما سأنقلك من مدرستك الحاليّة الى مدرسةٍ حكوميّة

ربيع بعصبية : ما رأيك أن ترميني بالشارع طالما مسؤوليتي ثقيلة عليك لهذه الدرجة ؟!!

- تأدّب يا ولد !! ولا تنسى أن سمير مسؤول عن بناته ايضاً

- ما كان عليك الزواج منه .. كنّا بألف خير من دونه


ندى : عمري 40 ، واريد الإنجاب ثانيةً .. وأن تأخّرت أكثر ، سيصبح حلمي مستحيلاً

- ولما تريدين إنجاب المزيد ، طالما لا يمكنك تحمّل مصاريف ولدٌ واحد

- ربيع !!

وأكمل ربيع كلامه : أمّا إن كنت تريدين إنجاب البنات ، فهآقد صار لديك بنتين 


وذهب الى غرفته ، باكياً على فراق والده الحنون

***


لاحقاً أرسلت ندى ابنها لبيت جدّه ، وأرسل سمير إبنتيه لمنزل طليقته لحين انتهاء شهر عسلهما .. 

وبعد عودتهما ، تجمّعت العائلتان في شقة سمير الذي كان لطيفاً مع ربيع وهو يريه غرفته الجديدة :

- ربيع .. هناك هديّة على طاولتك ، إذهب وافتحها 


وكانت ندى سعيدة بإحضار زوجها حاسوباً جديداً لإبنها ، قائلةً له :

- سمير ، هذه هديّة لطيفة منك

سمير : ابنك في الثانوية ، ويحتاجه لأبحاثه المدرسيّة .. هآ ربيع !! هل أعجبك الحاسوب ؟

ربيع بلؤم : ماركة حاسوبي القديم أفضل من حاسوبك الصيني الرخيص

ندى بحزم : تأدّب يا ولد !! على الأقل أشكر والدك على الهديّة

ربيع بعصبية : زوجك ليس والدي ، ولن يكون ابداً !! 


سمير وهو يكتم حزنه : لا تضغطي عليه يا ندى ، هو بعمرٍ حسّاسٍ الآن .. عزيزي ربيع ، يكفي أن تناديني بالعمّ سمير .. وسأحاول أن اكون سندك دائماً .. وبما أني كاتب في جريدةٍ رسميّة ، يمكنني مساعدتك بواجبات اللغة العربية

ربيع بلؤم : امي عملت بنفس شركتك ، وهي أفضل منك بهذا المجال .. يعني لا حاجة لخدماتك

سمير بنبرةٍ حزينة : كما تشاء

ندى وهي تشعر بالإحراج : سمير ، انا آسفة حقاً

سمير : عليّ الذهاب للإطمئنان على يارا وسلمى  


وذهب الى غرفة بناته وهو مكسور الخاطر .. فدخلت ندى غرفة ابنها لتعاتبه على معاملته السيئة لزوجها .. فردّ بضيق :

- رجاءً امي لا تجبريني على البقاء معه ، لم أطقه هو وبنتيه المزعجتين

ندى : كم مرة عليّ إفهامك إن سمير هو المسؤول عنك ماديّاً ، فأخوالك وأعمامك احوالهم سيئة ولا يستطيعون التكفّل بمصاريفك ، لهذا تأدّب بالتصرّف مع زوجي وإلاّ سأغضب عليك !! 


فاستلقى حزيناً على سريره الجديد .. فقالت له : 

- جهّز حقيبتك ليوم الغد .. سمير سيذهب مباشرةً لعمله ، وأنا سأوصلكم للمدرسة 

ربيع : بالطبع ستوصلين بناته اولاً

- لأن مدرستهما قريبة من هنا 

ربيع بقهر : ومدرستي ايضاً !! لكنك أخرجتني منها ، رغم تعلّقي بأصدقائي القدامى !

ندى : لا تقلق ، ستجد اصدقاء جدّد بمدرستك الجديدة .. هيّا جهّز حقيبتك ، ثم نمّ على الفور..


وخرجت من غرفته ، تاركةً ابنها يشتعل غضباً لرفضه حياته الجديدة التي أجبرته عليها !

***


في غرفة النوم .. إعتذرت ندى من زوجها وهي تشعر بالإحراج من تصرّف ابنها الغير لائق .. 

سمير بابتسامةٍ حنونة : لا بأس حبيبتي .. هو مراهق ، وطبيعي أن يتصرّف هكذا .. يحتاج سنة على الأقل ، ليتعوّد على حياته معنا 

ندى : يعجبني تفهّمك للأمور  

وحضنته بحنانٍ وامتنان

***


ومرّت الأيام والوضع مازال على حاله ، فربيع لم يتأقلم جيداً بمدرسته الحكوميّة .. كما لم يعتدّ على زوج امه الذي يثير غضبه كلما غازل امه ، او عامله بلطفٍ زائد !  

كما لم يطقّ الصغيرتين الّلتين حاولتا التقرّب منه بشتّى الطرق ، إلى أن قرّر ملازمة غرفته منذ عودته من المدرسة حتى موعد نومه .. لهذا اضّطرت امه إعطائه الطعام في غرفته ، بعد رفضه الجلوس معهم على طاولة الطعام .. 


وقد أقنعها زوجها بتركه على راحته ، فطالما فضّل العزلة فهذا شأنه .. 

لتشعر الأم بغصّة في قلبها ، بعد انزواء ابنها الذي كان اجتماعيّاً ومرحاً قبل وفاة والده ! 

أمّا الصغيرتان فتعودتا سريعاً على ندى ، رغم إمضائهما ايام العطل في منزل امهما المطلّقة ..

***


بعد ثلاثة اشهر ، إزدادت تصرّفات ربيع غرابةً وعنفاً ! حصل هذا بعد إحضار سمير قطة صغيرة لمنزله ، على أمل أن تُقرّب الأولاد من بعضهم .. لكن ربيع رفض لمس القطة او الإعتناء بها .. بينما تعلّقت الطفلتان بها كثيراً ، واهتمتا بطعامها ونومها ..

*** 


وفي أحد الأيام ، بحثت الصغيرتان عن القطة في ارجاء المنزل ..وعندما لم تعثرا عليها ، طرقتا غرفة ربيع بقوة .. 

فخرج اليهما صارخاً :

- لما أيقظتماني من النوم ؟

- مازال الوقت عصراً !

ربيع : أعليّ استئذانكما لأنام ؟!!

- كنّا نبحث عن القطة

- انتما تعرفان انني لا أدخلها غرفتي

- ربما دخلت اثناء وجودك في المطبخ او الحمام ..ارجوك إبحث عنها ، فنحن لم نجدها في غرف المنزل  

ربيع : إبحثا بنفسكما ، دون العبث بأغراضي .. سأذهب لعمل كوب من الكاكاو..

***


اثناء تواجد ربيع في المطبخ ، سمع صراخ الطفلتين ! 

فأسرع الى غرفته ، ليجد امه وسمير مرتعبين .. والصغيرتان تبكيان بحرقة ، بعد إيجادهم القطة مذبوحة اسفل سرير ربيع !

فسألته ندى بصدمة : ماذا فعلت ؟!

ربيع بدهشة : لم أفعل شيئاً امي ، أحلف لك

سمير وهو يحاول كتم غضبه : لما قتلت قطة بناتي ؟! 

ربيع : لم افعل عمّ سمير ! كنت نائماً قبل قليل


الفتاة الأولى باكية : ابي !! ربيع قتل قطّتنا

الفتاة الثانية بغضب : لا نريده في بيتنا !!

ربيع بعصبية : أصمتا !! لم ارى قطتكما منذ ايام 

سمير : ندى رجاءً .. إبعدي البنتين ريثما أخرج القطة من الغرفة ، وأدفنها بحديقة العمارة


وبعد ذهابهنّ .. نظر سمير بغضب للمراهق وهو يحمل القطة المذبوحة بين يديه ، دون إستيعاب ربيع ما حصل !

***


في تلك الليلة نامت الفتاتان بصعوبة ، بعد بكائهما الشديد على موت قطتهما .. ونام سمير دون حديثه مع ندى التي كانت مُحرجة تماماً من فعل ابنها الغير إنساني .. 


اما ربيع فكان مصدوماً ممّا حصل ، وأخذ يفكّر طوال الليل :

((هل يُعقل انني مشيت اثناء نومي ، وذبحت القطة دون علمي ! غير معقول ، لما أفعل ذلك ، لست سيئاً لهذه الدرجة ! ..ربما سمير وضعها تحت سريري للتخلّص مني ؟ لكن لما يقهر بناته بهذا العمل المشين ؟! الأمر مُربك بالفعل!)) 

ونام بعد أن أرهقه التفكير بالحادثة الغريبة ! 

***


لم يتوقف الأمر على هذه الحادثة .. فبعد ضياع جوّال ربيع طوال اليوم ، وجده سمير اسفل كنبة الصالة .. واستغلّ إستحمام ربيع لتفتيش جواله ، ليصعق برؤية صوراً فاضحة لا تناسب عمره ! 


وأخذ الجوّال لزوجته وهو يقول بعصبية :

- ابنك تجاوز الخطوط الحمر يا ندى !! 

فسألته بقلق : ماذا حصل ؟!

وما أن رأت الصور ، حتى شهقت بإحراجٍ شديد ! 

- من اين حصل على هذه الصور البذيئة ؟!

سمير : حتماً ليس من إنترنت بيتي ، فهو مُراقب لأجل بناتي .. أكيد أنزّلهم على جوّاله من مقاهي الإنترنت التي يذهب اليها مع اصدقائه الفاسدين 


ندى : رجاءً لا تعاقبه ، دعني أحدّثه بنفسي

- هو ابنك ، تصرّفي معه .. لا اريده أن يرى هذه القذارة بوجود يارا وسلمى 

- لا يا سمير ، ابني لن يجرأ على أذيتهما

- انا أب يا ندى !! ولي الحقّ أن أخاف عليهما من ابنك المنحرف

- أكيد هناك تفسير منطقي ل..

مقاطعاً بعصبية : تفسير منطقي ! هذا جوّال ابنك ، وهو مليء بالصور التي لا اجرأ انا على رؤيتها .. وتقولين تفسير منطقي !!

- حسنا إهدأ ، سأحدّثه فور خروجه من الإستحمام

سمير : تأكّدي أن يحذف جميع الصور قبل إعادة الجوّال اليه


ثم أخذ ابنتيه الى الحديقة العامة ، ريثما تهدأ اعصابه المتوتّرة 

***


وصُدم ربيع بما رآه في جوّاله ! وحاول تبرير موقفه لأمه :

- امي صدّقيني ، انا لا ادخل تلك المواقع لأنها مليئة بالفيروسات .. وأكيد تعطّل جوّالي بسببها ، وعليّ تنظيفه في الحال

ندى : اذاً من وضعها في جوّالك ؟

- ليس انا ، احلف لك !!

- ربيع كفى كذباً ، جوّالك بحوزتك طوال الوقت .. وفيه مئات الصور ، وليس صورة او صورتين !

ربيع : أخبرتك إن جوالي ضائعاً منذ الصباح .. فربما زوجك أخذه لوضع الصور القذرة به ، كيّ يتخلّص مني ..

مقاطعة بعصبية : ربيع !! انت مُعاقب ، ولن تحصل على جوّالك قبل تفتيشي جميع ملفّاته ، وحذف الصور السيئة بنفسي ..

- امي !

ندى بحزم : أصمت !! سأراقب إنترنت جوالك من خلال جوّالي .. وإن فعلت هذا ثانيةً ، ستُحرم منه نهائياً .. الى غرفتك فوراً !! فأفعالك المستهترة جعلتني أفقد ثقتي بك 


وذهب الى غرفته ، وهو لا يفهم ما يحصل معه !

***


بعد اسبوع ، عاد ربيع من مدرسته غاضباً .. وحين سألته امه عن السبب ؟ أخبرها انه رسب في مادة التاريخ ، بعد إتهام معلمه بنقله البحث حرفيّاً من جوجل ، وهذا مخالف لقوانين المدرسة..

ندى مُستفسرة : وهل فعلت ذلك بالفعل ؟!

ربيع غاضباً : لا طبعاً ، الم أكن البارحة سهراناً طوال الليل لإنهاء بحثي اللعين؟!!

- لا تشتم امام الطفلتين

- أهذا كل ما يهمّك ! 

امه : إخبرني بهدوء ما حصل بالضبط

ربيع : أنظري امي للبحث

..وأخرجه من حقيبته :

ربيع : انا لم اكتب هذا المقال !

- ماذا تقصد ؟!


ربيع : أحدهم غيّر بحثي ، قبل طبعي له ! فمقالي مختلفٌ تماماً ، وكتبته بجهدٍ كبير 

ندى : ومن سيفعل ذلك ؟

- أظن زوجك سمير اراد أن ..

مقاطعة بعصبية : كفى يا ربيع !! انت تعرف إن سمير لم يدخل يوماً الى غرفتك.. ثم انت نسخت البحث صباحاً من طابعة سمير بعد ذهابه الى عمله ، هل نسيت ؟ 


ربيع بقهر : أكاد أجنّ يا امي .. هذا ليس بحثي ، أحلف لك !!

- ربما حصل خطأ بحاسوبك ، فلا تلمّ زوجي على كل مصائبك

ربيع بحزن : انت لا يهمّك سوى زوجك وعائلته ، أمّا انا فلا تهتمين بي ابداً ..ليتني متّ مع ابي في حادثته المروريّة ، لكنت ارتحت من بقائي مع زوجك البغيض !!

الأم بقلق : ربيع توقف !

ودخل غرفته باكياً..

***


لم يمضي شهرين ، حتى طلب المدير من ندى القدوم الى المدرسة 

وما أن ركنت سيارتها في موقف المدرسة ، حتى فهمت ما حصل ! بعد رؤيتها شتيمةً قذرة للمدير مكتوبة بالدهان الأحمر على جدار المدرسة الخارجيّ ، بتوقيع ابنها الذي كان متواجداً بمكتبه وهو يحاول الدفاع عن نفسه !  


فسألته بقلق : ربيع ! لما كتبت تلك القذارة على جدار المدرسة ؟!

ربيع : حتى انت تشكّين بي ! بالله عليكما إن كنت الفاعل ، فهل سأوقّع بإسمي ؟ سيدي المدير ، لست غبياً لهذه الدرجة

المدير : ومن فعل ذلك ؟

ربيع : ربما احد زملائي بالصف ، فأنا طالبٌ جديد وأتعرّض للتنمّر من وقتٍ لآخر 

ندى : ولما لم تخبرني عن مضايقاتهم لك ؟!

ربيع بضيق : وهل ستسمعينني ؟ كل ما يهمّك هو إعداد الحلوى لبنات زوجك

المدير : يبدو انه يتعبك في المنزل ايضاً ؟

فاومأت ندى برأسها إيجاباً..


المدير : سأعطيه انذاراً هذه المرة ..وإن تكرّر الأمر ، سيُطرد من المدرسة

ربيع بعصبية : قلت لكما بأني لست الفاعل !!

المدير بحزم : أترى الدهان الأبيض امام الباب .. إذهب وادهن الجدار الخارجيّ ، وسيراقبك الحارس لحين محوّ الشتيمة بالكامل

فنظر ربيع بحزن الى امه التي قالت :

- إذهب ونفّذ طلب المدير

ربيع بقهر : كم أكره حياتي ..

وبعد ذهابه مع الحارس ..


ندى : أعتذر منك

المدير : عليك التحدّث معه ، فأنا أرفض وجود المشاغبين في مدرستي

- سأفعل ، شكراً لإعطائه فرصة جديدة


وخرجت من المدرسة وهي تشعر بالإحراج ، دون إلتفاتها لإبنها المنشغل بدهن الجدار الخارجي للمدرسة ، وهو يكتم دموعه لإحساسه بظلمٍ شديد

***


في المساء.. تكلّمت ندى مع زوجها عن تصرّفات ابنها التي تزداد غرابةً وقسوة كل يوم ! 

- ماذا أفعل معه ؟!

فتنهّد سمير بضيق : مع اني حاولت إخفاء تصرّفاته الأخرى ، لكنه حان الوقت لتعرفيها ايضاً 

ندى بقلق : ماذا تقصد ؟!

- قبل ايام ، أخذته باكراً من مدرسته.. وذهبنا للمطعم لنتكلّم رجلٌ لرجل

- لما لم تخبرني بذلك ؟!

سمير : لأنه لم ينجح الأمر

- ماذا حصل ؟


سمير : قال لي كلامه المعتاد ((لست والدي لتنصحني .. امي اخطأت بالزواج بك .. أكره عيشي معك ومع بناتك)) وكلامٌ آخر جرح مشاعري كثيراً.. 

فربتّت على ظهره وهي تشعر بالإحراج : آسفة حبيبي !

سمير : ليس هذا فحسب

- ماذا ايضاً ؟!


فأخرج من حقيبة عمله : مجموعة من اوراق المُقتطعة من كرّاسةٍ مدرسيّة ، مكتوباً عليها تهديدات بالقتل !

سمير : كنت أجدها دائماً في حقيبة عملي منذ انتقاله الى بيتي ، ولم أخبرك عنها حتى لا تعاقبيه 

- ربيع هو من دسّها في حقيبتك ؟!  

- الا ترين شعار مدرسته على صفحات الكرّاسة ؟

ندى : ولما لم تخبرني بتهديداته لك ؟!

- ظننته سيتوقف مع مرور الوقت ، لكنه اليوم تجاوز حدوده كثيراً 

- ماذا تقصد ؟!

سمير : هذا تهديده الأخير


وكان مكتوباً بالورقة :

((إن لم تطلّق امي في الحال ، ستلاقي ابنتاك مصير القطة))

ندى بخوف : يا الهي ! 

سمير : لهذا أرسلتهما لتناما عند امهما هاذين اليومين ، كيّ نقرّر ما سنفعله مع ابنك المتهوّر

- أظنه يُبالغ ، فهو لن يؤذي ابنتيك

سمير : الم ينكر سابقاً قتله للقطة ؟ وهاهو بالرسالة يعترف اخيراً بذلك.. إسمعي يا ندى .. حاولت على مدى ستة اشهر تحمّل تصرّفات ابنك المستفزّة ، وأن أكون لطيفاً معه قدر الإمكان .. لكن بناتي خطّ احمر !! وإن حاول أذيتهما ، فلن أتردّد بالإبلاغ عنه


ندى : ارجوك اهدأ .. سأعرضه غداً على صديقتي ، فهي طبيبة نفسيّة 

- يعني تكاليف جديدة ، انت تعلمين إن راتبي بالكاد يكفي ..

ندى مقاطعة : سأبيع ذهب والده لعلاجه ، قبل أن أخسره تماماً

- حسناً إخبرني بما ستقوله الطبيبة بنهاية كل جلسة ، وأتمنى لها النجاح بعد فشل جميع محاولاتي معه ، وبُتّ فعلاً أتضايق من وجوده في بيتي 

ندى : صديقتي بارعة في عملها ، وأظنها ستعالجه بوقتٍ قصير 

- أتمنى ذلك


وادار ظهره لينام وهو يشعر بالضيق ، تاركاً ندى قلقة من تصرّفات ابنها المخيفة !

***


ورغم اعتراض ربيع على الذهاب لجلسات العلاج النفسيّ ، إلاّ أن والدته أجبرته على ذلك .. 

ومنذ الجلسة الأولى شعر ربيع بالإرتياح لإيجاده شخصاً يسمعه ، وهو يفضّفض عن مشاعره الغاضبة اتجاه زوج امه .. 


ومع مرور الوقت .. بدأت تصرّفات ربيع تتحسّن مع عائلته ، بعد قبوله تناول الطعام معهم ، واللعب احياناً مع الطفلتين ! 

حتى علاماته بالمدرسة تحسّنت بشكلٍ ملحوظ ..وصار يتقبّل خروجه مع سمير في نزهاتٍ بمفردهما !  


وسارت الأمور على خير ، الى أن وجدت إحدى الفتاتين لعبة في غرفتها ..  وأخبرت والدها بسعادة بأنها هديّة من ربيع !  

فقرأ سمير البطاقة الموجودة على اللعبة ، وفيها : 

((هذه اللعبة لأميرتي الصغيرة ، حبيبك ربيع))


فشعر سمير بقلقٍ شديد من كلمة (حبيبك) فهو لم يكتب أخاك مثلاً ..

وأسرع الى المطبخ لإعطاء البطاقة لزوجته بيدٍ مرتجفة..

وحين قرأتها ، إبتسمت قائلة :

- هو لم يقصد ما فهمته ، هو يحبّها كأخته 

سمير وهو يهمس غاضباً : أنسيت الصور القذرة التي وجدناها بجوّاله ؟

- ماذا تقصد ؟!

- اين هو الآن ؟

ندى : مع صديقه في الحديقة

- صديقه لؤيّ ؟ 

- نعم ، كيف عرفت ؟!


سمير بعصبية : الم اخبرك قبل اسبوع إن والد لؤيّ مسجون بتهمة القتل ، ولا اريده أن يصاحبه بتاتاً ؟

- نصحته كثيراً ، لكنه صاحبه الوحيد 

سمير بعصبية : انت مثل ابنك ، لا تتقبلين نصائحي ابداً !! 

- لما كل هذا الغضب ! يجب أن تفرح بعد إهدائه لعبة جميلة لإبنتك 

- ما يخيفني هو نواياه الحقيقية .. اريد تفتيش غرفته بالحال !!

- هو يقفلها عادةً قبل ذهابه

سمير : لديّ مفتاح إضافي بدرج الخرداوات ، سأحضره لتفتيش غرفته .. فقلبي يشعرني بمصيبةٍ قادمة


ولم تستطع ندى منعه من تفتيش ادراج ابنها ، إلى أن وجد دفتر مذكّراته.. 

وما قرأه بالصفحة الأخيرة ، أغضبه كثيراً !!!

حيث كتب ربيع :

((تعجبني يارا أكثر من اختها سلمى ، رغم انهما توأمتين ! فهي رقيقة وحنونة جداً..أفكّر جديّاً بالزواج منها ، ولا أظنني سأنتظر ريثما تكبر))


فجنّ جنون سمير ، وطلب من زوجته أن تختار حالاً بينه وبين ابنها!! 

ندى بارتباك : رجاءً اهدأ قليلاً

سمير بعصبية : اهدأ ! أتريدني أن انتظر لحين إغتصابه ابنتي ؟.. ندى !! اما انا او ابنك ، قرّري الآن !!

- وأين تريدني أن ارسل ابني ؟

- لمدرسةٍ داخليّة ، وسأتكفّل بكل مصاريفه .. لا اريد هذا المشاغب في بيتي لحظةً واحدة 

- لكن سمير !

سمير بحزم : ندى !! أحلف ان اخترته ، سأطلّقك على الفور


ففكّرت قليلاً ، قبل أن تقول بتردّد : 

- أقبل بشرط !! أن تختار مدرسة داخليّة ، جيدة السمعة

سمير : لا تقلقي .. توجد واحدة بالمدينة المجاورة ، وأقساطها مقبولة ..سيبقى هناك حتى تخرّجه من الثانويّة

ندى مُستفسرة : ثم يعود الى هنا ؟

- طبعاً لا !! لن يقترب من بناتي ثانيةً ، سأرسله بعدها للعسكريّة

- لكنه بارع بالرياضيات ، ويحلم أن يصبح مهندساً

- ليكمل تعليمه داخل العسكريّة ، فأنا لا اريده في بيتي مُطلقاً!! 

ندى بحزن : حسناً لننتظر عودته ، وسأكلّمه بالموضوع

***


ولم يصدّق ربيع ما سمعه ! وصرخ بعصبية :

- من سمح لسمير بتفتيش غرفتي ؟!!

ندى : اولاً هذا بيته !! ثم لا يمكنك الإنكار هذه المرة ، فهذا دفترك وهذا خطّك ..

ربيع : لا !! انا لم اكتب ذلك ، ولم أحضر هديّة لإبنته .. هما طفلتين ، ولا أفكّر بهما بهذه الطريقة.. امي صدّقيني !!

- لم تدعّ لي حلاً آخر ، سينخرب بيتي بسببك 

ربيع بعصبية : امي !! لن أذهب الى مدرسةٍ داخليّة


وهنا سمعهما سمير اثناء مروره بجانب غرفة ربيع ، فقال له بحزم:  

- إمّا المدرسة الداخليّة او الشارع !!

ربيع بخوف : امي ارجوك !

سمير : رتّب اغراضك ، سآخذك غداً الى هناك

ربيع باكياً : امي ! لم افعل شيئاً ، صدّقيني


فأخرج سمير زوجته من هناك ، وأقفل الباب على ربيع من الخارج كيّ لا يهرب من المنزل ويورطّهم بمصيبةٍ جديدة .. 

ثم سحب يد زوجته الى غرفتهما ، وهي تبكي على مصير ابنها الذي أحرجها بتصرّفاته الطائشة 

***


وفي عصر اليوم التالي .. أخذ سمير عائلته الى المطعم ، بعد وضعه ربيع في مدرسته الداخليّة صباحاً .. 

وفي الوقت الذي كان يعاني فيه ربيع من تقبّل مصيره الجديد ، كانت امه تمسح دموعها بقهر وهي تسأل زوجها :

- هل تحتفل بتخلّصك من ابني ؟

سمير : رجاءً لا تفهميني هكذا ، أردّت التخفيف عنك بعد بكائك طوال الطريق 

ندى بحزن : وكيف لا ابكي ، ومصير ابني مجهول 


سمير : لا تضخّمي الأمور .. المدرسة رائعة ، وسمعتها جيدة

ندى بقلق : لكن إدارتها معروفة بالحزم والشدّة

سمير : وابنك بحاجة لذلك ، بعد فشلنا بتقويم تصرّفاته المنحرفة.. اليس الأفضل ان ندخله مدرسة قوية ، على أن ينتهي به المطاف مقتولاً او بالسجن ؟ 

فأومأت برأسها إيجاباً ، بحزنٍ شديد.. 

***


وفي الجهة المخصّصة للعب الأولاد في المطعم ، تكلّمت الفتاتان جانباً بصوتٍ منخفض : 

سلمى بارتياح : 

- لا أصدّق إننا نجحنا بالتخلّص من ابنها البغيض


((وكانت تقصد : ذبحها للقطة ، ووضعها اسفل سرير ربيع ! كما استعانتها بطالبٍ مشاغب بالصفّ السادس لتزوير خطّ ربيع لكتابة التهديدات لوالدها ، من الكرّاسة المدرسيّة التي سرقتها من حقيبته .. كما دفعها لمصروفها الشهريّ لطالبٍ سيء السمعة ، لوضع الصور الفاضحة في جوّال ربيع التي سرقته ذلك اليوم .. أمّا أختها يارا فهي من ذهبت باكراً الى مدرسة ربيع ، لكتابة شتيمة مديره على الجدار.. وهي من بدّلت بحثه قبل طباعته ، لترسيبه في تلك المادة .. اما هديّة اللعبة والمغازلة ، فخطّطا لها سوياً .. كما كذبتا على والدهما بأن زميلتهما في الصفّ من أقارب لؤي التي أخبرتهما عن والده المسجون بتهمة القتل ، فقط لتحرمانه من صديقه الوحيد !)) 


يارا بقهر : مع اني حزنت على قطتنا عندما ذبحتها امامي !

سلمى : كان لابد من قتلها بوحشيّة ، ليخاف والدي من ربيع .. ومنذ الغد !! سنبدأ بالتخطيط للتخلّص من امه ندى

يارا : سأشتاق لحلوياتها اللذيذة 

سلمى : أمنا أفضل منها بكثير .. ولأجلها ، سنطرد كل دخيل على عائلتنا ..الى أن يقرّر ابي إعادتها من جديد .. هل اتفقنا ؟

يارا : إتفقنا !!

وابتسمتا بخبثٍ ومكر ! 


هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة  سنوات الندم استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !  لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عج...