الاثنين، 20 يونيو 2022

زوجة الثريّ

الفكرة الرئيسيّة : أختي اسمى
حوار المحاكمة : امل شانوحة 

 

من القاتل ؟! 


صرخ جون المخمور امام المعازيم بغضبٍ شديد :

- ديانا !! تزوجتِ العجوز لترثيه ، يا عبدة المال !! سأنتقم منك ، أعدك بذلك ايتها النادلة الرخيصة !! 

فطرده والده من حفل زفافه ، رغم انه ابنه الوحيد !

***


هذه الحادثة حصلت قبل سنتين ، وتمّ ذكرها امام هيئة المحلّفين بعد اتهام جون بقتل والده الثريّ في قصره ، في الوقت الذي كانت فيه ديانا (زوجته الشابة) تحتفل بعيد ميلادها مع صديقاتها في مطعمٍ فاخر ، والتي سألها محامي المتهم جون (الإبن) باهتمام :

- سيدة ديانا ، لما لم تحتفلي بالقصر مع زوجك ؟

فأجابت : كان يشعر بتوعّك ذلك المساء ، واراد النوم بهدوء .. لهذا سمح لي الإحتفال في الخارج  

- وماذا حصل بعد عودتك ؟

- أوصلتني صديقتي الى القصر ، وهي من سمعت صراخي بعد رؤية زوجي مقتولاً ! 

المحامي : اليس غريباً أن تنتظرك صديقتك لحين صعودك الى غرفة النوم في الطابق الأول ! أقصد لما لم ترحل بعد توصيلك الى القصر ؟


ديانا : انا طلبت منها الإنتظار

- لماذا ؟ 

- لأن الشرطة حجزت سيارتي بعد إيقافها خطأً في موقف المعاقين الخاص بالمطعم .. فأصرّيت أن تنتظرني بالحديقة لإعطائها ما دفعته للشرطة .. وقبل أن تسألني ، أجيبك : كنت سأخرج سيارتي من الحجز صباحاً ، لأني ليلتها كنت مخمورة قليلاً

المحامي : نحن سمعنا شهادة صديقتك قبل قليل ، والتي أكّدت رؤيتها لرجلٍ يقفز من النافذة لحظة صراخك.. ورغم انه مقنّع الوجه ، الا أنك تصرّين أنه ابن المرحوم ؟ 

ديانا بعصبيّة : لأنه هدّدني امام الجميع ، كما ظهر بفيديو العرس ! 

- نعم ، لكنه هدّدك انت وليس والده ؟


فرفع محامي ديانا يده : أعترض سيدي القاضي !! فأنا سلّمتُ حضرتك وهيئة المحلّفين ورقة تُثبت خسارة جون مبلغاً كبيراً بالقمار .. وأظنه اقتحم قصر والده لسرقة خزنته ، كما ظهر بكاميرا مكتب ادوارد في الطابق الأرضيّ .. ورغم عدم وجود كاميرا في غرفة نوم ابيه ، الا أن وقت خروجه من القصر (كما ظهر من كاميرا الباب الخارجيّ) تُثبت بقائه نصف ساعة في غرفة النوم ! وأظنه تجادل مع والده بعد رؤيته هناك


فأكملت ديانا قائلةً : نعم !! هو اعتقد اننا نحتفل بعيد ميلادي في الخارج ، كما فعلنا السنة الفائتة .. وأظنه تفاجأ برؤية والده نائماً بغرفته ، فتجادل معه قبل إطلاقه النار على رأسه


فاعترض محامي جون : هذه مجرّد تكهّنات ، فربما يكون الرجل المقنّع لصّاً عادياً .. ثم موكّلي جون لم يفلس تماماً بعد خسارته لعبة القمار الأخيرة .. وهو أكّد بشهادته : انه لم يفكّر يوماً بأذيّة والده ، وانه لن يدمّر سمعته لأجل نادلة

ديانا بغضب : اسمي ديانا لوّ سمحت !! ولست خجلة من عملي كنادلة .. فأنا عملت لتوفير اقساط جامعتي

فأكمل محامي جون : التي دفعها السيد إدوارد كاملةً ، اليس كذلك ؟ فهل انت طلبت منه ذلك ، ام وضعكِ بموقفٍ محرج لإجبارك على الزواج منه؟

ديانا : انا تزوجت ادوارد عن إقتناع ، رغم فارق السن بيننا .. فأنا لم ارى ابي البيولوجي ! وهو كان حنوناً عليّ ، لهذا أحببته

- وكيف التقيتِ به ؟

- المطعم الذي عملت فيه كان بجانب شطّ القوارب


محامي جون : أتقصدين السفن الخاصة بالأثرياء ؟

ديانا : نعم ، وكان ادوارد يأتي مع صديقه للغداء بعد رحلتهما البحريّة 

- وكيف وقع في حبك ؟

- بل أنا أحببته بعد دفاعه عني امام المدير الذي اراد طردي لخطأي بتقديم الطعام للزبائن.. ومع الأيام أصبح يأتي للمطعم قبل ساعة من إغلاقه ، ويتكلّم معي عن احلامي وطموحي للمستقبل .. وقد أعجبه حماسي ، ورغبتي بالعمل الوظيّفي فور تخرّجي .. 

محامي جون : انت درستي المحاسبة ، اليس كذلك ؟

- نعم وكنت جيدة بها ، وهو عرض عليّ العمل في شركته بعد التخرّج

- لكنك لم تعملي عنده ، ولم تكملي حتى دراستك ! 

ديانا : كان يغار عليّ كثيراً .. ففي يوم قدم للجامعة ورآني ادرس مع زميلي ، فخيّرني بين زواجي به وإكمال تعليمي .. فتركت الجامعة بسنتي الأخيرة


محامي جون : هل كان المرحوم رجلاً متسلّطاً ؟ ألهذا خطّطتِ لقتله للحصول على ثروته ؟

ديانا بعصبيّة : لما تحاول تغيّر احداث القضيّة ؟! فأنا كنت خارج القصر لحظة الجريمة ، وصديقتي شاهدة على رؤيتها القاتل .. وليس عندي اعداء سوى ابنه الذي عاملني بجفاء طوال السنتين الفائتتين ، والذي قلّل من شأني في كل المناسبات العائليّة.. فاسألوه عن سبب كرهه لي ؟

محامي جون : سيدي القاضي ، أطالب مجدّداً بسماع اقوال موكّلي جون 

 

فصعد جون للإدلاء بشهادته : وهو يصرّ بأنه كان نائماً في منزله لحظة الجريمة .. وأن ديانا هي من خطّطت لقتل والده بسبب غيرته الشديدة وتحكّمه بتصرّفاتها وقراراتها ، لهذا ارادت التخلّص منه 

***


واستمرّت المحاكمة لأسابيع ، قبل إنقلاب الأحداث مع شهادة رجلٍ اربعينيّ إلتقى بجون في البارّ قبل يومين من جريمة القتل..حيث شهد امام الجميع :

- كنت أتسامر مع عامل البارّ عن إنجازات شبابي ، وحصولي على ميداليات ذهبيّة بالقنصّ وبراعتي باستخدام المسدس .. وقبل خروجي من البارّ ، قدم هذا الرجل .. (وأشار الى جون)..وأخرج دفتر شيكاته قائلاً : أُطلب أيّ مبلغٍ تريده مقابل قتلك والدي !

فصرخ جون غاضباً : كاذب !! انا لم اره بحياتي !

الشاهد : صدّقوني هذا ما حصل 


محامي ديانا : وهل أخبرك عن سبب رغبته بقتل ابيه ؟ 

الشاهد : قال إن محامي والده أخبره أنه كتب الميراث بإسم زوجته فقط ، ممّا أفقده صوابه .. وأخبرني أنه سيعطيني الرقم السرّي لإيقاف جهاز الإنذار الخاصّ بالقصر ، وكذلك الرقم السرّي لخزنة والده .. فظننت في البداية انه يخطّط لسرقته ، لكنه أكمل قائلاً : بأن لي الحرّية بقتل والده وزوجته إن صادفتهما في القصر !

 

محامي ديانا : اذاً جون علم تلك الليلة أنه لن يوجد خدم بالقصر بسبب إجازتهم السنويّة ، اليس كذلك ؟

الشاهد : هو أخبرني أنه لن يكون هناك شهود على جريمتي .. لكني بالطبع رفضّت طلبه ، فأنا بطل اولمبياد ولست قاتلاً مأجوراً ! ونصحته بحلّ مشاكله مع والده بعقلانيّة .. ومن بعدها لم اره مجدّداً .. وحين سمعت مجريات القضية في الأخبار ، قدمتُ للشهادة

محامي ديانا : يبدو انه وجد قاتلاً غيرك لتنفيذ المهمّة ، او قرّر فعلها بنفسه

فصرخ جون غاضباً : هذا شاهد زور ، ولم اره في حياتي .. أحلف لكم!! 


فطلب القاضي من محامي ادوارد الصعود للشهادة : والذي أكّد ثورة غضب جون بعد معرفته بحرمانه من ميراث والده ، قبل اسبوع من وقوع الجريمة ! 


وبسبب الأدلّة الجديدة أُودع جون في الحجز ، لحين صدور قرار المحكمة النهائيّ .. 

***


خلال شهور المحاكمة ، تفانى محامي ديانا بالدفاع عنها وإثبات التهمة على جون .. الى أن ربح القضيّة ، وحُكم على جون بعشرين سنة .. 

لكن الشاب المدلّل لم يُكمل شهره الأول في السجن ، بعد العثور عليه مُنتحراً في زنزانته ! 

وبذلك أُقفلت القضية ، وحصلت ديانا على ميراث اداورد كاملاً 

***


لم يمرّ شهران على نهاية القضيّة ، حتى نشرت ديانا بوسائل التواصل الإجتماعي زواجها من محاميها الوسيم الذي كان مغرماً بجمالها منذ البداية .. والذي انتقل للعيش معها في القصر .. 

وبعد سنتين ، أنجبا طفلهما الأول 

***


بعد بلوغ ابنهما عامه الخامس ، بدأ يشعر المحامي بانزعاج زوجته وأرقها الدائم وخوفها كلما رنّ جوالها ! 

ولرفضها إخباره مشكلتها ، إلتجأ لطرقٍ قانونية لمراقبة مكالماتها .. ليُصعق بتهديدات قاتلٍ مأجور ، يبدو انها استأجرته لقتل زوجها اداورد !


فلم يعد امام زوجها المحامي إلاّ مواجهتها بالحقيقة .. لتنهار باكية وهي تقول بغيظ :

- ادوارد كان عجوزاً مسيطراً ومتحكّماً بشكلٍ خانق ، لم يكن بإمكاني التنفّس دون إذنه ! وأتعبني بكثرة اوامره التي لا تنتهي ، حيث منعني من رؤية احد او الخروج من القصر 

زوجها : لكن يوم الحادثة كنت تحتفلين مع صديقاتك ؟! 

- بعد وضعي سمّاً خفيف المفعول على مدى شهرٍ كامل ، حتى انهارت قواه .. ولأني كنت أضع قطراتٍ صغيرة في قهوته ، لم تظهر أثرها بالتقرير الشرعيّ .. وبعد إغمائه تلك الليلة ، خرجت للإحتفال في المطعم كيّ تكون لديّ حجّة غياب .. وركنت سيارتي في موقف المعاقين لتُحتجز من الشرطة ، ويكون لديّ دافع لإبقاء صديقتي خارج القصر لحظة هروب القاتل الذي اتفقت معه على هذه التمثيليّة .. لكن القاتل اللعين لم يكفه الخمسين الفاً الذي أعطيته اياه ، وصار يطالبني بالمزيد كل شهر!  


زوجها باهتمام : ومن هو القاتل ؟

ديانا : الشاهد الذي قلب مجريات المحكمة لصالحي

- تقصدين بطل اولمبياد ؟!

- لم يكن بطلاً ، بل مجرم شوارع .. ومن حسن حظي إن محامي جون لم يتأكّد من تلك المعلومة .. فبعد أن طالت مدة المحاكمة ، طلبت من القاتل (المقنّع) الشهادة ضدّ جون ، مقابل نصف مليون دولار 


زوجها : وهل أعطيته المبلغ بعد فوزك القضيّة ؟

- بالطبع لا ، أخذته للبارّ للإحتفال معه .. وبعد سكره ، سجّلت إعترافه وهو يفضح اسرار عصابته .. وأرسلتها لهم بكونها إعترافاته ضدّهم لدى الشرطة .. فأوقعوه بكمين ، وزُجّ بالسجن لثماني سنوات .. فاتصل بي من داخل السجن وهو يهدّدني بالقتل ، فوعدّته بتوكيل محامياً بارعاً له ، مقابل قتله جون في زنزانته بطريقة تبدو للشرطة كأنه انتحر .. وبعد قيامه بالمهمّة ، غيّرت رقم جوالي دون أن أوفّي بوعدي له .. وهاهو خرج من السجن باكراً ! ويطالبني بمليون دولار وإلاّ سيخطف ابننا الصغير..


زوجها بصدمة : لا أصدّق انني تزوّجت شيطانة !

فأجابته بخبث : لا يمكنك فعل شيء ، فأنت متورّط معي بالقضيّة .. وإن حاولت فضحتني ، سأخبر الإعلام انك ساعدتني بالجريمة بسبب علاقتنا السرّية خلال حياة ادوارد

- انت سافلة كما قال جون ، وسأطلّقك قريباً .. اما القاتل ، فتعاملي معه بنفسك .. سأخرج من القصر ، وآخذ ابني معي

ديانا بيأس : حسناً إحمي طفلنا ، لحين إنهائي المشكلة مع ذلك اللعين

***


في المساء .. إنتهى الزوج من ترتيب اغراضه ، وحمل شنطته وطفله النائم الى خارج القصر ..


وقبل ابتعاده بالسيارة ، لمح رجلاً مقنّعاً يقتحم نافذة القصر ! 

فشعر بالقلق على ديانا ، فهي مازالت زوجته .. 


وترك ابنه نائماً في المقعد الخلفيّ ، وأخرج المسدس من درج سيارة.. وأسرع لداخل القصر

***


في الداخل .. سمع صراخ ديانا من الطابق العلويّ ، فأسرع نحوها ..ليجد الرجل المقنّع يحاول خنقها بقوة .. 

فلم يجد نفسه إلاّ وهو يطلق الرصاصة على ظهره ، ليسقط المجرم مقتولاً على الأرض !


فانهار المحامي امام الجثة وهو لا يصدّق إرتكابه الجريمة ! ونظر الى زوجته باكياً :

- إتصلي بالشرطة ، واشهدي أنه كان دفاعاً عن النفس

ديانا بخبث : لن اتصل بأحد 

- ماذا تقصدين ؟!

- إن قدمت الشرطة ستعرف بتورّطي مع هذا السافل

زوجها صارخاً : لا يهمّني امرك !! اريد الخروج من هذه المصيبة


ديانا بخبث : اذاً لندفنه سويّاً وننهي القضيّة ، فالجميع يظنّ أن جون مات منتحراً لإحساسه بالذنب لقتله والده .. وانا ورثت مالاً كثيراً يكفي عائلتنا لأعوامٍ طويلة .. اما هذا اللعين (وأشارت الى القتيل) فأنت أنهيت إبتزازه لزوجتك ، وبموته أغلقنا صفحة الماضي .. هيا عزيزي لا تفكّر كثيراً ، فتورّطك بالقتل سيمنعك من مزاولة مهنتك طوال حياتك .. وانت تعشق مهنة المحاماة ، اليس كذلك ؟

فأومأ برأسه إيجاباً وهو مازال بحالة صدمة !

ديانا : اذاً ساعدني بحمل اللعين ودفنه بحديقتنا ، ثم نتعاون معاً لمسح الدماء .. وغداً نوصل ابننا لمدرسته كأن شيئاً لم يكن .. هيا حبيبي ، إمسك قدميه

***


وبعد أن ساعدها بدفن القتيل ومسح ادلّة الجريمة ، وضع ابنه الصغير بجانبه في السرير ، وحضنه باكياً .. فهمست بإذن زوجها بلؤم :

- الآن انت متورّط معي بالجريمة ، ودليل إدانتك مدفون بالحديقة .. فإن بلّغت عني ، أفضحك !! .. لهذا سنطمر ماضينا كما دفنّا القتيل ، ونعيش بهناء من ثروة العجوز التي تكفينا لآخر عمرنا ، إتفقنا حبيبي ؟


فهزّ رأسه موافقاً بيأس فهو لطالما تمسّك بالقوانين والمبادىء الأخلاقيّة ، وهاهو عالمه المثاليّ ينهار بعد زواجه من امرأة طمّاعة لا تعرف الرحمة!


الجمعة، 17 يونيو 2022

المؤامرة الطبيّة

تأليف : امل شانوحة 

 

الخطّة العالميّة !


في ذلك المساء وبعد استيقاظ احمد من العمليّة ، زاره والده الذي اقترح نقله الى مستشفاه الخاص .. لكن احمد رفض قائلاً :

- ابي ، كانت حادثة سيرٍ بسيطة .. والطبيب أعاد كتفي الى مكانه بعمليةٍ ناجحة .. وغداً أخرج من هنا ، فلا داعي لنقلي الى مستشفاك 

والده بعصبيّة : أيُعقل إن ابن رئيس نقابة الأطبّاء يوضع في غرفةٍ مشتركة مع مرضى آخرين ، في مستشفى شعبيّ قذر ؟!!

- سيارة الإسعاف نقلتني الى هنا ، لقرب المستشفى من موقع الحادث.. ثم لا يوجد معي سوى مريضٌ عجوز ، وهو نائم طوال الوقت .. لا تقلق ابي ، يمكنك العودة لعملك.. وغداً أتصل بك ، فور وصولي الى منزلي 


فوصّى والده الممرّضة برعاية ابنه الوحيد جيداً .. ثم خرج من المستشفى مع انتهاء موعد الزيارات 

***  


بعد خروج الزوّار من المستشفى بحلول الساعة العاشرة ، أُخفضت الأنوار  لترك المرضى ينامون على راحتهم .. 


وقبل غفو احمد بقليل ، شعر بالممرّضة تتوجّه بهدوء نحو المريض العجوز الذي يفصله عن سريره ستارةً بيضاء .. 

وكان العجوز مُصاباً بنزيفٍ في المخّ ، جعله غائباً عن الوعيّ معظم الوقت ..

وقبل استسلام احمد للنوم ، سمع الممرّضة تقول بصوتٍ منخفض :

- هذه الإبرة ستريحك من آلامك


وما أن خرجت من الغرفة ، حتى ارتفع صفير ماكينة القلب لإعلان وفاة العجوز !


وعلى الفور !! دخل الطبيب وممرّضين آخرين لفحص المريض ، وتأكيد خبر وفاته ..

وأوشك احمد على إخبار الطبيب بالإبرة القاتلة ، لكنه تردّد خوفاً أن يكون الطبيب متورّطاً بالموضوع !

وأوهمهم بنومه ، لحين إخراجهم جثّة العجوز من الغرفة ..

***


بعد ذهابهم .. توجّه الى الإدارة لمراقبة الممرّضة المشبوهة ، بعد لبسه زيّ الممرّض الذي وجده مُعلّقاً في خزانة الموظفين.. 

وأمسك بيده تقريراً وجده فوق المكتب ، كيّ يتمكّن الإقتراب من غرفة الطبيب التي دخلت اليه الممرّضة قائلةً :

- دكتور لا تنسى زيادة نصيبي بعد تخلّصي من مريضين بائسين 

الطبيب : سعاد يكفي هذا الشهر ، فنحن لا نريد إثارة شكوك النقابة

- وماذا عن مريضة غرفة 222 ، فهي بغيبوبة منذ اسابيع ؟ واهلها فقراء ولن يتمكّنوا من دفع المصاريف .. والمريض الثريّ دفع مبلغاً كبيراً مقابل كليّتها 

- حسناً قومي الليلة بحقنها بإبرة..

الممرّضة مقاطعة : تقتلها دماغيّاً ، أعرف هذا .. لكن هذه المرة اريد نسبةً أعلى ، طالما ستحصلون على مبلغٍ كبير من العائلة الثريّة


الطبيب : لا تطمعي يا سعاد ، وقللّي من حماسك .. فزيادة عدد موتانا ، سيشكّك المسؤولون بإشرافنا الطبّي ..

- لم اقتل سوى اثنين هذا الأسبوع : العجوز والسيدة الميؤوس من حالتها ، ولا اظن موتهما سيضايق أحد حتى عائلتهما .. دعني أتوّلى الليلة موضوع فتاة الغيبوبة ، كيّ أحصل على مكافئةٍ مجزّية لإجازتي الشهريّة 

الطبيب : حسناً أعطها الإبرة قبيل الفجر

- كما تشاء ..وحين يرونها اهلها غداً تنازع الموت ، سيوافقون على إزالة جهاز التنفّس لإراحتها من عذابها .. طبعاً بعد إزالتك جميع اعضائها الصالحة للبيع .. القاك قريباً  


وابتعد احمد قبل خروج الممرّضة سعاد وعلى وجهها ابتسامةً عريضة ، كأنها تتخّيل إجازتها القريبة !

***


بحث احمد عن الغرفة 222 .. ووجد فتاة في العاشرة موصولة بأنابيب واسلاك كهربائية للتنفّس ، وأخرى لقياس نبضات قلبها .. 

فأراد تغيّر مكانها ، قبل وصول الممرّضة المجرمة اليها .. 


ولأنه بلباس الممرّض وكمّامة تُخفي معظم وجهه ، لم يشكّ احد وهو يجرّ سريرها بصعوبة (بسبب الم كتفه الذي لم يُشفى تماماً من العملية ، لكنه تحمّل الوجع لإنقاذ الصغيرة) باتجاه المصعد .. 

***


بعد وصوله للطابق الأرضيّ .. وضع سريرها في آخر الغرفة المشتركة للنساء اللآتي أنجبنّ حديثاً ، فسعاد لن يخطر ببالها أن الصغيرة هناك .. 


وقبل خروجه من الغرفة ، سمع الفتاة تأنّ بألم .. فأمسك يدها وهو يدنّدن أغنية نومٍ خاصة بالأطفال .. 

فشدّت على يده ، كأنها سمعتها من قبل ! فعرف انها مازالت واعيّة لما حولها !


فعاد الى غرفة الموظفين في الطابق الرابع للبحث عن ملفّها الطبّي ، والتي أعطته إيّاه الممرّضة الجديدة التي لم تشكّ بانتحاله شخصيّة الممرّض..

 

وبعد قراءته الملف ، وجد رقم جوال امها .. فاتصل بها ، قائلاً بصوتٍ منخفض :

- رجاءً سيدتي ، تعالي الى المستشفى لنقل ابنتك الى مكانٍ آخر

- ما الخطب ؟!

- سيحاولون قتلها سريريّاً للإستفادة من اعضائها

الأم بصدمة : ماذا تقول ؟!

- لا وقت للشرح ، رجاءً إخرجيها من المستشفى المرعبة

- قادمة حالاً !!

احمد : حين تصلين لا تسألي أحداً عنها ، خوفاً من كون إدراة المستشفى متورّطة ببيع الأعضاء .. فقط أدخلي الى غرفة رقم خمسة بالطابق الأرضيّ ، سأنتظرك هناك ..  

***


وخلال دقائق ، وصلت الأم الفزعة الى المستشفى ..واستطاع أحمد (بشخصيّة الممرّض) إدخالها بعد تحدّثه مع الحارس الذي رفض قدوم الزوّار بهذا الوقت المتأخر من الليل ..

 

ثم أخذها الى غرفة النساء لرؤية ابنتها النائمة ، وطلب منها أن تغني الأغنية ذاتها ! 

وحين سمعتها الطفلة بصوت امها ، فتحت عينيها بصعوبة .. 

وكادت الأم تصرخ من فرحتها ، لكن احمد منعها خوفاً من لفت الأنظار اليها .. 


ثم طلب منها تغيّر ملابس ابنتها ، وإخراجها خفيّة من المستشفى

الأم : وكيف أفعل ذلك دون تصريحٍ بالخروج ؟!

احمد : إن عرفوا باستيقاظها ، سيوهمونك بسوء صحتها لتنويمها من جديد .. فالثريّ دفع ثمن كليّتها مُقدّماً

- اللعنة عليهم !! يجب إخبار الشرطة بأمرهم

- أتركي الموضوع لي ، سأحرص على فضحهم .. فقط أخرجيها من هنا بهدوء 

***


وبالفعل استطاعت الأم وضع ابنتها بالسيارة ، والإسراع بها لمستشفى خاصّ في المدينة المجاورة للإطمئنان على صحة ابنتها..


بينما عاد احمد الى الطابق العلويّ .. وقبل عودته الى غرفته ، لمح سعاد تتوجّه الى غرفة طبيبٍ آخر .. 

فلحقها .. وتنصّت عند الباب ، ليسمعها تسأله :

- اين الإبرة الخاصّة بالصغيرة ؟

فبحث الطبيب بين مجموعة ابر امامه :

- أنهيت تعبئتهم قبل قليل .. أقصد : ابر الموت الرحيم .. 

سعاد : رجاءً إخفض صوتك ! أتريد فضحنا ؟! 


ثم رفع الطبيب إبرة بلقاحٍ احمر اللون ، وهو يقول :

- حضّرتها خصيصاً لموت الصغيرة سريريّاً.. امّا بقيّة الأبر ، سأحفظها في الثلاجة لحين احتياجكم اليها.. مع اني اراكم متباطئين بالعمل ! فخمسة قتلى كل شهر ، قليلٌ جداً

سعاد : وهذا رأيّ ايضاً ، لكن الإدارة خائفة من النقابة 

- الم يكن قرار قتل العجائز والميؤووس منهم والمعاقين أمراً من الجمعية السرّية ؟

سعاد : نعم لكن علينا الحذر ، فنحن لا نريد إثارة الناس ضدّ مستشفانا .. (ثم نظرت لساعتها).. آه تأخرت ، عليّ الذهاب


وابتعد احمد قبل أن تراه !

*** 


بعد المؤامرة التي سمعها أحمد ، لم يعد بإمكانه النوم في هذه المستشفى المشبوهة .. ولأنه لا يستطيع الخروج دون تصريحٍ من الطبيب ، بقيّ في سريره وهو يترقّب ساعته وحركات الممرّضين بحذرٍ شديد.. 

***


ما أن حلّ الصباح وبدأ الزوّار يتوافدون للمستشفى عند الساعة الثامنة ، حتى لبس ملابسه واندسّ بينهم .. 


وقبل خروجه من الباب الرئيسيّ ، إنطلق جهاز الأنذار ! بعد تلقّي الحارس عبر اللاّسلكي أمراً بإيقافه..

ويبدو أن مدير المستشفى راجع الفيديوهات عقب اختفاء الصغيرة ! ليجد احمد وهو يخلع ملابس الممرّض قبل عودته الى سريره.. 

لهذا مُنع الزوّار من دخول وخروج المستشفى بعد هروب احمد باتجاه سلالم الطوارىء ! 


واثناء لحاق الحرس به ، دخل الى الغرفة التي فيها إبر الموت الرحيم .. فكسر زجاج الثلاّجة الشفّافة ، وبدأ بتحطيم الأبر على الأرض ..

ليتفاجأ بالطبيب يخرج من حمام الغرفة ، مُحاولاً إيقافه عن تحطيم آخر ابرة في يده .. 

الطبيب صارخاً : ماذا تفعل يا مجنون ؟!! لما كسرت الأبر غالية الثمن ؟!

احمد غاضباً : بأيّ حقّ تقتلون الأبرياء يا ملاعين !!

- ستُعاقب على إثارتك الفوضى 

- بل انا سأعاقبكم !! فوالدي هو نقيب الأطبّاء ، سأجعله يُغلق مستشفاكم بالشمع الأحمر

الطبيب بتحدّي : على جثتي !!


وهجما على بعضهما ، ليغرز احمد الإبرة برقبة الطبيب الذي سقط على الأرض وهو ينتفض بقوة .. قبل توقفه تماماً عن الحِراك ! 


وهرب احمد فور سماعه الحرس يتوجهون لغرفة الطبيب المقتول .. وتزحلق من فتحة الحائط المُخصّصة لرميّ النفايات .. 

ليسقط في سلّة الغسيل الوسخ في زاوية موقف سيارات المستشفى 

 

ثم أسرع راكضاً باتجاه الشارع العام ، واستقلّ سيارة اجرة أوصلته لفندقٍ إعتاد هو وعائلته المكوث فيه .. خوفاً أن يكون مراقباً ، فهو لا يريدهم أن يعرفوا عنوان منزله ..

***


في غرفة الفندق .. فكّر احمد بحلّ مشكلة المستشفى المشبوه بنفسه ، لإثارة إعجاب والده .. 


وبحلول المساء .. شعر بالضيق ، فخرج للشرفة لتدخين سيجارة .. فسمع شخصين يتحدثان بالشرفة التي فوقه :

- علينا قتل اكبر عددٍ من الناس : فتعقيم اطفال المدارس بالتطعيمات الوهميّة ، وكثرة لقاحات الرضّع التي تسبّب التوحّد ، ومشاركة منظّمة الغذاء بوضع السموم في المواد الحافظة وتغيّر التركيبات الجينيّة للقمح ، كل هذا لم يساعد بتخفيف عدد البشر ! 

- لا تقلق سيدي .. فقد وزّعنا مهمّتنا الجديدة على مستشفيات الدرجة الثانية ، فالفقراء لن يرفعوا دعاوي ضدّ الأطباء الذين قتلوا أحبّائهم .. اما الأطبّاء الشرفاء : فأرسلناهم للمناطق موبوءة ، لقتلهم بالعدوى .. 

- نريد موت 5000 آلاف مريض كل عام ، على أقل تقدير  

- في المستشفيات العربية فقط ؟

- بل في جميع مستشفيات العالم ، كما امرنا رئيس الماسون .. فكورونا لم توفّي بالغرض بعد فضح المؤامرة من قبل الأطباء الأغبياء الذين نبّهوا الناس بواسائل التواصل الإجتماعي 

- كما سمعت إنه تمّ اعتقالهم ، وقُتل الآخرون بالسمّ البطيء ! 

- ومع هذا فشلت المهمّة !

- لا تيأس سيدي .. فأغلبيّة الناس لن تشكّ بنوايا الأطبّاء الشريرة ، وسنفي بوعدنا في المستقبل القريب .. وأظن الأعداد ستزداد بعد استلام ابنك الرئاسة 

- لولا ضغطي عليه لأصبح محامياً ، لكني أدخلته الطبّ على امل أن يصبح باراً للجمعية السريّة مثل والده 


وضحك ضحكته المبحوحة التي عرفها احمد بأنها ضحكة والده الذي ظلّ لسنوات رئيس نقابة الأطبّاء ، ممّن يخطّطون سرّاً لإفناء البشريّة تمهيداً لخروج الدجّال !  


الاثنين، 13 يونيو 2022

البطل القومي

كتابة : امل شانوحة 

المعارضة والموالاة


عُرض في برنامجٍ سياسيّ مقابلةً حادّة بين (السيد وائل) المُعارض الشهير للحكومة ، وبين (سمير) الوزير المخلص للرئيس الذي انتقده قائلاً :

- لوّ يُهمّك الشعب لما هربت للخارج ؟

فردّ وائل بعصبيّة : لوّ كنت أضمن سلامتي في بلادي ، لما سافرت !! لذلك سأستمرّ في جمع اصوات المعارضين في الغربة ، كيّ نصبح الأغلبيّة في الإنتخابات القادمة التي ستطيح بحكومتك الظالمة !!  

المذيع : فاصلٌ قصير ، ونعود لمتابعة اللقاء

***


في الإستراحة .. تلقّى المعارض رسالة على جوّاله :

((خطفنا ابنك من مدرسته , ولن نعيده قبل اعتذارك من الرئيس على الهواء مباشرةً))

فتمّتم وائل بضيقٍ وقلق : لعنة الله عليكم 

***


بعد الفاصل ، عاد وائل أشدّ غضباً ! وانهال بالشتائم على رئيس بلاده بجرأةٍ فاجأت المشاهدين الذين يعدّوه بطلهم القوميّ ! 


ولاحقاً أثّرت مقابلته في زيادة شعبيّته دون علم أحد بمصابه الكبير ، حيث حمّلته طليقته مسؤوليّة إختفاء ابنها الذي دام اربعة شهور ! حتى ظنّ والداه انه في عداد الموتى .. 

الى أن وجدته الشرطة مرميّاً امام حديقةٍ عامة وهو مصاب بكسورٍ ورضوض في انحاء جسمه ، بعد فقده النطق من أثر التعذيب المتواصل دون رحمة لعمره الصغير ! 


فاضّطرت امه لتسفيره عند والده الذي تكفّل بمصاريف علاجه النفسيّ عند أمهر الأطبّاء الفرنسيين ، لكن دون جدوى ! ممّا أجبره على وضعه في مدرسةٍ خاصة للإعتناء بحالته الصحيّة والنفسيّة المتدهوّرة ..وما حصل لإبنه زاده عناداً وتصميماً على إسقاط الحكومة الفاسدة..

***


بعد عام .. عاد وائل لمناقشة سمير في مقابلةٍ سياسيّة جديدة ، ليحتدّ النقاش بينهما .. 


وبعد الفاصل , تلقّى وائل رسالة تهديد جديدة على جواله :

((يبدو انك لم تتربّى عمّا حصل مع ابنك ، لهذا خطفنا امك العجوز التي يبدو انك ورثت العناد منها بعد بصقها على صورة الرئيس بدل تقبيلها ! وهي الآن تحت التعذيب ، ولا اظنها ستتحمّل كثيراً لكبر سنها .. لذا عليك الإعتذار فوراً من رئيسك وحاكم امرك على الهواء مباشرةً ، كيّ نعيدها الى منزلها قطعةً واحدة))


وهنا لاحظ المذيع وسمير إرتباك وائل الذي حاول التماسك قدر المستطاع لإكمال اللقاء .. 


لكنه انهار قبل دقائق من نهاية المقابلة بعد تخيّله صرخات امه المتألمة ، وطلب امام الكاميرا : السماح والغفران من الرئيس ، وهو يلعن نفسه لدخوله المُعترك السياسيّ الذي جلب المصائب لعائلته.. 

ثم اخرج المسدس من جيبه وأطلق النار على رأسه ، وسط دهشة المتواجدين في مكان التصوير !

 

وعلى الفور !! أُوقف البثّ المباشر .. وأسرع المعدّون بحمل جثة وائل لأقرب مستشفى .. 


ووسط الفوضى بالإستديو ، أخفى سمير جوّال وائل في جيبه (دون أن يراه احد) لفضوله الشديد بقراءة الرسالة الأخيرة التي جعلت منافسه القويّ يستسلم وينتحر !

***


في غرفة سمير بالفندق الفرنسيّ .. بحث باهتمام في جوّال القتيل ، لحين إيجاده رسالة التهديد المرعبة ، ورسائل اخرى قديمة ! 

فشعر بالصدمة والغثيان لقيام رجال الرئيس الذي يعشقه بجنون بتعذيب ابن وائل اولاً ، ثم امه العجوز ! 

ولأول مرة شعر بعذاب وائل ومعاناته طوال السنوات الماضية ..


ولم تمضي الليلة ، حتى عزم سمير على اتخاذ خطوةٍ جريئة ! 

***


فور عودة سمير الى بلاده العربية ، إستقال من مركزه المهم بالدولة بحجّة إصابته بالسرطان .. وذلك بعد تسفيره جميع افراد عائلته لفرنسا , حتى صديقه المقرّب .. ثم لحقهم الى هناك بعد نقل امواله التي سحبها من البنوك ، وبيعه ممتلكاته بوقتٍ قياسيّ .. 

***


بعد تأكّد سمير بأنه وعائلته بخير ، صدم كل معارفه السابقين بانضمامه الى صفّ المعارضة ! 


بل أصبح رئيسهم خلال اشهرٍ قليلة ، بعد قيامه بفضح الرئيس بكل المستندات التي قام بتصويرها خفيّة قبل استقالته ، والتي كانت السبب الرئيسيّ في إسقاط الحكومة .. ليصبح بطلاً قوميّاً للمواطنين الذين انتخبوه بأغلبيّة الأصوات داخل البلد ، وفي صناديق الإقتراع بالسفارات الأجنبية ، ليصبح حاكمهم الجديد .. 

***


واول قرارٍ إتخذه سمير بعد تولّيه الحكم : هو إعادة جثة المعارض السابق وائل الى بلاده ، ودفنه في حديقة القصر الحكوميّ .. كما عيّن يوماً في السنة للإحتفال ببطولات وائل ، كونه اول شخصٍ تجرّأ على مناهضة الحكومة الفاسدة

***


وفي الإحتفال الأول لذكراه... تمّتم سمير امام قبر وائل ، بعد قراءته الفاتحة :

- انت هو البطل الحقيقي الذي أحب بلاده اكثر من نفسه وعائلته ، فسامحني لوقوفي ضدّك في بادئ الأمر ! لم ادرك وساخة المستنقع الذي كنت غارقاً فيه ، قبل معرفتي بمعاناتك .. أعدك يا صديقي إن نضالك لن يذهب سدى 


ثم ألقى التحيّة العسكريّة امام شاهد قبره ، قبل دخوله القصر لبدء استقبال موظفيه الجدّد الذين اختارهم من اكفّاء الشعب وأنظفهم سمعة ، ليساعدوه بنهضة البلاد نحو مستقبلٍ واعدٍ بالعدل والإنجازات الإنسانيّة ..


الجمعة، 10 يونيو 2022

الأخبار المستقبليّة

تحليل : مسافر عبر الزمن
كتابة : امل شانوحة 

 

التلفاز السحريّ


اثناء بحث رجلٌ مُشرّد بين النفايات عن شيءٍ يأكله ، وجد تلفازاً قديماً مرمياً هناك .. فحمله على أمل بيعه كخردة ، لشراء شطيرة بثمنه .

وبعد عرضه على اكثر من محل كهربائيات .. إتفقوا جميعاً على تخلّصه منه ، لكونه تلفازاً قديماً ..وعلى الأغلب مُعطّل ، رغم عدم تجربتهم له ! 

***


بحلول المساء .. دخل المشرّد الى زقاقٍ ضيّق ، إعتاد النوم فيه .. وفرش الكرتون فوق أرضيّته الباردة ، بعد وضعه التلفاز في إحدى الزاويا وهو يفكّر بحرق إطاره الخشبيّ في حال إشتدّ البرد فجرا 


وقبل غفوه بقليل ، سمع صوتاً غريباً ! 

ففتح عيناه ، ليجد التلفاز مضاءً على نشرة أخبارٍ بالأبيض والأسود! 

فتمّتم باستغراب : كيف اشتغل ؟! لم أوصله بالكهرباء ..


وقبل قيامه لفحص خلفيّة التلفاز ، قال المذيع شيئاً أثار انتباهه ! فجلس يستمع الى نشرته التالية :

((بعد إجتياح روسيا للأراضي الأوكرانيّة ، تخوّف الرئيس بوتين من إنضمام فلندا للناتو ، فقرّر إجتياحها ايضاً.. ويبدو أن نصره السريع جعله يتجرّأ على إجتياح كلاً من لتوانيا ولاتفيا ! وهذه الفوضى صبّت في مصلحة الصين التي انتهزت إنشغال العالم بالحرب الروسيّة لاجتياحها جزيرة تايوان ! ممّا أجبر دول الناتو على إعلان الحرب على روسيا .. بينما أعلنت بريطانيا واميركا واستراليا الحرب على كلٍ من روسيا والصين ! ممّا جعل روسيا تشكّل تحالفاً أوراسيّاً مُضاداً : يضمّ الصين وكوريا الشماليّة وإيران وبعض دول آسيا الوسطى ! .. وكل هذه الأحداث أثّرت بدورها على تصاعد التوتّر في الخليج العربي : بين إيران والدول العربية من جهة ، وايران واسرائيل من جهةٍ أخرى .. واقتصر الأمر على التوتّرات سياسية بينهم ، دون تدخلٍ حربيّ .. وبهذه التطوّرات الميدانيّة حول العالم ، نُعلن نهاية النشرة الإخباريّة لهذه الليلة .. تصبحون على خير))


فصعق المُشرّد ممّا سمعه ! فهو يعلم بشأن حرب روسيا وأوكرانيا ، لكن التطوّرات التي أعلنها مذيع الأخبار لم يسمعها مُطلقاً .. فهل استجدّت كل هذه الأحداث الضخمة خلال الأيام الماضية !


ثم قال ، وهو يرتّب بطانيّته فوق فراشه القذر :

- إن تابعت الأحداث على هذا المنوال ، ستحدث حربٌ عالميّة ثالثة تقضي على البشريّة !

 

وقبل استسلامه للنوم ، سمع صراخ الناس في الشارع !

فخرج اليهم ، ليجدهم يتشاجرون امام متجرٍ للأغذية .. ولاحظ على الفور بأن مشترياتهم إقتصرت على اكياس الأرز والزيت النباتيّ ! 


وحين تمكّن من إيقاف احدهم لسؤاله عمّا حصل ، أجابه :

- الم تسمع الأخبار مؤخّراً ؟ روسيا سيطرت على قمح اوكرانيا .. أظننا على ابواب مجاعةٍ عالميّة .. 

ثم ابتعد مُسرعاً ، خوفاً أن يسرق أحدهم ما اشتراه بصعوبة من المتجر !

فتمّتم المُشرد بدهشة : يا الهي ! اذاً ما سمعته بالإخبار صحيحاً .. غريب كيف تطوّرت الأحداث بهذه السرعة ؟! 


ولكونه فقيرٌ معدم ، لم يكترث بقلّة المواد الغذائية فهو معتادٌ على الجوع .. وعاد للنوم في زقاقه الضيّق ..

*** 


في اليوم التالي .. خرج للتسوّل كعادته ، ليلاحظ إختلافاً بنوعيّة المحلاّت والمتاجر التي أُغلق بعضها ، وفتح مكانها سوقاً جديداً ! وكذلك إختلاف موضة ملابس الناس وطباعهم العامة ! كأنه مرّت سنوات على آخر مرة شاهدهم فيها !

المشرّد بصدمة : لا يعقل أن يحدث كل هذا التغير في يومٍ وليلة ! ترى ماذا حصل ؟!

وأوقف احدهم لسؤاله عما جرى ، فأجابه :

- الم تسمع آخر الأنباء ؟

المشرّد : لا سيدي !

- جيد انك سألتني من بين الناس ، فأنا مهووس بالأخبار العالميّة ..اولاً إخبرني عن آخر حدثٍ تعرفه ؟ 


فأخبره المشرّد عمّا سمعه في نشرة الأخبار من التلفاز القديم ، فقال له الرجل بدهشة :

- هل انت في غيبوبة يا رجل ! هناك احداث كثيرة حصلت بعدها

المشرّد : مثل ماذا ؟

- الم تسمع بإعلان الحرب العالميّة الثالثة في معظم قارات العالم ؟

المشرّد بصدمة : هل حصل ذلك بالفعل ؟!

- طبعاً !! فالصين نجحت في اجتياح الفلبين ومعظم جزر المحيط الهادىء .. ومن جهةٍ أخرى نشبت معارك ضدّ قوات البريطانيّة والفرنسيّة في اكثر من بلدٍ إفريقيّ..

- أحقاً ! وماذا عن كوريا الشماليّة ، لا اظن زعيمها سيبقى حياديّاً مع الأحداث العسكريّة التي تجري حوله ؟

الرجل : بل كان له دوراً كبيراً عقب خوضه معارك مع كوريا الجنوبيّة ، في محاولة لضمّها اليه بالقوة .. كما أعلن الحرب على اليابان


المشرّد : وماذا عن روسيا ؟

- إنشغلت باجتياحها للسويد ورومانيا ومولدوفا وبولنا .. حتى إن صربيا انضمّت للحلف الروسيّ بغرض إجتياحها للبوسنة وكرواتيا

- وكم استمرّت تلك الحروب العالميّة ؟

الرجل : نحن مازلنا نعاني من نتائجها بعد مرور سبع سنوات على بدء الغطرسة الروسيّة التي تهدّدنا حالياً باستخدامها القنابل النوويّة ! لهذا عليك تسجيل اسمك ليكون لديك مكاناً في إحدى الملاجىء التي حفرتها دولتنا اسفل الأرض ، وإلاّ ستموت فور إطلاقهم قنبلة نوويّة باتجاه اميركا


المشرّد بقلق : وماذا عليّ فعله ؟

- هناك جمعيّة مُختصّة بالفقراء ، سجّل اسمك كيّ يحجزوا لك سريراً في الملجأ الأرضيّ 

المشرّد بتهكّم : يعني سنُشارك الشياطين بيوتها ؟

- الشياطين هي من تحكمنا يا صديقي ، كان الله في عوننا جميعاً 


فعاد المُشرّد مُكتئباً الى زقاقه المعتاد ، وظلّ فيه حتى المساء ..

*** 


في تلك الليلة ، جافاه النوم .. وما أن التفت للتلفاز القديم ، حتى أُضيء وحده على نشرة الأخبار ! والمذيع يقرأ نشرته التالية :

((سنعرض لكم نتائج الحرب العالميّة الثالثة التي استمرّت سبع سنوات : فالمناطق الروسيّة معظمها مُدمراً بشكلٍ كامل او جزئيّ .. وكذلك شمال اوروبا والصين واميركا وبريطانيا وكندا واستراليا واليابان وشبه الجزيرة الكوريّة ! ..وبسبب الأخطاء السياسية الجسيمة بتعامل الرؤساء مع الأزمة الخطيرة ، إختفت امبراطوريات ودول عظمى لتتشكّل مكانها دولاً جديدة ! اما الدول التي اختفت من الوجود او انهارت قواها السياسية فهي : اسرائيل وايران وتركيا والدول الإسكندنافية.. وفي المقابل إنتشرت المجاعة العالميّة والأمراض التي فتكت بعددٍ كبير من ناجين الحروب الدمويّة !.. وسنتابع معكم المستجدّات في نشرتنا القادمة ، دمّتم بخير))


فقال المتشرّد بسخرية :

- ومالخير المتبقي بعد نشرتكم المتشائمة ؟! ولماذا يذيعون اخباراً كاذبة ، فأنا لم اسمع القذائف او أشعر بخطر المجاعة ! هل هي فعلاً نشرةٌ حقيقية ، ام مجرّد فيلم سينمائيّ عالق داخل التلفاز القديم ؟! 

وهنا انطفأ التلفاز وحده !


المشرّد : ياله من تلفازٍ غريب ؟! يُضيء متى يشاء ، ويُطفىء فور انتهاء الأخبار ! والأرعب إن شريطه الكهربائيّ مقطوع ، فهل يعمل على بطاريّة داخلية ؟ ..أفكّر حقاً بالتخلّص من هذه الخردة التي أشعرتني بالإكتئاب ، وزادت حياتي سوءاً .. 


ثم قرّر النوم ، لمتابعة حياته الروتينيّة في الصباح بالبحث عن لقمة العيش

***


في اليوم التالي .. وفور خروج المشرّد من الزقاق ، وجد الناس تركض باتجاه الشاطىء وهم يحملون أمتعتهم ! 

وحين اوقف احدهم بصعوبة لسؤاله عما حصل ، أجابه :

- الم تسمع آخر الأخبار ؟

المشرّد بضيق : ماذا ايضاً ؟

- بعد انتهاء الحرب العالميّة الثالثة التي استخدموا فيها القنابل النوويّة ، لم تعدّ اراضينا قابلة للعيش بعد احتراق المزروعات وتلوّث مياه الشرب .. وأصبحت القارات مثل : اميركا الشماليّة والجنوبيّة واستراليا وإفريقيا كصحراءٍ خالية ، إلاّ من بعض الإمارات الصغيرة والجماعات المتفرّقة

- هذا مستحيل ؟!

- بلى يا رجل !! هناك دول جديدة ظهرت على الخارطة


المشرّد باهتمام : مثل ماذا ؟ 

- دول عربية اسلامية هاشميّة ظهرت في الشام ، وعاصمتها القدس الشريف

- أمازالت الدول العربية بخير ؟!

الرجل : نعم ، وكذلك دولاً كرديّة كبيرة ظهرت في شمال العراق وجنوب تركيا وفي وسط ايران ايضاً .. وهناك دولة تكوّنت من الشعوب التركيّة ظهرت في منغوليا وآسيا الوسطى وصحراء الصين ، وصولاً لشمال ايران والأناضول

- وماذا عن اوروبا ؟

- ما تبقّى من دول جنوب ووسط اوروبا ، توحّدت ضمن دولةٍ واحدة


المشرّد مُستنكراً : كل هذا حصل خلال يومٍ فقط ؟!

- يوم ! بل عشنا سنوات بهذه الفوضى .. هل انت قادم من بعدٍ زمانيّ مُغاير ؟! .. 

فصمت المشرّد بارتباك ..

الرجل : رجاءً إبتعد عن طريقي ، اريد الّلحاق بالسفينة للذهاب الى بلاد الشام .. فالحياة هناك مزدهرة والطعام والمياه متوفّرة للجميع .. أتمنى فقط أن أجد مكاناً لي بالسفينة


وركض مُسرعاً باتجاه الشاطىء كآلاف الشباب غيره ! بينما أكمل المُشرّد طريقه ، وهو مذهول من حجم الدمار الذي حلّ بالأبنية والمحلاّت التي تبدو كأن صورايخ العدو دمّرتها بالكامل !


فقال المشرّد بضيق : كيف حصل كل هذا الدمار دون سماعي للقذائف والصواريخ ؟! .. هل انا أحلم ؟! أكاد أجنّ !!

***


وبعد مشيه في الطرقات الفارغة المدمّرة لساعاتٍ طويلة ، شعر بالجوع الشديد ..فلم يعدّ امامه سوى الّلحاق بالشباب باتجاه الشاطىء ، بعد إخباره عن تقديم الطعام المجانيّ في سفن الترحيل الى الشرق الأوسط .. فذهب الى هناك لركوب إحدى السفن الضخمة المتوجهة الى بلاد العرب !

*** 


في السفينة .. وبعد تناول المشرّد لوجبةٍ مُشبعة ، مُقدّمة من ملكٍ عربيّ .. سأل شاب امريكي عما حصل في العالم .. فقال له :

- سأخبرك ملخّصاً عمّا فاتك من الأخبار في الأعوام الماضية : فالتاريخ يدور الآن حول الدول العظمى الثلاثة التي حسب رأيّ ستستمرّ على الأقل لأربعين سنة القادمة وهي : تحالف الكرد والعجم والترك في امبراطوريتهم ..والروم في اوروبا .. وقوّة العرب في الشام .. حيث توسّعت الدول الإسلاميّة لتشمل الحجاز وجزيرة العرب ومصر وشمال افريقيا ، مع وجود امارات داخلية تابعة لها في اليمن والمغرب وبعض اجزاء العراق .. لكني أظن إن وفاقهم لن يستمرّ طويلاً ، وستدخل تلك الدول في معارك بينها بعد وقوع فتنٍ داخليّة ، ليُعيد التاريخ نفسه 


المشرّد : طالما الإعتقاد السائد بأن الدول العربية ستُفنى ايضاً ، فلما هاجرنا اليها ؟!

- لأنهم في الوقت الراهن يعتبرون في ذروّة قوتهم ، فبلادهم لم تُتدمّر مثلنا بالقنابل النوويّة .. الم تشتاق للطعام اللذيذ الغير ملوّث بالكيماويّات ؟

- انا عشت مُشرّداً لسنواتٍ طويلة ، وكل ما يشغل تفكيري هو تأمين قوت يومي


الرجل : اذاً ستفرح بالعيش في البلاد العربية ، فهم معروفين بكرمهم .. وملكهم هو الذي ارسل السفن لإنقاذ الناجين من اوروبا واميركا .. 

- وماذا سنفعل حين نصل اليهم ؟

- برأيّ لا تفكّر بالمستقبل ، وعشّ كل يومٍ بيومه كما فعلت دائماً 

المشرّد : اساساً لم أعدّ اعرف الماضي من المستقبل ، وبأيّ تاريخٍ أصبحنا  

- نحن في عام 2080 ميلاديّاً

المشرّد بصدمة : ماذا قلت ؟! مستحيل !! البارحة كنت في عام 2022 

فهمس الرجل في اذنه مبتسماً :

- هذا خطؤك ، ما كان عليك أخذ التلفاز السحريّ لرؤية مستقبلنا المريب 


وقبل إستيعاب المشرّد ما سمعه ! سقط مغشيّاً عليه فوق فراشه الموجود في مهجعٍ جماعيّ بقسم خاص للشباب في السفينة العربية  

***  


حين استفاق ، وجد نفسه في خيمةٍ بالصحراء .. 

فخرج منها وهو مذهولاً تماماً ! فقبل نومه كان في سفينةٍ مليئة بالمهاجرين الأجانب ..

وقد لاحظ الراعي العربي إرتباك المشرّد الأجنبيّ ، فاقترب للحديث معه بلغةٍ عربيّة فصيحة .. 


فأراد المشرّد أن يخبره إنه لا يتقن لغته ، لكنه انصدم حين قال بالعربي : 

- آسف لا أتقن .. ماهذا ؟! كيف تعلّمت العربية بهذه السرعة ؟!

الراعي : جميع المهاجرين الذين قدموا الينا قبل اربعين سنة ، باتوا يتكلّمون لغتنا بطريقةٍ بارعة 

- اربعون سنة ! البارحة كنت في طريقي اليكم ، كيف يعقل هذا ؟!

- يبدو انه فاتك الكثير من الأحداث 


المشرّد بضيق : ماذا حصل ايضاً ؟!  

- بعد اربعين سنة من نهاية الحرب العالميّة الثالثة ، مات حاكم دولةٍ اسلامية ، واختلف الناس على من يخلفه .. فقامت فتنة كبيرة في معظم البلاد الإسلامية التابعة لحكم تلك الدولة .. واستمرّت الفتنة عشرين عاماً ، تصاعد خلالها شرّ الأمبراطوريّة الروم والترك بشكلٍ لا يطاق ..وبنهاية الفتنة ، حُسر الفرات عن جبلٍ من الذهب

المشرّد بصدمة : ذهب !

- نعم ..وتقاتل الناس عليه ، حتى ابادوا بعضهم .. بعدها ظهر المختار في مكة ، وبايعه الناس على كوّنه المهدي الذي تحالف مع الروم لهزيمة دولة الترك وطردها من العراق وخرسان للأبد


المشرّد : يعني لولا نحن .. أقصد الروم ، لما ربحتم عليهم ؟! 

- لا تفرح كثيراً ، فالروم غدروا بنا (العرب) في محاولة لاستئصالنا وإضعاف قوتنا .. لكن المهدي هزمهم وحرّر اسطنبول القسطنطينيّة مرةً أخرى .. وحاليّاً تتوجّه جيوشه لتحرير جنوب اوروبا وروما 


وقبل إكمال كلامه ، سمعا رجلاً ينادي من بعيد وهو يركب حصانه مسرعاً باتجاه قبيلة البدو :

- يا قوم !!

الراعي صارخاً بقلق : ماذا هناك ؟!! ماذا حصل ؟


وبعد توقف الرجل امام خيّم افراد القبيلة الذين تجمّعوا حوله لمعرفة ما حصل ، قال بصوتٍ مرتجف :

- إحذروا يا قوم !! فقد خرج الدجّال من أصفهان ايران ، وهو في طريقه الى جزيرة العرب .. هآقد بدأت فتنة عظيمة لن ينجو منها سوى المؤمنين حقا !


وقبل إدراك المشرّد ما سمعه ، أُغميّ عليه بعد إصابته بضربة شمسٍ قوية ، لعدم تحمّله حرّ جزيرة العرب !

***


حين استفاق ، وجد نفسه في زقاقه الضيّق الموجود بشارع منطقةٍ شعبيّة بأميركا ، بجانبه التلفاز القديم ! 


فخرج للشارع ، لإيقاف اول رجلٍ رآه هناك .. وسأله :

- لوّ سمحت يا سيد ، ما تاريخ اليوم ؟

الرجل باستغراب : الا تعرفه ؟!

المشرّد بإلحاح : ارجوك إخبرني به 

- نحن في صيف 2022

فتنهّد المشرّد بارتياح : الحمد الله ، شكراً سيدي


وعاد الى الزقاق ، ليجد التلفاز مضاءً .. حيث ظهر المذيع ذاته ، وهو يقرأ نشرة الأخبار (التي سمعها اول مرة) :

((بعد إجتياح روسيا للأراضي الأوكرانيّة ، تخوّف الرئيس بوتين من إنضمام فلندا للناتو ، فقرّر إجتياحها ايضاً.. ويبدو.. 


وقبل إكماله نشرته .. سارع المُشرّد بإحراق إطار التلفاز الخشبيّ ، حتى تفحّم بالكامل !


وبعد تخلّصه منه ، تمّتم قائلاً :

- لا اريد الإنتقال لمستقبلنا الكئيب .. بل سأبحث فوراً عن عملٍ شريف ، ولوّ بأجرةٍ بسيطة .. وسأعيش حياتي وأتزوج وأنجب الأولاد ، قبل أن تقتلنا الحرب العالميّة الثالثة المدمّرة .. كان الله في عون الأجيال القادمة 


وذهب مباشرةً لمحطة بنزينٍ قريبة ، للعمل فيها براتبٍ يكفل له الحدّ الأدنى من العيش الكريم !


الثلاثاء، 7 يونيو 2022

رغم الفروقات

كتابة : امل شانوحة 

لا للعنصريّة


في وقت الظهيرة ..إقتربت ديانا بسيارتها امام كشك للطلبات السريعة ، لشراء قهوةٍ داكنة .. وحين مدّ العامل آدم (الأفريقي) يده لإعطاء طلبيّتها ، وجدها تبكي بقهر وهي تحاول أخذ الكوب بيدها المرتجفة ! 

فسألها بشفقة :

- مابك سيدتي ؟!

- آسفة ، احاول التماسك بعد إنفصال حبيبي عني قبل قليل


فأعطاها شوكولا مع القهوة ، وهو يقول :

- رجاءً لا تفكّري به كثيراً ، فهو الخاسر .. انت حتماً تستحقين أفضل منه .. ولوّ لم يتواجد زبائن خلفك ، لمدحت جمالك بأشعارٍ وقصائد .. فأنا كاتبٌ جيد .. أتمنى لك يوماً سعيداً 

فشكرته على معاملته اللطيفة ، وابتعدت بسيارتها ..

***


عصراً ، تذكّرت انها لم تدفع ثمن القهوة ! 

فأسرعت الى الكشك قبل إغلاقه .. لتجد آدم خارج عمله ، فأوقفته :

- عفواً ! لم ادفع لك .. إظنك لا تذكرني ، أتيتك باكية..

آدم مقاطعاً : أذكرك جيداً .. لا تقلقي ، دفعت عنك .. 

- لماذا !

- لم اردّ مضايقتك بطلب الحساب .. المهم إخبريني ، هل تحسّنت نفسيّتك ؟

ديانا : تحسّنت بعد تناولي الشوكولا اللذيذة ، هل دفعت ثمنها ايضاً ؟

فأومأ برأسه إيجاباً ، بابتسامةٍ لطيفة ..


فحاولت الدفع له ، لكنه رفض قائلاً : 

- إن كنت تريدين ردّ الجميل ، فبإمكانك توصيلي الى منطقتي لأنه لم يتبقّى معي اجرة التاكسي

ديانا : بالطبع !! إركب بجانبي 

***


في الطريق .. أخبرها إنه يدرس في معهد لكتابة سيناريوهات سينمائيّة .. وحلمه أن يصبح كاتباً مشهوراً .. والى ذلك الحين سيظلّ يعمل بوظيفتين للإهتمام بإخوته الصغار ، بعد وفاة والديه بحادث سير 


ديانا : يبدو انك عصاميّ ومجتهد ، وأتوقّع لك مستقبلاً بارعاً 

- شكراً لك .. (ثم نظر للشارع) .. رجاءً لا تقتربي اكثر ، سأنزل هنا

- لا يوجد مباني بالجوار ! 

آدم : شقتي على بعد كيلومترين ، سأتمشّى الى هناك

- ولما لا تريدني ان اوصلك لمنزلك ؟!

- لأنك ستدخلين الى منطقةٍ شعبيّة عشوائيّة ، فيها الكثير من رجال العصابات .. لذا سأنزل هنا ، وانت عودي الى الطريق العام 


لكنها أصرّت على الإقتراب أكثر ، قبل أن يوقفها لصّ اعترض طريقها بدرّاجته الناريّة .. ونزل وهو يصوّب سلاحه نحوهما ، طالباً المال والجوّالات ..

 

وجين رأى جوّال آدم القديم ومحفظته الفارغة ، إكتفى بالمال الذي سرقه من ديانا .. قبل ابتعاده مسرعاً ، بعد سماعه سيارة شرطة من بعيد 


آدم بضيق : هذا خطئي ، ما كان عليّ إحضارك الى هذه المنطقة المشبوهة .. أعتذر منك ، لوّ كان معي المال لعوّضتك عمّا سرقه منك  

- لا مشكلة ، مجرّد مئة دولار 

- المئة دولار هي أجرتي لأسبوعٍ كامل .. المهم !! الحمد الله على سلامتنا .. جيد انه لم يسرق أغلى شيء بحياتي


وأخرج آدم عقده من قميصه ، وفيه خاتم فضّي .. وهو يقول :

- هذا خاتم امي ، هو الذكرى الوحيدة لها .. كنت سأموت لوّ سرقه مني .. الآن عليّ الذهاب ، سأعطيك رقمي لكيّ تطمّئنيني عن وصولك سالمة الى منزلك .. ويمكنك حذف رقمي بعدها 

ديانا : ولما أحذفه ؟ لربما اصبحنا اصدقاء 

قالتها بابتسامةٍ حنونة .. فابتسم بدوره وهو ينزل من سيارتها

***


بعد شهر من اتصالهما الهاتفيّ كل مساء ، إلتقيا أخيراً في حديقة جامعة ديانا للحقوق .. 


واثناء ضحكها مع آدم ، رأت جاك (حبيبها السابق) يقترب مع صديقته الجديدة وهو يقول ساخراً بعد رؤيته صديقها الأسمر : 

- أهذا صديقك الجديد ؟

ديانا بلؤم : هل عندك مانع ؟

جاك : يبدو لي كعامل توصيل البيتزا 

فردّ آدم : انا أدرس في المعهد الفنّي ، وموظّف في دوامين : محل قهوة وسوبرماركت 

فضحك جاك باستحقار : يعني ظنّي صحيحاً .. الم تجدي غيره ليحلّ مكاني ؟ هل جعلتك يائسة لهذه الدرجة يا عزيزتي ؟


ديانا بعصبية : آدم أفضل منك بكثير ، ويوماً ما سيصبح كاتباً مشهوراً 

جاك باستهزاء : آه نعم .. الكاتب الأول في هوليوود ، اليس كذلك ؟

ديانا : ولما لا ؟!!

جاك باستحقار : لا تقولي انك تفكّري بالزواج من هذا العبد ؟


فاستفزّت الكلمة آدم الذي كاد يلكمه على وجهه ، لولا أن أوقفته ديانا التي ردّت على جاك :

- ربما أفعل يوماً ما

جاك : يا غبيّة ، انه يتسلّى بك 


فإذّ بآدم يجثو على ركبته بعد إزالته خاتم امه من عقده ، الذي وجّه نحوها وهو يسألها :

- هل تتزوجينني يا ديانا ؟

فأجابته وهي تنظر لجاك بتحدّي :

- بالطبع أقبل !!


فقال جاك ، بعد وضع آدم الخاتم الفضّي في أصبعها :

- ياله من خاتمٍ رخيص ، انه يناسبك جداً .. أظن والدك المتغطرس سيفرح بأحفاده السود 

وابتعد ضاحكاً ، وهو يحتضن صديقته الجديدة..

***


بعد هدوء الوضع المتوتّر ، ازالت ديانا الخاتم من اصبعها وهي تقول : 

- أشكرك على موقفك النبيل ، يمكنك استعادة خاتم امك

آدم بقلق : لما أزلته ؟! هل ترفضينني ؟

ديانا بدهشة : وهل فعلاً طلبتني للزواج ؟! 

- طبعاً ، لا مزاح بهذه الأمور

- وأعطيتني خاتم امك الغالي على قلبك ؟!

آدم : لأنك مهمّة بالنسبة لي  

- انا مصدومة بحقّ ! 


آدم بإحراج : أعرف اننا تعرّفنا منذ وقتٍ قصير ، وأدرك تماماً إختلافنا من حيث العرق والمستوى الإجتماعي .. 

ديانا مقاطعة : توقف يا آدم ، هذه الأمور لا تهمّني .. انا فقط سعيدة لثقتك بي لهذه الدرجة !

- وسأكون أسعد إن وافقتي على الزواج بي ، فور تخرّجي من المعهد 

ديانا : اذاً دعنا نتفق على كوننا مخطوبين .. وإن بقينا على وفاق بعد التخرّج ، نتمّم مراسم الزواج 


آدم بقلق : وماذا عن اهلك ؟

- سأخبرهم بالوقت المناسب .. الى ذلك الحين ، إبقي الخاتم معك

- لا !! هو لك 

ديانا : حسناً ، سأخبئه في غرفتي لحين إعلام والدي بالأمر .. عليك الإنتظار قليلاً.. 

آدم : سأنتظرك لآخر يومٍ في حياتي

فوضعت رأسها على كتفه :

- انا محظوظة لإيجاد رجلٍ حنون مثلك يا آدم  

***


توطّدت علاقتهما خلال سنوات الدراسة .. وتخرّج آدم من معهده بعد تفوّقه على زملائه الكتّاب .. 

بعدها بسنة .. دعته ديانا لحضور حفلة تخرّجها الجامعيّ ، وعرّفته على اهلها على كونه صديقها المقرّب..

*** 


بعد شهر من تخرّجها .. فاتحت والدها بالموضوع ، فحصل شجارٌ عنيف بينهما ! .. ورغم اعتراضه الشديد ، الاّ ان ديانا أصرّت على الزواج من آدم بعد توظّفه في شركة سينمائيّة ، ونجاح فيلمه الأول .. مما تسبّب بمقاطعة اهلها لها ، الذين رفضوا حضور عرسها التي اقامته في منطقته الشعبيّة برفقة اهله والأصدقاء 

***


مرحباً ..انا ديانا صاحبة القصة ، زوجة أشهر كاتبٍ في هوليوود.. أتمّمت البارحة عاميّ الستين .. اما والدي : فتوفيّ بأزمةٍ قلبيّة بعد خسارة ثروته بالبورصة ، فاهتممّت بمصاريف أمي واخوتي من ارباح زوجي بأفلامه العديدة التي حصدت شهرة وجوائز عالميّة .. والذي عشت معه اجمل سنوات عمري .. اما صديقي القديم جاك : فتطلّق مرتين بسبب عقمه وسكره المتواصل وفشله بإيجاد وظيفةٍ ثابتة ! .. اما انا : فأصبحت اماً لثلاثة اولاد متفوّقين بدراستهم الجامعيّة ، بسبب إهتمام والدهم وثقافته وحسّه الإبداعيّ الذي اكتسبوه منه .. لست نادمة ابداً على زواجي من عاملٍ بسيط ، تمتّع بطموحٍ قويّ أوصله لأعلى المراتب .. وبسبب التفاهم والإحترام والتضحيّة الذي بيننا ، إستطعنا تأسيس زواجٍ قويّ لم تزعزعه فروقات العرق والمكانة الإجتماعيّة .. فالحب برأيّ هو المفتاح الوحيد للسعادة الأبديّة ، فهل توافقوني الرأيّ ؟ 


الأحد، 5 يونيو 2022

الجنود المعاقون

تأليف : امل شانوحة 

 

نكران الجميل !


بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية .. عاد الجنود الى قراهم الأوروبيّة ، بعضهم مُشوّه الوجه والبعض الآخر مُعاق جسديّاً .. ومن نجى منهم ، عانى من إضطراباتٍ نفسيّة مُعقّدة ! 

ورغم عطف الأهالي عليهم إلاّ أن أكثريّتهم إنزوى بأطراف القرية ، ليعيشوا بأكواخٍ قرب غابةٍ موحشة ، خوفاً من تملّل الأهل بخدمتهم او سماعهم تعليقات جارحة من المارّة والأطفال والغرباء ، خصوصاً المتنمرّين..

***


في احد الأيام .. تجمّع المعاقون حول صديقهم جاك الذي عاد من رحلته الإكتشافيّة للغابة وهو يمشي على قدميه اللتين فقدهما في المعركة ! 

وسألوه بدهشة :

- من الطبيب الذي ركّب لك اقداماً صناعيّة ؟! رجاءً دُلّنا عليه

فأجابهم بابتسامةٍ عريضة : انهما قدمايّ الحقيقيتين ، إنظروا بأنفسكم !! 

ورفع بنطاله من الأسفل ، ليتأكّدوا انهما من عظامٍ ولحم ! 

الجميع بصدمة : لا يعقل هذا ! إخبرنا بما حصل ؟


جاك : كنت اسير بكرسيّ المتحرّك بصعوبة وسط الأدغال .. وإذّ بتوازني يختلّ فوق الصخور الصغيرة المدبّبة التي أوقعتني من الجرف ، لأسقط في بركةٍ ضحلة

- أتقصد المستنقع الصغير قرب الشجرة العملاقة ؟

جاك : نعم ، وحين خرجت منه .. وجدّتُ اقدامي نمت من جديد ! أظنها بركة سحريّة .. وإن اردّتم ، أدلّكم على المكان


فوافق المعاقون على الذهاب معه ، بعد إشتراطه عليهم : عدم إخبار اهالي القرية بالمكان السرّي !

***


وقبل غروب الشمس ، وصلوا الى المكان المنشود.. ورغم نتانة المياه الراكدة إلاّ انهم مسحوا بها وجوههم المشوّهة واطرافهم المقطوعة ، حتى شعورهم ورؤوسهم لعلاجها من عقدهم النفسيّة المستعصية.. 


وخلال ثواني .. نمت اطرافهم المقطوعة من جديد ، وعادت وجوههم كما كانت قبل المعارك ، واختفت اصوات الصراخ والإنفجارات التي كانت تدويّ في عقولهم المتعبة ! 

فحضنوا بعضهم بسعادةٍ غامرة بعد إسترداد قوتهم وشبابهم الضائع 

***


في تلك الليلة .. اوقدوا ناراً قرب أكواخهم ، للإحتفال بفرصتهم الجديدة بالحياة .. وأخذوا يتشاورون فيما بينهم على الطريقة المميزة لدخول القرية

فمنهم من رغب العودة لحياته السابقة ، وبعضهم اراد الزواج ممّن رفضته بسبب إعاقته .. اما الأغلبية فرغبوا بعقاب المتنمّرين والشامتين ، بردّ الإساءة اليهم ! 

واتفقوا على التجمّع في ساحة القرية مع بزوغ الفجر ، قبل ذهاب المزراعين الى حقولهم..

***


في الصباح الباكر .. شهقت النساء بصدمةٍ كبيرة بعد رؤية معاقيّ الحرب يهرولون كجنودٍ بواسل ! ووقف الرجال مذهولين مما رأوه .. بينما رفع الراهب صوته بالصلوات ، خوفاً أن يكون تلبّسهم الشيطان

وتجمّع الناس حولهم لسؤالهم عن المعجزة التي حصلت لهم ؟ وهل نزلت الملائكة من السماء بأطرافهم الجديدة ، ام إن طبيباً عبقريّاً عالجهم من تشوّهات الحرب ؟! 


فإذّ جاك يفاجئهم (وهو اقوى الجنود) بوابلٍ من الشتائم على كل من استهزأ او استحقر إعاقته فور عودته من الحرب .. 

وسرعان ما شاركه بقيّة زملائه بوصفهم اهالي قريتهم بالجبناء لعدم مشاركتهم المعارك !


وبعد تماديهم بالشتائم ، قال عجوزٌ لأهالي قريته بضيق :

- لما نقف مكتوفيّ الأيديّ امام تحقيرهم لأعمالنا الشريفة بالزراعة ورعيّ الأغنام ؟!.. إن كانوا لا يريدون إخبارنا بسرّ معجزتهم ، فليذهبوا للجحيم !! 

فقالت امرأة بغيظ : هذا صحيح !! ساعدناهم ببناء اكواخهم ، وأرسلنا اليهم الطعام من وقتٍ لآخر .. وانظروا كيف يردّون الجميل ؟! 


فاقترب رجلٌ آخر من الجنود ، وهو يقول بقهر : 

- وظّفناكم بأعمالٍ بسيطة في حقولنا ، بأجورٍ مجزيّة مراعاةً لإعاقتكم .. لكن طالما أظهرتم طباعكم السيئة ، فلن نساعدكم ثانيةً !! ..إعملوا بأنفسكم بعيداً عن قريتنا التي تشمئزّون منها ..

ثم قال للأهالي :

- هيا لنذهب الى مزارعنا ودوابنا التي فيها خير اكثر منهم ..


وغادر الجميع الساحة .. تاركين الجنود يتفاخرون بقوّتهم وعضلاتهم ، غير آبهين بجرحهم مشاعر كبار السن في قريتهم ! 


ثم قال جاك لرفاقه : 

- اللعنة عليهم !! لسنا بحاجة لطعام نسائهم الرديّ وعطايا عجائزهم البخلاء ، بإمكاننا الإهتمام بأنفسنا جيداً 


وعادوا لأكواخهم بجانب الغابة ، للإحتفال مجدّداً باستعادتهم صحّتهم وقوّتهم 

***


ومرّت الأيام .. قضاها الشباب العشرين بصيد الأرانب والغزلان ، دون اكتراثهم بالبحث عن اعمالٍ ذات أجورٍ ثابتة ..حتى انهم لم يصلحوا اكواخهم المتهالكة .. وكل ما فعلوه هو عيشهم كل يومٍ بيومه ، دون التفكير بمستقبلهم ! 

***


إستمرّت اعمالهم الطائشة حتى حلول الشتاء ..

فتشاور جاك معهم بقلق : 

- ليتنا أصلحنا بيوتنا ، بدل الوقت الذي أضعناه بالإحتفالات المسائيّة

- معك حق ، أخاف أن تنهار سقوفنا مع هبوب العواصف الرعديّة

- حتى المال الذي كنّا نملكه ، صرفناه على النساء الرخيصات في المدينة ، بدل شراء المواشي والبذور التي من المفترض زراعتها في حقلٍ خاصٍ بنا !

- ومالعمل الآن ؟!


جاك : دعونا نعود للمستنقع ، لربما يعطينا ما نتمنّاه

- وهل تظنه فانوساً سحريّاً ؟

جاك : حين جرّبناه ، كان همّنا الوحيد هو الشفاء من إعاقتنا دون طلبنا لشيءٍ آخر

- إن كان كلامك صحيحاً ، فسأطلب هذه المرة الكثير من المال

- وانا سأطلب زوجةً حسناء ، أنجب منها الكثير من الأولاد

- وانا اريد كسب مهارات جديدة تساعدني بإيجاد عملٍ مرموق في المدينة  

جاك بحماس : اذاً ماذا ننتظر ؟ لنذهب فوراً للبركة قبل تجمّدها من البرد

***


وتوغّلوا الى وسط الغابة .. وقفزوا معاً في المستنقع الصغير النتن وهم يرفعون اصواتهم ، طالبين أمانيٍ خياليّة !


وحين خرجوا من البركة ، إنصدموا بعودة إعاقاتهم القديمة وتشوّهاتهم الجسديّة والنفسيّة بعد دويّ الصراخ والإنفجارات في أذانهم من جديد !

جاك وهو ينظر بصدمة الى قدميه المقطوعتين : 

- لا ! لا اريد ذلك 


وعادوا للقفز في المستنقع ، وهم يرفعون ايديهم بالدعاء : 

جاك باكياً : يارب !! لا اريد المال ولا النساء ، فقط أعدّ قدمايّ ارجوك!! 


وظلّوا يسبحون في البركة ، حتى حلول المساء .. وبعد أن دبّ فيهم اليأس ، خرجوا منها قبل تجمّدهم من البرد .. وهم يساندون بعضهم للعودة الى اكواخهم المتهالكة .. 

***


بعد حملهم جاك ووضعه فوق كرسيه المتحرّك الموجود في كوخه ، اسرع بتحريك عجلاتها باتجاه القرية .. 

ليقف في الساحة وهو يطلب منهم المساعدة ببطانيات لأصدقائه ، وبعض الطعام بعد نفاذ مخزونهم من الصيد 


لكن اهالي القرية ورغم استغرابهم من عودة إعاقة جاك ! وتشوّهات زملائه الجنود (حسب روايته) لم يكترثوا هذه المرة لمساعدتهم ، بعد ظهور طبائعهم السيئة بالتعامل معهم في الشهور الثلاثة الماضية .. بل أكملوا طريقهم الى بيوتهم الدافئة وهم يقولون:

- اعطاكم الله فرصة جديدة للحياة ، لكنكم أفسدتموها بنكرانكم الجميل  .. فلا تلوموا إلا انفسكم !! 

العجوز : طالما تجاوزتم المعارك بمفردكم ، ستتجاوزون برد الشتاء دون مساعدتنا


فعاد جاك الى رفاقه يائساً ، لإخبارهم بتخلّي اهالي القرية عن مساعدتهم ومدّ العون لهم !  

***


في عمق الغابة .. خرج الشيطان من المستنقع وهو يقول بفخر :

- اظن سيدي سيكافئني على خطتي ماكرة ، بعد توكيلي الجن بتلبّس أجسام المعاقين في الشهور الماضية ، وإيهامهم بعودة اطرافهم المقطوعة ، وسحر عيون المشوّهين لتجميل وجوههم .. بينما أكمل الجنود الأغبياء تنفيذ خطتي بغرورهم وغطرستهم التي أخسرتهم شفقة المجتمع عليهم.. أعتقد فكرتي العبقريّة ستُسعد جدي ابليس وسيرفع رتبتي بين الشياطين  


واختفى الشيطان مع مستنقعه السحريّ ، تاركاً المعاقين يندبون حظّهم ويلومون انفسهم على نكرانهم الجميل الذي جعلهم منبوذين لدى اهالي قريتهم الذين فقدوا ثقتهم بهم للأبد ! 


الخميس، 2 يونيو 2022

العدالة ولوّ بعد حين

فكرة : اختي اسمى
كتابة : امل شانوحة

عودة الحق لاصحابه


كانت سعاد (الستينيّة) منشغلة بتقشير الخضار ، اثناء إستماعها لمقابلةٍ تلفازيّة مع طبيبةٍ نفسيّة .. سرعان ما أثارت الطبيبة (الثلاثينيّة) إهتمام سعاد التي وقعت السكين من يدها المرتجفة ، وهي تقول بصدمة :

- انها هي ! .. ابنتي ريم .. تُشبهها تماماً


ثم اتصلت بالبرنامج ، وهي تصرّ على مكالمة الطبيبة على الهواء مباشرة:

- الو .. دكتورة ريم

الدكتورة : اهلاً سيدتي ، ما مشكلتك ؟

- انت ابنتي

فابتسمت الطبيبة للكاميرا : 

- شكراً سيدتي ، أعتبر جميع كبار السن في مقام والدتي

- لا !! انت ابنتي بالفعل ، اسألي والدك

فتغيّر وجه الطبيبة التي قالت بتجهّم :

- اظنك مخطئة ، امي ماتت بحادث سير وانا صغيرة  


واشارت بيدها للمذيعة التي فهمت قصدها ، وطلبت من المساعد قطع الإتصال المباشر ..

***


حاولت سعاد كثيراً إعادة الإتصال بالبرنامج والدموع في عينيها ، لكنهم لم  يردّوا عليها ! 

فأسرعت بتجهيز نفسها للذهاب الى المحطّة الإذاعيّة ، علّها تلتقي بإبنتها التي فقدتها في سن السادسة !

***


وصلت سعاد متأخرة للمحطّة الإذاعيّة ، بعد إنتهاء مقابلة الطبيبة ريم وعودتها الى منزلها.. فأصرّت على مكالمة مديرة الإذاعة ..

***


في مكتب المديرة ، أخبرتها بموجز قصتها .. وكيف إن طليقها خطف ريم من المدرسة ، وسافر بها للخارج .. ولم ترها منذ ذلك اليوم ! 

المديرة باستغراب : هل انت متأكدة إنها هي ؟ 

- هل عندك اولاد ؟

- نعم 

سعاد : هل ستعرفينهم بعد ثلاثين سنة من هجرتهم للغربة ؟

- فهمت قصدك .. سأعطيك عنوان عيادتها .. هذا كل ما استطيع فعله لأجلك ، وليكن الله في عونك 

***


إتصلت سعاد بالعيادة ، لتخبرتها السكرتيرة بأن الطبيبة ستتواجد في مكتبها غداً صباحاً ..

فلم تستطع سعاد النوم طوال الليل ، وهي تفكّر بلحظة إحتضانها لإبنتها الوحيدة..

***


في اليوم التالي .. دخلت السكرتيرة مكتب الطبيبة وهي تقول :

- هناك سيدة تنتظرك منذ الفجر 

- الفجر !

- اتيت العيادة باكراً ، لأجدها جالسة على الدرج .. وأخبرتني انها مستيقظة منذ البارحة ! فأدخلتها الى غرفة الإستراحة

الطبيبة ريم : يبدو حالتها مستعصية ، إدخليها حالاً 

***


ما ان دخلت سعاد المكتب ، حتى انهارت بالبكاء .. وحاولت الإقتراب من ريم لاحتضانها ، لكنها أبعدتها بارتباك :

- مالذي يحصل معك يا خالة ؟

سعاد : كنت اتصلت البارحة بالبرنامج الإذاعيّ .. فأنا امك يا ريم ، الا تذكرينني ؟!

- يا الهي ! انت ثانيةً .. أخبرتك ان امي توفيّت منذ طفولتي

سعاد بعصبية : كاذب !!

- من الكاذب ؟!

- والدك .. أقصد طليقي 

- رجاءً لا تتحدثي بالسوء عن والدي 

سعاد : أمازال يعيش في الغربة لإدارة شركة جدك ؟


فانصدمت ريم ممّا سمعته ، وتراجعت للخلف !

- كيف عرفتي عن شركة جدي في الخارج ؟!

سعاد : جدك هو سبب طلاقي .. لم يتقبّلني كنّته منذ البداية ، لأني لا اناسب مستواهم الإجتماعي .. واشترط على والدك تطليقي بعد ولادتك ، كيّ يكتب الشركة بإسمه .. لكنه رفض ، فعاقبه جدك بكتابة الشركة بإسمكِ .. وحين علم والدك بذلك ! اسرع للقصر للإعتذار منه ، لكنه وصل متأخراً بعد وفاته .. لهذا قرّر تطليقي ، معلّلاً ذلك بأني السبب في موت والده غاضباً عليه ! لكنه بالحقيقة مغتاظاً من ضياع الشركة التي حلم دائماً بإدارتها..


ريم بعصبية : توقفي رجاءً !! صحيح انني وكّلت ابي بإدارة شركتي ..لكن هذا لا يمحي وقاحة جرمك بعد هروبك مع عشيقك ..

سعاد مقاطعة : آه نعم ، وبأني تركتك على باب قصر جدك قبل حادث السير ؟ أتذكّر كذبته جيداً .. فوالدك ارادكِ أن تكرهينني ، حتى بعد إختلاقه موتي ! لكني لم انسكِ يوماً يا حبيبتي

ريم بغضب : رجاءً أخرجي من عيادتي !! 

- إن كنت تظنين أني أدّعي شخصيّة والدتك ، فأين شهادة وفاتها ؟ دعي والدك يريك إيّاها ، إن كان صادقاً .. او على الأقل دعيه يخبرك بعنوان المنزل الذي ولدتِ فيه 

ريم بغضب : قلت اخرجي !! امي ماتت وانتهى امرها


وأخرجتها بالقوة ، وأقفلت الباب خلفها .. لتعود سعاد الى منزلها وهي منكسرة الخاطر .. تاركةً ابنتها ترتجف بقوة ، وهي تحاول إنكار ما سمعته .. فهي لا تقبل أن يشوّه احد صورة والدها المثاليّة !

***


بعد اسبوع .. تفاجأت ريم بسيدة تحادث ابنها (7 سنوات) امام باب مدرسته الإبتدائية .. فأسرعت لإبعادها عنه ، ظنّاً بمحاولتها خطفه .. لتجدها سعاد !

- انت من جديد ! ماذا تريدين من ابني ؟

سعاد : اردّت لقاء حفيدي

ريم بعصبية : هذا ليس حفيدك يا مجنونة !! إبتعدي من هنا .. وان اقتربت من مدرسة ابني ثانيةً ، سأتصل بالشرطة او بمستشفى المجانين ، هل فهمت ؟!!

- سامحك الله يا ابنتي

فشدّت ريم ذراع ابنها ، وأدخلته الى سيارتها التي قادتها بعيداً

*** 


في السيارة ، عاتبت ابنها :

- الم اخبرك الف مرة أن لا تكلّم الغرباء ؟

ابنها باستغراب : لكنها جدتي !

- ليست هي !!

- الم تخبريني سابقاً ان امك اسمها سعاد ؟

امه : تلك المرأة تدّعي ذلك ، ولا اريدك أن تكلّمها ثانية .. وان رأيتها تقترب منك ، إخبر معلمتك وهي ستتصرّف ، مفهوم ؟!!

- حاضر امي .. (وسكت قليلاً).. مع انها لطيفة معي ! وأخبرتني قصة جميلة .. وساعدتني بحلّ الواجب لحين قدومك .. كما أهدتني حلوى جميلة


ريم بقلق : اين الحلوى ؟

- أكلتها 

- كم مرة أخبرتك أن لا تأكل الحلوى من الغرباء ؟!!

- هي اشترتها من كشك المدرسة 

ريم : حسناً ، لكن إيّاك أخذ شيء من الغرباء مرة ثانية 

- حاضر امي

*** 


بعد شهرين .. واثناء إلقاء ريم محاضرةً في نادي الأثرياء عن حاجة المرأة النفسيّة للترفيه والإستمتاع بوقتها.. رفعت امرأة يدها وهي تجلس بعيداً عن الحاضرين .. فقالت الطبيبة بصوتٍ مرتفع :

- تفضلي !!

فأزاحت سعاد الكمّامة عن فمها وهي تقول :

- اليس من حقّي محادثة ابنتي دون الخوف من ردّة فعلها العنيفة ؟


فخشيّت ريم أن تفضحها امام نساء المجتمع ، فأجابتها على عجل :

- بالطبع من حقك ، سألقاك بعد المحاضرة لمعرفة مشكلتك

ففهمت سعاد أنها تحاول إسكاتها ، فردّت بأدب :

- شكراً دكتورة 

والتزمت الصمت طوال الإجتماع ..  

***  


بعد المحاضرة ، جلست الطبيبة مع سعاد في مطعم النادي : 

- كيف دخلتي الى نادي الأثرياء ؟!

سعاد : علمت انك تلقين محاضرات هنا ، فتوظّفت في مطبخ النادي

- توظفّت هنا ، فقط لتريني ؟!

- انتظرتك 32 سنة ، ولا يهمّني لوّ عملت عاملة نظافة لكيّ ألمحك من بعيد ..


ريم : من انت ؟ وماذا تريدين مني ؟!

- يبدو لم تصدّقيني بعد ! لهذا اريدك أن تأتي معي الى بيتك القديم ، لربما تذكّرتي طفولتك .. هذا كل ما اطلبه منك

- وفي حال لم اتذكّر شيئاً 

سعاد : حينها لن تريني ثانيةً

- اهذا وعد ؟

- وعد

فوقفت ريم ، قائلةً بحزم : إذاً لننهي الموضوع الآن !!

***


وقادت الطبيبة سيارتها ، وسعاد تجلس امامها وتدلّها على بيتهم القديم التي مازالت تسكن فيه ..


وحين توقفت امام عمارةٍ قديمة ، قالت ريم باستنكار :

- مستحيل ان يعيش والدي في هذه المنطقة الشعبيّة !

- بل عاش فيها سبعة سنوات بعد طرده من القصر ، فور زواجه بي

ريم : اساساً كيف التقيتِ بوالدي ؟!

- كنت موظفة مهمة في شركة جدك الذي طردني فور شعوره بانجذاب ابنه الوحيد لي .. ورغم هذا ، أصرّ والدك على زواجنا ! 

- مازلت لا أصدّق ما تقولينه 


سعاد معاتبة : يعني لا تصدقين الظلم الذي تعرّضت له ، وصدّقتي بسهولة  إشاعة أنني هربت مع عشيقي ، ومتّ معه بحادث سيارة؟!

فسكتت ريم بامتعاض... فقالت امها وهي تنزل من السيارة :

- إنزلي يا ريم لأريك بيتك ، لعلّك تذكرين طفولتك وتنهين عذاب امك 

***


فور دخول ريم الى الشقة ، إعتراها شعوراً غريباً .. فرائحة المكان وشكل الصالة ليست غريبة عليها !

سعاد : لم أغيّر شيئاً في منزلي منذ رحيلك ، حتى المفروشات أبقيتها كما هي ، على امل ان تعودي يوماً وتتذكّرينها .. تعالي اريك غرفتك التي مازالت كما تركتها ، يوم اختطافك من المدرسة

- ابي لم يخطفني

- لنتكلّم لاحقاً بهذا الشأن ، هيا إدخلي


وما أن فتحت ريم باب غرفتها ، حتى توسّعت حدقتا عينيها ! فهي نفس الغرفة التي تراها في منامها .. كما تذكّرت لعبتها الموجودة فوق السرير ، التي لم تكن تنام دونها .. 


ثم اقتربت من النافذة ، لترى غرفة الجيران بالشقة المواجهة.. ودون وعيٍّ منها ، سألت سعاد :

- كيف حال احمد ، صاحب النظّارة السميكة ؟! 


والتفتت الى امها لتجدها تبكي فرحاً ، بعد تذكّر ابنتها علاقتها اللطيفة مع ابن الجيران (الذي من جيلها) ..

وما أن رأت ريم دموعها ، حتى حضنتها بقوة .. لينهارا معاً في بكاءٍ مرير ، بعد إكتشاف ريم كذب والدها طوال حياتها !

***


بعد هدوء الوضع ، تناولا الغداء :

الأم : كنت آمل أن توافقي اليوم للقدوم معي ، لهذا طبخت صباحاً اكلتك المفضّلة ..

ريم : كنت فعلاً احب الخضار بهذه الطريقة .. أمازلت تذكرين ؟!

- لم انسى شيئاً عنك 

فتنهّدت ريم بضيق : لا يحقّ لأبي حرماني منك !

- فعل ذلك لإدارة شركة والده .. فجدك كان حازماً بوصيّته ، ببقاء الشركة لك طوال حياتك .. ولولا وكالتك لأبيك ، لما حلم بإدارتها 


وهنا تذكّرت ريم تصرّفات والدها بالغربة ، وعلاقاته المتعددة مع النساء وسكره الدائم .. كما لم يكن عطوفاً معها ، ولم يحضر أيّةِ مناسبة مهمة في مدرستها او اعياد ميلادها .. واكتفى بتوكيل سكرتيرته بشراء هدايا لمناسباتها .. وبالكاد اجتمعت معه في ايام العطل للحديث عن مشاكلها 


ريم بحزن : طالما لم يكترث لي ، لما لم يدعني معك ؟ وكنت أعطيته الوكالة اللعينة التي يريدها

- لا ابنتي ، لا اريدك ان تتنازلي عن حقوقك .. هو حرمنا من بعضنا ، لهذا دعينا نؤلمه كما آلمنا

- كيف ؟!

امها : أخبرتك انني كنت موظفة جيدة في شركة جدك 

- يعني انت خرّيجة جامعيّة ؟


امها : بل كنت متفوّقة بالعلوم الإداريّة ، حتى إن جدك يوم طرده لي أخبرني انه لولا علاقتي السرّية بإبنه ، لسلّمني الإدارة بعد وفاته ، فهو يثق بذكائي اكثر من والدك الذي حصل على شهادته بالواسطة ، والذي لولا إعتماده على موظفين اذكياء ، لما استمرّت شركتك حتى اليوم

ريم : ولما لم تتوظّفي بشركةٍ اخرى بدل عملك هذا ؟! 


امها : لأن جدك بعد رميه ملفّي من الشركة ، رشى موظف ارشيف جامعتي لحذف شهاداتي .. وحين اردّت استخراج صورة عنهم لوظيفتي الجديدة ، فوجئت باختفائها من حاسوب الجامعة ! وبذلك اضاع مجهود سنوات من عمري .. فعملت طبّاخة في مطعمٍ شعبيّ ، حتى يومنا هذا 

- لكنك مازلت تذكرين القوانين الإداريّة ، اليس كذلك ؟

سعاد : تعالي لأريك شيئاً

***


وأخذتها الى غرفتها التي فيها مكتبة مليئة بكتب الإدارة باللغة العربية والإنجليزية ..

امها : كنت ادرس دائماً كيّ لا انسى المعلومات التي تعلّمتها .. وأكاد اجزم انني أفضل من أيّ مديرٍ عام في بلدنا ..

ريم بارتياح : ممتاز امي !! هذا ما احتاج اليه

- ماذا تقصدين ؟!

- ستعرفين قريباً

***


مفاجأة ريم لوالدها بعودتها هي وابنها للغربة (بعد قرارها النهائي بالعودة للوطن ، عقب طلاقها من زوجها) لم تكن الوحيدة ، بل المفاجأة الأكبر هي إلغائها وكالته العامة ! 


وبعد عودته من مكتب المحامي (الذي ابلغه بالأمر) غاضباً ، توجه للسكرتيرة وهو يطلب منها الإتصال بإبنته ، فردّت قائلة :

- السيدة ريم في مكتب المدير العام

- ماذا ! كيف تجرّأ على الجلوس مكاني 


ودخل اليها ، ليجدها في اجتماع مع الموظفين الذين التزموا الصمت من الموقف المحرج.. 

ريم بثقة : اهلاً ابي ، تفضّل !! كنّا بانتظارك

والدها بقلق : ماذا يحصل يا ريم ؟!

- اردّت تغير بعد الأمور في شركتي 

- ريم !! انت طبيبة نفسيّة بارعة ، ولا دراية لك بعلم الإدارة

- أعرف هذا .. لذلك قرّرت تعين امي ، المدير العام الجديد للشركة

والدها بدهشة : امك !


وإذّ بالسيدة سعاد تدخل غرفة المكتب بكامل اناقتها ، قائلةً له :

- نعم انا !! الا تذكر كيف اعتمد عليّ والدك بأعمال شركته ، قبل معرفته بعلاقتنا ؟

فنظر الأب لريم :

- لا تصدّقيها يا ريم !! هي خانتني ، لذلك طلّقتها

فردّت سعاد بعصبية : كفى يا كمال !! ابنتك عرفت جميع اكاذيبك.. وبما ان الشركة بإسمها ، فهي من تقرّر ادارتها 

ريم : صحيح ابي ، وانا قرّرت تسليمها لأمي


ابوها بغضب : هذه الطباخة ستدمّر كل ما بنيّته !!

سعاد : ما لا تعلمه انني حصلت على شهادات ادرايّة من جامعات عالمية عبر الانترنت

كمال ساخراً : وهل لديك حاسوب اصلاً ايتها الفقيرة المعدمة ؟

سعاد : تعلّمت في مقهى الإنترنت 

كمال : ريم رجاءً ، لا تضيّعي تعبي 

ريم : وكيف سأضيّعه وموظفينك الخبراء سيبقون معي ؟! 

كمال للموظفين : أهذا صحيح ! الن تستقيلوا لأجل مديركم ؟

فسكتوا جميعاً وهم يشعرون بالحرج ..


ريم : لا اظنهم سيفعلون بعد مضاعفتي رواتبهم

كمال صارخاً : ايها الملاعيين !! جميعكم خائنون ، حتى ابنتي التي ربّيتها 

ريم : انت لم تحبني يوماً وتركتني للخدم والمربيات ، ولم تكترث بقضاء الوقت معي .. لذا قرّرت تربية ابني مع جدته في قصرنا الجديد .. فأنا لن اطالبك بحصتي من قصرك الذي اشتريته من مال شركتي ، ولن اسحب نقودك في البنوك التي أنصحك أن لا تصرفها على النساء الرخيصات والخمور ، فلن يكون لديك مدخولاً آخر .. الآن رجاءً ، دعني اكمل إجتماعي مع الموظفين


فخرج الوالد مصدوماً بعد إنهيار كل ما بناه في السنوات الماضية .. وتمّتم غاضباً وهو يقود سيارته :

((كان معك حق يا ابي ، ليتني لم اتزوج الفقيرة .. كم انا نادمٌ الآن))


وبينما يتابع حياته وهو يندب حظّه .. كانت شركة ريم تزدهر كل يوم مع قرارات امها السديدة في الإدراة والمشاريع الإنمائيّة ، بعد افتتاحها فروعاً جديدة في الخارج وفي الوطن ايضاً !


هزيمة المنتصر

تأليف : امل شانوحة  سنوات الندم استيقظت رؤى باكراً ، على صوت سحّاب حقيبة في غرفتها !  لتجد زوجها يطوي ملابسه ، ويرتّبها في حقيبة سفرٍ على عج...