الجمعة، 12 يناير 2024

مشفى المجانين المشبوه

تأليف : امل شانوحة 


إنتقام الأشباح


عادت كوابيس الممرّضة الجديدة جاكلين بعد اسبوع من تعيّنها بدار المجانين بعد غفّوها على طاولة مكتبها ، عقب منتصف الليل.. لترى في المنام : ((انها تمشي في ممرٍّ طويل يبدو لنفس الدار لكن بزمنٍ قديم ، بأنواره التي تُطفيء وتضاء لوحدها ! وجداره مطليّاً باللون الأحمر ، وليس الأزرق كما هو حالياً ! وأكملت سيرها حتى تعثّرت ، وارتطمت بلوحٍ خشبيّ مطلي بذات لون الجدار .. يبدو انهم اغلقوا به باب القبوّ السرّي ! فنزلت الأدراج ، لتصل لغرفة جراحيّة تبدو قديمة حسب الحاسوب الضخم الموجود على الطاولة هناك ! ووجدت بالغرفة : طبيب ومساعده والممرّضة وهم يصعقون مريضاً كهربائيّاً دون رحمة ، غير مكترثين بصراخه المؤلم ! ثم سمعت الممرّضة تقول للطبيب بقلق :

- يكفي هذا القدر من الصعقات ، سيفصل دمه ويموت !

فردّ الطبيب : ولما تكترثين لهؤلاء المجانين ، إن كان اهلهم تخلّوا عنهم ؟ فهم بالنسبة لي فئران تجارب.. وعليّ معالجتهم بقسّوة ودون تخدير ، للقضاء على امراضهم النفسيّة المزمنة .. وبذلك أحصل على جائزة نقابة الأطبّاء في البحث العلمي.. فهل ستدعمينني ، ام ستعارضينني ككل مرة ؟


ولأنهم لم يروا جاكلين معهم بالغرفة ! إقتربت من الممرّضة في محاولة للتعرّف عليها ، رغم القناع الطبّي الذي يغطّي معظم وجهها .. فقد بدتّ عيناها مألوفتان بالنسبة لها!)) 


لكنها استيقظت من منامها على صراخ المجنون العجوز (المتواجد بالغرفة ، قرب مكتبها) والذي يصرخ دائماً قبيل فجر ، بذات الكلمات : 

((الأشباح تريد قتلي ... أنقذوني !!))


فتمّتمت جاكلين بنعاس : 

- يا الهي ! ليس ثانيةً

ورغم توظّفها قبل اسبوع ، إلاّ ان هذا المريض الأخرق يفزعها دائماً بصراخه المتواصل !

***


فذهبت اليه ومعها ابرة المنوّم ، لكنه اوقفها :

- رجاءً إسمعيني اولاً ، فلا احد يريد تصديقي

جاكلين : ومن سيصدّق ان الأشباح تلاحقك ؟

- الم تشاهدي الكوابيس بعد ؟ 


فتذكّرت كابوسها الذي شاهدته بأول ليلة عملٍ لها بالمشفى : (( حين رأت الرؤوس المحفوظة في مرطبانات داخل مختبر المشفى تتحدّث معها.. بعضها يطلب المساعدة ، والأخرى تصرخ بألم بسبب التعذيب المتواصل لها !))


وقبل ان تجيبه ، تابع المريض كلامه : 

- انت محظوظة لأنك ترينهم بالكوابيس ، فهم يظهرون لي كل مساء !

الممرّضة : أتقصد الأشباح ؟

- نعم !! لابد انهم ظهروا في منامك .. وإن كنت لا تصدّقيني ، فابحثي عن الباب السريّ لقبوّ التجارب الوحشيّة ، الموجود بالطابق السفليّ .. اكيد انهم أخفوه بالتجديد الحديث للمشفى 


وقد فاجأها كلامه ، لأنها رأت الباب السرّي في كابوسها !

المريض : انا يدايّ مقيدتيّن ، فهل تحكّي طلاء غرفتي بظفرك ؟

- ولما افعل ذلك ؟!

- فقط إفعلي ، رجاءً


وعندما كشطت الطلاء الأزرق ، وجدت خلفه الطلاء الأحمر الذي رأته في منامها ! 

فارتجف قلبها ، بعد تصديقها كلام المجنون .. وتساءلت بنفسها بقلق : ((لما تلاحقني اشباح المجانين الذين قتلوا تحت التعذيب ، رغم توظّفي حديثاً هنا؟!)) 


وأسرعت بحقنه بإبرة المنوّم ، والخروج من غرفته..

***


واثناء شرودها بكلامه ، ضغطت بالخطأ على زرّ الطابق السفليّ للمشفى (بدل عودتها لمكتبها ، القريب من غرفة العجوز)


فأوصلها المصعد الى ممرٍّ طويل ، بإضاءةٍ معطّلة جزئيّاً .. يُشبه ما شاهدته في كابوسها ! والأرعب انه خالي من الموظفين ، لوجود غرفةٍ وحيدة فيه : وهي المشرحة.. 

فنظرت للأرضيّة وهي تقول :

- في منامي تعثّرت ببلاطةٍ مكسورة .. آه ! هاهي .. اذاً لابد ان باب القبّو الذي أخفوه ، موجود خلف هذا الجدار ..


وبدأت بطرق الحائط .. الى ان سمعت صوت الّلوح الخشبيّ المطلي بالأزرق .. لكنها لم تجرؤ على كسره ، خوفاً من كاميرات المشفى (المجدّدة حديثاً) ولعدم رغبتها باكتشاف غرفة التعذيب الموجودة في القبوّ السرّي

***


وعادت الى مكتبها ، للبحث بالإنترنت عن ماضي الدار ..

وبعد بحثٍ مطوّل ، لم تجد شيئاً عن جرائمٍ حصلت فيه ! الى ان غفت فوق حاسوبها ، لترى ذات الممرّضة (وهذه المرة لم تغطّي وجهها بالكمّامة) تقول لها :

- غيّر مديركم الجديد إسم مشفانا


واستيقظت فزعة ، وهي تقول :

- كيف لم يخطر ببالي هذا الموضوع ! لابد ان اول شيء فعلوه قبل تجديد المشفى سيء السمعة ، هو تغيّر اسمها


وعادت للبحث بالإنترنت عن مشفى عُذّب فيه المجانين ، لتنكشف الجريمة لاحقاً

فوجدت مقالاً وحيداً عن الموضوع ، ذُكر فيه عنوان المشفى القريب من الغابة المهملة ، والبعيد عن المجمّعات السكنيّة .. ويبدو ان المدير القديم للمشفى هو من سمح للطبيب ومساعده والممرّضة بإجراء الإختبارات الغير إنسانيّة .. وكُشف امرهم بعد تمكّن أحد المجانين من الهرب من المشفى شديد الحراسة ، والتوغّل بالغابة ..الى ان وجده احد الحطّابين ، ونقله لمركز الشرطة ..فأخبرهم عن التعذيبات التي ادّت لوفاة بعض المجانين ، عدا عن الذين خرجوا من القبوّ مشوّهين ومبتوريّ الأعضاء او محروقين بالكامل ! فتمّ اغلاق الدار بالشمع الأحمر ..قبل تجديده بعد سنوات طويلة من هجره .. اما المدير القديم : فقد وُجد مشنوقاً في زنزانته ، مع وجود ملاحظة بالمقال : بأن جسمه كان متورّماً بالكامل ، كأنه تعرّض لضربٍ مبرح رغم عدم اختلاطه ببقيّة المساجين ، لوجوده في سجنٍ إنفراديّ منذ اعتقاله بانتظار محاكمته ! لكنه شنق نفسه بملاءته.. اما مساعد الطبيب : فاختفى لفترةٍ طويلة.. قبل اكتشاف احد طلّاب الطبّ بأن الجثة المسلوخة الموجودة في مختبرهم تعود لمساعد الطبيب المفقود ، من خلال بصمات يده التي وضعها الطالب في حاسوب والده الشرطي.. اما الطبيب الذي اجرى كل عمليات تعذيب ، فقد جنّ جنونه بعد انكشاف امره! 

وعندما قرأت جاكلين اسم الطبيب المجرم ، كادت تقع عن كرسيها مع رؤيتها صورته ..فهو نفسه المجنون العجوز الذي تلاحقه الأشباح !


فأسرعت الى غرفته ، لتجده مازال نائماً من ابرة المخدّر..

فتمتّمت بضيق : سيكون لدينا حديثاً مطوّلاً غداً ، ايها المجرم المجنون

***


في اليوم التالي .. دخلت غرفته وهي تقول :

- انت ترى اشباح من عذّبتهم ، اليس كذلك ؟

وكانت ردّة فعله غريبة ! حيث ابتسم قائلاً :

- ذكيّة كأمك

جاكلين بصدمة : وما ادراك بأمي ؟!

المجنون : المسكينة .. لم تتحمّل تعذيب الأشباح مثلي ، فتناولت جرعةً كبيرة من الأدوية .. وانتحرت مسمومة


وهنا تذكّرت خالتها التي ربّتها ، حين سألتها عن تنمّر الطلبة في مدرستها : بموت امها منتحرة ؟ لكن خالتها أصرّت انها ماتت بالسرطان وهي بعمر الثانية ..


جاكلين : لا !! امي ماتت بالسرطان

المجنون : بل منتحرة .. فهي بالنهاية ساعدتني بتعذيب اولئك الملاعين الذين تحوّلوا لأشباحٍ مؤذيّة 

جاكلين بصدمة : امي هي الممرّضة التي ساعدتك بغرفة القبوّ ؟! 

- يبدو انك رأيتها بإحدى كوابيسك


فتذكّرت كيف ان عيون الممرّضة بدّت مألوفة بالنسبة لها ، فهي شاهدت صورها عند خالتها ! 


جاكلين : هذا مُحال !! امي مستحيل ان تكون مجرمة مثلك

المجنون : هي عارضت تعذيبي لهم ، دون مخدّر .. لكن بعد حصولها على نسبة من ارباح بيع اعضائهم ، لم تعد تكترث للملاعين .. لهذا انا متأكد أنها انتحرت بسبب الأشباح التي تحاول منذ سنوات عقابي ، خصوصاً بعد منتصف الليل وحتى الفجر .. وهو وقت اختياري لأحدهم ، لإنزاله للقبوّ السرّي بعد ذهاب بقيّة الممرّضين والموظفين الى بيوتهم.. او ربما انتحرت ، بعد رفضي الإعتراف بك

جاكلين بصدمة : ماذا !


المجنون : انت ابنتي الغير شرعيّة .. 

- وكيف عرفت انني ابنة عشيقتك ؟! 

- لأنك تشبهينها تماماً .. كما إن الأشباح أخبرتني بأنها ارسلت في طلبك .. ولا تسأليني كيف ! فقبول الإدارة بك ، ضمن مئات المتقدّمين للعمل براتبٍ مجزّي ، لم يكن صدفة .. (ثم سكت قليلاً) .. كم أصبح عمرك ؟

جاكلين : بلغت الثلاثين ، في يوم عملي الأول هنا 

فابتسم قائلاً : أذكر يوم احتفالي مع امك بعيد ميلادها الثلاثين ، أخبرتها بعملي السرّي بالقبوّ .. فهل مازلتي تظنينها صدفة ان تعملي هنا ، بنفس السنّ الذي بدأت فيه امك بمساعدتي على تعذيب المجانين ؟ 


فتذكّرت جاكلين اول كابوسٍ لها في المشفى (ليلة توظّفها الذي يصادف عيد ميلادها).. فتساءلت بنفسها بقلق : ((ترى هل اختارتني الأشباح ، ظناً بأنّي امي التي اختارت الموت بإرادتها ، مما اغاظهم لعدم تمكّنهم من قتلها ! كما فعلوا بالمدير السابق ومساعد الطبيب؟!)) 


وقطع تفكيرها ، قول المجنون : 

- اريدك ان تنتبهي على نفسك جيداً ، فموتي اصبح وشيكاً حسب تهديداتهم الأخيرة .. فبعد شنقهم المدير وسلخهم مساعدي ، لا ادري ما العقاب الذي سيختارونه لي .. حتماً سيكون اقسى من العقابيّن السابقيّن ، كوني الشخص الذي عذّبهم حتى الموت .. لذلك احترسي يا ابنتي 

- انا لا دخل لي بجريمتكم الشنيعة !! 

المجنون : هم لن يرتاحوا وتصعد روحهم للسماء إلاّ بعد اغلاقهم القضيّة ، من خلال قتلهم للأشخاص الأربعة الذين تسبّبوا بموتهم .. وأظنهم اختاروك مكان امك ! 


وقبل إكمال كلامه ، صرخ بعلوّ صوته وهو ينظر للسقف بفزع : 

- لقد احضروا معهم ادوات التعذيب !!


وفجأة ! تلوّث روبها الأبيض بالدماء ، بعد ان ازيلت عينا المجنون من محجرهما !

فتجمّدت مكانها ، وهي ترى لسانه يُشدّ بقوةّ للخارج .. قبل ان يقطع بالكامل ! 

ثم رأت اصابعه تبترّ الواحدة تلوّ الأخرى ، وهو يتلوّى بألمٍ شديد.. قبل تدلّي مصرانه من جسده ! لينتفض انتقاضته الأخيرة ، قبل خروج روحه !


وهنا ظهرت جملة مكتوبة بالدماء على جدار غرفته : 

- انت التالية يا ايميليا

(وهو اسم امها !)

فصرخت بخوف :

- لست ايميليا !! انا جاكلين .. امي توفيّت وانا طفلة ، وبذلك أُغلقت قضيّتكم بعد موت جميع اعدائكم .. رجاءً اصعدوا للسماء ، واتركوا المشفى اللعين !!


وفجأة ! توقفت الضوضاء القادمة من تحريك اغراض المجنون في الغرفة ..فظنت جاكلين ان الأشباح فهموا كلامها ، وبدأوا الخروج من الدار التي قُتل فيها خمسين مجنوناً .. عدا عن 70 اصابة بليغة ، منها أعاقاتٍ دائمة 

***


وأسرعت فزعة الى غرفتها لجمع اغراضها ، بنيّة الإستقالة من المشفى الملعون..

لتظهر جملة بالدماء على جدارها : 

- الى اين تهربين يا ايميليا ؟ 


وقبل ان تخبرهم مجدّداً بأنها ليست امها ، ارتفعت قدماها لسقف الغرفة .. لينقلب جسدها رأساً على عقب .. فحاولت الصراخ !! لكن الدماء التي تجمّعت في رأسها ، منعتها من النطق ! 

***


عثر الممرّض على جثة جاكلين في الصباح ، ممدّدة على الأرض .. بعد انفجار رأسها وخروج الدم من فمها وعيونها ! 

فكُتب بتقرير المشفى الذي عُرض على الشرطة ان سبب وفاتها : هو انتحارها شنقاً ، لإحساسها بالذنب بعد قتلها المجنون العجوز بوحشيّة .. رغم ان المدير الجديد وطبيب المشرحة يعلمان بأن موتهما لم يكن بفعلٍ بشريّ ، خاصة بعد تعطّل كاميرا المجنون وكاميرا غرفتها ، لحظة وفاتهما الغامضة !


الشيء الوحيد الذي لاحظه بقيّة الموظفين : ان المجانين لم يعد لديهم نوبات فزعٍ في المساء ! حيث أخبرهم أحدهم : أنه رأى الأشباح الغاضبة تذهب تِباعاً من نافذة الممرّ ، باتجاه السماء .. 


وبذلك أُغلقت القضيّة الغامضة ، مع تكتّمٍ اعلاميّ من قبل وزارة الصحّة التي تكلّفت مبالغ طائلة لتجديد مشفى المجانين ذوّ السمعة السيئة !


الثلاثاء، 9 يناير 2024

مسابقة المواهب الإبداعية

تأليف : امل شانوحة 

 

المُثابرة حتى النهاية


إستفاق خمسة شباب في مستودعٍ مهجور على موسيقى عالية ، وصوت من الميكروفون يقول :

- اهلاً بمواهبنا الشبابيّة المميزة !!

فسأله احدهم : من انت ؟! وكيف وصلنا الى هنا ؟!

فتجاهل الصوت سؤاله ، وأكمل قائلاً :

- كما تلاحظون ، المستودع مقسّم الى غرفٍ حديديّة .. كل واحدة عليها رسمة لإحدى مواهبكم .. اريد كل واحدٍ منكم ، ان يختار غرفته

الشاب مُعترضاً : وإن لم نفعل !!

الصوت مهدّداً : أتظنون انني أتسلّى معكم .. من يعترض ، سأفجّر الطوّق الحديديّ حول رقبته ، ويموت في الحال !! امّا الذي ينجح في تنفيذ طلبي ، سيفوز بمليون دولار


وقد أثار مبلغ الجائزة حماس الشباب (من الطبقة الكادحة)..

فسأله احدهم باهتمام : وماذا تريد منا ؟

الصوت : عليكم التوجّه لغرفكم ، كاتمة الصوت ..وفي داخلها ، تجدون مهمّاتكم


وبالفعل رأوا صوّراً مُعلّقة على ابواب الغرف ، حسب مواهبهم المختلفة : كرسمة بيانو .. وعلى الباب الآخر : آلة كاتبة .. والثالث : لوحة وفرشاة رسم .. والرابع : مجسّمٌ صلصاليّ .. والخامس : ميكروفون


وتابع الصوت كلامه : انتم افضل الشباب الموهوبين بالغناء والعزف والرسم والنحت وتأليف القصص بعد حصولكم على اعلى نسبة تصويت الجمهور الذين تابعوا مواهبكم عبر وسائل التواصل الإجتماعي .. وهم الذين اقترحوا عليّ دعمكم ماديّاً ، كوني ثريّاً يهتم بالمواهب الشابة

الشاب باهتمام : ومن تكون بالضبط ؟

الصوت : لا يهم اسمي ، لكني معروف بحرصي على مالي الذي لا انفقه إلاّ لمن يستحقّه بالفعل .. لذلك سأخضعكم لامتحانٍ صعب .. ومن يفوز منكم ، يحصل على جائزتي الماليّة .. فهل انتم مستعدون؟!! 


فوقف كل شاب امام غرفته التي فتح الثريّ المجهول أقفالها عن بُعد (اوتوماتيكيّاً)..

وما ان دخلوا اليها ، حتى أُعيد إقفالها من الخارج ! ليتابع كل شاب تعليمات مسابقته الخاصة..

***


ففي غرفة الرسم .. إستمع الشاب الى تعليمات الثريّ ، وهو يقول :

- امامك لوحةٌ كبيرة وألوان وفرشّ من كافة المقاسات.. ومهمّتك : رسم لوحة تعبّر عن مراحل حياتك ، واصفاً من خلالها تغيّراتك النفسيّة بمرور السنين .. فنحن الآن في منتصف الليل ، عليك إنهائها قبل بزوغ الفجر .. وإن اعجبتني ، تحصل على الجائزة

الرسّام بثقة : مهمّةٌ بسيطة

الصوت : ليس بهذه السهولة .. فمقبض الفرشّ مدهونة بالأسيد ، ستحرق اصابعك مع مرور الوقت .. اما الألوان : فتنبعث منها رائحة خانقة ، سرعان ما تنتشر داخل غرفتك المغلقة .. لذا عليك انهاء الّلوحة في الوقت المناسب ، قبل دخولك بنوبة سعالٍ مزعجة .. ولا تنسى الإبداع بفكرة الرسمة ومضمونها .. توقيت المسابقة بدأ الآن !!


وظهر العدّ التنازلي على الشاشة امامه..

ليُسرع الرسّام بخلط الألوان التي فاحت منها الرائحة المزعجة ، فتمّتم بضيق :

- هذه الّلوحة اما ستجعلني غنيّاً ، او تقتضي على حياتي !

وربط شاله حول انفه ، لبدء مهمّته الصعبة

***


في غرفة النحت : كان الأمر مُشابهاً .. فالطين مخلوط بمادةٍ حارقة ! تجعل طلب الثريّ مستحيلاً ، بصنعه مُجسّماً لوجهه المجهول ، حسب تخيّل النحّات الذي عليه إنهائها قبل ذوبان جلد يديه !

ورغم قساوة الإمتحان إلاّ انه بحاجةٍ ماسّة للمال ، لعلاج زوجته من السرطان.. لهذا بدأ العمل مع بدء العدّ التنازلي ، مُتجاهلاً الحرق الّلاذع في كفيّه ! 

***


اما غرفة الغناء : فوجد الشاب امامه ميكروفون ، داخل غرفته الصغيرة (كاتمة الصوت) وعليه غناء مقطعاً من تأليفه ، بحدود الدقيقتيّن !

وبعد معرفة الشاب نوعيّة امتحانه ، إعترض قائلاً : 

- لست مؤلّفاً لكلمات اغاني ، او ملحّناً

صوت الثريّ : ليس هذا ما اخبروني إيّاه زملائك بكليّة الفنون

- نعم ألّفت بعض المقاطع ، لكنها ليست بجودة الأغاني الرائجة

- إمّا ان تفعل ما امرتك به .. او تظلّ تغني بشكلٍ متواصل ، حتى الصباح


فنظر المغني للساعة المُعلّقة على جدار الغرفة ، والتي بدأت عدّها التنازلي..

الشاب بقلق : خمس ساعاتٍ متواصلة ! سيختفي صوتي بعدها

الصوت : يمكنك غناء الأغاني الهادئة التي لا تحتاج لمجهودٍ جبّار .. او تؤلّف اغنية بها جميع الطبقات .. سأترك الخيار لك ، معك نصف ساعة لتقرّر.. ستجد دفتراً وقلماً على الطاولة ، لكتابة كلمات اغنيتك الجديدة


وعلى فور !! جلس الشاب امام الطاولة ، في محاولة لتأليف مقطعاً غنائيّاً يُخرجه من مأزقه .. بعد تهديد الثريّ بنشر غازٍ سامّ في غرفته ، في حال فشل بالإمتحان قبل الموعد المحدّد !

***


وفي غرفة العزف : وجد الشاب بيانو كبير ، وُصّلت بعض مفاتيحه بصاعقٍ كهربائيّ مزعج ، والبعض الآخر تخرج منها الدبابيس عند الضغط عليها ! 

ومهمّته العزف حتى الصباح ، متجاهلاً آلام اصابعه التي يعلم انها ستُدمّى بالكامل قبل نهاية الإمتحان ..هذا في حال اختار عزف مقطوعاتٍ شهيرة .. امّا إذا قرّر تأليف معزوفةٍ خاصة به ، فسيخفّ تعذيبه الجسدي ، بشرط إنهائها قبل الفجر

***


وفي الغرفة الأخيرة : كان على الشاب كتابة قصة من تأليفه على آلة كاتبةٍ قديمة دون اخطاء املائيّة او اعرابيّة ، بحدود ٥٠ صفحة ..وهو من يختار نوعها اذا كانت مخيفة او دراميّة او رومنسيّة ، بشرط ان تُعجب الثريّ .. والمشكلة ان امامه ٥٠ ورقة فقط ! يعني لا مجال لتمزيق إيّاً منها.. ولأنه يستخدم آلة قديمة ، فلابد أن تكون نصوصه خالية من الأخطاء الكتابيّة قدر الإمكان.. لذا عليه الكتابة بتركيزٍ شديد على فكرته وحواره وعدد صفحات قصته ، مع الإهتمام بجوّدة اللغة ! كل ذلك خلال ٥ ساعات حتى بزوغ الفجر ..وإلاّ ستقتله الآلة الكاتبة الموصولة بسلكٍ كهربائيّ ، سيصعقه فور انتهاء الوقت المحدّد لإنهاء قصته الجديدة (فالثريّ أخبره انه سيتأكّد بأنها ليست قصة قديمة له ، او مسروقة من كاتبٍ آخر عبر بحثه عن جملِها وكلماتها في الإنترنت) 


فسارع الكاتب بالجلوس امام الآلة ، فور بدء العدّ التنازلي لساعة الجدار .. فهو يحتاج المال لشراء منزلٍ ، للزواج بحبيبته التي تنتظره منذ سنوات لتحسن اوضاعه الماليّة !

***


ومرّ الوقت سريعاً على المتسابقين الذين يحاولون جاهداً الإبداع بمواهبهم الى أقصى حدّ ، رغم معاناتهم الجسديّة والذهنية لإنهاء مهمّتهم الصعبة ! إرضاءً للثريّ الذي لن يعطي الجائزة إلاّ لمن لديه اصرارٌ كبير لتجاوز آلامه ، في سبيل إنجاح موهبته.. والأسوء انه بعد مرور نصف وقت الإمتحان ، بدأ الثريّ بتذكيرهم بمعاناتهم النفسيّة ايضاً !


حيث ذكّر الرسّام : بأنه لقيط ، عاش طفولته ومراهقته في ميتمٍ معروف بقساوته على الأطفال ! 

لترتجف يدا الشاب اثناء رسمه الّلوحة بعد امتلاء عيونه بالدموع ، لتذكّر ماضيه الحزين .. لكن كلام الثريّ المستفزّ ساهم ايضاً بوضع الرسّام لإضافاتٍ جديدة على لوحته التي تحاكي قصة حياته البائسة


اما النحّات : فذكّره بوالده القاسي الذي طرده بأول شبابه بعد فشله بإيجاد وظيفة روتينيّة ، للمشاركة بآجار منزل اهله ! ليعيش سنوات في سيارته القديمة


اما الكاتب : فكان من والديّن منفصليّن ، وتنقّل معظم طفولته بين منزليّن ..ليصبح ثقيلاً على والديّه بعد زواجهما من اشخاصٍ آخرين ، وإنجاب غيره .. لهذا فضّل العمل في سن مراهقته بدار العجزة التي وفّرت له غرفة يمكنه فيها تطوير موهبته ، بعد يوم عملٍ طويل بالدّار ! على امل ان تنقذه موهبته يوماً ، من فقره وقلّة حيلته


اما المغني : فذكّره بحبيبته التي تركته للزواج من مغني مشهور ، بعد فشل ألبوميّن كلّفاه كل ماله ، دون حصوله على الشهرة المرجوّة.. أدّت لكسرة قلبه بعد خسارة حبه الأول.. لكن تعذيب الثريّ النفسيّ ، أعطته فكرة اغنيته التي كتبها عن خيانة حبيبته ..وهو يمسح دموعه ، محاولاً إخراج غضبه وقهره بكلماتٍ قوية مُنمّقة .. ليقوم بتسجيل الأغنية قبيل الفجر ، بنغمةٍ حزينة مؤثّرة !


اما العازف : فذكّره بعرجة قدمه لفترةٍ طويلة من عمره ، قبل تمكّنه من علاج إعاقته بعمليّةٍ جراحيّة كلّفته منزله ! ليعيش بعدها عند اقاربه الذين ينزعجون من تدرّبه على البيانو الصغير .. لذلك يحلم بشراء بيانو فخم ، فور كسبه الجائزة.. والعمل في الفنادق الفخمة ، او الأوركسترا !

***


بحلول الفجر .. كان معظمهم إنهارت قواه بآلامه الجسديّة والنفسيّة ، لكنهم انهوا المهمّة قبل رنّ الجرس الختاميّ !

فقال الصوت بفخر :

- أحسنتم يا ابطال !! أثبتّم عشقكم لمواهبكم من خلال الضغط على انفسكم حتى آخر نفس .. والآن جاء وقت تقييم اعمالكم.. بعد قليل سيفتح رجالي ابواب غرفكم ، لأخذ الّلوحة والمجسّم الصلصالي واوراق القصة ، والسي دي المسجّل للمعزوفة الكلاسيكيّة والأغنية الجديدة التي سيقيّمها خمس خبراء متواجدين معي الآن ، هم الأبرع في مجال موهبتكم .. وحسب تقريرهم ، سيحصل الفائز على الجائزة الكبرى .. وهذا سيأخذ بعض الوقت.. الى ذلك الحين ، سيحضر طبيبان لفحص جروحكم .. كما ستجدون خارج غرفكم ، مائدة مليئة بالوصفات الفاخرة. .يمكنكم تناول طعامكم الأخير قبل اعلان الفائز ، وموت الخاسرين بعد تفجير الطوّق حول رقبتهم ، فور ظهور النتيجة النهائيّة

***


حول المائدة.. تهامس الشباب فيما بينهم ، بقلقٍ وتوتّر :

- هل تظنوا اننا سننجوا من هنا ؟!

- حسب كلام الثريّ : واحدٌ فقط سيخرج حيّاً من المستودع .. فحياتنا مرهونة بالطوّق اللعين الذي فشلنا في إزالته !

النحّات بغيظ : كل عملي يعتمد على يدايّ ، وهو حرق جلدي بالأسيد

العازف : وانا اصابعي هي مصدر رزقي ، وقد امتلأت بالثقوب والحروق الكهربائيّة

الكاتب : خوفي ان لا تعجب قصتي خبيره الّلغوي ! رغم محاولتي جاهداً ان تكون القصة متكاملة

- وكأن آلامنا لا تكفينا ، ليذكّرنا اللعين بماضينا الحزين !

- الأغرب هو كيفيّة معرفته بتفاصيل حياتنا !

- يبدو انه اجرى بحثاً شاملاً عنا قبل خطفنا ، بسؤاله الأقارب والأصدقاء او اطبّائنا النفسيين .. فأولئك الأثرياء يمكنهم الحصول على ما يشاؤون من المعلومات بمالهم القذر 

النحّات مهموماً : المهم ان اخرج من هنا حيّاً .. فلم تعدّ الجائزة تهمّني ، بقدر عودتي سالماً لزوجتي المريضة

- لا تتفاءل كثيراً ، فحتماً سيموت اربعة منا


ثم عمّ الصمت بعد دخول رجلٍ مقنّع ببذلته الفخمة الى المستودع ، برفقة حرسه المسلّحين .. فعرف الشباب انه الثريّ (صاحب المسابقة) الذي نادى بحماس :

- لقد ظهرت النتيجة !!


فاقتربوا منه متثاقلين ، بعد رؤية الجهاز الإلكتروني بيده..

الثريّ بلؤم : نعم !! هذا هو جهاز التحكّم بأطواقكم الملغّمة

وأشار لرجاله المقنّعين الذين احضروا اعمالهم السابقة ، ووضعوها امامهم


الثريّ : اريدكم جميعاً ان تعاينوا إنجازات بعضكم.. فهذه المنحوتة المخيفة من المفترض انها تمثّلني ، بعد ان شكّلها النحّات على هيئة مسخٍ مرعب !

النحّات بقلق : كنت تريد تمثالاً دون رؤيتي وجهك ، لهذا صوّرتك كبطل فيلم رعب

الثريّ : وقد أعجبت خبيري ، لدرجة إقتراحه ان تكون شكل الوحش في فيلم رعب الذي ألّفه صاحبكم.. (وأشار للكاتب)


فعايّن الكاتب المنحوتة باهتمام ، قبل ان يقول :

- لوّ اني رسمت الوحش الذي كتبته بقصتي المخيفة ، لكان شبيه هذه المنحوتة بالضبط !

الثريّ : وهذا رأيّ الخبير السينمائي الذي اعجبه تفاصيل قصتك ، رغم إيجاده بعض الأخطاء الإعرابيّة

فارتعب الكاتب .. ليُكمل الثريّ قائلاً :

- لكنه لم يهتم ، لأنها ستُمثّل بالعاميّة

الكاتب بارتياح : أهذا يعني انني الفائز ؟!

الثريّ : ليس قبل تقيّمي لبقية الأعمال .. فالّلوحة كما تلاحظون فيها ثلاثة وجوه تمثّل الرسّام وهو طفلٌ خائف ، ومراهقٌ عنيد ، وشابٌ مثقلاً بالهموم

الرسّام : تحليلٌ صحيح .. فأنت طلبت مني رسمة تمثّل مراحل حياتي ..وقد أمضيت طفولتي خائفاً من إدارة الميتم القاسية.. ثم تحوّلت لمراهقٍ مشاغب.. والآن اصبحت شخصاً مديوناً ، ومُرهقاً بالهموم الماديّة والنفسيّة 

الثريّ : وقد أُعجب خبيرنا بلوحتك .. خصوصاً الألوان التي استخدمتها بكل وجه ، تعبيراً عن نفسيّتك التي تغيّرت بمرور السنين ! والآن دعونا نستمع للمقطوعة الرائعة للعازف الذي ألّفها بآخر ساعة من المسابقة.. بعدها نستمع للأغنية القصيرة التي أثّرت بي وبصديقي الموسيقي الكبير ، لكلماتها النابعة من قلبٍ مكسور


وبعد سماعهم للمعزوفتيّن .. سأله الكاتب :

- يبدو ان اعمالنا الخمسة أعجبتك ، فمن منا الرابح ؟!

فرفع الثريّ جهاز التحكّم .. لينتفض الجميع وهم يضعون ايديهم حول اطوّاقهم ، ويتوسّلون بعدم تفجيرها.. لكنه كبس زرّاً آخر ، فكّت الأطواق عنهم ..فنظروا لبعضهم بدهشة ! وهم يتساءلون :

- ماذا يعني هذا ؟!

الثريّ : الجميع قدّم افضل ما لديه بعد الضغط عليكم جسديّاً ونفسيّاً ، ضمن وقتٍ محدود جعلكم تخرجون افضل ما لديكم.. وإن تابعتم على هذا المنوال اثناء عملكم المستقبلي ، وانتم تتخيّلون بأنها آخر لوحة ترسمونها وآخر معزوفة وآخر رواية تؤلّفونها ، فستبدعون طوال حياتكم.. لهذا نتيجة المسابقة هي...


وأشار بيده لرجاله الذين وضعوا حقائب جلديّة امام الشباب الخمسة ، مُكملاً كلامه :

- كل واحدٍ منكم استحقّ الجائزة

الرسّام : هل قسّمت المليون علينا بالتساوي ؟

الثريّ : بل حصل كل موهوبٍ منكم على مليون دولار ، بالإضافة الى..


ووزّع بطاقات فيها أرقام جوّالات الخبراء الذين اعجبوا بأعمالهم ، قائلاً لهم :

- هذه ارقامهم السرّية التي لا يعرفها سوى القلّة من المشاهير ، وهم مستعدين لدعمكم في اعمالكم القادمة


فقفز الشباب فرحاً بهذه الهديّة القيّمة ، فهي اهم من الجائزة لأنها ستمهّد لهم طريق الشهرة التي حلموا بها دائماً ، بعد تعسّر امورهم العمليّة لسنواتٍ طويلة


الثريّ : والآن عودوا لبيوتكم للإحتفال مع اهاليكم ، لكن إيّاكم اخبار احد بمسابقتنا العنيفة.. اما جروحكم ، فستشفى خلال ايام .. وحاولوا الإستفادة من تجاربكم الحزينة ، بتحويلها لإبداعاتٍ مستقبليّة 


وخرج الشباب من المستودع المهجور .. ليجدوا خمس سيارات اجرة بانتظارهم ، لإعادتهم لمنازلهم التي خُطفوا منها .. وهذه المرة مُفعمين بالأمل بعد نجاحهم اخيراً بمواهبهم المميزة ، التي تعاهدوا فيما بينهم على عدم التخلّي عنها طوال حياتهم !

******


ملاحظة :

عندما اشعر بالإحباط وعدم الرغبة بمتابعة موهبتي ، استمع لهذه الأغنية التحفيزيّة التي تعطيني القوّة النفسيّة للكتابة من جديد .. اتمنى ان يلهمكم الفيديو ، كما يفعل معي دائماً 

الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=MzQs3VrO8_s



الخميس، 4 يناير 2024

الحِوار الأخير

تأليف : امل شانوحة

 

ذنوب الماضي


في ليلةٍ ماطرة على طريقٍ جبليّ ، تسارعت سيارة الشاب فوق شارعٍ زلِق خالي من السيارات خلال عاصفةٍ رعديّة .. ورغم علمه بأن القيادة بهذه الظروف الصعبة فيها خطرٌ على حياته ، لكنه لم يتحمّل خبر نقل امه الى الطوارىء ! ولم يشعر بالرعب إلاّ بعد تعطّل المكابح الذي زادت من نبضات قلبه ، ولسانه الذي يلهج بالدعاء.. وعرقه الذي تصبّب ، تناغماً مع دموع عينيه الخائفتين على امه في المستشفى ، وزوجته وطفلته الذي تركهما في بيت الجبل ، بعد شعوره أنها رحلته الأخيرة مع القدر !


وحينما رأى الشجرة الكبيرة على حافّة المنعطف الجبليّ من بعيد ، إرتعدت مفاصله بعد تلويح شخصٍ يُشبهه هناك ! 


وفجأة عمّ الظلام ، مع ارتفاع صوت الإرتطام المخيف لمقدّمة سيارته التي انغرزت بجذع الشجرة الضخمة التي منعته من الإنحدار نحوّ الوادي السحيق


وبصعوبةٍ بالغة فتح عينيه ، ليجد نفسه جالساً تحت الشجرة ! برفقة شبيهه الذي مدّ يده نحوه ، وهو يقول :

- لنتشارك سيجارتنا الأخيرة ، فهي تساعد على التقاط انفاسك من أثر الصدمة

فسأله برعب : من انت ؟!

- قرينك الذي سيصبح عاطلاً عن العمل بعد دقائق ، لحين لقائنا مجدّداً يوم القيامة


فأمسك الشاب بيده الدامية السيجارة المُشتعلة ، ودخّن بأنفاسٍ مُنقطعة وهو يراقب سيارته التي أصبحت كومة حديد ، بعد ارتطامها بالشجرة التي خسرت معظم اغصانها من الحادث المروّع!

وتنهّد بضيق :

- ماذا الآن ؟!

القرين : إلى أن يتوقف قلبك وعقلك نهائيّاً ، سأبقى بجوارك لحين إنتقال روحك مع ملك الموت .. والى ذلك الوقت ، سنتشارك ذكرياتنا معاً


وصار يذكّره بطفولته المشاغبة ..وجميع المقالب والأعمال الشريرة التي كانت من أفكار القرين ، التي انتهت بعقابات متعدّدة للشاب من والديّه ومعلميه في المدرسة

الشاب بقهر : الجميع اتهمني بأنني ولدٌ مشاغب ، مع اني نفّذت خططك الشريرة

القرين : انا لم أفعل شيء سوى الوسّوسة .. وطالما أطعتني ، فستعاقب على ذنبك وحدك


ثم ذكّره بهروبه المتكرّر من المدرسة ، ومشاغبته بالفصل ، وتنمّره على زميله ضعيف الشخصيّة.. عدا عن معاندته لوالديّه ، وإثارة المشاكل بين الأقارب بنقل النميمة بينهم..الى ان وصل لسن المراهقة : وتدخينه السجائر ، وتركه الثانويّة وتسكّعه بالطرقات.. 


ثم سرد مطوّلاً تفاصيل اكبر ذنوبه بعد خداعه لمراهقةٍ بريئة أحبته بجنون ، والذي تسلّى بها عقب إيهامها بالزواج ! ليصدمها بخطبته لزوجته الحاليّة بالطريقة التقليديّة .. وتخلّيه عن حبه الأول التي انتحرت خوفاً من عائلتها.. بينما أخفى موضوعها عن زوجته التي أنجب منها طفلته الوحيدة التي ربّاها على الأخلاق والفضيلة ، رغم مطاردة شبح حبيبته في كوابيسه لسنواتٍ عدّة !


وفجأة ! ظهرت روح المراهقة المخدوعة وهي تجلس بجواره ، مُراقبةً الوادي بعينيها الشاحبتين..

الشاب بصدمة : ألستِ ميتة ؟!

فردّت بنبرةٍ غاضبة : بل قلّ مقتولة ، بعد ان سحبت روحي من جسدي.. ولكونك تحتضر ، سمحوا لي بلقائك ايها الوغد !!

الشاب بندم : ارجوك سامحيني ، فهو من وسّوس لي بالتلاعب بمشاعرك الصادقة


وأشار لقرينه الذي رفع يديه مستسلماً ، قائلاً للصبيّة :

- انا لم اقترح عليه تركك.. بالعكس !! كنت سعيداً بذنوبكما معاً.. لكنه تخلّى عنك وتزوّج بأخرى بخطوةٍ جريئة ، صدمتني ايضاً !

الشاب : ارجوك سامحيني ، حبيبتي

الصبيّة بغضب : الآن اصبحت حبيبتك ! مُحال ان اسامحك ، فبسببك أُعذّب بالنار منذ فترةٍ طويلة لعلاقتي المُحرّمة معك ، ولجوئي للإنتحار.. لهذا رغبت برؤية ملك الموت وهو يسحب روحك الخبيثة للجحيم !!

الشاب : صدّقيني ، تغيّرت مباشرةً بعد وفاتك .. ووقفت امام قبرك ، وأن أعدّ ربي بتحسين تصرّفاتي .. وبالفعل أصبحت زوجاً مُخلصاً وأباً حنوناً .. وتوظّفت بالحلال وأرضيّت اهلي ، بعد اعتنائي بأبي المرحوم طوال مرضه.. كما نويّت الإهتمام بأمي التي تحتضر الآن


فظهر صوت من خلف الشجرة : مُتّ قبل قليل

الشاب بصدمة : امي !

الأم بحزن : كم كانت صدمتي كبيرة ، وأنا اسمع حوارك مع قرينك عن ذنوبك السرّية !

الشاب باكياً : رجاءً امي سامحيني

الأم معاتبة : هل ربّيتك لتلعب ببنات الناس ؟!

فقالت الصبيّة لها :

- ارأيتي يا خالتي ، والله أحببته اكثر من روحي .. لكني غبيّة ، لتصديقي وعوده 

فردّت عليها : وهذا خطئِك ايضاً .. فواجبك كفتاة ان تحافظي على نفسك طاعةً لربك ، ومراعاةً لسمعة عائلتك

فأخفضت الصبيّة رأسها بندم : 

- للأسف ، عرفت ذلك متأخراً .. وحالياً أحترق بالجحيم ، على امل ان يسامحني ربي بنهاية المطاف


وهنا نظرت الأم للسماء :

- هاهو ملاك الرحمة قادماً نحوي ، لأخذي للجنة

ابنها بخوف : هل ستتركيني يا امي ؟!

الأم : عليك ان تُعاقب على جميع ذنوبك .. لحين حصولك على غفران ربك ، وسماحه بإجتماعنا سويّاً في الجنة .. كان الله في عونك ، يا بنيّ

ثم انتقلت مع الملاك للسماء..


بينما ارتعدت اوصال ابنها ، بعد نزول ملكٍ آخر بهيئةٍ مخيفة من السماء باتجاهه

فأسرع القرين برميّ سيجارته ، قائلاً :

- آسف يا صديقي ، حان وقت عودتي لعالم الشياطين بعد انتهاء مهمّتي.. فبصراحة ، يُخيفني ملك الموت كثيراً


وما ان اختفى القرين ، حتى خرجت يدٌ ناريّة من الأرض !

فقالت الصبية بغضب : 

- هاهو ملاك العذاب يأمرني بالعودة للجحيم الذي سنجتمع فيها قريباً ، ايها الخائن الماكر !! 

ثم سُحبت لباطن الأرض..


وهنا اقترب ملك الموت من الشاب ، وهو يقول : 

- لقد توقف قلبك وعقلك قبل قليل في جسدك المحشور بسيارتك المحطّمة ، وحان وقت حسابك

الشاب بخوف : هل سأنتقل مباشرةً للجحيم ؟

- ليس قبل دفنك ، وسؤالك من قبل ملكيّن القبر

ثم اشار الملك للسيارة :

- انظر هناك !!


فرأى الناس والشرطة مُجتمعين حول سيارته ، وهم يحاولون اخراج جثته!

الملاك : سآخذ روحك الآن .. ولا تظنه بالأمر الهيّن ، لأنك ستشعر وكأني أقلع قلبك من بين ضلوعك


فصرخ الشاب بألمٍ شديد ، دون ان يسمعه احد من المتواجدين هناك ! لتنتقل روحه الخائفة مع ملك الموت للسماء ، بانتظار حسابه الذي يبدو سيطول قبل رؤية والديّه الصالحيّن بالجنة مُجدّداً !


الثلاثاء، 2 يناير 2024

الحُليّ المُباركة

فكرة وكتابة : ابن العراق
تنسيق : امل شانوحة 

 

المحل المشبوه !


تجمّعت نساء حول محل لبيع الإكسسّوارات وادوات الزينة ، بعد رؤيتهنّ لإعلان عن تخفيضات بنصف السعر لنهاية اليوم فقط .. 

واختارت كلاً منهنّ ما ارادته : فإحداهنّ اشترت العدسة العسليّة ، بينما امها اشترت إسّورةً فضيّة .. أمّا الصبيّة فطوّق شعرٍ لامع ، والخاتم لأختها الصغرى.. والأخيرة قرطان من اللؤلؤ الصناعي ، بعد بيع زوجها ذهبها لدفع دينه !

وبعد ذهابهنّ ، ازال البائع الإعلان وهو يقول : سأنتظر عودتهنّ قريباً 

*** 


في المساء .. استيقظت الأم على صراخ ابنتها ، بعد تعذّر إزالتها للعدسة من عينيها الدامعتين من شدّة الألم .. 

فقالت الأم : وانا ايضاً لا استطيع إزالة السّوار من يدي ! هناك شيءٌ مريب يحصل لنا !

- رجاءً امي ، لا اريد ان تُؤذى عينايّ

- سأتصل بجارتنا ، فإبنتاها اشترتا من ذات المحل 

^^^


فعلمت أن ابنة الجيران تعاني من المٍ في رأسها ، بعد ان علق الطوّق في شعرها .. بينما اختها تورّم اصبعها من الخاتم .. 

فطلبت من جارتها الإتصال بصاحب المحل التي حصلت على بطاقته .. ليتفاجئنّ بأن محله مازال مفتوحاً بعد تجاوزهم منتصف الليل ! 

***


فأسرعنّ اليه .. ليجدنّ المرأة الخامسة هناك ، وهي تعاني الماً من قرطا اللؤلؤ اللتان انغرستا في اذنيّها !


وبعد ان دخلنّ المحل ، إستقبلهنّ البائع بابتسامة :

- كنت اعلم بعودتكنّ .. فما الذنوب التي ارتكبتموها ، والتي بسببها عوقبتم بالحليّ المباركة ؟


فحاولنّ الأنكار اولاً .. الى ان اعترفت الصبيّة (صاحبة العدسات) برؤيتها للمقاطع القذرة بالجوّال ليلاً .. بينما امها اعتادت ضرب ابن ضرّتها المتوفيّة ، لهذا علق السِوّار الحارق بيدها .. بينما صاحبة القرط ، تعشق الأغاني التي لم تطفئها حتى وقت الأذان ! اما صاحبة طوّق الشعر العالق ، فهي مُحجّبة امام اهلها .. لكنها تزيله في الجامعة ، لتفتن الشباب بشعرها الطويل الناعم.. اما الصبيّة (صاحبة الخاتم) فاعتادت الإشارة بإصبعها بحركةٍ قذرة التي نشرتها بين زملائها بالمدرسة ! 


فأخبرهم البائع بأن الحلّ : هو قطع العضوّ العاصي لربه .. وذلك بحلق الشعر ، وقلع العين وبتر اليد والإصبع والإذن .. فرفضنّ ذلك ، وخرجنّ من محله باتجاه المستشفى لزيادة ألمهنّ ، بعد ضغطٍ لا يُطاق من الحليّ الحارقة ! 


لتنادي إحداهنّ الشرطي ، للإبلاغ عن البائع المشبوه.. فذهب معهنّ الى المحل .. لينصدمنّ أنه متجرٌ مهجور ومحطّم الواجهة ! 

فقال الشرطي : 

- لما تختلقنّ قصةً خرافيّة بهذا الوقت المتأخر من الليل ؟! فالمحل مُغلق منذ سنوات .. ثم لا ارى انكم خسرتنّ أيّ جزءٍ من اجسامكنّ ، كما تدّعين !


وفجأة استطاعت الفتاة إزالة الخاتم بسهولة من اصبعها ! وكذلك فعلنّ البقيّة ، بعد ان خفّ ضغط الحليّ عليهن .. فاعتذرنّ من الشرطي .. 


وبعد ذهابه ، إجتمعنّ امام المجمّع السكني.. 

الأم : لا اعلم ما حصل بالضبط ، ومن هو صاحب المحل المجهول .. لكنه لقننا درساً لن ننساه ابداً ! 

الجارة بقلق : إن كان هذا عذابنا بالدنيا ، فكيف سيكون عقابنا بالأخرة ؟!


وتواعدنّ على التوبة من ذنوبهنّ بعد الإمتحان القاسي من البائع الذي لم يكن سوى ملاكاً مُتخفّياً ينوي التنقّل من مكانٍ للآخر لنشر الوعيّ والفضيلة بين الناس ، وخصوصاً النساء المُثقلات بالذنوب !


الخميس، 28 ديسمبر 2023

بطولة كاتبة

تأليف : امل شانوحة 

 

إضّطراب الهويّة


انتهى الموسم الأول من المسلّسل الدرامي الناجح .. وقبل موسمه الثاني ، أقام فريق العمل حفلاً ، دعى اليه الكاتبة لأوّل مرة

وكان البطلان (الحاصلان على إعجاب الجماهير ، للتوافق العاطفي بينهما) متشوّقيّن لرؤية الكاتبة ، وشُكرها على السيناريو القويّ للموسم الأول الذي جعل مسلّسلهما في المركز الأول على جميع المحطّات التلفازيّة ووسائل التواصل الإجتماعي


واثناء انشغال الجميع بالحفل .. وصلت الكاتبة ببنيّتها الرياضيّة الصحيّة ، ووجهها الطفوليّ المريح ..

 

وبعد سلامها عليهم ، أخبرتهم بتوكيل زميلتها بكتابة الموسم الثاني .. فاعترض البطلان ، لتميّز حواراتها التي أُعجبت الجميع

فردّت بابتسامة : يجب على الموسم الثاني ان يكون رومنسيّاً ، بعكس الموسم الأول الدرامي .. ولا خبرة لي بهذه الأمور ، كوني عزباء وانطوائيّة .. لهذا زميلتي ستُحسن كتابتها لكم .. وأظن الجمهور مُتعطّش لتلك المشاهد ، بعد قساوة البطل على البطلة ، طيلة الموسم الأول


((فقصة المسلّسل : تتحدّث عن ثريّ نرجسيّ ، إشترى عبدة من تاجر رقيق بالإنترنت المظلم ، لشبهها الكبير بزوجته التي عشقها بجنون ، والتي سافرت مع عشيقها ..تاركةً زوجها بصدمةٍ كبيرة جعلته يكره كل النساء ، بعد ان دلّلها طوال سنتيّن زواجهما ! ولهذا عامل العبدة بقسوّةٍ ولؤم ، إنتقاماً من حبيبته الخائنة ! لينتهي الموسم الأول من المسلّسل : وهو يتصنّت على العبدة وهي تتحدّث مع صديقتها (خادمة القصر) عن عشقها للسيد من النظرة الأولى بعد إنقاذها من العبوديّة ! ولأجل مشاعرها الصادقة نحوه ، تحمّلت قساوته على امل أن تُطيّب جروح قلبه ، ليعود رجلاً مُحبّاً كما كان دائماً .. وقد صدمه إعترافها بحبه ، رغم تعنيفها جسديّاً ومعنويّاً دون رحمة ! لينتهي المشهد الأخير بنظراته الحائرة التي أعطت المشاهدون املاً بموسمٍ رومنسيّ ، بعد استحواذ البطلة الناعمة على قلبه المكسور))


وهنا سألتها البطلة : 

- آه صحيح ! لما كتبت تلك المشاهد القاسية ؟!

الكاتبة مروى : اولاً أعتذر عن تجربتك لجميع المواقف المؤلمة ، خاصّة مع تمثيل البطل بواقعيّة اثناء ضربك وإذلالك .. لكن عيشكما الدوّر بهذا الإتقان المُبدع ، هو ما جعل الجمهور يتعاطف مع البطلة.. وفي نفس الوقت ، يشعر بخيبة امل البطل وحرقة قلبه ! امّا لماذا كتبت مشاهداً بهذه القسّوة ؟ لأنها باختصار قصتي الحقيقيّة

الجميع بصدمة : ماذا !

مروى بحزن : ليس مع الحبيب ، بل مع والدي.. (ثم نظرت للبطل) .. اساساً اخترتك من بين الممثلين ، لتشابهكما بالشكل.. وعندما رأيت مشاهدك الغاضبة ، دمعت عينايّ بعد تذكّر آلامي


ثم اوصلت جوّالها بتلفاز الصالة الذي اجتمع حوله الممثلون والمخرج والمصوّرون لرؤية ما تقصده !

مروى بقهر : سأجلس في الشرفة ، فالفيديو الذي ستشاهدونه يؤلم قلبي .. وهو عن سيرتي الذاتيّة 

وتركتهم يشاهدون قصّة حياتها التي استلهمت منها فكرة مسلّسلهم الدرامي 


في الفيديو : 

((ظهرت مروى بعينيها الدامعتين ، وهي تسرد الحدث الذي قلب حياتها رأساً على عقب : 

- تطلّق والدايّ وانا طفلة .. وكلاهما تزوّج بآخر.. زوج امي كان رائعاً وحنوناً ، وتكرّم عليّ بتسجيلي في النوادي التي تزيد انوثتي : كالجمباز والبالية والرقص والموسيقى..


ثم عرضت مقاطعاً سريعة : من عمرها ٧ حتى ١٤ ، وهي تفوز بالميداليّات والكؤوس ..عدا عن رقصها وغنائها بسعادةٍ وحيويّة..

ثم تابعت قولها : 

- هذه الصبيّة البريئة تحوّلت مع ابي .. الى وليد


ثم وضعت صورة لها بشكلٍ مُغاير : بشعرٍ قصير ، ووجهٍ متورّم .. مع قفازيّ الملاكمة وعضلاتٍ مفتولة ، غيّرت معالم جسمها الناعم !

ثم تابعت كلامها ، بعد مسح دموعها : 

- والدي طلّق امي بعد إنجابي ، فهو كمدرّب ملاكمة اراد إنجاب صبيّاً يفوز له ببطولة العالم للشباب .. لكن حادث سيرٍ اودى بحياة زوجته الحامل وإصابته بالعقم ، جعله يُطالب المحكمة باسترداد وصاية ابنته الوحيدة .. اما انا ، فتضاربت مشاعري بعد فوزه بالقضيّة ! من ناحية كنت متشوّقة للعيش مع والدي الحقيقي ، وفي نفس الوقت حزينة على انهيار امي واختي الغير شقيقة لابتعادي عنهما بعد عودتي للوطن ! وكنت اظن انني سأعيش حياةً هانئة مع ابي الذي بدأ منذ يومي الثاني بتدريبي بصالة الملاكمة الخاصة به ، بعد ان أمر خادمته الآسيويّة (هاجر) على تصوير تدريبنا اليوميّ ! وسأعرض لكم اللحظة التي انهارت فيها حياتي ! 


ثم وضعت مقطعاً : وهي تصرخ على والدها بعد لكمها بقوّة ، لعدم حمايّة وجهها

- ابي !! لا تضربني بقسوّة ، ستشوّه وجهي

- لا تتكلّم كالشواذّ ، يا وليد !!

- انا مروى يا ابي ..ابنتك الوحيدة.. انت لم تنجب وليد مطلقاً !!


لتتفاجأ بعصبيّته الهستيريّة التي جعلته يشتمها ، ويجرّها من شعرها ! وسط صراخ خادمته المجبورة على إكمال التصوير بيديها المرتجفتين ، وهو يحلق شعر ابنته الطويل بالماكينة الإلكترونيّة.. ثم رماها امامها ، وهو يأمرها بإكمال الباقي !


وظلّ بجانبها ، حتى حلقت شعرها كلّه .. ثم قال بلؤم :

- لا وجود لمروى بعد اليوم.. انت وليد !! ومن واجبك إحضار كأس العالم لي ، وإلاّ سأدفنك بأرضك !! أفهمت ؟!!


وخرج من الصالة غاضباً ، بينما حلّ هدوءٌ مريب على مروى وهي تنظر لنفسها بالمرآة ! فاقتربت منها الخادمة ، وهي مازالت تصوّر الحدث المريب :

- هل انت بخير يا مروى ؟

فنظرت للكاميرا بقهرٍ واضح : 

- ابي قتل مروى اليوم.. انا وليد ، يا هاجر .. وليد البطل !!


ثم أكملت الكاتبة سيرتها الذاتيّة :

- وبالفعل ، أصبحت بطلاً دون منافس


ووضعت مقاطع لها وهي تفوز بالمبارة تلوّ الأخرى ، مُتقلّدة العديد من الميداليّات الذهبيّة .. مع عرضها لأهم ضرباتها الحاسمة التي أسقطت خصومها غارقين بدمائهم او مغشيٍّ عليهم .. دون ظهور الندم او رحمة بعيون وليد ، بعضلاته وجسمه الذي شابه الأولاد أكثر من البنات ! 


ثم تابعت الكاتبة قولها :

- لم يكن نجاحي سهلاً .. سأريكم جزءاً من تدريبات والدي العزيز


ووضعت مقاطع مصوّرة وهو يرمي عليها الماء البارد وهي نائمة ، لبدء التمارين القاسية قبل شروق الشمس ! ولم يهمّه إن كانت الحرارة ٤٠ صيفاً ، او تحت الصفر شتاءً ، او الجوّ ماطر وعاصف ! فهي مجبورة على متابعة التمارين .. وإن لم تفعل ، يجلدها بالسوّط بقوّة .. ثم يرشّ المطهّر الحارق على ظهرها.. وعليها تحمّل الألميّن ! وإن بكت .. يجلدها ثانيةً ، بحجّة أن الرجال لا يبكون !


عدا عن إجبارها على شرب مرق اللحم الكريه كل يوم ، لتقويّة عظامها.. وإن بصقته ، يحشر اللحم في فمها ..الى ان تتقيّأ ، او يُغمى عليها !


كما عليها كتم انفاسها اثناء سباحتها على طول المسبح ، لتقويّة رئتيّها.. 

ثم عرضت فيديو عن فشلها بهذا التمرين في أحد الأيام : 

فضغط بقوّة على رأسها تحت الماء ، وسط صراخ الخادمة (الظاهر في التصوير) وهي تترجّاه أن يتركها .. ولم يفعل ذلك ، إلاّ قبل لحظات من موتها غرقاً !

ليتركها وهي تحاول جاهدة إلتقاط انفاسها .. وهي بدورها لامت الخادمة على إيقافه من قتلها وإنهاء عذابها !


ثم نظرت مروى للكاميرا قائلةً : 

- قد تتساؤلون لما لم اتصل بأمي او الشرطة ؟ .. لم يكن هناك تلفون في المنزل الذي يقفل ابي ابوابه عند رحيله.. وهاجر صوّرتني بالكاميرا ، لا الجوّال المحرّم علينا .. لهذا كان عليّ متابعة تدريباته القاسية حتى النهاية


ثم وضعت مشهداً لوالدها وهو يطلب منها كسر شجرةٍ نحيفة ، بلكمتيّن فقط!

وعندما رفضت .. صفعها بقوّة ، وبدأ بشتم والدتها التي لم تحسن تربيّتها.. الى ان غضبت وكسرت الشجرة بضربتيّن.. 

وبعد ذهابه .. ساعدتها الخادمة بخلع قفازيّها اللتيّن امتلئتا بالدماء مع اصبعين مكسوريّن !


ثم وضعت الكاتبة صوراً لظهرها المجلود ، وذراعها المكسور ثلاث مرات ..وكذلك قدمها ، عدا عن اصابع يديّها المتورمتيّن دائماً!

مروى : كان صديق والدي طبيب عظام ، وهو من عالجني بعيادته سرّاً .. لأن والدي خشيّ من سؤال الشرطة عن كسوري المتكرّرة ، في حال أخذني الى المشفى .. طبعاً تتساءلون : كيف عاملك والدك بظروفك الخاصّة ؟ ..كان يجبرني على اخذ دواءٍ كل شهر ، هو السبب في نسياني بأنني انثى .. وهو ما أضرّني صحيّاً لاحقاً ! عدا عن منعه إكمال دراستي لخمس سنوات ، فكل همّه هو الفوز بالمبارايّات .. (ثم تنهّدت بحزن) .. احياناً كنت ارى رسائل امي ممزّقة في سلّة النفايات ، بعد يأسها من الإتصال بي هاتفيّاً.. وكنت احاول إلصاقها ، لجمع كلامها .. لكن الأمر كان مستحيلاً ! وبقيت على هذه الحالة من اضّطراب الهويّة ، الى ان صدّقت تماماً بأنني وليد .. ونسيت مروى تماماً ، كأنها قصة اختلقتها في مخيّلتي !


ثم عرضت مقاطع لها وهي تضحك بعد فوزها بإحدى المبارايات ، دون اهتمامها بنقل خصمها الى الطوارئ بعد إصابتها العنيفة ! كما مقطعاً لها وهي تدخن على حافّة شرفة فيلا والدها ، دون اكتراثها بخوف الخادمة من إنزلاقها ..وكأن شعور الخوف والألم اختفيا من قلبها وعقلها للأبد !


كل هذا تغيّر في المباراة ما قبل الأخيرة من بطولة العالم للناشئين .. بعد سقوط خصمها على الأرض دون حراك ، وصراخ والدها لإنهائها بالضربة القاضيّة.. لكن مروى توقفت باللحظة الأخيرة ! 

ورغم انتهاء المباراة بفوزها ، إلاّ ان والدها اراد صفعها فور خروجها من الحلبة لعدم تنفيذ امره .. لكنها امسكت يده بقوة ، وهي تقول بحزم :

- طالما ربحت المباراة ، فلا داعي لعطب منافستي


اما في مباراتها النهائيّة ، فخسرت جوّلتها الأولى .. فهمس ابوها في اذنها: 

- يبدو ان جسدك المُخنّث يحِدّ من قدراتك ، يا وليد.. عدا عن بطولة النساء السخيفة ، بعد رفضهم دمجك ببطولة الرجال .. لهذا بعد هذه المباراة ، سأخضعك لإبر الهرومونات ، لتحويلك لشابٍ طبيعيّ


فنزلت دمعة مروى الخائفة ، والتي ظهرت على كاميرا الحكم الذي اوقف المباراة للإستراحة ..ثم اخذها جانباً ، ليسألها :

- هل علاقتك متوتّرة مع والدك ؟

فحاولت كتم دموعها بصعوبة : سيدي ، أنقذني من ذلك الوحش .. أعدني الى امي قبل ان اقتل والدي او انتحر .. ارجوك !! 

وطلبت منه مشاهدة المقاطع المصوّرة لتدريبه الوحشيّ من كاميرا الخادمة المتواجدة مع الجمهور


واثناء مباراتها الأخيرة ..حجز الحكم تذكرة طائرة لإعادتها لأمها (الذي حصل على رقمها من الخادمة) التي وعدته بانتظارها بالمطار بفارغ الصبر 


وفي الوقت الذي كان فيه والد مروى يقفز فرحاً وهو يحمل كأسها ، بعد فوزها ببطولة العالم للناشئين .. كانت هي في طريقها الى المطار دون علمه


ثم وضعت الكاتبة تصوير خادمتها (التي سافرت معها) لاستقبال امها واختها بالدموع والأحضان فور وصولها المطار ، بعد رؤيتهما لوجهها وجسمها المتورّم.. بينما لم تبدي مروى ايّ مشاعر حنان ، بل كانت مشاعرها متضاربة بين وليد القاسي ومروى المقهورة !


وبسبب فيديوهات الخادمة .. خسر والدها الوصاية عليها ، لكنه لم يهتم بعد حصوله على الكأس الذي ساهم بفتح صالته لتدريب الناشئين الذكور ، كما يحلم دائماً .. 


بينما عانت مروى لسنتين من رفضها التحوّل لأنثى من جديد ، بعد ان منعتها امها تناول دوائها الشهريّ المعتاد .. وإخضاعها لعلاجٍ نفسيّ مكثّف ، كما إعادتها للدراسة بعد تأخّرها كثيراً عن زملائها


ثم وضعت الكاتبة مقطعاً لأختها (العروس) وهي تترجّاها بلبس الفستان التي اختارته لها بحفل زفافها .. وإن تتصرّف كفتاة امام اهل عريسها

ولخوف الأم من ردّة فعل مروى العنيفة ..أحضرت الكوفيرا الى غرفتها (التي ازالت منها المرآة) لتحسين مظهر شعرها التي اطالته بإهمال 


وبعد الإنتهاء من تزيّنها .. انتظرت امها واختها اسفل درج الفلة .. لينصدما بجمال مروى بالفستان الذي تلبسه لأوّل مرة منذ ٧ سنوات!


بعدها وضعا المرآة امامها .. لتنزل دموع مروى المصدومة بعد عودة ملامحها الأنثويّة التي نستها تماماً ! ثم نظرت لكاميرا الخادمة التي كانت تصوّر وتبكي من جمالها :

- مروى عادت للحياة من جديد ! مروى مازالت حيّة ، يا هاجر!

واحتضنتها العائلة بسعادة ، بعد انتهاء صراعها بين الجنسيّن لسنوات بسبب عقد والدها النفسيّة !


ثم اكملت الكاتبة كلامها : 

- مسلسل العبدة الذي اعجب الجمهور كان علاجاً نفسيّاً لي ، بعد مشاركتكم مشاعري الغاضبة والخائفة ، وخيبات املي ضمن مشاهد المسلسل الدرامي.. اما ابي ، فتوفيّ منذ فترة ..وحضرت جنازته .. ورميت كل ميداليّاتي في قبره لأنها حلمه ، ولم تكن يوماً حلمي.. فهل نجحت بتجسيد دور الإبن الذي تمنّاه والدي دائماً ؟ وهل سأتمكّن يوماً من نسيان تعذيبه الجسديّ والنفسيّ ؟ وهل انتهت شخصيّة وليد تماماً ، ام ينتظر الفرصة المناسبة للسيطرة على جسمي وتفكيري من جديد ؟! كل ما اعرفه انني لست فتاةً طبيعيّة ..وخوفي وقلّة ثقتي بالرجال ، سيحرمني الزواج والأمومة ! ومع ذلك سأحرص ان يكون الموسم الثاني من المسلسل بنهايةٍ سعيدة ، تختلف عن حياتي المحطّمة .. اعدكم بذلك))


وانتهى الفيديو هنا ! وسط دموع الممثلين الذين انصدموا من التجربة القاسية التي عاشتها الكاتبة .. حتى ان البطلة خرجت للشرفة لاحتضانها .. فربتتّ الكاتبة على كتفها :

- لا تقلقي عزيزتي ، انا بخير.. وسأبقى معكم إسبوعين قبل رحيلي..اتمنى ان لا اكون ثقيلة عليكم

ثم اقترب منها البطل :

- أشعر بالقهر لتشابهي بالشكل مع والدك الساديّ 

مروى : المهم ان لا تشبهه بالصفات ، ولا تفكّر يوماً باستخدام القسّوة مع عائلتك..

ثم نظرت لأحد مساعدي المخرج :

- اين غرفتي ؟ اشعر بالتعب


ثم ودّعتهم لتنام .. بينما سهروا وهم يتناقشون حياتها المزريّة التي جعلتهم يشعرون بالمسؤوليّة لتمثيل واقعها ، بمشاهد مُتقنة وحِرفيّة

***


في اليوم التالي ، وبعد الغداء .. أحضرت الكاتبة علباً بلاستيكيّة ، وبدأت بوضع بقايا الطعام فيها .. 

فسألها المخرج : ماذا تفعلين ؟

مروى : لا احب رميّ النعمة.. وهناك بعض الفقراء خارج القصر (الذي يصوّرون فيه المسلّسل) سأعطيهم الطعام في الحال

إحدى الممثلات : ليأخذوها من حاوية النفايات

مروى : لربما بهذه الصدقة ، يسامحنا الله على التجاوزات التي تحصل بالتمثيل والكواليس


فتطوّع كومبارس على مساعدتها.. ليراقبها البطلان من شرفة القصر وهي توزّع الطعام على الفقراء الذين تجمّعوا حولها ، وهم يشكرونها بامتنان

فقال البطل لزميلته :

- تلك الفتاة مميّزة بالفعل !

***


وفي احد المشاهد للموسم الجديد .. ذهبت مروى مع طاقم العمل الى الغابة ، لتصوير مشهد كشّافة بين البطل والبطلة ..وكان معهم طفليّن (مشاركيّن بالمسلّسل) 

وبعد انتهاء التصوير وحلول المساء .. إقترح المخرج تخيّمهم هناك 


فجلست مروى مع الولديّن في الخيمة ، لإخبارهم قصة قبل النوم .. 

وأمضت ساعة وهي تحدّثهما عن قصة من تأليفها ، وهي مستغربة من الهدوء خارج خيمتهم ! 

وبعد نوم الولديّن ، تفاجأت بالبطل يطلّ برأسه من خيمتها .. 

فارتبكت لأنها نائمة بالعكس .. وعدّلت جلستها بعد ان كان وجهه فوق رأسها ،

وهمست بعصبية :

- أخفتني يا رجل ! وكدّت توقظ الولديّن

البطل : اردّتك ان تشاهدي وضعنا بنفسك


فأخرجت رأسها من الخيمة ، لتجد معظم طاقم العمل نائماً !

البطل : لقد أنمتي الجميع بقصتك الجميلة

فابتسمت لإنصاتهم عليها دون علمها ! 


واستسلمت للنوم ، مُتجاهلةً الإرباك الذي حصل مع البطل الذي لم يستطّع الغفوّ ليلتها بعد أن خفق قلبه لها ، مع علمه برفضها الزواج نهائياً ! 

***


وفي إحدى الأمسيّات .. أمضت مروى الليلة وهي تلاعب الولد (المشارك بالمسلسل) الشطرنج .. وبعد خسارته ، جلس البطل مكانه وهو يتحدّاها :

- إن فزت ، ترقصين معي على الموسيقى الهادئة

فاستغربت مروى من جرأته :

- لا ! إن فزت عليّ ، أصنع لك طبق عشاءٍ لذيذ

البطل : موافق !!


وبالفعل فاز عليها .. فأعدّت له فتّة بالصنوبر ، اعجبه كثيراً .. لدرجة ان الجميع طلب تذوّق الطبق .. فطلبت من بعض الممثلات مساعدتها بالمطبخ .. وبعدها قدّمت للجميع ، عشاءً لذيذاً 

***


في الصباح التالي .. شرب البطل قهوته على شرفة القصر ، ليشاهد الكاتبة تتمرّن على قفز الحبل من بعيد ، وكأن الرياضة اصبحت واجباً عليها كل صباح !


لكن ما ان لمحت صاحب الإسطبل (القريب من القصر) يجلد حصانه (الذي اشتراه جديداً) لرفضه وضع السِرج عليه ، حتى جنّ جنونها.. وسحبت منه السوّاط ، وأخبرته انها ستقنع الحصان بطريقتها

فابتعد عنها ساخراً.. لتمضي الوقت وهي تُمسّد شعر الحصان ..والبطل يشاهدها من فوق وهو يشعر بألمها ، بعد تذكّرها تعذيب والدها.. وظلّت تحادث الحصان ، حتى سمح لها بركوبه ! 


فنزل البطل سريعاً ، بعد ركوبها الحصان دون سِرج .. لكنها فتحت السيّاج وانطلقت بأرجاء المزرعة ، وهي تقوده بمهارة دون وسيلة امان ! 

وكاد قلب البطل يتوقف من خوفه عليها.. 


بعدها عادت بهدوء للحظيرة ..وأخبرت صاحب الحصان انه مستعد لوضع السِرج عليه..

وما ان خرجت من هناك ، حتى عاتبها البطل :

- هل جننت ؟!! كان بإمكانك السقوط ، وأذيّة نفيسك !!

مروى : كنت امسك شعر الحصان جيداً

- ليس كافياً !! لقد أخفتني عليك

- لا تهتم لأمري ، رجاءً

وذهبت للإستحمام..

^^^


بعدها خرجت للشرفة ، لكتابة بعض مشاهد الموسم الجديد (مع توكيل زميلتها بالمشاهد الرومنسيّة)..

فإذّ بالبطل يقترب منها ، ويضع منشفة على رأسها :

- نشّفي شعرك جيداً وإلاّ ستمرضين 

فقالت له :

- ممتاز !! سيكون هذا مشهداً جميلاً بينك وبين البطلة ، سأضيفه حالاً الى السيناريو .. شكراً لك

البطل : كنت أقصدك انت ! .. لما تتهرّبين مني ؟ فأنا احاول جاهداً التعبير عن إعجابي بك


فتنهّدت مروى بضيق :

- أتدري ماذا يفعل الحطّاب الفقير عندما لا يتمكّن منشاره اليدويّ من قطع الشجرة الكبيرة ؟

البطل : ماذا يفعل ؟

- يوقف اصدقائه حول الشجرة .. ثم يبدأون بنقدها بأسوء الشتائم.. وفي اليوم التالي تُقطع الشجرة بسهولة ، بعد جفاف لحائها من الداخل بسبب النقد .. وهي طريقة مُعتمدة منذ القِدم 

- وما دخل الشجرة بعلاقتي بك ؟!

مروى : هذا ما فعله والدي بي .. ربما ابدو لك كفتاةٍ مرحة وطبيعيّة من الخارج .. لكني ميتة من الداخل ، لا قلب ولا مشاعر لي ! الأفضل ان تركّز على البطلة ، فهي تهواك حقاً.. وهي صديقتي ، ولن اؤذيّها بهذا الشأن .. لذا رجاءً لا تجلس معي ان كنت وحدي ، فأنا لا اريد إثارة غيرتها


وأخذت حاسوبها وعادت الى غرفتها ، وهي تكتم حزنها..

فتمّتم البطل بشفقة : 

- والدك أضرّك لدرجة انك لم تعودي تصدّقي أن أحداً يعشقك بجنون ! يالك من مسكينة

***


وقبل سفرها بيوم.. ذهبت مع المصورين والبطليّن الى احدى الأحياء الشعبيّة ، لتصوير مشهدٍ هناك .. 

وابتعدت عنهم لشراء قارورة ماء.. وعند عودتها ، شاهدت رجلاً يصفع زوجته التي ارادت رؤية الممثلين.. 

وعندما اراد ضربها من جديد ، امسكت مروى يده بقوة :

- هل تستقوي على امرأة ، ايها الرجل الفحل ؟

الرجل غاضباً : وما دخلك انت ؟!!

فشدّت يده بقوّة ، حتى أوجعته :

- ما رأيك لوّ أكسرها لك ؟!!

فتدخّلت زوجته الخائفة : رجاءً با ابنتي ، لا تفعلي

فعاتبتها مروى : هذا ما جعله يتمادى ، لأنك تسكتين عنه

فإذّ بالرجل يُخرج سكينته من جيبه .. فقالت مروى بلا مبالاة :

- رائع !! يبدو انك بحاجة فعلاً لتأديب


وهنا لمحها البطل من بعيد .. وقبل ان يتجه نحوها ، سارع الرجل بالهجوم عليها ! لكنها استطاعت سحب السكين من يده ، وطرحه ارضاً ..

ليقوم البطل بفضّ النزاع بينهما ، ويأمر الكاتبة بالعودة فوراً للسيارة..

وآخر ما قالته مروى لزوجة الرجل : 

- الأفضل ان تضعي السمّ في طعامه.. فمن يكون حقيراً مثله ، لا يستحق الحياة


ثم عادت للسيارة بانتظار لمّلمة فريق العمل لأجهزة التصوير ، والعودة للقصر بعد توتّر المكان بتلك المشكلة !

***


وفي الطريق ، لامها البطل : 

- لما تدخّلتي بين الرجل وزوجته ؟ كان بإمكانه ان يؤذيّك

مروى : الرجل الذي يتطاول على امرأة ، جبان ولا خوف منه ..

البطل : عليك معاملة الناس بأنوثة ولطف

- يبدو ان وليد مازال يسيطر عليّ ! وستنتهي حياتي بشخصيّته القويّة ، الرافضة للظلم 


وهنا انتبهت الممثلة (التي بجانبها) على نزيف مروى الذي تسرّب اسفل معطفها السميك !

- هل طعنك فعلاً ؟!


فسارع السائق بالتوجّه للمستشفى ، بعد اكتشافهم الجرح العميق في كبدها !

مروى وهي تكتم ألمها : يبدو ان والدي يناديني من السماء ، لإكمال تمارينه الرياضيّة ! 

الممثلة وهي تضغط بشالها على الجرح :

- لا تتعبي نفسك بالحديث ، سنصل بعد قليل

مروى : لا تقلقوا ، فوليد لا يشعر بالألم

البطل بقهر : انت مروى ، ولست وليد !!

الممثلة بخوف : اللعنة ! خسرت الكثير من الدماء

مروى : إسمعوني جيداً !! أطلبوا من الكاتبة جديدة ان تُنهي الموسم الثاني بالكثير من المشاعر الصادقة بين البطليّن بعد زواجهما.. لا تحبطوا الجمهور بنهايةٍ سيئة ، كقصة حياتي القصيرة

البطل : انت ستنجين من هذه المصيبة !! لا تفكّري هكذا


لكن مروى تابعت كلامها اليائس : 

- إن متّ ، فحاكموا ذلك الأخرق .. واجعلوه عبرة للرجال الذين يقهرون النساء .. ووصيّتي الأخيرة : إحفروا على شاهد قبري ، العبارة التالية : ((ربّوا ابناءكم كما خلقهم ربهم ، فلا شي اسوء من اضّطراب الهويّة))

ثم تشاهدت ، قبل لفظ انفاسها الأخيرة !


الأحد، 24 ديسمبر 2023

ذبذباتٌ إجراميّة

كتابة : امل شانوحة 

الجهاز اللاّسلكيّ


كان جاك سعيداً بتركيبه جهازٍ لاسلكيّ بشاحنته لنقل البضائع ، لربما يُسلّيه على طول الطريق بين الولايتيّن الأمريكيتيّن


لكنه لاحظ بأن الجهاز لا ينقل فقط الإذاعات المتعدّدة ، بل يلتقط الذبّذبات المشوّشة لسيارات الشرطة ! بالإضافة للإتصالات القريبة من سيارته ، والتي تزداد وضوحاً بعد توجيهه الهوائيّ الى السيارة المراد التجسسّ عليها.. 


وبذلك استمع لأكثر من محادثة جوّال ، خاصّة عند توقفه عند اشارة المرور.. معظمها كانت مكالمات عادية بين السائق وعائلته.. وأحياناً تنصّت على مكالماتٍ عاطفيّة ، تبدو لأشخاصٍ مُغرمين او خائنين ! 


وبعد غروب الشمس .. لمح سيارةً فارهة تقترب منه ، فوجّه اللّاسلكي اليها .. ليظهر صوت السائق وهو يتحدّث بجوّاله ، بنبرةٍ جادة :  

- سأضع حقيبة المليون دولار امام الشجرة الضخمة ، وسط الحديقة العامة.. وفيها صورة الولديّن اللذيّن اخترتهما لمتعتي الشخصيّة .. اريد منكم ايصالهما الى قصري في منتصف الليل ، وبسرّيةٍ تامة


وأثارت المكالمة الغامضة إهتمام جاك الذي لاحقه عن بعد ، دون لفت انتباه الثريّ  الذي اوقف سيارته بجانب الحديقة .. ثم عاد اليها ، بعد ترك حقيبته الجلديّة هناك ! 


وما ان ابتعد الثريّ .. حتى نزل جاك من شاحنته ، ومعه الكشّاف للبحث عن المال .. الى ان وجد الحقيبة ، ويعود فوراً الى الطريق العام


وكانت فرحته عظيمة برؤية المليون دولار نقداً .. لكن فرحته تلاشت بعد رؤيته صورة الولديّن الصغيريّن بعيونهما الدامعة ، وملابسهما الممزّقة التي تؤكّد خطفهما من أسرٍ فقيرة ! حيث بدى على وجهيهما الخوف ، وهما لا يتعدّيان سن العاشرة ! ففهم ان الثريّ متورّط مع عصابة لبيع الرقيق..

جاك بغيظ : يالك من لعينٍ شاذّ !! سأعاقبك على فعلتك


واضّطر جاك للإتصال بوالده (الشرطي المتقاعد الذي لم يحدّثه منذ سنوات ، بعد حرمانه من الميراث ، بنيّة الإعتماد على نفسه ! بعد ان كان مُدلّلاً من امه المرحومة)


وأخبره عن المكالمة التي سمعها بالصدفة من اللاّسلكي ، وحصوله على رقم سيارة الثريّ التي أرسلها اليه ، دون إخباره عن الحقيبة الماليّة

فاتصل والده بزملائه القدامى الذين لاحقوا السيارة .. وقبضوا على الثريّ في الميناء وهو يتجادل مع افراد العصابة الغاضبين ، لعدم إيجادهم الحقيبة في مكانها !


وخلال اسابيع .. أُلقيّ القبض على اكبر عصابة لبيع الرقيق ، مع اسماء الأثرياء المتورّطين معهم ! وأُعيد بعض الأطفال المخطوفين الى ذويّهم .. بينما أكثريّتهم من مجهولي الهويّة ، فأرسلوا الى دار الأيتام !

***


بعد انتهاء القضيّة ، شكر جاك والده على اهتمامه بالموضوع .. 

واثناء توديعه ، سأله والده عن سيارته الجديدة : 

- هل أجرة نقل البضائع مرتفعة ، لدرجة شرائك سيارةً غالية؟! 

فأجابه جاك بتوتّر : 

- منذ البارحة وانت تلمّح على الموضوع ! 

- الثريّ الذي حققّوا معه ، يصرّ أنه وضع المال .. 

جاك مقاطعاً بعصبيّة : لا شأن لي بالعصابة !! انا أجمع ثمن السيارة منذ مدةٍ طويلة .. وبدل ان تباركها لي ، تشكّك بإبنك كعادتك 

- لم أقصد هذا .. جاك ! الى اين تذهب ؟ 

لكنه ركب سيارته غاضباً ، وابتعد عن منزل والده

*** 


ما لا يعلمه جاك : ان احد افراد العصابة لاحق سيارة الثريّ ، ولمح جاك وهو يسرق الحقيبة .. لكنه ألغى فكرة قتله ، بعد معرفة تبليغه الشرطة للقبض على العصابة .. وتابع مراقبته ، في انتظار الوقت المناسب لعقابه 


وذات يوم ، وبعد خروج جاك من المطعم مساءً ..

تفاجأ بمسدسٍ موجّه على مؤخرة رأسه ، بعد تسلّل المجرم الى سيارته الجديدة .. قائلاً بحنق : 

- أتصرف مالنا على رفاهيّتك ، ايها القذر ؟!!

جاك بخوف : لا تقتلني رجاءً ، انا لم اصرف سوى ربع المبلغ .. وسأعطيك الباقي 

المجرم : وكيف ستسدّد ما صرفته ، يا سائق الخضار ؟ .. هيا أدرّ المحرّك!!

جاك برعب : الى اين ؟! 

- الى الميناء !! فنحن على علاقة بتجّار الأعضاء البشريّة.. وطالما انت شاب ببنيّةٍ صحيّة ، سنبيع كل اعضائك بالسوق السوداء .. هيا تحرّك قبل ان أفجّر رأسك !! 


وقاد جاك سيارته مُرتجفاً ، وهو لا يعلم أن والده (الذي شكّ بتورّطه بالعصابة بعد تحسّن احواله الماديّة المُفاجئة) وضع جهاز تنصّت بسيارته التي يلاحقها الآن باتجاه الميناء ، بعد طلبه الدعم من الشرطة ..


فهل سيتمكّن من إنقاذ ابنه ، قبل شحنه لدولةٍ اخرى كقطع غيار ؟! ..وهل ستكون بدايةً جديدة بين الأب وابنه ؟ ام ستنتهي علاقتهما بنهايةٍ مُفجعة ؟!


الجمعة، 22 ديسمبر 2023

الطب عبر العصور

تأليف : امل شانوحة 

آلة السفر بالزمن


زار طبيبٌ متخرّج حديثاً ، جرّاحاً مُتقاعداً :

- لوّ سمحت دكتور ، اريد التتلّمذ على يديك

الجرّاح : انا كبرت بالسن ، واستقلت من عملي 

- اعلم ذلك .. لكنك الطبيب الأول في بلادنا ، وربما في العالم كلّه

- انت تبالغ

الطبيب : لا سيدي ، فقد قمت ببحثٍ شامل عن أفضل اطبّاء العالم .. وانت الوحيد الذي نجحت جميع عمليّاته دون اخطاء ! حتى اصعب الحالات ، إنشفت على يديك ..واريد تعلّم مهارتك النادرة .. فحلمي ان اكون بارعاً مثلك ، وأنقذ اكبر عددٍ من المرضى

الجرّاح : يُعجبني حماسك .. لهذا سأوافق على طلبك ، لكن بشرط !! ما سأخبرك به ، يبقى سرّاً بيننا

فاستغرب الشاب من سرّية خبرته ! ومع ذلك وافق على كتمان الأمر 

***


ثم أخذه الجرّاح الى قبوّ فلّته .. ليجد في الزاوية ، كرسي خشبيّ داخل آلةً حديديّة على شكل كرةٍ صدئة !

الشاب بدهشة : ماهذه ؟!

الجرّاح : آلة سفرٍ عبر العصور 

- انت تمزح !

الجرّاح بحزم : إن اردّت الإستهزاء ، فعُدّ من حيث اتيت !!

الشاب : لا سيدي .. كنت اتساءل فقط ، إن كان بالإمكان الإنتقال للمستقبل بهذه الآلة المُهترئة ؟! 

- هي فقط تُعيدك للعصور القديمة .. فالعالِم الذي اخترعها ، مات قبل تحديثها  للإنتقال الى المستقبل 

- وماذا سنستفيد بالعودة للوراء ؟! فالعلوم الطبيّة في زمننا ، متطوّراً بأشواط عن العصور المُتخلّفة ! 

الجرّاح : وما كان ليتطوّر لولا الأوبئة الخطيرة التي أصابت البشريّة في العصور الماضية .. تخيّل إمكانية علاجك للمرضى القدامى بخبرتك الحاليّة ، حينها ستنقذ الآلاف منهم.. اليس كذلك ؟

- وهل الآلة مضمونة لإعادتي الى هنا سالماً ؟

- بصراحة لم استخدمها منذ عشرين سنة.. وهي السبب في زيادة خبرتي الطبيّة


الشاب : وهل أنقذت المرضى السابقين ؟

- الكثير منهم.. لكني لن اخبرك الطريقة ، لأنه عليك اكتشافها لوحدك لتطوير مهارتك.. هيا اجلس في الآلة 

فوقف الشاب مُتردّداً امامها ! 

الجرّاح : يبدو انني أضيّع وقتي .. يمكنك الذهاب ، وأيّاك إخبار احد بآلتي

- لا !! اريد تجريبها حقاً  

وجلس على الكرسي ، وهو يشعر بالقلق !


وقبل إغلاق الكرة عليه .. وضع الجرّاح امام قدميه ، حقيبة سفرٍ صغيرة .. قائلاً : 

- ستجد فيها مِجهراً متطوّراً لاكتشاف الجراثيم والميكروبات .. وبعض المحاليل الكيميائيّة لتركيب عقاقير ، لأهم امراضهم المُعديّة .. كما وضعت لك بحثاً ورقياً عن الإكتشافات التي ساهمت بالعلاجات الفعّالة .. اما كيفيّة تحضير الدواء ، فمتوقف على براعتك..

الشاب بقلق : وهل ممكن أن أُعدى بأمراضهم ؟! 

- إحتمال وارد


ثم اغلق الجرّاح بابيّ الكرة الحديديّة عليه .. فناداه الشاب من الداخل:

- سيدي !! ماذا سيحدث الآن ؟

الجرّاح : ستدور الآلة حول نفسها بسرعةٍ كبيرة ، لهذا ضعّ حزام الأمان.. وعندما تتوقف عن الحركة ، تكون وصلت لأحد العصور القديمة 

- أيّ عصر ؟!

- الآلة هي التي تختار لك ، فهي مُبرمجة على اكثر العصور تضرّراً من الأوبئة المُعديّة.. لكنها بالعادة تأخذك لعصرٍ قديم ، ثم لعصورٍ تليها .. الى ان تعود لحاضرنا .. بالتوفيق لك !!

وبالفعل دارت بقوّة لعشرات المرات ، قبل توقفها !

***


حين فتح الطبيب الشاب باب الكرة ، وجد نفسه داخل بيتٍ صغير ! 

فخرج منه .. ليجد نفسه في شارعٍ مُرصّفٍ بالبلاط الصغير ، الخاصّ بعربات الخيول ..اما المارّة فيلبسون زيّاً قديماً ، يُشبه ما شاهده بكتب التاريخ ! 

فتساءل بنفسه :

((ترى في أيّ عصرٍ انا ؟!))


ولم يأخذ منه وقتٌ طويل لمعرفة التاريخ ، بعد رؤيته الحرّاس يجلدون شخصاً مجذّوماً لإجباره على ركوب العربة الحديديّة ، التي تبدو كسجنٍ صغير ! وحسب كلام الناس المُتجمّهرة هناك .. عرف انه في فرنسا ، بزمن الملك فيليب الخامس الذي أصدر حكماً بحرق المجذّومين ! 


ولأنه يتقن اللغة الفرنسيّة .. أقنع رئيس الحرس بأخذه للملك ، كونه طبيباً شهيراً قادماً من انكلترا (كما ادّعى) وانه على وشك إكتشاف علاجٍ فعّال للجذام ، لكنه يحتاج لبعض الوقت لتركيب العقار .. لذا عليه إقناع الملك بتأجيل عمليّة الحرق الجماعي للمجذّومين


وبالفعل اقتنع الملك بالتأجيل بعد إمهال الطبيب الشاب اسبوعين فقط ، لإيجاد العلاج للمرض المُعدي المُقزّز !

وسمح له بسكن إحدى غرف قصره ، لمتابعة ابحاثه الطبيّة 


وهناك قرأ الشاب البحث الورقي الذي اعطاه إيّاه الجرّاح (الذي وجده في الحقيبة)

قائلاً في نفسه :

((حسب المكتوب بالبحث : فالجذام ظهر في عام 1321 في فرنسا ، أيّ قبل عقود من الطاعون الأسود ! وهو مرضٌ بكتيريّ مُعدي .. والعلاج اكتشفه جيرهارد أرماور هانسن ، بعد اكتشافه عام 1873 الفطريّة الجذاميّة ، بمضاد حيويّ يُسمى دابسون))

ثم قال بضيق : 5 قرون بين المرض واكتشاف العلاج ! لا ، عليّ تركيب عقار دابسون بالحال 


وفتح الحقيبة الجلديّة التي فيها المحاليل الكيميائيّة التي يحتاجها للدواء ، عدا عن المجهر المتطوّر الذي سيُعاين فيه عيّنات لبعض المرضى المحبوسين في زنزاناتٍ قذرة ، لحين إعدامهم ! 


وبالفعل استطاع علاج الأشخاص المصابين بالجذام في مناطق معينة من اجسادهم .. لكن من تفاقم مرضه بكافة جسمه ، فلم يستطع إنقاذه من الإعدام وحرق جثته ! مما اصابه باليأس ، فهو كان يأمل بإنقاذ اكبر عددٍ من المرضى .. لكن يبدو ان بعضهم مقدرٌ له الموت!


وعاد مُحبطاً للآلة المُخبأة داخل بيتٍ فارغٍ صغير ، وجلس فيها على امل عودته لفيلا الجرّاح لإخباره بما حصل

***


بعد دورانه عدّة مرات ، خرج من الآلة التي وجدها هذه المرة مُخبّأة في مخزنٍ مهجور ! 

وما ان خرج للشارع ، حتى لاحظ امرين : اولاً الفقراء يحمون وجوههم بالشالات الباليّة .. بينما الناس الأغنياء (حسب ملابسهم) يضعون قناعاً غريباً على وجوههم ، يُشبه المنقار !


فعلم فوراً إن الآلة نقلته لعصرٍ اسوء بكثير : عصر الطاعون الدبلي او «الموت الأسود» ! الذي بدأ عام 1347 ، وحصد أرواح ثلث سكّان أوروبا !


اما الأمر الثاني الذي لاحظه : هو امتلاء الشوارع بالفئران ! عدا عن الذباب والبعوض المنتشريّن في الجوّ ، والّلذان يساعدان بنقل المرض من القوارض للبشر


وهنا اقترب منه الشرطي معاتباً :

- انت يا سيد !! لما لا تضع القناع الواقي ؟ 

الشاب : لكني لاحظت ان ليس كلهم يضعون قناعكم المخيف ! 

- اولئك الفقراء ، ولا يهمّنا امرهم .. لكنك تبدو من الطبقة المخمليّة ، والأفضل ان تضع واقياً على انفك وفمك ، كيّ لا تصاب بالطاعون المُتفشّي بيننا

الشاب : بل انا من عليّ سؤالك .. كيف تتركون هذه الفئران حيّة ، وهي السبب الرئيسي لانتشار الطاعون

- لا !! الطاعون انتشر بسبب السحرة ..وقد احرقنا معظمهم .. ونبحث على البقيّة المُختبئين في الغابات والأودية .. وحين نقتلهم جميعاً ، تنتهي اللعنة على بلدنا 

الشاب : انا طبيبٌ محترف ، وأعلم جيداً بأن القوارض هي السبب الحقيقيّ لانتشار مرضكم المميت 

الشرطي : طالما طبيب ! فسآخذك عند رئيس البلدية ، لتخبره بشكوكك .. لكن ضعّ واقيّاً اولاً ، لحماية نفسك 


فأخرج الطبيب من جيبه قناعاً طبّياً حديثاً ..

الشرطي بدهشة : ماهذه القماشة الزرقاء ؟!

الشاب : ستنفع بحمايتي ، لا تقلق بشأني


ورغم إصرار رئيسهم بأن السحرة هم السبب ، لكنه وافق على وضع إعلان عن جائزةٍ ماليّة لمن يقتل اكبر عددٍ من الفئران .. كما معونةً غذائيّة لمن يساعد بتنظيف الطرقات من النفايات المنتشرة بكل مكان ! 


وسرعان ما انشغل الفقراء بقتل الفئران ، وتنظيف المدينة بأكملها خلال ايام ! بينما انشغل الطبيب بصنع تركيبته الكيميائيّة لعلاج الطاعون .. ((فبعد مراجعته ملف الجرّاح ، إستنتج أن هذا المرض استمرّ طويلاً ! الى ان اكتشف ألكسندر اميل جان يرسين ، طبيبٌ وعالم بكتيريّات فرنسي سويسري العصيّة المسؤولة عن الطاعون الدملي عام 1894)) 

والمعلومات التي وجدها بالبحث ، ساعدته على تركيب العقار الشافي

 

ومن بعدها ذاع صيت الطبيب الشاب في كل مكان ، بعد علاجه اوروبا بأكملها من المرض الأسود.. 

وعندما تلقى دعوةً من الملك الظالم (المعروف بقتله المشاهير ، لنرجسيّته المُفرطة) اسرع الطبيب الى الآلة المُخبّأة في المخزن المهجور ، وهو ينوي العودة لفيلا الجرّاح..

***


وإذّ به ينتقل للقرن الثامن عشر ! عرف ذلك فور رؤيته اشكال المرضى في الشارع ، بينما المارّة يحاولون تجنّبهم وهم مُشمئزّين من حكّهم الدائم لجلودهم المليئة بالجدري المًعدي الذي قتل 400,000 الف شخصٍ سنوياً في اوروبا 


ومن حسن حظهم أن الطبيب يحفظ علاج هذا المرض جيداً ، لأنه درسه بالجامعة .. قائلاً في نفسه :

((على ما أذكر انه في عام 1796 قدّم إدوارد جينر ، لقاح الجدري الحديث بعد أخذه عيّنة من قيح مرض الجدري المميت ، صانعاً منه الطُعم الشافي .. جيد ان المحاليل الكيميائيّة اللازمة لذلك العقار في حوذتي .. سأبدأ بصنعها حالاً)) 


واستطاع تأجير غرفة ، بعد رهنه ساعته الفضيّة .. وفي غرفته ، قام بتركيب الطُعم التي وافقت صاحبة النُزل على تجربتها على ابنها الذي يحتضر بعد إصابته بالحمّى من أثر الطفح الجلديّ .. وفور تعافيه ، إنتشر الخبر بين الناس .. ووصل للمسؤولين الذي وفّروا له كل ما يلزم لصنع اكبر قدرٍ من التطعيمات التي انقذت آلاف البشر .. وعاد لآلته المُخبّأة في الغابة ، وهو ينوي إخبار الجرّاح بإنجازاته الفخور بها

***


لكن الآلة نقلته لسنة 1917 (قبل عام من انتهاء الحرب العالميّة الأولى) حيث تطوّع لعلاج آلاف الجنود المصابين داخل المستشفيات المُتنقّلة .. 

وكان مُجبراً على تقسيم الجرحى بين ما يمكن إنقاذه ، وبين من يدعه يموت لقلّة الأدوات الجراحيّة والأدوية الطبيّة  !


وقد حاول جاهداً إنقاذ العديد منهم ، لكنه اضّطر احياناً لبتر اعضاء الجنود اليافعين الذين كان بالإمكان علاجهم لوّ أصيبوا بزمنٍ غير الحروب ! مما خلّف العديد من الشباب المعاقين المُحطّمين نفسيّاً !


بعدها عاد مُنهكاً للآلة ، وهو يتمنّى العودة لعصره بعد أن أتعبته التجربة الصعبة

***


لكن الآلة دارت لفّتين فقط ، قبل توقفها من جديد !

وحين خرج منها ، سأل احد المارّة عن التاريخ .. ليعلم انه انتقل سنةً واحدة للمستقبل ! وأصبح بعام 1918 ، بعد شهور من انتهاء الحرب!

فتساءل بنفسه باستغراب :

((لما لم تنقلني الآلة لعصرٍ مُغاير ؟!))

 

وبدأ بسؤال الناس ، حتى عرف عن انتشار مرض الإنفلونزا الإسبانيّة التي أصيب بها خلال شهورٍ قليلة : 500 مليون شخص ، بينما توفيّ ما بين 50 إلى 100 مليون شخصاً ! وهو رقمٌ مهول ، يُضاف الى ضحايا الحرب العالميّة الأولى ! 

والأسوء ان معدلات الوفاة مرتفعة عند الشباب البالغين الذين امتلأت رئتهم بالسوائل ! 


فأخرج الطبيب الملف من حقيبته ، وفتحها على قسم الإنفلونزا الإسبانية .. ليجد ان علاجها تأخّر حتى سنة 1928 ، بعد اكتشاف المضاد الحيويّ البنسلين لعلاج فيروس الإنفلونزا H1N1...

الشاب بحماس : البنسلين !! أحفظ تركيبته جيداً .. لكن عليّ الإنتقال اولاً الى المرضى 


وسأل الشرطي :  

- لوّ سمحت !! خذني الى المعسكر مرضى الإنفلونزا ، فأنا طبيبٌ محترف

الشرطي : أحقاً ! نحن بحاجة لأطباء ، لعلاجنا من هذا المرض المميت.. لكن عليك حماية نفسك ، فهو مُعدي جداً

فوضع كمّامته الزرقاء ، قائلاً :

- لا تسأل ، هي فعّالة للغاية.. هيا خذني اليهم


وأخذه للمعسكر المليء بالمرضى الذين يسعلون بقوةٍ ، وتعبٍ شديد.. وطلب الطبيب من المسؤول عنهم ، غرفةً خاصة لبدء تركيبته لعلاج مرضهم ..


وفي غرفته الصغيرة .. إستعان بالمحاليل الموجودة بحقيبة الجرّاح .. كما عيّنات المرضى ، لمراقبتها تحت المجهر المتطوّر الذي اخفاه عن بقيّة الأطباء هناك ، لعدم انكشاف امره .. 


ولم يمضي يومان ، حتى أنجز مهمّته الصعبة .. وطلب مُتطوّعاً لتجربة الحقنة عليه ..فخاف المرضى من فشل الطبيب (الجديد على منطقتهم) .. 

فرفع عجوزٌ يده : 

- انا احتضر بجميع الأحوال.. جرّبها عليّ


وبعد الحقنة .. غفى العجوز بنومٍ عميق ، بعد تخلّصه من السعال المزعج ... وانتظر الجميع نتيجة العلاج ، التي ظهرت في اليوم التالي بعد شعور العجوز بنشاطٍ مفاجىء ! مُنادياً بعلوّ صوته :

- لقد نجح العلاج !! لم اسعل منذ البارحة .. انا بخير !!


فطالب الجميع الطبيب الشاب ان يعالجه بحقنته السحريّة لإنقاذه من الموت.. خاصة اهالي الأطفال المرضى .. 


فجمع بقيّة الأطباء في مختبرٍ طبّي بدائي ، لصنع اكبر كمية من العقار الشافي ..وحقنوا اولاً المرضى ، الذين تعافوا خلال ايام .. ثم بدأوا بحقن بقيّة السكان لحمايتهم من المرض المميت ... وسرعان ما انتقلت تركيبته الكيميائيّة للبلدان المجاورة للوقاية من الإنفلونزا القاتلة .. 


وخلال اسابيع ، إنشهر الطبيب الشاب بالصحف الورقيّة بعد اكتشافه علاج المرض المُعدي.. وعندما ارادوا معرفة المزيد عنه ، وسؤاله عن ثيابه المختلفة عنهم ..خاصّة بعد اكتشاف احد الأطباء لمجهره المتطوّر .. تسلّل ليلاً بالطرقات الفارغة ، للعودة الى الكوخ الصغير على اطراف المدينة .. وجلس في آلة الزمن ، ليدير مفتاحها ..وهو يأمل العودة لفيلا الجرّاح ، وإخباره بما حصل 

***


وبالفعل عاد الى قبوّ فيلّا الجرّاح الذي وجده يشرب الشاب ، وهو يسأله :

- كيف وجدّت التجربة ؟

الشاب بصدمة : هل انتظرتني هنا لشهور ؟!

فنظر الجرّاح لساعته :

- انت غائب منذ نصف ساعة فقط

- أمعقول انني تنقّلت بين أربعة عصور بنصف ساعة ؟ هذا مستحيل!!

- نعم ، فالآلة اسرع ممّا تتصوّر .. لم تخبرني بعد ، كيف كانت النتيجة ؟ هل مازلت تريد إنقاذ البشريّة كلها ؟! 

الشاب بخيبة امل : يبدو الأمر مستحيلاً

- طبعاً ، فهناك من سيُصاب بإعاقة او مرضٍ مزمن ، وحتى الموت ..وهو شيء ليس بأيدنا ، فلا تلمّ نفسك .. كل ما عليك فعله ، هو علاجهم قدر الإمكان .. والباقي ، أتركه للقدر .. 


الشاب : لكنك الطبيب الوحيد الذي لم يمت أحد على طاولته الجراحيّة طوال مسيرتك الطبيّة ؟

الجرّاح : هذا لأنني لا اعالج المُحتضرين.. فكلما تعمّقت بهذا المجال ، سيصبح لديك خبرة لمعرفة من يمكن إنقاذه او لا .. فاخترّ مريضك بعقلك ، لا بعاطفتك..

- وهل ندمت يوماً على ذلك ؟

- ندمت مرة ، بعد رفضي إجراء عملية جراحيّة لأمي بسبب فحوصاتها المُخبريّة السيئة ، لأني لم اردّ موتها على يديّ .. لكن كلمتها الأخيرة أحزنتني : بأنها لم تستفد شيئاً من علم ابنها الذي فضّل سمعته الطبّية على إنقاذ والدته !

الشاب : لا تلمّ نفسك ، فحالتها كانت صعبة (كما اخبرتني) ولا مجال لإنقاذها

- ليتني حاولت بدل إنسحابي المُخزي .. (ثم تنهّد بضيق).. على كلٍ ، هل استفدّت من تجربتك الغريبة ؟

- يعني ، أصبحت اكثر خبرة بالتعامل مع المرضى

الجرّاح بفخر : أحسنت !! والآن يمكنك خوض معاركك الطبيبّة ، وانت على ثقة من نجاحك بعد تجربتك للعلاجات القديمة.. (ثم وقف للسلام عليه) .. عُدّ الى منزلك ، لترتاح قليلاً.. ورجاءً لا تخبر احداً بهذه الآلة.. اساساً خرج منها دخان قبل توقفها عن الدوران ، وأظنها تعطّلت نهائياً ! لهذا سنظهر كغبيّن إن اخبرنا الناس والإعلام بتجربتنا الغريبة


فوعده الشاب بكتمان السرّ .. وعاد الى منزله وهو يأمل بتفوّقه على زملائه في نجاحاته القادمة ، بعد اكتسابه خبرةً طبيّة من تجربته الفريدة .. والأهم من ذلك ، أنه سيحاول جاهداً لعلاج أكبر قدرٍ من المرضى حول العالم ! فهي نيّته منذ التحاقه بكليّة الطبّ .. والتي لن يعرف قيمتها سوى من يملك في قلبه ، الرحمة الإنسانيّة النادرة ! 


التمثيل الهادف

تأليف : امل شانوحة  المشهد المصيري في ذلك الصباح .. تفاجأ طلاّب معهد التمثيل بدخول سعيد (أشهر ممثل سينمائي) إلى قاعة المحاضرات ، وهو يسأل عن...