الأربعاء، 11 أكتوبر 2023

المُحاصَرة تحت القصف

تأليف : امل شانوحة 

 

الخادمة المنحوسة


في قصفٍ عنيف لبلدةٍ جنوبيّة .. قامت إحدى العائلات بحزم أمتعتها للهرب للشمال خوفاً من قذائف العدوّ ، الى أن اكتظّت سيارتهم بالأغراض المهمّة والثمينة.. 

وحين ارادت خادمتهم الآسيويّة الجلوس معهم .. أخبرها السيّد بعدم وجود مكانٍ لها ، وأن عليها البقاء في فلّتهم لحراستها ! 

فانهارت باكية ، خوفاً من الموت تحت الرّدم ..

 

فقالت لها السيّدة ببرود :

- الثلاّجة مليئة بالطعام ، ويوجد مؤونة بالقبوّ تكفيكِ شهراً على الأقل .. ولا تنسي سقاية الأزهار ..وابقي المنزل نظيفاً لحين عودتنا بعد هدوء الوضع


وقاد السيّد سيارته غير آبهٍ بتوسّلات خادمته التي عادت مقهورة للفيلاّ الفارغة ، وهي خائفة من القصف الذي يزادد عنفاً في المساء! 

***


في آخر الليل ، إستيقظت مرتعبة بعد تحليقٍ مكثّف من طيران العدوّ فوق سماء الجنوب ! 

فسارعت بالإختباء بالقبوّ .. وهي تدعو الله بمرور الأزمة على خير ، اثناء استماعها لنشرة الأخبار من المذياع ، دون فهمها للعديد من الكلمات العربيّة الفصحى ! 

الشيء الوحيد الذي فهمته : أن جيشاً برّياً للعدوّ سيقتحم بلدتهم قريباً.. وهذا يعني سرقتهم للمنازل الفارغة ، ممّا يعرّضها للإعتداء او القتل .. 


فعرفت ان ايامها معدودة ! وهذا جعلها تشعر بالحنق والغضب من اهالي المنزل الذين خدمتهم لخمس سنوات ، ومع ذلك تخلّوا عنها لأجل اغراضهم الشخصيّة ! 

وتذكّرت كيف ضربتها السيدة بعنف ، لتذوّقها من مثلّجات ابنها .. وكيف كانوا يطلبون من المطاعم دون إحضار شيئاً لها ، بحجّة حصولها على أجرتها ! 

رغم معرفتهم بإرسال مالها بالكامل الى زوجها الذي لا يختلف كثيراً عن والدها القاسي الذي باعها منذ طفولتها ، لخدمة منزلٍ تلوّ الآخر .. قبل سفرها لدولةٍ عربيّة ، مُلاصقة لدولة العدوّ !

كل هذا جعلها تقرّر العيش سعيدة في آخر عمرها ، حسب المُتاح امامها..

***


وأمضت ايامها التالية ، بتناول ما تشتهي من المؤونة المالحة والحلوة.. 

بالإضافة لأكلاتها الآسيويّة التي منعتها السيدة من طبخها ، بعد أن أجبرتها على تناول طعامهم الذي لم تستسيغه يوماً !


كما جرّبت الشّيشة (النارجيلة) ومشروب المتّة ، بعد تقديمهما مراراً للسيد دون تذوّقهما .. 

وقد أعجبها الوضع بعد جلوسها على الكرسي الهزّاز ، المتواجد على شرفة غرفة السيدين (التي منعاها سابقاً من الدخول اليها) .. وهي تتناول حلوى طفليهما ، مع الشايّ الساخن 


كما تسلّت بألعاب الأولاد التي مُنعت مشاركتها معهم ، مُقتصراً واجبها على ترتيبهم فحسب .. لتتذكّر طفولتها الكئيبة التي قضتها بتنظيف المنازل 


واثناء لعبها بالدمى ، شعرت بفرحة الطفولة التي حُرمت منها بسبب الظروف الماديّة السيئة لعائلتها.. 

كما برعت بالألعاب الإلكترونيّة (بلايّ ستيّشن) خلال ايامٍ قليلة.. وتسلّت ايضاً بالمراجيح والزّلاّقة (الزحليقة) والنطّاطة المُخصّصة لصغار العائلة.. 


كل هذا دون نسيانها ترتيب المنزل وسقاية الزرع من وقتٍ لآخر ، خوفاً من عودتهم بأيّةِ لحظة

وقد اعتادت مع الوقت صوت القذائق البعيدة ، وهي ترتشف القهوة دون خوف !

***


الى ان جاء يوم ، لمحت فيه من الشرفة : الجيش البرّي للعدو ، وهو يخترق المنطقة ! 

فأطفات جميع الأنوار ، وأغلقت النوافذ والأبواب جيداً.. 


واختبأت في القبوّ ، وهي تسمعهم يحاولون خلع باب الحديقة ! 

فدعت ربها أن يمضي يومها على خير .. لأن فلّتهم من البيوت القليلة التي لم تُصبّ بالقصف الجويّ ، مما يجعلها هدفاً للصوصّ من جنودهم.


ولحسن حظها ..أمطرت السماء بغزارة ، رغم انهم في فصل الصيف ! فعادوا الى معسكرهم على اطراف المدينة..

***


وبسبب قربها من الموت ، أصرّت اكثر على العيش آخر ايامها برفاهيّة .. 

فصارت تنام في أيّةِ غرفةٍ تختارها .. وتجرّأت على تجربة ملابس السيدة الفخمة .. ووضع مكياجها التي جرّبته لأوّل مرة في حياتها.. مع التزيّن بأفخم الإكسّسوارات التي تركتهم السيدة في درجها.. 

ثم التقطت صورة لها ، من كاميرا ابنتهم الصبيّة .. وخبّأتها بين اغراضها ، كذكرى لها ..


اما في غرفة الأولاد : فحاولت قراءة القصّص والكتب التعليميّة ، بعد أن علّمها  صغيرهم الحروف الأبجديّة.. 

لكنها بالنهاية اكتفت بتصفّح الصور داخل قصّص الأطفال ، ومشاهدة الرسوم المتحرّكة بالتلفاز .. قبل انقطاع الكهرباء عن المنطقة بأكملها ، بعد قصفٍ مُباغت ! 


لتمضي بقيّة ايامها على ضوء الشموع ، وهي نائمة في القبوّ .. بعد تمركّز جنود العدوّ في المنطقة القريبة منها ، ممّا زاد من خطورة الوضع !

***


ذات يوم .. إلتقت بجارتها العجوز التي نصحتها الهرب بسفينة المهجّرين ، بشرط دفع المال للقبطان..


فبحثت الخادمة في خزائن غرف الفلّة .. الى ان وجدت إسّورة وحلقاً ذهبيّاً للصبيّة التي نستهم في الدرج.. وكذلك كسرت حصّالة الأولاد .. كما باعت بعض الأجهزة الكهربائيّة الصغيرة بسعرٍ بخس ، لمحلٍ ظلّ يعمل اثناء الحرب .. وبذلك جمعت تذكرة الهروب

***


وفي مساءٍ هادىء .. حزمت حقيبتها الصغيرة التي وضعت فيها : بعض المُعلّبات وقارورتيّ ماء .. 


وبعد دفعها الأجرة للقبطان ، حشرها مع بقيّة الهاربين الذين يأملون بحياةٍ آمنة ببلدةٍ اجنبيّة ، بعيداً عن الوطن الجريح !

***


بعد ساعة من تجذيفهم في البحر .. رأوا اضواء قارب العدوّ يقترب منهم ! 

ليتفاجأ الهاربون الأربعون بقفز القبطان بالبحر ، للنجاة بنفسه ! 

فتبعه بعض الشباب واليافعين.. بينما لازمت النساء والأطفال والعجائز مكانهم.. 


وعندما قفز العسكريّان الى قاربهم الخشبيّ .. حاولت الخادمة إفهامهم بلغتها العربيّة الركيكة ، مّا حصل معها .. 

ومن دون سببٍ مقنع ، شتم ديانتها وربّها بألفاظٍ بذيئة ! 

مما استفزّها لدرجة جعلتها تصفعه بقوّة ! 

فسارع بإطلاق النار عليها ، ورميّ جثتها في البحر.. 


لتموت شهيدة بظلم اسيادها الذين عادوا بعد انتهاء الحرب لفلّتهم ، دون أثرٍ لخادمتهم التي لم يعلموا يوماً بنهايتها المُفجعة !


*****

ملاحظة :

بحرب تموز 2006 بلبنان .. شاهدت مقطعاً بالأخبار : عن هروب عائلة دون خادمتهم الآسيوية التي تركوها تبكي ، بعد اشتداد القصف الإسرائلي بالجنوب.. 

ولم أنسى منظرها وهي تناديهم بخوف ، اثناء ابتعادهم بالسيارة.. 

والله وحده يعلم إنّ ظلّت حيّة ، او ماتت تحت القصف !


هناك 9 تعليقات:

  1. كم شعّرت بالحزن على حال الخادمه المسكينه .. لما لم يجعلوها تمسك بطرف سيارتهم ، او ان تصّعد على السيارة وتتّمسك جيداً .. او أن يرّموا شيئاً ، وجعلّها تركب معهم .. فالأشياء تعود ، اما الارواح لا تعود ابداً .. ومن يظّلم روحاً برّيئه .. له عذابٌ بالآخرة ..
    برأيك : ما هي اكثر دوّله تعرضت للحروب .. وتعذّبت بها؟

    ردحذف
    الردود
    1. فلسطين بالمركز الأول .. ثم لبنان وسوريا والعراق .. وهل توجد دولة عربية لم تدمّر حربيّاً او اقتصاديّاً ؟! كان الله في العون

      حذف
    2. نعم توجد دوله لم تمّر بالحرب أبداً .. لكن نسيت اسمها ، المهم هل سمعتي اخبار عذراء ؟ كم انا سعيد اليوم .. لقد سمعت بأنهم وضعوها بمكان وسيختارون واحده من اثنتان .. أن يحكموا عليها بالاعدام .. أو بالسجن المؤبد.. الحمدلله لم يضيع حق موسى
      هل توجد جرائم لم ينشروها ام كل الجرائم تنّشر على المواقع ؟
      ام توجد جرائم ذهبت في طي الكتمان

      حذف
    3. عذراء تستحق الإعدام في السّاحة امام الجميع .. المهم ان موسى طيرٌ في الجنة ، بعد ان ارتاح من الدنيا وما فيها ..

      اكيد هناك جرائم مخفيّة ، كحقن المشاهير بدماء الأطفال الذين خطفوا وعذّبوا حتى الموت .. لكن يوم القيامة ، ستكشف جميع الجرائم .. والله العادل سيأخذ بحقّ الضحايا المنسيين .. كان الله في العون

      حذف
    4. للآن لا زلت سعيد بالخبر .. وكأنهم سيعدمون سارة وليست عذراء ..
      ما تقصدين بحقن المشاهير بدماء الاطفال ؟! لم اسمع هذا سابقاً ..
      حدثت جريمه في المنطقة التي أسكن بها قبل اسبوعً .. ولم ينشروا تفاصيلها.. مع أن الشرطه في كل مكان.. لكن لم ينشروا التفاصيل أبداً.. كان الله في عون الجميع..

      حذف
    5. حقنٌ مليئة بدماء اطفال بعد تعذيبهم بقسوة ، لظنهم انها تعيد النضارة والشباب اليهم ! وبسبب تلك الحقن ، يُخطف آلاف الأطفال حول العالم بسرّيةٍ تامة !

      حذف
    6. هذا مخيف جداً !! اظنّهم يختارون الاطفال ، لان دمائهم لا تزال نظيفه .. عكس الكبار ، بدمائهم فئة النيكوتين بسبب كثرة السجائر ، اشعر وكأن الجرائم المخفية .. الضّحايا مظلومّين بالفعل .. ولهم مكانةً كبيره عند الله ، اما هولاء الذين يتعذبون حتى الموت ، وبأيةِ طريقه .. ويكون عزائهم كبير ، وجميع انحاء العالم .. يترحّمون على ارواحّهم المسكينّه ، لا اشعر وكأنهم مظلومّين كثيراً .. فالله عزّ وجل ، اخذ حقّهم بأيامً معدوده ، اما هولاء اصحاب الجرائم المخفية .. مظلومّين في الدنيا كثيراً ، كونّهم يشاهدّون المجرم كيف يتمتع بحياته ! فالينتقم الله من جميع الظالمّين ، هذا ما بأمكانّنا قولّه !
      تعليقك نشرتيه في منتصف الليل .. لا تسهرّي مرةً اخرى .. فهذا سيرهقّك كثيراً ، دمتِ بخير ..

      حذف
    7. بالعادة اصلي الصبح وانام ، واستيقظ 12 ظهراً كل يوم .. شكراً لاهتمامك

      حذف
    8. جميل جداً ، بدوتّي لطيفةً جداً وانتي نائمه في وقت الظهر !! تخيلت المشهد فقط .. يا الهي لن انسى هذا المشهد ابداً !
      انا نادراً جداً ان ابقى لصلاة الفجر .. لكن يبقى الصباح جميل ونشيط .. والظهر متعب وتشعرين بالكسل .. ستصبحين كسوله ، كوالد غامبول .. اتذكر عندما كنت صغير جداً .. اصبت بخمول الغدة الدرقيه .. وكذلك بدأت بأخذ الحبوب .. اتناولها بالسابعه صباحاً ، وبعد نصف ساعه ، "مثلما اتذكر " اتناول وجبة الفطور .. لان الغدة الدرقية تعمل صباحاً ، لذلك اخذ العلاج صباحاً ، فّفي الصباح تعمل الكثير من وظائف الجسد .. لكن لا اذكر هل كنت اتناول شيء قبل العلاج ام بعده !! كنت صغير .. وزوجة ابي هي مَن تعطيني ادويتي ، لكن لا اذكر اني شفيت من اي مرض اصبت به ، بالعلاج .. لدي فتحه بالقلب من الولادة ، كان حجمها صغير .. وقبل 5 اشهر .. اصبحت حجمها 5 ملم ، ولم اجري اي عمليه ابداً .. فانا اشفي نفسي بقرأة القرآن ، فهو اعظم من اي علاج .. وشفاء للمرضى ، لكن اكثرهم يجهلّون الامر !
      احقاً ان انثى العنكبوت ، بعض وضع بيضها ، تأكل الذكر؟

      حذف

طبّاخة الأسر

تأليف : امل شانوحة  ماما صوفيا هجمت كتيبةٌ إلمانيّة على منطقةٍ ريفيّة روسيّة اثناء الحرب العالميّة الثانية ، مُستغلين خلوّ القرية من رجالها ...